المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌2 - الوفرة، والترف، وتراخي التحديات: - على عتبات الحضارة - بحث في السنن وعوامل التخلق والانهيار

[بتول جندية]

الفصل: ‌2 - الوفرة، والترف، وتراخي التحديات:

تعين خط الانهيار المتفاقم بعدم مرونتها أمام المستجدات، وضيق وعيها بالمتغيرات، وانقطاع صلتها بمعطيات الواقع المادية.

قلنا إن انسحاب الفكرة يترافق بانسحاب القيم، وتراجع الحياة الأخلاقية والروحية للأمة، وإن الفكرة تظلّ - من بعدُ - ترفد الحياة المادية للحضارة وتمدّ في عمرها من خلال منظومة المصالح التي تضمنها، فإذا تعطلت تلك المصالح استكثر الأفراد الجهد، واستكانوا للتواكل والعطالة .. ويتكرس هذا الخطر، ويتحول إلى إحباط، عندما يتكرر شهود فشل الفكرة، وتتراكم كبوات لا تُقال، وينقطع الأمل في تحقيق المصالح المنشودة، فتسقط الذات من بعد الشك في يأس يقينيّ قاتل يحسم الإمكانات لصالح كل ما هو سلبي (1).

‌2 - الوفرة، والترف، وتراخي التحديات:

وقفنا عند الوفرة عندما تكون علّة من علل انهيار الحضارة، وأداةً تخلقُ منافِسِين للفكرة الحضارية. ونعالج ههنا دورها في تشويه خصائص الأمة النفسية؛ تُبطل دافعيتها، وتحوّلها إلى أمة خاملة. يتفق

(1) قد تستعيد الفكرة كثيرًا من طاقتها من خلال حركات التجديد التي تعلن عن تمسك الفكرة بالحياة وعدم إفلاسها النهائي، وتؤكد إصرار الأمة الطبيعي على النضال للوجود والبقاء. نذكّر بهذه الحقيقة ههنا لاستبعاد أي ظن بأن النسق الذي نعرضه لانسحاب الفكرة مطلق وحتمي، ولا يُعترَض باختراقات غير متوقعة، وإنما نقدّم هنا صورة للنسق العام النموذجي الذي تمر به أية حضارة، وهي تعرض له في مجمل تاريخها الكلي، وبالتغاضي عن الدورات الداخلية العديدة التي قد تمر بها حضارة من الحضارات.

ص: 79

معظم المشتغلين في فلسفة الحضارة على مقولة ابن خلدون بأن "من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم"(1)، لأن هذا الانغماس يشوّه الخصائص النفسية لرجل الحضارة الفعّال القادر على توجيه التاريخ، وقد لاحظ ابن خلدون أن أظهر الفوارق بين أهل الحضر وأهل البادية أن "البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم العاجزون عما فوقه وأن الحضر المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم .. "(2). والعجز غير الإرادي عن العناية بحاجات الترف بسبب من الفقد أو القلة القسريين، يلازمه قدرة صافية عالية على تفعيل الإرادة والتحكّم الذاتي، وتلك هي المهارات اللازمة لتوجيه طاقات الإنسان الداخلية والخارجية نحو الهدف، والتي تختلّ أو تذوي مع الانخراط في مجتمع الوفرة. بعد دراسة مستفيضة يؤكد توينبي أن "السهولة عدو الحضارة"(3)،

بل إن "الحضارة تقوم على الزهد أو التعفف عن إشباع الغرائز، وإن وجودها مشروط باللاإشباع، بالكبت الإرادي أو اللاإرادي للمتطلبات الغريزية القوية"،

(1) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون - المقدمة، 1/ 175.

(2)

ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون - المقدمة، 1/ 152. يستشهد توينبي على هذا المعنى بالقصة الصغيرة التي كتبها تشاربلس كنجزلي الفيكتوري، وتدعى: "تاريخ أمة افعل ما تشاء العظيمة المشهورة" تلك الأمة التي وفدت من بلد "العمل الشاق" لأن أفرادها رغبوا في العزف على العود طوال اليوم، فكان جزاؤهم مسخهم قردة. والقصة في الحقيقة تعبير رمزي عن الفساد الناجم عن الراحة، والحرية المقيتة. ينظر: توينبي، أرنولد: مختصر دراسة للتاريخ، 1/ 144 - 145.

(3)

توينبي، أرنولد: مختصر دراسة للتاريخ، 1/ 147 ..

ص: 80

هذا ما يخبرنا به فرويد (1)، وهو الحقيقة القوية التي تثبتها أخبار التاريخ. أما مجتمع الوفرة فهو، على العكس، يقدّم كل ما يعين على الإشباع النهم، وإطلاق الغرائز .. ويشوّه معالم الفطرة فتعتاد الذات ارتخاء الإرادة، وتتخامد طاقة الاندفاع، فتختلق الأعذار، وتتواكل على المعيقات والمثبّطات، وتتذرّع بها.

إن عهد الوفرة غاية للحضارة ومصير لها في آن (2)، وهي الذروة التي تحقّق عندها آمالها، وتَستنفِد غاياتها، لتبدأ في شق طريقها إلى الانحدار! في مرحلة المدنية تعيش الحضارة ازدهارًا غير مسبوق يصل

(1) فرويد، سيجموند: الحب والحرب والحضارة والموت، ص63.

(2)

يعترض حسين مؤنس على اعتبار الترف مفسدة أو سببًا من أسباب التدهور، "لأن الترف في ذاته ليس ضررًا أو مفسدة، بل مطلب إنساني عام .. "، مؤنس، حسين: الحضارة، ص55. ولاعتراض مؤنس وجاهته، فغاية الحضارة - كما قلنا - أن تؤمّن الرفاهية لأبنائها، وكنا قد قلنا أيضًا إن كل فكرة تحمل نقيضها، فالترف حالة تكتنز خصائص سلبية وإيجابية، وتعامل الذات البشرية مع هذه الحالة هو الذي يدير هذه الخصائص، وعلى العموم فإن الوفرة تؤدي إلى الاستكانة والدعة والبلادة، وأغلب من نجح من الحكام، أو من غيرهم، في دور الوفرة هو من تعالى على إمكانات الترف، واختار هدفًا أسمى من لذّته، هو بقاء ملكه أو حماية شعبه، وتحقيق هدفه. ومن واجب الإنسان أن يسيطر على الأدوات، لا أن تسيطر عليه، وهو ما يسمى بسياسة "القبض"؛ أي القدرة على القبض على الأشياء ومعرفة كيفية استعمالها، كما يذكر حسين مؤنس نفسه في كتابه الحضارة، ص157. ويصف ديورانت إيطالية بأنها "كانت أكثر من غيرها فسادًا لأنها كانت أكثر ثراء، وأضعف حكمًا، وأقل خضوعًا لسلطان القانون، وإنها كانت أكثر رقيًا في ذلك التطور الذهني الذي يؤدي في العادة إلى التحلل من القيود الأخلاقية". ديورانت، ول: قصة الحضارة، 21/ 150.

ص: 81

حدّ الوفرة والترف في كل شيء، وتجتهد الطاقات لتحقيق أسمى الطموحات، فتُشبع الآمال، ويشيع الرضا .. ولكن الرضا (1)

يتحوّل إلى قناعة وسأم، والسأم يغري بالتهالك على اللذات، والإمعان في اقتحام المحظورات، وتتكفل القناعة بتبرير التكاسل، وإيثار الراحة، وقتل الطموح، وتبديد القلق المحفِّز على النشاط والفاعلية .. وما بين الإفراط والتفريط تضيع الحضارة.

تجتهد الوفرة للتغلّب على التحديات الطبيعية، وتُغرق الأمة بما يزيد عن حاجاتها الضرورية، وتفتح لها أبوابًا مشرَعة إلى الراحة واللذة، مع قدرة عالية على السيطرة على العالم الواقعي والقوة على إدارته، وباجتماع القوة والوفرة في أمة ما زالت مشبعة بطاقة واندفاع على وشك النفاد، تحاول الأمة أن تستغل الفائض من طاقتها باختلاق تحدّياتها الخاصّة أو المفتعلة وتوليدها، للحفاظ على مستوى من التوتّر يغري بالطموح والإنجاز، وذلك عبر كثير من النشاطات التي تفيض عن الضروري وتؤول إلى الحاجي أو الكمالي، حيث تكون الضروريات في حالة إشباع قصوى. ويشيع هذا النمط من التحديات في كل شيء؛ في العلوم والفنون، والعلاقات الاجتماعية والتقاليد والأعراف والشعائر، والمتعة والأشياء .. ما يحوّلها، رويدًا .. رويدًا، إلى شكلانية تتعلق بالزينة والزخرف على حساب الجوهر والمضمون، ويضعف أساسها الوظيفي، ليتخافت، من ثمّ، أثرها في عالم الواقع

(1) إن الاكتفاء والرضا يقتلان الطموح، فقد سأل أحدهم دليله من الإسكيمو قائلاً:"فيم تفكر؟ "، فكان جوابه:"ليس لديّ ما يدعو إلى التفكير لأن لدي مقدارًا كافيًا من اللحم". ديورانت، ول: قصة الحضارة، 1/ 11 ..

ص: 82

وصلتها بالحياة، فتتحجر في أصنام تفقد مع الاستهلاك رونقها .. صحيح أن هذه التحديات المفتعلة تفجّر الإبداع، وتحفّز التنافس، وأن الولع النهم في شتى المجالات يدعم الحركة الاقتصادية، وجريان الثروة .. إلا أن ذلك كله يكرّس آثار الترف السلبية في الخصائص النفسية للأمة، ويغرقها في البلادة والكسل، ويمتصّ طاقتها الفائضة في طواحين وهمية (1)

كان الأجدر أن توجّه إلى التحديات الذاتية التي تتعاظم في الداخل انعكاسًا وأثرًا لحالة الترف المتعاظمة.

(1) يكتشف كولن ولسون في كتابه "سقوط الحضارة" أن العقبات محفزة للإرادة والحيوية، و"كلما زاد كفاح الإنسان زادت حيويته. ولهذا استقرت مشكلة الحياة، بالنسبة لي، في مسألة اختيار العقبات لحث إرادتي .. ثم أدركت أن حضارتنا [أي الغربية] تسير في الاتجاه المعاكس وأن كل ثقافاتنا وعلومنا متجهة نحو تمكيننا من ممارسة أقل حد ممكن من إرادتنا. لقد تم تسهيل كل شيء. فإذا وجدنا بعد أسبوع من العمل الروتيني في الدوائر والذهاب والإياب في الباصات أننا ما نزال في حاجة إلى أن نفعل شيئًا آخر لتصريف طاقات أخرى فينا ففي وسعنا أن نستمتع بالألعاب المختلفة التي تشتمل على العقبات المصطنعة، حيث تمارس الإرادة في التغلب على فريق آخر في لعبة الكركيت، أو كرة القدم مثلاً، أو نصارع ذلك المخلوق الخيالي الغامض الذي يعد حقل مسابقة الكلمات المتقاطعة في الصحف. وقد اخترعنا أيضًا شكلاً من أشكال التفكير يتناسب تمامًا مع هذا التنازل عن الإرادة، وأعني الفلسفة التجريدية التي هي من حيث جوهرها نتاج الحضارة الغربية". ولسون، كولن: سقوط الحضارة، ص10 - 11. ولهذا يكون هذا الطور من الحضارة هو طور العقل، وينفسح فيه المجال لظهور العلوم النظرية المعقدة، وشيوع الأمراض النفسية المترَفة التي تتفاوت في الحضارات المختلفة بين الإحباط واليأس والمرض العصابي المزمن بحسب طبيعة الفكرة الحضارية ومحتواها.

ص: 83