المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل: ‌آداب عشرة النساء:

أورد المقدسي رحمه الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن سلام بن مسكين قال سألت الحسن قلت يا أبا سعيد يأمر الرجل والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر قال يأمرهما إن قبلا وإن كرها سكت عنهما.

‌آداب عشرة النساء:

آداب عشرة النساء:

لعشرة النساء آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهاك آداب عشرة النساء جملةً وتفصيلا:

أولاً آداب عشرة النساء جملةً:

(1)

الحث على الزواج وهو من السنة:

(2)

العشرة بالمعروف:

(3)

الرفق بالنساء والوصية بهن:

(4)

ملاطفة الزوجة وملاعبتها:

(5)

الصبر على الزوجة، وغض الطرف عن زلاتها:

(6)

وطء الزوجة من الحقوق الواجبة على الزوج:

(7)

تحريم نشر أسرار الاستمتاع بين الزوجين إلا لمصلحة شرعية:

(8)

وجوب العدل بين الزوجات:

ثانيا آداب عشرة النساء تفصيلا:

(1)

الحث على الزواج وهو من السنة:

لما كان الرجل ـ بطعبه الذي جبله الله عليه ـ ميالاً للنساء، وكانت المرأة تميل إلى الرجل بمقتضى الفطرة، أراد الشرع المطهر أن تُصرف هذه الفطرة في طريقٍ صحيحٍ يحفظ للناس أنسابهم، ويهذب نزواتهم حتى لا يصبحوا كالبهائم يركب بعضها بعضاً، وكان الطريق هو الزواج، ولذا رغب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه وبيَّن فوائده، وحث أمته عليه، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة

(حديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ.

ص: 496

(حديث أنس الثابت في الصحيحين) قَالَ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي.

(حديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين) قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ فَقُلْنَا أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)[المائدة: 87]

(حديث سعد بن أبي وقاص الثابت في الصحيحين) قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا.

(حديث سعيد بن جبير الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ هَلْ تَزَوَّجْتَ قُلْتُ لَا قَالَ فَتَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً.

(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ.

(حديث أنس رضي الله عنه الثابت في صحيح النسائي) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ.

ص: 497

والعزوبة والعزوف عن الزواج ليس من هدي المرسلين، قال الامام أحمد: ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، ومن دعاك إلى غير التزويج، فقد دعاك إلى غير الإسلام. اهـ (1). ويجب الزواج على من كان قادراً عليه، وخاف على نفسه العنت، وكانت نفسه تتوق إليه، لأنه إن لم يفعل يُخشى عليه الوقوع في الفواحش كالزنا وغيره وهو محرم.

(2)

العشرة بالمعروف:

الأصل في معاشرة النساء (وَلَهُنّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ)[سورة: البقرة - الآية: 228]

أي: وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم، مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة. ومرجع الحقوق بين الزوجين إلى المعروف، وهو: العادة الجارية في ذلك البلد، وذلك الزمان من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال، والأشخاص، والعوائد. وفي هذا دليل على أن النفقة والكسوة والمعاشرة والمسكن وكذلك الوطء- الكل يرجع إلى المعروف، فهذا موجب العقد المطلق. وأما مع الشرط، فعلى شرطهما، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً. قاله ابن سعدي (2).

وقال ابن عباس: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة، لأن الله يقول:(وَلَهُنّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنّ بِالْمَعْرُوفِ)(3).

(حديث معاوية ابن حيدة الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قَالَ

قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ قَالَ أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ.

(1).حاشية الروض المربع (6/ 226) حاشية رقم: (3)

(2)

. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. (البقرة. آية 228)

(3)

. تفسير ابن كثير (1/ 266) ط. دار الكتب العلمية.

ص: 498

(حديث عَمْروِ بنِ الأحْوَصِ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ألَا واسْتَوْصُوا بالنّسَاءِ خَيراً، فإنّمَا هُنّ عَوانٌ عِنْدَكمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنّ شَيْئاً غَيْرَ ذلِكَ، إلاّ أَنّ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهجُرُوهُنّ في المضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرّحٍ. فَإنْ أطَعْنكُمُ فَلَا تَبْغُوا علَيْهِنّ سَبِيلاً. أَلَا إنّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُم حَقّاً. ولِنسَائِكمْ عَلَيْكُمْ حَقاً. فَأَمّا حَقكّمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئنَ فُرُشكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ ولَا يَأْذَنّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ. ألَا وحَقهُنّ عَلَيْكُمْ أنْ تُحسِنُوا إِلَيْهِنّ فِي كِسْوَتِهِنّ وطَعَامِهِن".

مسألة: هل يجب على الزوجة أن تخدم زوجها في الأمور المعتادة كتجهيز الطعام، وإصلاح البيت ونحو ذلك؟

الجواب:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب والخبز، والطحن، والطعام لمماليكه، وبهائمه: مثل علف دابته ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تجب الخدمة. وهذا القول ضعيف، كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة بالوطء؛ فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف؛ بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على مصلحة لم يكن قد عاشره بالمعروف. وقيل ـ وهو الصواب ـ وجوب الخدمة؛ فإن الزوج سيدها في كتاب الله؛ وهي عانية عنده بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وعلى العاني والعبد الخدمة؛ ولأن ذلك هو المعروف. ثم من هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة. ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف، وهذا هو الصواب، فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال؛ فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة. اهـ (1).

(3)

الرفق بالنساء والوصية بهن:

أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرجال أن يستوصوا بالنساء خيراً، وذلك لأن الضعف ملازمٌ للمرأة، فهي تحتاج إلى من يحسن إليها ويرفق بها، لا أن يقسو عليها ويعاملها معاملة الرجال؛ فمن أجل هذا وغيره أُمر الرجال بالوصية بالنساء والرفق بهن.

(1). الفتاوى (34/ 90 - 91)

ص: 499

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا.

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا.

(حديث أبي الأحْوَصِ الجُشَمِّي الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أَلَا وَاسْتَوْصُوا بالنّسَاءِ خَيْراً، فإِنّمَا هُنّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهِنّ شَيْئاً غَيْرَ ذَلِكَ إِلاّ أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنّ في المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ ضَرْبَاً غَيْرَ مُبَرّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنّ سَبِيلاً. أَلَا وَإِنّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّا، فأَمّا حَقّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوْطِئْنَ فُرُشَكُمْ من تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ. أَلَا وَإِنّ حَقّهُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهنّ في كِسْوَتِهِنّ وَطَعَامِهِنّ".

[*] أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن ابن عباس قال: كنت أطوف بالبيت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكفي في كفه، فإذا أعرابي يحمل امرأة كأنها مهاة يطوف بها يقول: صرت لهذي جملا ذلولا موطأ أتبع السهولا فقال له عمر: " من هذه المرأة؟ قال: يا أمير المؤمنين، امرأتي قال: ورب هذه البنية لقد جازيتها، فقال: أما إنها مع ذلك لحمقاء مرعامة، أكول قمامة، مشومة الهامة، ما تبقي لها حامة قال: فما تصنع بها يا أعرابي؟ قال: حسنا فلا تفرك وأم عيال فلا تترك، فقال: شأنك بها "

الهامة: الرأس.

وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل أن يعاقب وادا وإن أغضبته ذنوبه واضطرته إلى الموجدة أجرامه، فإن خلق الواد خير من جديد غيره.

ص: 500

ومن الوصية بالنساء: تعليمهن ما يحتجنَّ إليه من أمور دينهن كأحكام الطهارة والحيض والنفاس، والصلاة، والزكاة إن كنَّ يملكنَّ مالاً .. الخ. وإن كان لا يستطيع تعليمهنَّ لقلة علمه، وجب عليه أن يوفر لهن ما يجعلهنَّ يتعلمنَّ ما يحتجنَّ إليه من العلم الشرعي الذي لا تقوم عبادتهنَّ إلا به؛ كجلب الكتب الشرعية، والأشرطة السمعية، أو إحضارهنَّ إلى مجالس العلم، وغير ذلك من وسائل تحصيل العلم.

ومن الوصية بالنساء: تأديبهنَّ وإلزامهنَّ بإقامة فرائض الله التي أوجبها عليهنَّ، وإلزامهنَّ بالحجاب الشرعي.

قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتّقْوَىَ)[طه: 132].

وقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لاّ يَعْصُونَ اللّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم: 6]

(حديث مالك بن الحُويرث الثابت في الصحيحين) قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا قَالَ ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ.

فإذا تساهلة الزوجة في إقامة الفرائض، أو في الالتزام بالحجاب الشرعي، أو أبت عليه إذا دعاها إلى فراشه، أو عصته في أمرٍ تلزمها طاعته فيه؛ فإنه بموجب قوامته عليها يؤدبها بما يحصل به صلاحها واستقامتها. والتأديب يكون على مراحل، فلا ينبغي للزوج أن يأخذ في الأخرى حتى يتعذر التي قبلها. قال تعالى:(وَاللاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ وَاهْجُرُوهُنّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنّ سَبِيلاً إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً)[النساء: 34].

فالمرحلة الأولى: تكون بالوعظ والتذكير والتخويف بالله.

والمرحلة الثانية: تكون بهجر المضجع.

والمرحلة الثالثة: تكون بالضرب غير المبرح، ضرب تأديب لاضرب تنفيس عن الغيظ والسخط.

مسألة: من كانت له زوجة لا تصلي فهل له أن يأمرها بالصلاة؟ وإن لم تفعل فماذا يلزمه؟

الجواب:

ص: 501

نعم عليه أن يأمرها بالصلاة، ويجب عليه ذلك؛ بل يجب عليه أن يأمر بذلك كل من يقدر على أمره به إذا لم يقم غيره بذلك، وقد قال تعالى:(وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتّقْوَىَ)[طه: 132].

وقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لاّ يَعْصُونَ اللّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم: 6]

(حديث مالك بن الحُويرث الثابت في الصحيحين) قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا قَالَ ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ.

وينبغي مع ذلك الأمر أن يحضها على ذلك بالرغبة، كما يحضها على ما يحتاج إليها، فإن أصرت على ترك الصلاة فعليه أن يطلقها، وذلك واجب في الصحيح، وتارك الصلاة مستحق للعقوبة حتى يصلي باتفاق المسملين، والله أعلم.

(4)

ملاطفة الزوجة وملاعبتها:

يجفو كثيرٌ من الرجال ويأنف من مداعبة زوجه ومضاحكتها، وقد يعده بعضهم نقصاً لرجولته، أو سقوطاً لهيبته ومنزلته عند نسائه، وهذا ليس بشيء؛ إذ لو كان هذا صحيحاً لكان أولاهم به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه كان يداعب أزواجه ويضاحكهن ويلاطفهن، والأخبار في هذا مشهورة معلومة. فمنها ما يلي:

(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في صحيح أبي داوود) أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ قَالَتْ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ.

(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: كُلُ شَيءٍ َليْسَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ لَهْوٌ وَلَعِبٌ إِلَا أَنْ يَكُونَ أَرْبَعَةٌ: مُلَاعَبَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَتَأْدِيُب الرَّجُلِ فَرَسَهُ وَمَشْيُ الرَّجُلِ بَيْنَ الغَرَضَيْنِ وَتَعْلِيْمُ الرَّجُلِ السِّبَاحَةَ.

ص: 502

(حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قَالَتْ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ.

(5)

الصبر على الزوجة، وغض الطرف عن زلاتها:

وذلك لأمور أهمها أن المرأة من طبيعتها الغيرة وغالباً ما تكون الغيرة سبباً يدفع الزوجة إلى فعل ما لا يرضاه الزوج. وإذا انضاف إلى الغيرة ما جُبلت عليه المرأة من اعوجاج اللسان، كان ذلك أدعى للزوج أن يصبر على الأذى، وأن يغض الطرف ما استطاع، ويتجاوز عن الهنات والزلات، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا.

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا.

والمعنى: أن المرأة خُلقت من ضلع، وهو إشارة إلى أن خلق حواء كان من ضلع آدم.

وقوله: (وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ) أي أن أعوج ما في المرأة لسانها؛ وفيه تنبيه لطيف للرجال أن يصبروا على ما يأتيهم من زوجاتهم، لأنهن جُبلنَّ على ذلك ويصعب تقويمهن.

ص: 503

وقوله: (وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا

) أي: إن اصررت على تقويم أخلاقها فإن ذلك لن يستقيم لك بحال، وإصرارك يفضي إلى كسرها وهو طلاقها، كما جاء عند مسلم:(إن المرأة خُلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها)(1).

وفي حديث أنس الآتي يظهر لنا جلياً صبر النبي صلى الله عليه وسلم على بعض أزواجه من جراء غيرتها.

(حديث أَنَسٍ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ غَارَتْ أُمُّكُمْ ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ.

قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة:

من آداب العشرة مع النسوان أن تعلم أن الله خلقهن ناقصات العقل والدين، فعاشرهن بالمعروف على حسب ما جلبهن الله عليه من نقصان العقل والدين، ولا تطالبهن بما لم يجعل الله لهن، فإن الله تعالى لنقصان دينهن جعل شهادة امرأتين بشهادة رجل. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم:" ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لعقول الرجال ذوي الألباب منكن " الحديث ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " خيركم خيركم لأهله "

وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: عقل المرأة جمالها، وجمال الرجل عقله وسئل أبو حفص عن هذه الآية: وعاشروهن بالمعروف (1) فقال: هو حسن الصحبة مع من ساءك ومن كرهت صحبتها.

(6)

وطء الزوجة من الحقوق الواجبة على الزوج:

(1). مسلم (1468)

ص: 504

من حقوق الزوجة الواجبة على زوجها أن يطؤها بقدر حاجتها، ولا يشق عليها بتركها مدةً طويلة بدون وطء، فإن هذا من أعظم أسباب انحراف الزوجات. وهناك إشقاق من نوع آخر يغفل عنه بعض الأزواج ألا وهو عدم مراعاة حال الزوجة أثناء الجماع، وعدم المبالاة بها أقضت نهمتها وأصابت حاجته منه أم لا. ولعمر الله، لهذا أشدُ عليها من تركها مدةً طويلة بدون جماع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف؛ وهو من أوكد حقها عليه: أعظم من إطعامها. والوطء الواجب قيل: إنه واجب في كل أربعة أشهر مرة. وقيل: بقدر حاجتها وقدرته؛ كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته. وهذا أصح القولين. اهـ (1).

{فائدة} : من آداب الجماع:

(أولاً) التسمية قبل الوقاع: وفيه سنةٌ صحيحة.

(حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا.

قال ابن حجر رحمه الله في الفتح:

قوله: (لم يضره شيطان أبداً) أي: لم يضر الولد المذكور، بحيث يتمكن من إضراره في دينه أو بدنه، وليس المراد رفع الوسوسة من أصلها. قاله في الفتح (2).

{تنبيه} : يُقال هذا الدعاء عند إرادة الجماع أي قبل الشروع في الجماع، وليس عند الشروع فيه، أفادنا ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث:(إذا أراد أن يأتي أهله).

(ثانياً) جواز التجرد من الثياب عند الجماع:

وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة

(حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيحين) قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ.

(1). الفتاوى (32/ 271)

(2)

. (11/ 195)

ص: 505

(حديث معاوية بن حيده الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا قَالَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ.

{تنبيه} :وأما ما روى عنه صلى الله عليه وسلم في أنه قال: (إذا أتى أحدكم أهله، فليلقى على عجزه وعجزها شيئاً، ولا يتجردا تجرد العيرين)). فمنكر، ولا يصح في المنع حديث.

ت- يستحب الوضوء لمن جامع امرأته، وأراد أن يعاود الجماع قبل أن يغتسل:

(حديث أبي سعيد الثابت في صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ.

(ثالثاً) جواز العزل:

جواز العزل:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ.

(حديث أبي سَعِيدٍ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ وَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ.

(حديث جَابِرٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ

قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَعْزِلُ فَزَعَمَتْ الْيَهُودُ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى فَقَالَ كَذَبَتْ الْيَهُودُ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ فَلَمْ يَمْنَعْهُ.

ص: 506

(حديث جَابِرٍ رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خَادِمُنَا وَسَانِيَتُنَا وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ فَقَالَ اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا فَلَبِثَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَبِلَتْ فَقَالَ قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا.

الأولى ترك العزل:

(حديث معقل بن يسار الثابت في صحيحي أبي داوود و النسائي) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم.

(حديث جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الأَسَدِّيَة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ.

(حديث أبي سَعِيدٍ رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ وَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ.

مسألة: ما معنى العزل؟

معنى العزل:

العزل لغة: التنحية، تقول: عزلت الشيء عن غيره عزلا، من باب ضرب، وعزلته، فاعتزل وانعزل وتعزل، نحيته جانبا فتنحى.

ومنه: عزلت النائب كالوكيل، إذا أخرجته عما كان له من الحكم.

وعزل المجامع: أن يقارب الإنزال فينزع ويمني خارج الفرج (1).

والعزل اصطلاحا: لا يخرج عن معناه اللغوي.

قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:

(1) المصباح المنير (2/ 407)، والقاموس المحيط (1333).

ص: 507

العزل هو: أن يجامع فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج (1)

قال ابن حجر رحمه الله في الفتح:

العزل هو النزع بعد الإيلاج، لينزل خارج الفرج (2).

أي إخراج الزوج آلته بعد إدخالها في فرج زوجته عند الجماع ليقذف ماءه أي منيه خارج فرج زوجته.

(7)

تحريم نشر أسرار الاستمتاع بين الزوجين إلا لمصلحة شرعية:

شاع عند الجهلة من الناس، التحدث بما يجري بينه وبين زوجته من أمر الاستمتاع. وذوي الجهل المركب يقولون: إنا نتحدث بأمور قد حللها الشرع لنا ولم نتكلم عن فعل محرم. وجوابه أن يقال: جماع الزوجة والمملوكة والاستمتاع بهما حلال بالشرع، ولكن التحدث به للناس وإخبارهم بما كان منه عند خلوته بأهله محرم بالشرع. بل إن العقل والذوق السليم يستقبح ذلك ويشمئز منه، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة

(حديث أبي سعيد الخدري الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا.

(حديث أسماء بنت يزيد الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: عَسَى رَجُلٌ يُحَدِّثُ بِمَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ أَوْ عَسَى امْرِأَةٌ تُحَدِّثُ بِمَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجَهَا فَلَا تَفْعَلُوا فَإِنَّ مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةً فِي ظَهْرِ الطَّرِيْقِ فَغَشِيَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرونَ.

قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:

(1) شرح مسلم (10/ 10).

(2)

فتح الباري (9/ 305).

ص: 508

وفي هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه. فأما مجرد ذكر الجماع، فإن لم تكن فيه فائدة ولا إليه حاجه فمكروه لأنه خلافالمروءة. وقد قال صلى الله عليه وسلم:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت). وإن كان إليه حاجه أو ترتب عليه فائدة بأن ينكر عليه إعراضه عنها أو تدعي عليه العجز عن الجماع أو نحو ذلك فلا كراهة في ذكره، كما قال صلى الله عليه وسلم:(إني لأفعله أنا وهذه). وقال صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: (أعرستم الليلة؟). وقال لجابر: (الكيس الكيس) والله أعلم. اهـ (1).

{تنبيه} : يجوز نشر مثل هذه الأسرار لمصلحة شرعية:

فهؤلاء هن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يذكرن هديه صلى الله عليه وسلم في معاشرته، وتقبيله ومباشرته لهن، وذلك كله لرجحان المصلحة من ذكره.

بل أبلغ من ذلك:

فدل ذلك على جواز ذكر ما يدور بين الرجل والمرأة من أسرار الجماع للمصلحة الشرعية الراجحة من ذكرها.

وهذا ما فهمه الإمام النسائي، فذكر هذا الحديث في ((عشرة النساء)) من ((السنن الكبرى))، وبوب له:(الرخصة في أن يحدث الرجل بما يكون بينه وبين زوجته).

(8)

وجوب العدل بين الزوجات:

قال تعالى: (وَلَن تَسْتَطِيعُوَاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتّقُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً)[النساء/ 129]

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح السنن الأربعة) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ.

(1). شرح صحيح مسلم. المجلد الخامس (10/ 8 - 9)

ص: 509