الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَتَعَلَّقُ بِالْجِبَالِ لِأَنَّ النَّحْتَ يَتَعَلَّقُ بِحِجَارَةِ الْجِبَالِ، وَانْتَصَبَ بُيُوتاً عَلَى الْحَالِ مِنَ الْجِبَالِ، أَيْ صَائِرَةً بَعْدَ النَّحْتِ بُيُوتًا، كَمَا يُقَالُ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ قَمِيصًا، وَابْرِ هَذِهِ الْقَصَبَةَ قَلَمًا، لِأَنَّ الْجَبَلَ لَا يَكُونُ حَالُهُ حَالَ الْبُيُوتِ وَقْتَ النَّحْتِ، وَلَكِنْ يَصِيرُ بُيُوتًا بَعْدَ النَّحْتِ.
وَمَحَلُّ الِامْتِنَانِ هُوَ أَنْ جَعَلَ مَنَازِلَهُمْ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ صَالِحٌ لِلْبِنَاءِ فِيهِ، وَقِسْمٌ صَالِحٌ لِنَحْتِ الْبُيُوتِ، قِيلَ: كَانُوا يَسْكُنُونَ فِي الصَّيْفِ الْقُصُورَ، وَفِي الشِّتَاءِ الْبُيُوتَ الْمَنْحُوتَةَ فِي الْجِبَالِ.
وَتَفْرِيعُ الْأَمْرِ بِذِكْرِ آلَاءِ اللَّهِ عَلَى قَوْلِهِ: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ تَفْرِيعُ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ، لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِذِكْرِ نِعْمَتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِذِكْرِ جَمِيعِ النِّعَمِ الَّتِي لَا يُحْصُونَهَا، فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ التّذييل.
وَفعل: فَاذْكُرُوا مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَصْدَرِ، الَّذِي هُوَ بِضَمِّ الذَّالِ، وَهُوَ التَّذَكُّرُ بِالْعَقْلِ وَالنَّظَرِ النَّفْسَانِيِّ، وَتَذَكُّرُ الْآلَاءِ يَبْعَثُ عَلَى الشُّكْرِ وَالطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْفَسَادِ، فَلِذَلِكَ عَطَفَ نَهْيَهُمْ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ عَلَى الْأَمْرِ بِذِكْرِ آلَاءِ اللَّهِ.
وَلا تَعْثَوْا مَعْنَاهُ وَلَا تُفْسِدُوا، يُقَالُ: عَثِيَ كَرَضِيَ، وَهَذَا الْأَفْصَحُ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْآيَةِ- بِفَتْحِ الثَّاءِ- حِينَ أُسْنِدَ إِلَى وَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَيُقَالُ عَثَا يَعْثُو- مِنْ بَابِ سَمَا- عَثْوًا وَهِيَ لُغَةٌ دُونَ الْأُولَى، وَقَالَ كُرَاعٌ، كَأَنَّهُ مَقْلُوبُ عَاثَ. وَالْعَثْيُ وَالْعَثْوُ كُلُّهُ بِمَعْنَى أَفْسَدَ أَشَدَّ الْإِفْسَادِ.
ومفسدين حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى تَعْثَوْا وَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ مِنَ الْمُؤَكَّدِ فَإِنَّ التَّأْكِيدَ يَحْصُلُ بِبَعْضِ معنى المؤكّد.
[75، 76]
[سُورَة الْأَعْرَاف (7) : الْآيَات 75 إِلَى 76]
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ
(76)
عَدَلَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ مُجَادَلَةِ صَالِحٍ عليه السلام إِلَى اخْتِبَارِ تَصَلُّبِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فِي إِيمَانِهِمْ، وَمُحَاوَلَةِ إِلْقَاءِ الشَّكِّ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ خِطَابُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مَقْصُودًا بِهِ إِفْسَادُ دَعْوَةِ صَالِحٍ عليه السلام كَانَ خِطَابُهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُحَاوَرَةِ مَعَ صَالِحٍ عليه السلام، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ حِكَايَةِ قَوْلِهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ فَصْلِ جُمَلِ حِكَايَةِ الْمُحَاوَرَاتِ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ آنِفًا وَفِيمَا مَضَى.
وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمَلَأِ قَرِيبًا.
وَوَصْفُهُمْ بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُنَا لِتَفْظِيعِ كِبْرِهِمْ وَتَعَاظُمِهِمْ عَلَى عَامَّةِ قَوْمِهِمْ وَاسْتِذْلَالِهِمْ
إِيَّاهُمْ. وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ صَالِحٌ عليه السلام هُمْ ضُعَفَاءُ قَوْمِهِ.
وَاخْتِيَارُ طَرِيقِ الْمَوْصُولِيَّةِ فِي وَصْفِهِمْ وَوَصْفِ الْآخَرِينَ بِالَّذِينَ استضعفوا لما تومىء إِلَيْهِ الصِّلَةُ مِنْ وَجْهِ صُدُورِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْهُمْ، أَيْ أَنَّ اسْتِكْبَارَهُمْ هُوَ صَارِفُهُمْ عَن طَاعَة نبيئهم، وَأَنَّ احْتِقَارَهُمُ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ الَّذِي لَمْ يُسِغْ عِنْدَهُمْ سَبْقَهُمْ إِيَّاهُمْ إِلَى الْخَيْرِ وَالْهُدَى، كَمَا حَكَى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ قَوْلَهُمْ: وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ
[هود: 27] وَكَمَا حَكَى عَنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً مَا سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الْأَحْقَاف: 11] ، وَلِهَذَا لَمْ يُوصَفُوا بِالْكُفْرِ كَمَا وُصِفَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ.
وَالَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هُمْ عَامَّةُ النَّاسِ الَّذِينَ أَذَلَّهُمْ عُظَمَاؤُهُمْ وَاسْتَعْبَدُوهُمْ لِأَنَّ زَعَامَةَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا كَانَتْ قَائِمَةً عَلَى السِّيَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْخَلِيَّةِ عَنْ
خِلَالِ الْفَضِيلَةِ، مِنَ الْعَدْلِ وَالرَّأْفَةِ وَحُبِّ الْإِصْلَاحِ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ الْمَلَأُ بِالَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وَأُطْلِقَ عَلَى الْعَامَّةِ وَصْفُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الْقَوْلِ.
وَقَوْلُهُ: لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بَدَلٌ مِنْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِإِعَادَةِ حَرْفِ الْجَرِّ الَّذِي جُرَّ بِمِثْلِهِ الْمُبَدَلُ مِنْهُ.
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي أَتَعْلَمُونَ لِلتَّشْكِيكِ وَالْإِنْكَارِ، أَيْ: مَا نَظُنُّكُمْ آمَنْتُمْ بِصَالِحٍ عليه السلام عَنْ عِلْمٍ بِصِدْقِهِ، وَلَكِنَّكُمُ اتَّبَعْتُمُوهُ عَنْ عَمًى وَضَلَالٍ غَيْرَ مُوقِنِينَ، كَمَا قَالَ قَوْمُ نُوحٍ عليه السلام: وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [هود: 27] وَفِي ذَلِكَ شَوْبٌ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ.
وَقَدْ جِيءَ فِي جَوَاب لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُمْ بِمَزِيدِ الثَّبَاتِ، فَلَمْ يَتْرُكُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مَطْمَعًا فِي تَشْكِيكِهِمْ، بَلْهَ صَرْفَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِرَسُولِهِمْ.
وَأَكَّدَ الْخَبَرُ بِحَرْفِ (إِنَّ) لِإِزَالَةِ مَا تَوَهَّمُوهُ مِنْ شَكِّ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا فِي صِحَّةِ إِيمَانِهِمْ، وَالْعُدُولُ فِي حِكَايَةِ جَوَابِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا عَنْ أَنْ يَكُونَ بِنَعَمْ إِلَى أَنْ يَكُونَ بِالْمَوْصُولِ صِلَتُهُ لِأَنَّ الصِّلَةَ تَتَضَمَّنُ إِدْمَاجًا بِتَصْدِيقِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ صَالِحٌ مِنْ نَحْوِ التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ الْبَعْثِ، وَالدَّلَالَةِ عَلَى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا تُفِيدُهُ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِنَ
الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ وَهَذَا مِنْ بَلِيغِ الْإِيجَازِ الْمُنَاسِبِ لِكَوْنِ نَسْجِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ حِكَايَةِ الْقُرْآنِ لَا مِنَ الْمَحْكِيِّ مِنْ كَلَامِهِمْ إِذْ لَا يُظَنُّ أَنَّ كَلَامَهُمْ بَلَغَ مِنَ الْبَلَاغَةِ هَذَا الْمَبْلَغَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَمُرَاجَعَةُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بِقَوْلِهِمْ: إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ تَدُلُّ عَلَى تَصَلُّبِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ فِيهِ، إِذْ صِيغَ كَلَامُهُمْ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ.
وَالْمَوْصُولُ فِي قَوْلِهِمْ: بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ هُوَ مَا أُرْسِلَ بِهِ صَالِحٌ عليه السلام. وَهَذَا كَلَامٌ جَامِعٌ لِرَدِّ مَا جَمَعَهُ كَلَامُ الْمُسْتَضْعَفِينَ حِينَ