المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل: ‌آداب قضاء الحاجة:

‌آداب قضاء الحاجة:

آداب قضاء الحاجة:

لقضاء الحاجة آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهاك آداب قضاء الحاجة جملةً وتفصيلا:

أولاً آداب قضاء الحاجة جملةً:

(1)

اجتناب الملاعن الثلاث:

(2)

يحرُم البول في الماء الراكد (الدائم):

(3)

كراهية دخول مكان قضاء الحاجة بشيء فيه ذكر الله:

(4)

لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها في الفضاء ويجوز في البنيان:

(5)

ما يقال ويفعل عند الدخول والخروج من الخلاء:

(6)

التستر عند قضاء الحاجة:

(7)

البول قائماً وقاعداً:

(8)

النهي عن استخدام اليد اليمنى في قضاء الحاجة:

(9)

الاستنجاء والاستجمار (1):

(10)

كراهية الاستجمار بالعظم والروث:

(11)

استحباب الاستجمار وتراً:

(12)

كراهية الكلام في الخلاء:

ثانيا آداب قضاء الحاجة تفصيلا:

(1)

اجتناب الملاعن الثلاث:

(حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ (2) وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ.

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوا وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ.

وحديث معاذ انفرد بذكر الموارد والموردة وهي: الطريق إلى الماء ذكره في اللسان (3). وهي المجاري والطرق إلى الماء واحدها مورد، يقال: وردت الماء إذا حضرته لتشرب (4).

(1).الاستنجاء: الاغتسال بالماء من النجو والتمسح بالحجارة منه

وقال الزجاج: الاستنجاء: التنظف بمدر أو ماء. واستنجى أي مسح موضع النجو أو غسله. (لسان العرب 15/ 306) مادة: (نجا).

الاستجمار: قال أبو زيد: الاستجمار: الاستنجاء بالحجارة، وقيل: هو الاستنجاء، واستجمر واستنجى واحد إذا تمسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار، ومنه سميت جمار الحج للحصى التي ترمى بها. (اللسان: 4/ 147) مادة: (جمر).

(2)

هي المجاري والطرق إلى الماء واحدها مورد، يقال: وردت الماء إذا حضرته لتشرب.

(3)

. (3/ 456) مادة: (ورد)

(4)

. عون المعبود بشرح سنن أبي داود. المجلد الأول (1/ 31)

ص: 26

والحديثان صُدر أحدهما باجتناب الملاعن الثلاث، والآخر باتقاء اللاعنين، فما المراد بذلك. قال الخطابي: المراد باللاعنين الأمرين الجالبين للعن، الحاملين الناس عليه والداعيين إليه، وذلك أن من فعلهما شتم ولعن يعني عادة الناس لعنه، فلما صارا سبباً لذلك أضيف اللعن إليهما، قال: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون والملاعن مواضع اللعن، قلت: فعلى هذا يكون التقدير: اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما، وهذا على رواية أبي داود. وأما على رواية مسلم فمعنا والله أعلم: اتقوا فعل اللعانين أي صاحبي اللعن وهما اللذان يلعنهما الناس في العادة والله أعلم (1).

وعلة النهي عن التخلي في هذه المواضع الثلاثة، هو أن تقذير هذه المواضع وتنجيسها بالقذر فيه إيذاءٌ للمؤمنين وإيذاءهم محرم بنص الكتاب، قال تعالى:(وَالّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مّبِيناً)[الأحزاب: 58]

{تنبيه} : يُلحق بالظل، المكان الذي يتشمس فيه الناس أيام الشتاء، قال الشيخ ابن عثيمين: وهذ قياسٌ جلي (2). وعلى هذا فلا يجوز التخلي في هذا المكان، لأن العلة في النهي عن الظل موجودة هنا والحكم يدور مع علته وجوداً وعدما ً.

{فائدة} : الأحاديث تشير إلى أن النهي ينصبُ على حال التغوط فقط دون التبول. وإلى هذا ذهب النووي فقال في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم) قال: فمعناه يتغوط في موضع يمر به الناس. ورد ذلك العظيم آبادي فقال: [و] لا يصح تفسير النووي بالتغوط، ولو سلم فالبول يلحق به قياساً

وقال: وقد علمت أن المراد بالتخلي التفرد لقضاء الحادة غائطاً كان أو بولاً

وأنت تعلم أن البراز اسم للفضاء الواسع من الأرض، وكنوا به عن حاجة الإنسان، يقال: تبرز الرجل إذا تغوط، فإنه وإن كان اسماً للغائط لكن يلحق به البول (3).

مسألة: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستتر عند قضاء حاجته بحائش نخلٍ، والحائش له ظل. فكيف نجمع بين فعله صلى الله عليه وسلم وبين نهيه؟

(1). شرح مسلم للنووي. المجلد الثاني (3/ 132)

(2)

. الشرح الممتع على زاد المستقنع (1/ 102). دار آسام. ط. الثانية 1414هـ

(3)

. انظر شرح مسلم للنووي. المجلد الثاني (3/ 132)، وعون المعبود. المجلد الأول (1/ 30 - 31)

ص: 27

الجواب: إن الظل الذي يحرم التخلي فيه، هو الظل الذي يقصده الناس ويجلسون فيه، ويجعلونه مقيلاً لهم، وأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيحمل على أن هذا الظل غير مقصود ولا مرغوب فيه، وحاشا أن ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء ثم يفعله.

(2)

يحرُم البول في الماء الراكد (الدائم):

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ.

والعلة فيه ظاهرة، وهو أن البول في الماء الدائم مظنة التنجيس، والتغوط فيه أشد وأقبح وهو أولى. ويُفهم منه أن حكم النهي لا ينسحب على الماء الجاري. قال النووي: فإن كان الماء كثيراً جارياً لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث (1).

(3)

كراهية دخول مكان قضاء الحاجة بشيء فيه ذكر الله:

وذلك صيانة لاسم الله تعالى عن الإهانة والابتذال، و لا يليق بمسلم أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله إلا لحاجة. قال ابن عثيمين في شرحه، قوله:(إلا لحاجة) هذا مستثنى من المكروه، يعني إذا احتاج إلى ذلك كالأوراق النقدية التي فها اسم الله، لأننا لو قلنا؛ لا تدخل بها ثم أخرجها ووضعها عند باب الخلاء صارت عرضة للنسيان، وإذا كان في محل بارح صارت عرضة لأن يطير بها الهواء، وإذا كان في مجمع من الناس عرضة لأن تسرق (2).

وأما المصحف فلا نشك في تحريم الدخول به إلى مكان قضاء الحاجة، وعليه أهل العلم، ولكنهم أجازوا الدخول به إن كان يُخشى عليه السرقة، ومع ذلك فإن المسلم عليه أن يتقي الله ربه، ولا يعرض كلام الله للإهانة، وعليه أن يتحرز في ذلك الأمر ما استطاع إلى ذلك سبيلاً كأن يُعطي شخصاً آخر ذلك المصحف حتى يخرج من الخلاء ونحو ذلك من السبل، فإن عُدمت فلا يُكلف الله نفساً إلا وسعها (3).

(4)

لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها في الفضاء ويجوز في البنيان:

(1). شرح صحيح مسلم. المجلد الأول (2/ 152). وللعلماء تفصيل في هذه المسألة لم أرد الإطالة فيها، واقتصرنا على المراد. انظر شرح مسلم للنووي، وشرح البخاري لا بن حجر (1/ 413 - 414).

(2)

. الشرح الممتع على زاد المستقنع (1/ 91)

(3)

انظر الشرح الممتع (1/ 91)

ص: 28

(حديث أبي أيوب الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا.

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيحين) قَالَ: لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ.

(حديث سلمان الفارسي الثابت في صحيح مسلم) أَنَّهُ قِيلَ لَهُ قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ فَقَالَ أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ.

(حديث مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا فَقُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا قَالَ بَلَى إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ.

ومذاهب أهل العلم في هذا كثيرة تبعاً لظواهر النصوص المتعارضة، ولكن الجمع بينها ممكن.

قال النووي رحمه الله: ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها (1). والمختار عندنا هو تحريم قضاء الحاجة مستقبل القبلة أو مستدبرها في الخلاء، وجواز ذلك في البنيان، أو بوجود ساتر بين المتخلي وبين القبلة استقبالاً أو استدباراً. وإلى هذا ذهبت اللجنة الدائمة (2).

(5)

ما يقال ويفعل عند الدخول والخروج من الخلاء:

مواضع قضاء الحاجة محل للنجاسات والقذر، والشياطين معروفةٌ بملابستها للنجاسات ومحبتها لذلك، ولذا فهي تأوي إلى الكُنف والحُشوش (مكان قضاء الحاجة)،والحشوش محتضرة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:

(1). شرح مسلم. المجلد الثاني (3/ 126)

(2)

. انظر الفتوى رقم (4480)(5/ 97 - 99)

ص: 29

(حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ.

والشيطان عدوٌ للإنسان، لا ينفك عن عداوته وإيذاءه ويجد بغيته في الحشوش والكنف، ولهذا جاء الشرع بما يحفظ للإنسان بدنه وعقله، فشرع له أذكاراً تحفظه بأمر الله سبحانه وتعالى. فيقدم الداخل إلى الخلاء رجله اليسرى، قال شيخ الإسلام: وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى: تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة، كالوضوء والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك، ونتف الإبط، وكاللباس، والانتعال، والترجل، ودخول المسجد والمنزل، والخروج من الخلاء، ونحو ذلك. وتقدم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء وخلع النعل، والخروج من المسجد (1).

الذكر عند دخول الخلاء:

يستحب للمسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء أن يقول: (بسم الله) بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:

(حديث علي الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمْ الْخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ.

ويسن له أن يقول: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث)، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:

(حديث أنس الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَالْخَبَائِثِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ (2).

(1). الفتاوى (21/ 108 - 109)

(2)

. قال ابن عثيمين: الخبْث: علىرواي التسكين- الشر، والخبائث: النفوس الشريرة. والخبُث: على رواية الضم - جمع خبيث والمراد به ذكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة، والمراد إناث الشياطين. والتسكين أعم، ولهذا كان هو أكثر روايات الشيوخ كما قاله الخطابي رحمه الله. (الشرح الممتع 1/ 82 - 83).

ص: 30

[وقال البخاري]: وقال سعيد بن زيد: (إذا أراد أن يدخل)(1). وقوله: (إذا أراد الخلاء) أفاد أن الداخل يقول هذا الذكر قبل دخوله لا بعده.

وفائدة هذه الاستعاذة: الالتجاء إلى الله عز وجل من الخبث والخبائث، لأن هذا المكان خبيث، والخبييث مأوى الخبثاء، فهو مأوى الشياطين فصار من المناسب إذا أراد دخول الخلاء أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث حتى لا يصيبه الخبث وهو الشر، ولا الخبائث وهو النفوس الشريرة، قاله في ابن عثيمين (2).

الذكر بعد الخروج من الخلاء:

وعند الخروج من الخلاء يقدم الرجل اليمنى ويقول: (غفرانك)، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:

(حديث عائشة الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ غُفْرَانَكَ.

{تنبيه} : هذا الأدب لا يقتصر على الأماكن المعدة لقضاء الحاجة، بل يستحب فعله حتى في الصحراء، فإذا اقترب المتخلي من المكان الذي اختاره لقضاء حاجته فليقل ذكر الدخول، وإذا فرغ منه قال ذكر الخروج. قال النووي: وهذا الأدب مجمع على استحبابه، ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء والله أعلم (3).

(6)

التستر عند قضاء الحاجة:

وهو أدبٌ نبوي، أرشد به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته إلى أن يستتروا عند قضاء حاجتهم، وذلك لأن قضاء الحاجة مدعاة إلى كشف العورة، والشرع جاء بالستر وحفظ العورات لا كشفها.

(حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما الثابت في صحيح أبي داوود) أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ.

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ.

(1). رواه البخاري (142)، ومسلم (375)، وأحمد (11536)، والترمذي (5)، والنسائي (19)، وأبو داود (4)، وابن ماجه (296)، والدارمي (669). وقول البخاري: وقال سعيد بن زيد .. الخ. هذه الرواية وصلها المصنف نفسه في الأدب المفرد. انظر فتح الباري (1/ 294)

(2)

. الشرح الممتع (1/ 83)

(3)

. شرح مسلم. المجلد الثاني (4/ 60)

ص: 31

(حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ (1) أَبْعَدَ.

والمتخلي في البنيان قد كُفي مشقة التحرز من كشف العورة، لوجود المرافق والمراحيض المستورة، فلله الحمد والمنة على تيسيره.

{تنبيه} : ينبغي على المتخلي في الصحراء أن لا يرفع ثوبه قبل أن يدنو من الأرض، وخصوصاً إذا كان هناك من يمكنه النظر إليه.

(حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ.

(7)

البول قائماً وقاعداً:

الأصل في البول أن يكون من قعود، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:

(حديث عائشة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقْوهُ مَا كَانَ يَبُولُ إِلَا جَالِسَاً.

وذلك لأن البائل قائماً لا يسلم عادةً من تلوث في بدنه وثوبه، ولكن إن دعت الحاجة إلى البوم واقفاً فلا بأس بذلك، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:

(حديث حُذيفة الثابت في الصحيحين) قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ (2) قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ.

{تنبيه} : لا منافاة بين حديث حذيفة، وبين قول عائشة-رضي الله عنهما فكلام عائشة يُحمل على الأغلب من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلنا ذلك لثبوت بوله قائماً صلى الله عليه وسلم. وحمل العلماء بول النبي صلى الله عليه وسلم قائماً، على أن ذلك لبيان الجواز، أو أنه كان في مكان لا يستطيع معه البول جالساً.

{فائدة} : لجواز البول قائماً شرطان:

(1)

أن يأمن التلويث.

(2)

أن يأمن الناظر. قاله ابن عثيمين (3).

مسألة: هل يجوز البول قائماً لغير حاجة؟

(1). قال الكسائي: يقالُ لموضع الغائط: الخلاءُ، والمَذْهب، والمرفق، والمرحاض. (لسان العرب 1/ 394) مادة:(ذهب)

(2)

. السُّباطة: الكناسة

: [وهي] الموضع الذي يُرمى فيه التراب والاوساخ وما يُكنس من المنازل. (لسان العرب 7/ 309) مادة: (سبط)

(3)

. الشرح الممتع (1/ 92)

ص: 32

الجواب: قالت اللجنة الدائمة: لو بال قائماً لغير حاجة لم يأثم لكنه خالف في القضاء حاجته الأفضل والأكثر من فعله صلى الله عليه وسلم (1).

(8)

النهي عن استخدام اليد اليمنى في قضاء الحاجة:

اعلم أن من تأمل نصوص الشرع، فإنه يجد أنها جاءت بتكريم اليد اليمنى والرجل اليمنى على الرجل اليسرى واليد اليسرى، وأرشدت العباد إلى أن يستخدموا أيمانهم في فعل الأمور الكريمة، وشمائلهم على الضد من ذلك. ومن هذا الباب نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مس الذكر والاستنجاء باليد اليمنى.

(حديث أبي قتادة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ.

(حديث عائشة الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى.

قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم:

أجمع العلماء على أنه منهي عن الاستنجاء باليمين، ثم الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم (2).

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

وإنما وقع النهي عن مس الذكر والاستنجاء باليمين لمعنيين:

أحدهما: لرفع قدر اليمين عن الاستعمال في خساس الأحوال، ولهذا تجعل في آخر دخول الخلاء وأول دخول المسجد، وتُجعل اليمين للأكل والشرب والتناول، وتُمتهن اليسرى في الأقذار.

والثاني: أنه لو باشرت اليُمنى النجاسة لكان الإنسان يتذكر عند تناول طعامه بيمنه ما باشرت ومست، فينفر الطبع ويستوحش، ويخيل إليه بقاء ذلك الأثر فيها، فُنزهت عن هذا ليطيب عيشه في التناول (3).

مسألة: لم يرد في الأحاديث النهي عن مس الدبر باليمين عند التغوط؟

(1). (5/ 89 - 90). فتوى (4213)

(2)

. شرح مسلم. المجلد الثاني (3/ 127)

(3)

. مشكل الصحيحين (2/ 138) رقم (604)

ص: 33

والجواب: النهي عن مس الدبر عند التغوط أولى من النهي عن مس الذكر عند التبول. فهو قياس الأولى، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم نبه بالأخف اكتفاءً به للدلالة على الأشد، لا سيما وأن النبي صلى الله عليه وسلم:(كان أشد حياءً من العذراء في خدرها)(1). ولا يرد علينا أن الحياء يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من تبليغ الدين؛ لأن البلاغ حصل بذكر الأخف تنبيهاً على الأشد، والله أعلم.

مسألة: قال طلق بين حبيب-رضي الله عنه قدمنا على نبي الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ، فقال:(هل هو إلا مُضغةٌ منه) أو قال: (بضعةٌ منه)(2). والسؤال هنا: إن ظاهر حديث طلق يدل على إباحة مس الذكر في جميع الأحول، فما الجمع بينه وبين حديث أبي قتادة؟

الجواب: أنه لا تعارض بينهما فحديث طلق رضي الله عنه مطلق، وحديث أبي قتادة-رضي الله عنه مقيد في حال البول. قال ابن أبي جمرة:[قوله]: (إنما هو بضعةٌ منك) فدل على الجواز في كل حال، فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح وبقي ما عداها على الإباحة (3).

(9)

الاستنجاء والاستجمار (4):

من محاسن الشريعة، أنها جاءت باليسر والتخفيف، ورفع الحرج عند المشقة وعدم الاستطاعة، قال تعالى:(يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)[البقرة: 185].

(1). رواه البخاري (3562)، ومسلم (2320)، وأحمد (11286)، وابن ماجه (4180)

(2)

. رواه أبو داود (182) قال ابن حجر: والحديث صحيح أو حسن (فتح الباري 1/ 306) وصححه الألباني، أحمد (15857)، والترمذي (85)، وابن ماجه (483).

(3)

. فتح الباري (1/ 306)

(4)

.الاستنجاء: الاغتسال بالماء من النجو والتمسح بالحجارة منه

وقال الزجاج: الاستنجاء: التنظف بمدر أو ماء. واستنجى أي مسح موضع النجو أو غسله. (لسان العرب 15/ 306) مادة: (نجا).

الاستجمار: قال أبو زيد: الاستجمار: الاستنجاء بالحجارة، وقيل: هو الاستنجاء، واستجمر واستنجى واحد إذا تمسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار، ومنه سميت جمار الحج للحصى التي ترمى بها. (اللسان: 4/ 147) مادة: (جمر).

ص: 34

ومن التيسير الذي منَّ الله به على المكلفين أن أباح لهم التنظف بالأحجار و نحوها كالأوراق والمناديل وشبهها بعد الفراغ من تخليهم واستطابتهم، وهو يقوم مقام الماء في التطهير، ولا شك أن هذا من التيسير لأن الماء غير مقدور عليه في كل الأحوال، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ (1) بِهَا أَوْ نَحْوَهُ وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ.

{تنبيه} : الاستنجاء قد يكون بالماء، وقد يكون بالأحجار، وقد يكون بهما جميعاً. أما الأول والثاني فقد وردت فيهما آثاراً صحيحة، وأما الثالث:[فـ] هذا لا أعلمه وارداً عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن من حيث المعنى لا شك أنه أكمل تطهيراً، قاله ابن عثيمين (2).

(10)

كراهية الاستجمار بالعظم والروث:

لما أباح الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، استعمال الأحجار ونحوها عوضاً عن الماء في التنظيف، منعهم من استعمال الروث العظم لمعاني فيها، إما على جهة التعبد أو أنها ليست لها خاصية التطهير كما في الأحجار وشبهها، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة

(حديث ابن مسعود الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ.

(حديث سلمان الفارسي الثابت في صحيح مسلم) أَنَّهُ قِيلَ لَهُ قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ فَقَالَ أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ.

(1). قال ابن منظور: وفي الحديث: ابغني أحجاراً استنفض بها. أي استنجي بها، وهو من نفض الثوب لأن المستنجي ينفض عن نفسه الأذى بالحجر أي يزيله ويدفعه. (اللسان: 7/ 241) مادة: (نفض)

(2)

. الشرح الممتع (1/ 105)

ص: 35

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ (1) بِهَا أَوْ نَحْوَهُ وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ.

{تنبيه} : يمنع الاستنجاء أو الاستجمار بطعام الآدميين، قياساً على طعام الجن، من باب قياس الأولى. كما يحرم الاستنجاء أو الاستجمار بالأوراق المحترمة ككتب علوم الشريعة لأنها لا تخلوا من الآيات القرآنية، وألفاظ الجلالة، والقرآن من باب أولى.

(11)

استحباب الاستجمار وتراً:

(حديث سلمان الفارسي الثابت في صحيح مسلم) أَنَّهُ قِيلَ لَهُ قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ فَقَالَ أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ.

وهذا من أجل إنقاء المحل، وأقله ثلاث مسحات تعم المحل، لحديث سلمان رضي الله عنه-السابق، فإن حصل الإنقاء بدون ثلاث مسحات وجب تكميلها، وإن حصل الإنقاء بعد الثلاث وكان شفعاً كالأربع والست استحب قطعه على الوتر بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ.

(12)

كراهية الكلام في الخلاء:

كره كثيرٌ من أهل العلم الكلام على قضاء الحاجة وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة

(حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ رَجُلًا مَرَّ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَبُولُ فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.

(حديث المهاجر بن قُنفد الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجه) أَنَّهُ

(1). قال ابن منظور: وفي الحديث: ابغني أحجاراً استنفض بها. أي استنجي بها، وهو من نفض الثوب لأن المستنجي ينفض عن نفسه الأذى بالحجر أي يزيله ويدفعه. (اللسان: 7/ 241) مادة: (نفض)

ص: 36