المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الباب السادس عشر - في ذكر حجارتها - التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار - جـ ٤

[ابن رجب الحنبلي]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الأول في ذكر الإنذار بالنار والتحذير منها

- ‌الباب الثاني في ذكر الخوف من النار وأحوال الخائفين

- ‌فصل [الخوف من عذاب جهنم لا يخرج عنه أحد]

- ‌فصل [في القدر الواجب من الخوف]

- ‌فصل [من السَّلف من كان إذا رأى النار اضطرب وتغيرت حاله]

- ‌فصل من الخائفين من منعه خوف جهنم من النوم

- ‌فصل ومنهم من منعه خوف النار من الضحك

- ‌فصل ومنهم من حديث له من خوفه من النار مرض، ومنهم من مات من ذلك

- ‌فصل أحوال بعض الخائفين

- ‌الباب الثالث في ذكر تخويف جميع أصناف الخلق بالنار وخوفهم منها

- ‌فصل وهذه النار التي في الدُّنْيَا تخاف من نار جهنم:

- ‌الباب الرابع في أن البكاء من خشية النار ينجي منها وأن التعوذ بالله من النار يوجب الإعاذة منها

- ‌فصل[التعوذ من النار]

- ‌الباب الخامس في ذكر مكان جهنم

- ‌فصل [البحار تسجر يوم القيامة]

- ‌الباب السادس في ذكر طبقاتها وأدراكها وصفتها

- ‌الباب السابع في ذكر قعرها وعمقها

- ‌فصل سعة جهنم طولا وعرضًا

- ‌الباب الثامن في ذكر أبوابها وسرادقها

- ‌فصل وقد وصف الله أبوابها أنها مغلقة عَلَى أهلها

- ‌فصل [إحاطة سرادق جهنم بالكافرين]

- ‌فصل وأبواب جهنم قبل دخول أهلها إليها يوم القيامة مغلقة

- ‌الباب التاسع في ذكر ظلمتها وشدة سوادها

- ‌الباب العاشر في شدة حرها وزمهريرها

- ‌فصل [في زمهرير جهنم بيت يتميز فيه الكافر من برده]

- ‌الباب الحادي عشر في ذكر سجر جهنم وتسعيرها

- ‌فصل وجهنم تسجر كل يوم نصف النهار

- ‌فصل وتسجر أحيانًا في غير نصف النهار

- ‌فصل وتسجر أيضاً يو القيامة

- ‌فصل وتسجر عَلَى أهلها بعد دخولهم إليها

- ‌الباب الثاني عشر في ذكر تغيظها وزفيرها

- ‌الباب الثالث عشر في ذكر فى دخانها وشررها ولهبها

- ‌الباب الرابع عشر في ذكر أوديتها وجبالها وآبارها وجبابها وعيونها وأنهارها

- ‌فصل [في تفسير قوله تعالى: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا}]

- ‌فصل [في أودية جهنم]

- ‌فصل في جهنم واد هو: جب الحزن

- ‌الباب الخامس عشر - في ذكر سلاسلها وأغلالها وأنكالها

- ‌فصل في تفسير قوله تعالى: ولهم مقامع من حديد

- ‌الباب السادس عشر - في ذكر حجارتها

- ‌الباب السابع عشر - في ذكر حياتها وعقاربها

- ‌الباب الثامن عشر - في ذكر طعام أهل النار وشرابهم فيها

- ‌فصل في تفسير قوله تعالى: {وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ}

- ‌فصل في شراب أهل النار

- ‌فصل في تنغص السَّلف عَلَى عند ذكر طعام أهل النار

- ‌الباب التاسع عشر في ذكر كسوة أهل النار ولباسهم

- ‌فصل في أن سرابيل أهل النار من قطران

- ‌فصل تفسير قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ

- ‌الباب العشرون في ذكر عظم خلق أهل النار فيها وقبح صورهم وهيئاتهم

- ‌فصل في تفسير قوله تعالى: تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون

- ‌فصل في تفسير قوله تعالى: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها

- ‌فصل في تسويد وجوه أهل النار ومد جسومهم

- ‌فصلذو الوجهين في الدُّنْيَا له وجهان من نار يوم القيامة

- ‌فصل ومنهم من تمسخ صورته عَلَى صورة قبيحة

- ‌فصل في نتن ريح أهل النار

- ‌الباب الحادي والعشرون في ذكر أنواع عذاب أهل النار فيها وتفاوتهم في العذاب بحسب أعمالهم

- ‌فصل ومن عذاب أهل النار: الصهر

- ‌فصل في تفسير قوله تعالى: التي تطلع عَلَى الأفئدة

- ‌فصل ومن أنواع عذابهم سحبهم في النار عَلَى وجوههم

- ‌فصل

- ‌فصل ومنهم من يدور في النار ويجر معه أمعاءه

- ‌فصل ومن أهل النار من يلقى في مكان ضيق لا يتمكن فيه من الحركة

- ‌فصل

- ‌فصل ومن أهل النار من يتأذى بعذابه أهل النار، إما من نتن ريحه، أو غيره:

- ‌فصل في تفسير قوله تعالى: ويأتيه الموت من كل مكان

- ‌فصل وعذاب الكفار في النار، لا يفتر عنهم، ولا ينقطع، ولا يخفف، بل هو متواصل أبدًا

- ‌فصل

- ‌فصل فيما يتحف به أهل النار عند دخولهم إليها -أجارنا الله منها

- ‌الباب الثاني والعشرون في ذكر بكاء أهل النار وزفيرهم وشهيقهم وصراخهم ودعائهم الَّذِي لا يستجاب لهم

- ‌فصل في طلب أهل النار الخروج منها

- ‌فصل

- ‌فصل وأما عصاة الموحدين، فربما ينفعهم الدعاء في النار

- ‌الباب الثالث والعشرون في ذكر نداء أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار وكلام بعضهم بعضًا

- ‌الباب الرابع والعشرون في ذكر خزنة جهنم وزبانيتها

- ‌فصل وقد وصف الله الملائكة الذين عَلَى النار، بالغلظة والشدة

- ‌فصل في تفسير قوله تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ

- ‌فصل تفسير قوله تعالى فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ

- ‌الباب الخامس والعشرون في ذكر مجيء النار يوم القيامة وخروج عنق منها يتكلم

- ‌الباب السادس والعشرون في ضرب الصراط عَلَى متن جهنم وهو جسر جهنم ومرور الموحدين عليه

- ‌الباب السابع والعشرون - في ذكر ورود النار نجانا الله منها بفضله ورحمته

- ‌فصل إذا وقف العبد بين يدي الله تستقبله النار

- ‌الباب الثامن والعشرون في ذكر حال الموحدين في النار وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين

- ‌فصل حسن الظن بالله تعالى

- ‌الباب التاسع والعشرون في ذكر أكثر أهل النار

- ‌الباب الثلاثون في ذكر صفات أهل النار وأصنافهم وأقسامهم

- ‌فصل في ذكر أول من يدخل النار من عصاة الموحدين

الفصل: ‌الباب السادس عشر - في ذكر حجارتها

‌الباب السادس عشر - في ذكر حجارتها

قَالَ الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].

وقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24]

واختلف المفسرون من السَّلف في هذه الحجارة:

فقالتْ طائفةٌ، منهم الربيع بنُ أنسٍ: الحجارةُ هي الأصنامُ التي عبدَتْ من دونِ اللَّهِ، واستشهدَ بعضُهم لهذا بقولِهِ تعالى:{(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98 - 99].

قالَ ابنُ أبي حاتمٍ: حدثنا أبو صالح، حدثنا معاويةُ بنُ أبي صالح، عنْ أبي بكرٍ بنِ أبي مريمَ، عنْ أبيه، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ في قولِهِ:{إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ} [التكوير: 1] قالَ: "كورتْ في جهنمَ".

{وإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ} [التكوير: 2] قال: "انكدرتْ في جهنمَ، وكلُّ ما عُبِدَ من دونِ اللهِ فهو في جهنمَ إلا ما كانَ مِنْ عيسى وأمِّه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلَاهَا".

غريبٌ جدًّا، وأبو بكرٍ بنُ أبي مريمَ فيه ضعفٌ.

وقد رُويَ أنَّ الشمسَ والقمرَ يكورانِ في النارِ.

ورواهُ عبدُ العزيزِ بنِ المختارِ، عنْ عبدِ اللَهِ - هو ابنُ فيروزَ الداناج - قالَ: سمعتُ أبا سلمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ، يحدثُ عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ:"إن الشمسُ والقمرُ يكورانِ في النارِ يومَ القيامةِ". خرَّجه البزار (1) وغيرهُ (2).

(1) في البحر الزخار (المجلد السادس مخطوط (نسخة كوبريلي) قَالَ البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلَاّ من هذا الوجه، بهذا الإسناد، ولا نعلم روى عبد الله الداناج عن أبي سلمة إلَاّ هذا الحديث.

(2)

وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (1/ 66 - 67).

ص: 232

وخرَّجهُ البخاريُّ (1) مختصرًا، ولفظُه:"الشمسُ والقمرُ مكورانِ يومَ القيامةِ".

وخرَّج أبو يَعْلَى، منْ روايةِ درستْ بنِ زيادٍ، عن يزيدَ الرقاشيَ، عن أنسٍ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ:"الشمسُ والقمرُ ثورانِ عقيرانِ في النارِ".

وهذا إسنادٌ ضعيف جدًّا (2).

وقد قيلَ: إنَّ المعنى في ذلكَ أنَّ الكفارَ، لمَّا عبدُوا الآلهةَ من دونِ اللَّهِ، واعتقدُوا أنها تشفعُ لهم عندَ اللَّهِ وتقرِّبُهم إليه، عوقِبُوا بأن جعلت معهم في النارِ إهانةً لها وإذلالاً، ونكايةً لهم، وإبلاغًا في حسرتِهِم وندامتِهِم، فإنَّ الإنسانَ إذا قرنَ في العذابِ بمنْ كانَ سببَ عذابِهِ كانَ أشدَّ في ألَمِهِ وحسرَتِهِ.

ولهذا المعنى يقرنُ الكفارُ بشياطينهِم التي أضلتْهُم.

قالَ اللَّهُ تعالَى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُون} [الزخرف: 36 - 39].

قالَ مَعْمرٌ: عنْ سعيدٍ الجريريِّ في هذهِ الآياتِ: بلغنَا أن الكافرَ إذا بُعِثَ يومَ القيامةِ منْ قبره، شُفِعَ بيده شيطانِ، فلم يفارقْه حتى يصيرَهُما اللَّهُ إلى النارِ، فذاكَ حينَ يقولُ:{يَا لَيْتَ بيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزخرف: 38].

وقالَ أبو الأشهبِ عن سعيدٍ الجريريِّ، عن عباسٍ الجشميِّ: إنَّ الكافرَ إذا خرجَ من قبرِهِ، وجَدَ عندَ رأسِهِ مثلَ السرحةِ المحترقةِ شيطانةً فتأخذُ بيده، فتقولُ:

(1) برقم (3200).

(2)

قَالَ ابن حبان في المجروجين (1/ 293) عن درست: وكان منكر الحديث جدًّا يروي عن مطر وغيره أشياء تتخايل إِلَى من يسمعها أنها موضوعة، لا يحل الاحتجاج بخبره، روى عن يزيد الرقاشي عن أنس. ثم ساق هذه الرواية.

ص: 233

أنا قرينتُكَ، حتى أدخلُ أنا وأنتَ جهنَّم، فذاك قولُهُ:{يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزخرف: 38] خرَّجَهما ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُهُ.

والسرحةُ: شجرةٌ كبيرةٌ.

وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى عن حنقِ الكفارِ على من أضلَّهُم بقولِهِ: {وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَاّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامَا لِيكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ} [فصلت: 29].

فإذا قُرن أحدُهُم بمن أضلَّه في العذابِ، كانَ أشدَّ لعذابِهِ، فإنَّ المكانَ المتسعَ، يضيقُ على المتباغِضينِ، باقترانِهِما في المكانِ الضيقِ.

وأخبرَ اللَّهُ تعالى عن اختصامِ الكفارِ معَ من كانَ معهُم من الشياطينِ، ومن عبدُوه من دونِ اللَّهِ تعالى.

قالَ اللَّهُ تعالى: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} الآيات كلها [الشعراء: 91 - 98].

ومن جملةِ أنواع عذابِ أهلِ النارِ فيها تلاعنُهم وتباغضُهم، وتبرُّؤُ بعضُهم من بعضٍ، ودعاءُ بعضِهم على بعضٍ بمضاعفةِ العذابِ.

كما قَالَ اللَّه تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} الآيات [الأعراف: 38].

وقال الله تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} [غافر: 47]

وقال اللَّهُ تعالى: {هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} الآيات [ص: 59 - 64].

ص: 234

وحينئذ فلا يبعدُ أن يقرنَ كلُّ كافرٍ بشيطانِهِ الذي أضَلَّهُ، وبصورة من عَبَدَهُ من دونِ اللَّهِ من الحجارةِ.

وقالَ ابنُ أبي الدنيا: حدثنا عبدُ اللَّه بنُ وضاح، حدثنا عبادة بنُ كليبٍ، عن محمدِ بنِ هاشمٍ، قالَ: لما نزلتْ هذه الآية {وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ} [التحريم: 6] وقرأها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فسمعَهَا شابٌّ إلى جنبِهِ فصُعِقَ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رأسَهُ في حجره رحمةً لَهُ، فمكثَ ما شاءَ أن يمكثَ، ثم فتحَ عينيهِ، فقالَ: بأبي أنتَ وأمِّي، مثلَ أيِّ شيء الحجرُ؟

قالَ: "أما يكفيكَ ما أصابَكَ، على أنَّ الحجرَ الواحدَ منها لو وُضِعَ عن جبالِ الدنيا كلِّها لذابتْ منهُ، وإنَّ معَ كل إنسانٍ منهُم حجرًا وشيطانًا"(1).

وقالَ الحسنُ في موعظَتِهِ: أذكركَ اللهَ ما رحمتَ نفسَكَ، فإنَّك قد حذرتَ نارًا لا تطفأ، يهوِي فيها من صارَ إليها، ويترددُ في أطباقِهَا قرينُ شيطانٍ، ولزيقُ حجرٍ يتلهبُ في وجههِ شعلُها:{لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36].

وأكثرُ المفسرينَ، على أن المرادَ بالحجارةِ في الآيتين حجارةُ الكبريتِ توقدُ بها النارُ، ويقالُ: إن فيها خمسةُ أنواع من العذابِ، ليسَ في غيرِها من الحجارةِ: سرعةُ الإيقادِ، ونتن الرائحةِ، وكثرةُ الدخانِ، وشدةُ الالتصاقِ بالأبدانِ، وقوةُ حرِّهَا إذا أحميتْ.

قالَ عبدُ الملكِ بنُ عميرِ، عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عنْ عمرِو بنِ ميمونَ، عنِ ابنِ مسعودٍ في قولِهِ تعالى:{وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] قالَ: هي حجارةٌ من الكبريتِ، خلقَهَا اللَّهُ يومَ خلقَ السموات والأرضَ في السماءِ الدنيا، يُعدها للكافرينَ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ والحاكمُ في المستدركِ (2)، وقال:

(1) وقال المنذري في "الترغيب والترهيب"(4/ 887): رواه ابن أبي الدُّنْيَا عن عبد الله بن الوضاح، حدثنا عباءة بن كليب، عن محمد بن هاشم، وعباءة قَالَ أبو حاتم: صدوق في حديثه إنكار، أخرجه البخاري في "الضعفاء" يحوّل من هناك.

(2)

(2/ 494).

ص: 235

صحيح عَلَى شرط الشيخين.

وقالَ السُّديُّ في تفسيره عنْ أبي مالكِ وعنْ أبي صالح، عنِ ابنِ عباسٍ وعن مرة، عن ابنِ مسعودٍ، وعن أناسٍ من الصحابةِ:{فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24]. أما الحجارةُ حجارةٌ في النار من كبريتٍ أسودَ، يعذبونَ به مع النارِ.

وقالَ مجاهدٌ: حجارة من كبريتٍ أنتن من الجيفةِ.

وهكذا قالَ أبو جعفرِ وابنُ جريج، وعمرُو بنُ دينار وغيرُهم.

وقالَ ابنُ وهبٍ: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، أخبرَني عبدُ اللَّهِ بن سليمانَ، عنْ درَّاج عن أبي الهيثم، عن عيسى بنِ هلال الصدفيّ، عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، قالَ: قالَ رسولُ اللَهِ صلى الله عليه وسلم: "إن الأرضينَ بينَ كل أرض إلى التي تليهَا مسيرةُ خمسمائة سنةٍ، فالعُليا منها على ظهرِ حوتٍ قد التقَى طرفَاهُ في السماءِ والحوتُ على صخرةٍ، والصخرةُ بيدِ ملكٍ، والثانية مسجن الريح، فلما أرادَ اللَهُ يهلك عادًا أمرَ خازنَ الريح أن يرسلَ عليهم ريحًا تهلكُ عادًا، قالَ: يا ربِّ أرسلْ عليهم من الريح قدرَ منخرِ ثورٍ.

قالَ له الجبارُ تبارك وتعالى: إذنْ يكفي الأرضَ ومن عليها، ولكنْ أرسِل عليهم بقدرِ خاتمٍ" فهي التي قالَ اللَّهُ في كتابه:{مَا تَذَرُ مِن شيءٍ أتت عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كالرميمِ} [الذاريات: 42].

والثالثةُ فيها حجارةُ جهنَم، والرابعةُ فيها كبريتُ جهنمَ.

قالُوا: يا رسولَ اللَهِ أللنارِ كبريتٌ؟!

قالَ: نعم. والذي نفسي بيدِهِ، إنَّ فيها لأوديةً من كبريت لو أرسلتْ فيها الجبالُ الرواسي لماعَتْ، والخامسةُ فيها حياتُ جهنمَ، وأفواهَها كالأوديةِ تلسعُ الكافرَ اللسعةَ فلا يبْقى منه لحمٌ على وضَمٍ (1)، والسادسةُ فيها عقاربُ جهنَّم، إنَّ أدنى عقربة منها

(1) الوضم: الخشبة أو البارية التي يوضع عليها اللحم، تقية من الأرض. النهاية، مادة:"وضم".

ص: 236

كالبغالِ الموكفةِ (1) تضربُ الكافرَ ضربةً تنسيه ضربتُها حرَّ جهنَّم، والسابعةُ سقرُ وفيها إبليسُ مصفدٌ بالحديد أمامَهُ ويدُه من خلفِهِ، فإذا أرادَ اللَّه أن يطلِقَهُ لما يشاءُ من عبابٍ أطلَقَهُ".

خرَّجه الحاكمُ في آخرِ المستدركِ (2) وقالَ: تفرد به أبو السمح، وقد ذكرتْ عدالتُه بنصِ الإمامِ يحيى بنِ معين، والحديثُ صحيحٌ ولم يخرِّجاه.

وقالَ بعضُ الحفاظِ المتأخرين (3): هو حديثٌ منكرٌ، وعبدُ اللَهِ بنُ عياشٍ القتبانيُّ ضعَّفه أبو داودَ، وعندَ مسلم أنَه ثقةٌ، ودرَاج كثيرُ المناكيرِ، واللَّهُ أعلمُ.

قلتُ: رفْعُه منكرٌ جدًّا، ولعله موقوفٌ، وغلطَ بعضُهم فرفَعَه.

وروى عطاء بن يسار عن كعب من قوله نحو هذا الكلام أيضاً.

عطاءُ بنُ يسارٍ عن كعب من قولِهِ نحوَ هذا الكلام أيضًا.

وعن عبدِ العزيز بن أبي روادٍ قالَ: بلغني أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تلا هذهِ الآيةَ: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] وعندهُ بعضُ أصحابِهِ وفيهم شيخٌ، فقالَ الشيخُ: يا رسولَ اللَّهِ حجارةُ جهنَّم كحجارةِ الدنيا؟

فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لصخرةً من صخرِ جهنَّم أعظمُ من جبالِ الدنيا كلِّها فوقعَ الشيخُ مغشيًّا عليه".

فوضعَ النبي صلى الله عليه وسلم يدَهُ على فؤادِهِ، فإذا هو حيٌّ، فناداه قلْ:"لا إله إلا اللَهُ" فقالَهَا، فبشَّره بالجنةِ".

فقالَ أصحابُهُ: يا رسولَ اللهِ، أمِنْ بيننا؟

قالَ: "نعم، يقولُ الله تبارك وتعالى:{ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14]. خرَّجه ابن أبي حاتم (4).

(1) السمينة.

(2)

(4/ 594) وأورده ابن كثير في "تفسيره"(3/ 143) من رواية ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به وقال: وهذا حديث غريب جدًّا، ورفعه فيه نظر.

(3)

هو الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك (4/ 594).

(4)

كما في تفسير "ابن كثير"(8/ 88) وقال ابن كثير: هذا حديث مرسل غريب.

ص: 237