المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌إن الشريعة الإسلامية أتت بنظام في الميراث لم تسبق بمثله - شريعة القرآن من دلائل إعجازه

[محمد أبو زهرة]

الفصل: ‌إن الشريعة الإسلامية أتت بنظام في الميراث لم تسبق بمثله

‌إن الشريعة الإسلامية أتت بنظام في الميراث لم تسبق بمثله

ولم يصل إليه من بعد لاحق، ولا يزال إلى اليوم أدق الموازين في توزيع التركات، وأحكمها في تحقيق العدالة بين الوارثين.

وإن أول ما يلاحظه الدارس لكتب الله وسنة رسوله أنه جعل نظام التوريث إجبارياً في الثلثين، وجعله اختيارياً في الثلث، فجعل للمورث الحق في الثلث يتصرف فيه بعد الموت بالوصية لمن يشاء، والأثكرون على أن ذلك الثلث إن أراد الوصية فيه لا تكون لوارث حتى لا يغير قسمة الله التي قسمها، وذلك لقوله عليه السلام:"إن الله فرض الفرائض وأعطى كل ذي حق حقه فلا وصيى لوارث" ولأن إعطاء بعض الورثة بالوصية دون الآخر تغيير لقسمة الله في المواريث والفرائض، فبدل أن تكون للبنت النصف يكون لها النصف والثلث، ولقد قرر ذلك النظر جعفر الصادق رضي الله عنه، والحكم كذلك في كل المال إن لم تكن وصية يكون إجبارياً بالنسبة للوارث، ولقد قرر الفقهاء أنه لا شيء يدخل في ملك الشخص جبراً عنه إلا الميراث.

ولقد جعل الشارع الوراثة الإجبارية في الأسرة لا تعدوها، أراد المورث ذلك أم لو يرده، لأن ذلك من عمل الشارع الحكيم، لأنه أراد أن يصل العلاقات في الأسرة بالمودة العاطفية وبالمال يساعد بعضها بعضاً به في الحياة ويخلف القريب قريبه فيه بعد الوفاة،

ص: 45

وقد أمر الشارع القريب الغني بالإنفاق على قريبه الفقير نشراً للمودة في القريى، وجعل الميراث بعد الوفاة ليكون التعاون في جمع المال كاملاً كما تكون المودة كاملة، وجعل نفقة الأقارب والميراث يسيران في خط واحد لأنهما ينبعان من أصل واحد، فمن كانت تجب عليه نفقته إذا احتاج، هو الذي يرثخ لو مات غنياً، لأن الغرم بالغنم والحقوق والواجبات متقابلة وإن ذلك من قبيل محافظة الشارع الإسلامي على الأسرة، لأنها وحدة البناء الإجتماعي، وإنه في الوقت الذي تنحل فيه الروابط في الأسرة ينتدئ الانحلال في المجتمع، وأن الذين يغيرون على المبادئ الاجتماعية السليمة يجعلون الأسرة هدفهم، يحلونها ليحلوا عرا المجتمع عروة عروة، وإن جعل الشارع الإسلامي الوراثة في الأسرة مجتمعة على أن يكون بعضها أولى من بعض نظر متوسط بين نظر الاشتراكين الذين يمحون التوارث محواً تاماً، ولا يعتبرون للشخص إلا ما كان كسبه بيده، وبين نظر الإقرار بين الذين يجعلون للمالك سلطاناً في ماله بعد وفاته، يتصرف فيه كما يشاء، كما كان له سلطان في حياته، وفي كلتا النظرتين إطراح للأسرة أو نظرة لها من أضيق آفاقها كما هو الشأن في الشرائع التي جعلت الميراث الإجباري في الفروع وحدها، وبقدر ليس بكثير، لقد جاء الشارع الإسلامي وسلب من المورث الإرادة في الثلثين، وترك له الثلث

ص: 46

يتصرف فيه بالمعروف كما شاء، وما سلب منه الإرادة في الثلثين إلا ليحمي الأسرة وليعطيها ما له بالقسطاس المستقيم، ولكيلا يكون في الأسرة جفوة بسبب المنع والإعطاء، إن ترك ذلك للمورث.

وإن التوزيع الذي تولاه الله في كتابه العزيز يقوم على دعائم ثلاث:

أولاها: أنه يعطي التركة للأقرب الذي تعتبر حياته امتداداً لشخص المتوفي من غير تفرقة بين كبير وصغير، ولذلك كان أكثر الأسرة حظاً في الميراث الأولاد، ومع ذلك لا ينفردون بالميراث، بل يشاركهم فيه غيرهم، ولكن لا يكون مجموع ما يستحقون أقل من النصف، وإن مشاركة غيرهم بنحو النصف هو لمنع تجميع المال في جانب، فالأبوان يأخذان الثلث، ثم يكون بعدهما لأولادهما وهم إخوة المتوفي الذين يئول إليهم نصيب الأبوين، فيكون الاشتراك في المال بدل الانفراد، وإن لم يكن أبوان فقط يأخذ الإخوة مع الأولاد كالخال، إذا كان فرع أنثى فمع الميراث يكون للأقرب لم يكن الإعطاء على سبيل الاستئثار بل على سبيل الاشتراك.

وثانيتها: الحاجة، فيكثر القدر في الميراث كلما كانت الحاجة أشد،

ص: 47

ولعل ذلك هو السر في أن نصيب الأولاد أكثر من نصيب الأبوين، مع أنهم في درجة واحدة من القرابة، بل إن الأبوين لهما نوع ملك في مال ولدهما لقوله عليه السلام:"أنت ومالك لأبيك" ولكن حاجة الأولاد إلى المال أشد لأنهم في غالب الأحوال ذرية ضعاف، خصوصاً إذا كان الأبوان على قيد الحياة وهم يستقبلون الحياة والأبوان يستدبرانها، ولهما في الغالب فضل مال محاجتهما إلى المال كحاجة الذرية الضعاف، وما يرثه الأبوان يكون لأولادهما، وهم في الغالب كبار، وسيرثون الأب في الطريف والتالد من المال بينما الذرية لا ترث شيئاً.

وإن ملاحظة الحاجة هو السبب في أنه كانو ميراث الذكر ضعف ميراث الأنثى، لأن التكليفات المالية على الزوج دائماً، وليس على المرأة تكليفات مالية كتكليفات الرجل، والفطرة التي أقرتها الشريعة تجعل المرأة قوامة على البيت، والرجل عاملاً كادحاً في الحياة، وهذا بلا شك يجعل حاجة المرأة إلى المال دون حاجة الرجل، ولا شك أن التفاوت لتفاوت الحاجة عدل، والمساواة عند تفاوتها ظلم، وهي من المساواة الظالمة لا العدالة.

ثالثتها: أن الشريعة الغراء بنص القرآن وصحيح الحديث تتجه بالميراث إلى التوزيع دون التجميع، كما أشرنا، فالقرآن لم يجعل الميراث في وارث واحد يستبد به دون الباقين، فلم يجعلها

ص: 48

للولد البكر، ولم يحعلها للأبناء دون الآباء، بل وزع التركة بين عدد من الورثة، والصور التي يستبد فيها وارث بالتركة نادرة جداً، وهي تكون حيث يقل الأقارب، وما كان نظام التوريث ليخلق القرابة بل يوزعها بالعدالة والقسطاس بين القرابة فيوزع بمقدار قربها وقوتها، ولذا ترى الأولاد حميعاً يشتركون في الميراث بحكم القرآن، وقد يشاركهم أولاد الأولاد وإن كان آباء، فإنهم يشاركونهم لا محالة وكل ذلك فيه توزيع لا تجميع.

وإذا انتقل الميراث من عمود النسب إلى الحواشي يوزع بينهم من غير أن تستبد قرابة دون قرابة، فإذا كان إخوة أشقاء ولأب ولأم، وزع بينهم الميراث، فأولاد الأم يأخذون عند وجود الأشقاء مع تعارف الناس جميعاً على أن الأشقاء أقوى قرابة، ولكن قرر القرآن ذلك لكيلا تتحيز التركة في جانب واحد، وفوق ذلك يكون في ذلك إعلان لنصرة الأمومة وقوة علاقتها، وأنها تربط بين أولادها كما يربط فيشعر الإخوة الذين تربطهم الأم بأنهم في قوة القرابة بدرجة تقرب من قوة الأب، وإن هذا قد يؤدي إلى ألا ينفر الأولاد من زواج أمهاتمهم، ولا يعضلوهن لتوهم عار أو نحوه، لأنهم يعلمون أنهم بهذا الزواج يصلون قرابات بقرباتهم، ويزيدون الأنصار والأولياء، وإنهم يرثون بمقتضى أحكام القرآن مع وجود الأم، فيكون للأم

ص: 49

وأولادها من غير أبي المتوفي بذلك قدر موفور من التركة، يصل إلى نصفها أحياناً، وما يئول للأم يئول إليهم بعضه، فيكون لهم قدر كبير.

ومما بني على هذا المنهاج الذي سلكه القرآن هو توزيع التركة بين الأقربين دون تجميعها، ما استنبطه الفقهاء من أحكام القرآن من أن مَن اتصل بالمبيت من طريق وارث لا يرث مع وجود من اتصل به، إذ لو كان كلاهما يرث فيرث الابن وابنه أو الأب والجده، لكان ذلك جمعاً للتركة في حيز واحد، أو على الأقل يكون جمعاً لشطر كبير منها في ذلك الجانب، والقرآن وزع التركة وعمم في التوزيع للقرابة القريبة، ثم التي تليها، ثم البعيدة، تقوية لدعائم الأسرة، ووصلا لحبل المودة، وتقريباً للبعيد، ولقد أخر الإسلام ذوي الأرحام في الميراث، وهم الذين تتصل قراباتهم بالميت عن طريق النساء، فيما عدا الإخوة لأم، لأن هؤلاء ينتمون إلى أسر أخرى غير أسرة المتوفي، ولهم غالباً ثروات آلت أو تئول إليهم من طريق تلك الأسر، فكان المعقول ألا يزاحموا الذين ليست لهم أسرة أخرى، ينالون الميراث عن طريقها، فبنت البنت لا تزاحم بنت الابن لأن هذه ليست لها أسرة تنال منها ميراثاً غير أسرة أبيها، أما ابنة البنت فأسرة أبيها قد= يكون فيها فضل مال يغنيها.

ص: 50

إن قسمة المواريث قولاها القرآن بنصوصه الصريحة في الأرقام، فهي قسمة الله العادلة وتوزيعه الحكيم، ولم يعرف البشر توزيعاً قريباً منه في عدله، وقد تولى سبحانه بيانها لكيلا يصل الناس، لإغن تركوها بعد البيان فعن بينة تركوها، وقد قال سبحانه بعد بيان المواريث:{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}

* * *

ص: 51