المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌5 - الذل والهزيمة النفسية: - على عتبات الحضارة - بحث في السنن وعوامل التخلق والانهيار

[بتول جندية]

الفصل: ‌5 - الذل والهزيمة النفسية:

المجتمع ذاته، وانحراف القيم الموجِّهة له في مستوياته كلها؛ الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية بل الإبداعية أيضًا .. ومع أن الفسادين؛ السياسي والقضائي، أظهر في وعي الناس، لأنهما الملاذان اللذان يتوقعون منهما النصرة والأمن، ولأن أثرهما مادي وقاهر أكثر من غيرهما، فإن الفساد النوعي العميق في المستوى الأخلاقي أكثر هدمًا لبنية الحضارة، ولتماسك الأمة الداخلي، بما أنه يعطّل دافعيتها الذاتية، وينحرف بأخلاقياتها، ويضعف النازع الجماعي فيها، ويفقدها الثقة بجدوى الجهد، ويقتل روح الإبداع فيها. وكل أصناف الفساد والظلم تُغرِق الأمة في السلبية، وتضخِّم المثبّطات في عيونها، وتمدّها بمبرّرات تتعلق بها في الاعتذار عن استسلامها للواقع، وعدم مقاومة تيار الهدم الجارف، والعادة أن تردّ الأمة المنهارة أسباب ضعفها، وواقع الظلم الذي يحيق بها، إلى القيادات السياسية والإدارية بوصفها صاحبة القرار، وفي موقع المسؤولية!

‌5 - الذلّ والهزيمة النفسية:

لن يكون أقسى من الفساد والظلم على الأمة من الذلّ، ومع أن الذلّ تجلٍ من تجليات الظلم، فإن خطورته تتأتى من أنه إشارة على تأبّد الظلم إلى حدّ يقتل في الأمة إحساسها بذاتها، وتقديرها لها، وقدرتها على مقاومة مظاهر الفساد، فتعتاد ممارسات الظلم والاستبداد، وتستمرئها، وتعيد تصوّر ذاتها، وصياغة حياتها، من خلالها. ويحاول ابن خلدون، بما أوتي من حسّ تاريخي لا يقنع بظاهر الأمور، أن يتلمّس العلل التي تنحرف بالأمة إلى خلق الذلة والانقياد، فيلاحظ أن بذور المذلّة تزرع وتسقى بمكتسبات المدنية، فالاستقرار يعوّد النفس على التكاسل، ويدرّبها على الانقياد للنظام والخضوع للقانون، وعلى

ص: 87

الرغم من أن هذا كله مطلب عزيز وأصيل للحضارة ولتماسك الأمة، فإن الاعتياد يقطع صلة الفعل بالباعث، ويحوّله إلى تقليد أجوف، ويمتصّ من الأمة عزيمتها وأنفتها، حتى تصير إلى قدرها المحتوم الذي يغدو فيه الإذلال برنامجًا منظمًا لصالح بعض القوى الطفيلية الفاسدة، يقول ابن خلدون:" .. فإن كانت الملَكَة رفيقة وعادلة لا يعانى منها حكم ولا منع وصدّ كان الناس من تحت يدها مدلين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن واثقين بعدم الوازع حتى صار الإذلال جِبلّة لا يعرفون سواها وأما إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسهم وتُذهب المِنعة عنهم لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدَة"(1). إذًا، القهر كما اللين سواء بسواء في تعويد الأمة الذلَّ والانكسار.

لا تسقط الأمة في حال الذل المفني بسبب من تلك الممارسات المباشرة التي تمثّل في تصورنا المواقف المذلة، لكن بسبب ميراث عهد طويل من تجارب الظلم والذل والقسوة .. وحصيلة للانكسارات المتوالية، وخيبة الأمل بالفكرة .. إذ تتأصّل فيها مشاعر الخزي والإحباط واليأس، وتتفكّك في الذات تلك المكوّنات الصلبة التي تستند إليها في مواجهة التحديات؛ الداخلية منها والخارجية، فتصبح غرضًا سهلاً لها، وتعجز عن مقاومتها، وتسقط في مطبّ "الهزيمة النفسية".

تعيش الأمة الهزيمة النفسية عندما تمتلك سجلاً واسعًا من علل الانهيار، وتتخذ آثارُها السلبية شكل المسار الطبيعي للحياة

(1) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون - المقدمة، 1/ 157 - 176، 185.

ص: 88

والإنسان، وعندما تتحوّل المعاناة إلى ظاهرة شائعة، وتتكرّر الآلام، وتتأبّد، وتصير واقعًا مألوفًا، ويغدو الهمّ الفردي همًا عامًا يغرق غالبية الأمة، وعندما تتماوت النفوس، ويعمرها اليأس، تقتات من يأسها وعليه، لتبرّر به استكانتها وعجزها وقنوطها، بعد أن أنفقت رأس مالها، واستهلكت فكرتها الحضارية من زمن بعيد، وقد كانت تشتعل بها في وجه المحن والتحديات!!

لن تهزم التحديات أمة إلا إذا وصلت إلى مرحلة الهزيمة النفسية، وافتقرت إلى معادل داخلي يمدّها بالطاقة، والعادة أن تبرر الأمم الضعيفة هزيمتها بقسوة التحديات، سواء كانت داخلية أو خارجية، محاوِلةً التهرّب من المسؤولية، وإنما قُوْتها وقوَّتها من ذاتها، فـ"لكيلا نكون مستعمَرين يجب أن نتخلص من القابلية للاستعمار"(1)، ولكيلا تعيش أمة الانحطاط، لا بد من أن تتخلص من القابلية للانحطاط!

(1) بن نبي، مالك: شروط النهضة، ص9. ونحن نعلم كيف أن هجمة المغول الشرسة لم تستطع أن تفني الحضارة الإسلامية، على الرغم مما أحدثته من دمار في كل المستويات، ولعل أشدها كان على المستوى النفسي، إلا أن الأمة التي امتلكت مقومات وجود واضحة، وكانت تعرف ما تريد، استعادت زمام الأمور وأكملت اندفاعها التاريخي حتى صارت في عهد العثمانيين أقوى دول العالم وأوسعها امتدادًا، بل إن الحضارة استطاعت أن تطوي المستعمر داخلها وتحوّل المغول المتوحشين إلى حاملين للثقافية الإسلامية ودائنين بها، وحكموا باسمها وكان لهم إسهامهم المميز في تاريخها، ونظير لهذا اجتياح الصليبيين للبلاد الإسلامية وعودتهم مطرودين بعد صراع دام أجيالاً عديدة.

ص: 89