الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونشّطتها، وخدّرت تدريجيًا النازع الجماعي، وحَدَّتْ من سلطته في الحياة إلا ذلك المقدارُ الذي يسانده النظام الاجتماعي نفسه ويحميه، وتلك المؤسساتُ والأعراف التي تجسّد الحاجات الجماعية وتمثّل حضورها المادي وسلطتها، وبسبب من هذا يكون النازع الجماعي أقوى في الطبقات الدنيا الشعبية التي يضطرها العجز وقلّة الخيارات إلى التقوقع على الذات، والتمسّك بالتقاليد، وحماية النظام والأصول التي تجد فيها ذاتها. وطبيعي بسبب من ذلك أيضًا أن تكون الفعّاليات المستندة إلى القوة الجماعية أكثر العناصر تأثرًا بانحسار النازع الجماعي.
بقدر ما يكفل النظام الاجتماعي الحامي للرابطة الجماعية تحقّقَ المصالح، تسندُ المصالحُ المتّحِدة بالنازع الفردي الولاءَ الجماعي، والانتماء للأمة. لذلك يُعجِّل تعطّل المصالح، أو تعطيلها، بانهيار الروح الجماعية، ويضعف الولاء للأمة، ويميل بالأفراد إلى السلبية، لا سيما إذا تكررت الخيبات، وأصبحت التجارب الخاسرة منطقًا يحكم الحياة اليومية، وانعدمت الثقة، وغلب اليأس على النفوس. في ذلك الحين تغدو القلّة، والتنافس في الضروريات، مبررًا للفردية ومشجعًا عليها، والتحديات التي تلمّ الشتات في الخطر ستعمّق الشقّة وتشجّع التفتّت الداخلي، إذا لم يتوافر في مقابلها ذلك المعادل الذي يولّد الطاقة اللازمة للصمود في وجه التحديات، وللتغلّب على ظرف القلّة، ويعزّز القيم التي تزرع الإحساس بالواجبات أكثر من الحقوق.
4 - الفساد والظلم:
بعد أن كان الفعل الحضاري يعتمد على الروح الجماعية وعلى تشارك فئات الأمة المتنوعة في القيم والمصالح، والواجبات والحقوق، وهذا
ما كان يحرّكهم معًا قوةً واحدة، تبدأ القيم بالانسحاب، وتتضخّم المكاسب، فتتعاظم الأنانية وتروج الأخلاق النفعية، وتجد كل ما يمدّها بالقدرة على تحقيق غاياتها، فيختلّ التوازن لصالح من يملك القوة والسلطة، أيًا كان مصدرهما .. كل هذا يحرّض مظاهر من الانحراف في التكوين الاجتماعي، تتجلى في تفشّي صور فساد وظلم متنوعة تُسرق فيها الجهود، وتُصادر الحقوق، وتُعطّل المصالح، وهي مع ذلك مظاهر فردية واستثنائية، لأن المصلحة - في تلك المرحلة - تظل ممسكة بعصا التوازن الذي يفرض التكامل على جميع الأطراف، ويهودهم إلى ميثاق مشترك يذعنون إليه لتحقيق مصالحهم المتبادلة.
ومع تفاقم أعراض المدنية تتكرس دواعي الظلم والفساد، ويتحولا إلى ظاهرة عامة لا تتوقف عند حدود السلطة الحاكمة بل، تعمّ مناحي الحياة كلها، أفرادًا ومؤسسات، وهنا تكمن الخطورة، لأنه إيعاز بأن الأمة تتموّت من الداخل! ليس الظلم إلا الضعف يتستّر بالجبروت ويتسلح به، وحين تدخل الحضارة طور المدنية يتسرّب الكسل والتواكل، ويستشعر صاحب القوة والقدرة ضعفه، فيحاول أن يحجبه بسياج من الانتهازية وسرقة جهود الآخرين، والحدّ من نجاحهم خشية منافستهم، ويتفشّى الظلم ويروج بالقدر الذي تتعطّل فيه الدوافع وتقلّ الفرص.
يستجرّ حديث الظلم إلى الذهن ذلك الاعتقاد بأنه خاص بالمستويين السياسي والقضائي، ولكن الواقع أن المؤسسة السياسية والإدراية تعطي مؤشرات على الفساد قبل غيرها من المؤسسات، وظهور الفساد في المؤسسة القضائية هو دليل على استشراء الداء في