المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌وإذا كانت شريعة القرآن كفلت حرية التدين لمخالفيه - شريعة القرآن من دلائل إعجازه

[محمد أبو زهرة]

الفصل: ‌وإذا كانت شريعة القرآن كفلت حرية التدين لمخالفيه

على سواء، وقرر أنه ليس في الكتاب أو السنة ما يدل على إهدار شهادته، وأكثر الفقهاء على أنه يقتل الحر بالعبد كما يقتل العبد بالحر، ووكل الفقهاء على أن له حقوقاً على مالكه، وأن له أن يشكو من مالكه من سوء المعاملة، ويقضي له إن كانت الشكوى في موضعها وهو مطالب بكل التكليفات الشرعية.

وفي الجملة: إن القرآن اعتبره إنساناً له كل حقوق الإنسان، وعليه كل واجباته، ولم يعتبره صنفاً منحطاً كما اعتبره "أرسطو" في القديم، بل جعله أقرب إلى الله من الأحرار إن كان فيه خيراً، ولم يعتبره جنساً أقل من بقية الأجناس كما اعتبر الأمر يكان الجنس الأسود كذلك، لأن القرآن تنزيل من حكيم حميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

* * *

‌وإذا كانت شريعة القرآن كفلت حرية التدين لمخالفيه

في ظل حكومته بقدر لم يعرف في التاريخ إلى اليوم.

وكفلت حرية الفكر، وحرية العمل، والحرية الشخصية، لا سيما حرية الضعفاء.

فإن الشريعة القرآنية كفلت للمرأة حرية كملت بها إنسانيتها في دائرة الحياة التي حصصتها الفطرة الإنسانية لها.

ص: 65

كانت المرأة في البلاد العربية - قبل الإسلام - متاعاً أو كالمتاع، لم يكن لها حقوق قبل وليها، يزوجها من يشاء، وليس لها رأي في أي أمر من أمورها، ولا تستحق شيئاً من ميراث، فإذا انتقلت من أسر الولاية الأبوية أو ما يتشعب عنها إلى الزواج، حلت ولاية الزوج محل ولاية الآباء من عصبيتها، فهي في أسر دائم مستمر منذ أن ينبثق لها فجر الوجود إلى أن يضمها القبر

ثم جاءت شريعة القرآن فصانت للمرأة إنسانيتها، واعتبرتها إنساناً كاملاً. وهي كالرجل في الحقوق والواجبات التي تثبتها الإنسانية المجردة، منعت أن تنتقل الزوجة بالميراث، وعضلها - أي منعها قشراً وظلماً أن تتزوج الأكفاء من الرجال، كما تركت لها حرية الاختيار في الزواج، ولا خلاف بين الفقهاء في منع الإجبار عن البالغة العاقلة المجربة. وإن اختلفوا في توليها أمر العقد بنفسها، ومع ذلك فأبو حنيفة قرر - معتمداً على صحيح السنة - أنها إن اختارت الكفء فليس لولي معها شأن. وهذا مما لم تصل إليه المرأة في الأمم الأوربية إلا منذ عهد قريب، والقانون الفرنسي الذي يقدسه علماء القانون لا يعطي الفتى أو الفتاة حرية الاختيار قبل الخامسة والعشرين للفتى، والحادية

ص: 66

والعشرين للفتاة، ولا يجوز زواجهما قبل هذه السن إلا بإذن ورضا الولي

وشريعة القرآن منحتها حرية التصرف في أحوالهلا، إذ اعتبرها مستقلة تمام الاستقلال عند ذويها، بينما القانون الروماني مصدر القوانين الحديثة لم يعترف للمرأة بالشخصية المالية المنفصلة، وبينما القانون الفرنسي الذي حل في بلادنا محل الشريعة الإسلامية في المعاملات تعد فيه المرأة المتزوجة ناقصة الأهلية.

* * *

ص: 67