الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - التحديات:
يعتبر توينبي التحديات عاملاً جوهريًا في نشوء الحضارات، منطلقًا من عبارة:"كلما عظم التحدي اشتدّ الحافز"(1)، وكنا قد اعتبرنا الفكرة المعصِّبة العاملَ الحضاري الحاسم الذي لا يُنافَس، فإذا كانت حضارات تنشأ بتأثير ضغط التحديات، فإن الحضارة الإسلامية نشأت من فكرة، وليس من استجابتها المثالية لضغط تحديات معينة! إن التحدّي عامل محايِد تحدّد الاستجابةُ الإنسانية قيمتَه؛ سلبًا أو إيجابًا، وإذا لم يتوافر في مواجهته "المعادلُ" الذي يمنحه معناه، ويجعله فعلاً بين طرفين، كان قهرًا من طرف واحد. وتشكّل الفكرة الحضارية في صورتها الإنسانية الحية المعادلَ الإيجابي، والأرضية الخصبة التي تجعل التحديات محفِّزَة في أثرها الحضاري، في المقابل تعمل التحديات على صياغة الصفات النفسية لرجل الحضارة، وتحفّز غريزةَ الوجود، وتستفزّها للمقاومة، واستنهاض ما لديها من إمكانات وملكات؛ فردية وجماعية، كما أن التحدّيات محرّض قوي للعصبية الجماعية التي تحملها غريزة البقاء على الالتمام في وجه الأخطار.
إن التحديات القاسية إما أن تقتل الذات الهشّة الضعيفة، أو تزيد من صلابة الذات المتماسكة، وتتماسك الذات، الفردية أو
(1) توينبي، أرنولد: مختصر دراسة للتاريخ، 1/ 233.
الجماعية، في حال امتلكت هدفًا تؤمن به وتدافع عنه (1)،
سواء كان
(1) على الرغم من أن توينبي قد نبّه على أن العامل السحري والسرّيّ في تخلق الحضارات ليس "شيئًا مفردًا لكنه متعدد، هو ليس وحدة، لكنه علاقة"، وأن "الخلق وليد لقاء، وأن بدء الحضارة هو حصيلة تفاعل"، ينظر: توينبي، أرنولد: مختصر دراسة للتاريخ، 1/ 101، 112، تفاعل بين طرفين؛ أحدهما التحدي والآخر لم يشغل توينبي نفسه بتعقبه، بل مر به عرضًا على أنه حافز ينشط مع المصاعب مرة، يقول:"الصعوبة والحافز في بيئة معينة ينزعان إلى الازدياد بدرجة مماثلة"، نفسه، 1/ 147، ومرة أخرى هو هدف يتبلور بضغط التحديات، فكان جلّ ما حظي به من تنويه أن يمرّ بهذا التساؤل:" .. كيف يترتب على هزيمة ساحقة، اشتداد عزيمة جماعة حتى يصبح لنشاطهم هدف أعظم؟ "، توينبي، أرنولد: مختصر دراسة للتاريخ، 1/ 183. وإذ نعتقد برأي توينبي بأن التحديات تسهم إسهامًا هامًا في توحيد الهدف، وبلورته، وإكسابه معناه في كثير من الأحيان، فإن الهدف ليس ثانويًا أو عرضيًا في عملية الحراك الحضاري، وإلا فلم تتفاوت الاستجابات في وجه التحديات وتتباين، فتكون ناجحة وفاشلة؟! إذًا، لا بد من وجود معادل ما يمنح هذا الشعب أو ذاك سلاحًا فعّالاً يواجه به تلك التحديات. يقول بن نبي: "فالمجتمع لا يمكنه مجابهة "الصعوبات" التي يواجهه بها التاريخ كمجتمع ما لم يكن على بصيرة جلية من هدف جهوده .. "، بن نبي، مالك: شروط النهضة، ص71 .. والواضح أن توينبي قد استشعر هذه الفقرة الضعيفة في حبكة نظريته، فحاول حلّ هذا الإشكال فيها من داخلها ودون سعي إلى تطويرها، تمثل هذا الحلّ في قانون "الأثر المتناقص"، فقد وضع توينبي ضابطًا شرطيًا لضمان فعّالية قانون التحدي، فـ"أعظم التحديات حفزًا يوجد في متوسط بين التفريط والإفراط في الشدة"، توينبي، أرنولد: مختصر دراسة للتاريخ، 1/ 233. وكان توينبي من قبل قد صنّف التحديات في خمسة أصناف: البلاد الشاقة، والأرض الجديدة، والضربات، والضغوط، والنقم. فيكون التوسط هو عدم اجتماع هذه التحديات كلها جميعًا، لكي تعين عناصر القوة المتوافرة في تحقيق الاستجابة الظافرة.
فكرة أو مصلحة، فإذا اتحدت الفكرة بالمصلحة كان هذا أدعى إلى الاستقطاب، وفي اندفاع الذات لتحقيق هدفها تغدو التحديات عنصرًا خلاّقًا لاستفزاز طاقة الاندفاع القصوى، وعامل توحيد يستثير رابط العصبية الفطرية تجاه الأخطار وعوامل الاستئصال وتهديد الوجود (1)، بل إن التحديات القاسية قد تسلب الذات عدّتها كلها ولا تترك لها في معركتها ما تخسره (2)،
فتكون بهذا قد منحتها فرصة
(1) بعد أن استنتج الجابري أن العصبية عند ابن خلدون هي رابطة معنوية تقوم على المصلحة المشتركة، لاحظ أن ابن خلدون يربط "ربطًا مستمرًا بين العصبية والعدوان، فالعصبية عند صاحب المقدمة هي - كما قلنا سابقًا - قوة للمواجهة، لا تبرز ولا تشتد إلا عندما يكون هناك خطر يهدد العصبة في مصلحتها المشتركة"، الجابري، محمد عابد: فكر ابن خلدون - العصبية والدولة، ص172.
(2)
اشتدي أزمة تنفرجي، هو التعبير الملخص لهذه الحقيقة، ولذلك فإن معظم الثورات والنهضات ولدت بعد معاناة، كالنهضة الغربية، والثورة الفرنسية، وثورة الزنوج في أمريكة .. يصف ديورانت أثر حرب الثلاثين في ألمانية في القرن السابع عشر في استماتة الناس في الكفاح من أجل البقاء، يقول:"وانهارت الأخلاق والروح المعنوية على حد سواء، فإن اليأس المقرون بالإيمان بالقضاء والقدر دعا إلى الوحشية المقترنة بالسخرية. واختفت كل المثل الدينية والوطنية بعد جيل ساده العنف، وكان البسطاء من الناس يكافحون الآن من أجل الطعام أو الشراب، أو يقاتلون بسبب الكراهية"، ديورانت، ول: قصة الحضارة، 30/ 214. وكما قيل اطلب الموت تمنح لك الحياة، وكذلك هو حال أمتنا في فلسطين والعراق
…
بل في كل الديار تواجه تحدياتها الداخلية والخارجية! ولعل صمود المقاومة الفلسطينية في غزة اليوم، وفي معركة الفرقان تحديدًا، أمام الآلة الإسرائيلية الجبارة أدقّ مثال على صحة قانون التحدي، وما منحته ظروف الحصار والقهر من فرصة لتطوير آليات النضال، وحشد الطاقات الداخلية، وتوحيد الصفوف في اتجاه هدف واحد، وبالاستناد إلى منطلق فكري واضح كان هو المعادل الجوهري في معركة الوجود تلك!!
ثمينة لتحقيق ما تراهن عليه باعتباره الخيار الوحيد الذي ينبغي التعلق به وإلا الفناء، فيتفرّد الهدف ويتوحّد، ويغدو اندفاع الذات أشدّ ومقاومتها أصلب، لأن المعاناة التي تفرضها التحديات، والضغط الذي يرافقها، يعملان على تعزيز البناء النفسي، وصناعة شخصية رجل الحضارة الذي يتحلى بالجلد والإحساس بالمسؤولية والإيجابية والمبادرة والأمل الواثق المستشرف للمستقبل .. كما تسهم المعاناة المقترنة بمعادل مكافئ في تهذيب الشخصية من الصفات السلبية المعيقة للفعالية والحركة؛ كاليأس واللامبالاة والكسل والتواكل .. ، وبذلك تصير التحديات نفسها عاملاً إيجابيًا من عوامل التخلق الحضاري والحركة. بل يذهب توينبي إلى أن التحديات الخلاّقة التي تصعّد من قوة الاستجابة، تشقّ الطريق أمام الأمة لاكتشاف وسيلة ذهبية أو ظافرة، هي الاستجابة الناجحة، أو الحل النموذجي للتحديات القائمة نتيجة تعاقب الشدّ والجذب من قبل التحديات وسلسلة الاستجابات الناجحة والفاشلة، ما يجعل الانكسارات مرحلة من مراحل الصعود، وحافزًا لاختبار المزيد من العوائق لتفاديها وتجاوزها (1).
(1) توينبي، أرنولد: مختصر دراسة للتاريخ، 1/ 313 - 314. ذكرنا أن التحديات إن لم يتوافر لها المعادل الإيجابي تعزز الخصائص السلبية، وتكرّس عوامل الانحطاط بل الفناء أحيانًا. إن انتفاضة الحجر في فلسطين، وفلسفة العمليات الاستشهادية، مثالان واضحان للاستجابات الناجحة للتحديات الخطيرة التي تتهدد الوجود، ووسيلتان ذهبيتان للتعامل مع عوائق النضال والتحرير .. ومن التجربة الغربية، يبرز حدث انتخاب أوباما الأسود، رئيسًا في البيت الأبيض، واحدًا من تلك الوسائل الذهبية التي اكتشفتها الأمة الأمريكية لتمدّ في عمرها الآيل للأفول، وقد أنذرها باتريك بوكانن بالموت في كتابه "موت الغرب"، بسبب من التفكك الداخلي، فاعترفت بالداء وواجهته من خلال انتخاب قائد أسود يساعدها في تحقيق التماسك الداخلي، وامتصاص السلبية في الأمريكيين السود والأقليات العرقية المتنامية، وزرع الولاء وحس الانتماء فيها، وإشراكها في الحياة العامة للحد من عدائيتها الصريحة للمجتمع الأمريكي الأبيض.