الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب التاسع والعشرون في ذكر أكثر أهل النار
أهل النار الذين هم أهلها عَلَى الحقيقة، هم الذين يخلدون فيها، ولهم أعدت، كما قَالَ تعالى:{أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [القرآن: 24].
وقد ذكرنا فيما تقدم، حديث أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها، ولا يحيون".
وهؤلاء أهلها الخالدون فيها، هم أكثر ممن يدخلها من عصاة الموحدين، الذين يخرجون منها بعد أن يهذبوا وينقوا.
ويدل عَلَى ذلك ما روى أبو سعيد الخدري، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فَيُنَادَى بصوت، إن الله يأمرك أن تخرج بعث النار، قَالَ: يا رب، وما بعث النار؟ قَالَ: "من كل ألف، أراه قَالَ: تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل، ويشيب الوليد:{وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 2].
فشق ذلك عَلَى الناس، حتى تغيرت وجوههم، فقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، ومنكم واحد، ثم أنتم في الناس، كالشعرة السوداء [في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء](*) في جنب الثور الأسود إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة. فكبرنا، ثم قَالَ: ثلث أهل الجنة، فكبرنا، فَقَالَ:"شطر أهل الجنة، فكبرنا"، خرجاه في الصحيحين (1) ولفظه للبخاري.
روى هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا المعنى
(*) من صحيح البخاري.
(1)
أخرجه البخاري (3348)، ومسلم (222).
وفي حديثه: "إِنَّمَا أنتم جزء من ألف جزء" خرّجه الإمام أحمد (1) والحاكم (2) وصححه.
وخرج الإمام أحمد (3) والترمذي (4) من حديث الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا المعنى أيضًا، وفي حديثه قَالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم:"قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط، إلَاّ كان بين يديها جاهلية، فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت إلا كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلَاّ كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في [جلد] (5) البعير".
وفي رواية قَالَ: "اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده، إنكم لمع خليقتين، ما كانتا في شيء إلَاّ كثرتاه، يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس"(6).
وخرج ابن أبي حاتم، من حديث أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوه وفي حديثه:"ومن هلك من كفرة الجن والإنس"(7).
فهذه الأحاديث وما في معناها، تدل عَلَى أن أكثر بني آدم من أهل النار، وتدل أيضاً عَلَى أن أتباع الرسل قليل بالنسبة إِلَى غيرهم، وغير أتباع الرسل كلهم
(1) لم أجده في "المسند"، ولم يذكره ابن جحر في إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي في رواية هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس.
(2)
في "المستدرك"(4/ 568).
(3)
(4/ 432).
(4)
برقم (3168) وقال: هذا حديث حسن صحيح، قد رُوي من غير وجه عن عمران ابن حصين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم".
(5)
في الحاشية: جنب: "نسخة".
(6)
أخرجها أحمد (4/ 435)، والترمذي (3169) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(7)
وأخرجه الطبري في "تفسيره"(17/ 112) وابن حبان (1752 - موارد)، والحاكم في "المستدرك" (4/ 610) وقال الحاكم: هذا إسناد صحيح عَلَى شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وصححه الضياء في "المختارة"(2483).
في النار، إلَاّ من لم تبلغه الدعوة، أو لم يتمكن من فهمها، عَلَى ما جاء فيهم من الاختلاف، والمنتسبون إِلَى اتباع الرسل، كثير منهم من تمسك بدين منسوخ، وكتاب مبدل، وهم أيضاً من أهل النار، كما قَالَ تعالى:{وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17].
وأما المنتسبون إِلَى الكتاب المحكم، والشريعة المؤيدة، والدين الحق، فكثير منهم من أهل النار أيضاً، وهم المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وأما المنتسبون إِلَيْه ظاهرًا وباطنًا، فكثير منهم فتن بالشبهات، وهم أهل البدع والضلال.
وقد وردت الأحاديث بأن هذه الأمة ستفترق عَلَى بضع وسبعين فرقة، كلها في النار إلَاّ فرقة واحدة، وكثير منهم أيضًا فق بالشهوات المحرمة المتوعد عليها بالنار -وإن لم يقتض ذلك الخلود فيها- فلم ينج من الوعيد بالنار، ويستحق الوعد المطلق بالجنة من هذه الأمة، إلَاّ فرقة واحدة، وهي من كان عَلَى ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه ظاهرًا وباطنًا، وسلم من فتنة الشهوات والشبهات، وهؤلاء قليل جدًّا، لا سيما في الأزمان المتأخرة والقرآن يدل عَلَى أن أكثر الناس هم أهل النار، وهم الذين اتبعوا الشيطان، كما قَالَ تعالى:{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سبأ: 20].
وقال تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85].
فأما عصاة الموحدين، فأكثر من يدخل النار منهم النساء، كما في الصحيحين (1)، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنّه قَالَ في خطبة الكسوف:"رأيت النار، ورأيت أكثر أهلها النساء، بكفرهن، قيل: أيكفرون بالله؟! قَالَ: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إِلَى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: "ما رأيت منك خيرًا قط".
(1) أخرجه البخاري (29)، ومسلم (907).
وفي صحيح مسلم (1)"عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء".
وخرج البخاري (2)، من حديث عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله.
وخرجا في الصحيحين (3)، من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنّه قَالَ:"يا معشر النساء، تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، فقلن:"ولم ذاك يا رسول الله"؟ قَالَ: "تكثرن [اللعن] (*) وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن".
وخرج مسلم، من حديث جابر (4) وابن عمر (5) وأبي هريرة (6)، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وخرجا في الصحيحين (7)، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"قمت عَلَى باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أهل النار قد أمر بهم إِلَى النار، وقمت عَلَى باب النار، فَإِذَا عامة من دخلها النساء".
وخرج الإمام أحمد (8)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "اطلعت في الجنة، فرأيت [أكثر](**) أهلها الفقراء، واطلعت في
(1) برقم (2737).
(2)
برقم (3241).
(3)
أخرجه البخاري (304)، ومسلم (889) بنحوه.
(*) في الأصل: "الشكاية" وما نقلته من صحيح البخاري، وقد وردت في أحد طرق حديث جابر عند مسلم برقم (885/ 4) بلفظ:"الشكاة".
(4)
برقم (885).
(5)
برقم (79).
(6)
برقم (80) عن أبي سعيد وأبي هريرة.
(7)
أخرجه البخاري (5196)، ومسلم (2736).
(8)
(2/ 173) وقال الهيثمي في المجمع (10/ 261): رواه أحمد، وإسناده جيد.
(**) من المسند.
النار فرأيت [أكثر](*) أهلها الأغنياء والنساء".
وفي صحيح مسلم (1)، عن عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"إن أقل ساكني الجنة النساء".
وقد أشكل عَلَى بعض الناس الجمع بين هذا الحديث، وبين حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنّه قَالَ في أهل الجنة:"لكل واحد منهم زوجتان".
وفي صحيح مسلم (2)، عن أيوب، عن ابن سيرين، قَالَ: إما تفاخروا، وإما تذاكروا، الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فَقَالَ أبو هريرة: ألم يقل أبو القاسم، صلى الله عليه وسلم:"إن أول زمرة تدخل الجنة، عَلَى صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها عَلَى أضوء كوكب دري في السماء، لكل واحد منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب".
فرام بعضهم الجمع بين الحديثين، بأن قلة النساء في الجنة، إِنَّمَا هو قبل خروج عصاة الموحدين من النار، فَإِذَا خرجوا منها كان النساء حينئذ أكثر، والصحيح أن أبا هريرة أراد أن جنس النساء في الجنة أكثر من جنس الرجال، لأنّ كل رجل منهم له زوجتان، ولم يرد أن النساء من ولد آدم أكثر من الرجال.
ويدل عَلَى هذا، أنّه ورد في بعض روايات حديث أبي هريرة هذا الصحيحة:"لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين". كذلك رواه يونس، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرّجه من طريقه الإمام أحمد (3).
وكذا رواه هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، خرج حديثه البيهقي (4).
(*) من المسند.
(1)
برقم (2738).
(2)
برقم (2834) بمثله، وأخرجه البخاري (3246) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، دون قول ابن سيرين وأبي هريرة الَّذِي في حديث مسلم.
(3)
(2/ 507) من طريق هشام عن محمد به.
(4)
في "البعث والنشور"(370).
وخرج هذه اللفظة البخاري (1) في صحيحه، من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
ويشهد لذلك، وإن في بعض ألفاظ روايات حديث أبي هريرة هذا، المخرجة في الصحيح أيضاً (2):"وأزواجهم الحور العين" بدل قوله: "لكل واحد منهم زوجتان"، فهاتان الزوجتان من الحور العين، لا بد لكل رجل دخل الجنة منهم، وأما الزيادة عَلَى ذلك، فتكون بحسب الدرجات والأعمال، ولم يثبت في حصر الزيادة عَلَى الزوجتين شيء.
ويدل أيضاً عَلَى ما ذكرناه، ما خرّجه مسلم في صحيحه (3)، من حديث أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"أدنى أهل الجنة منزلة، رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة، فذكر الحديث، وفي آخره قَالَ: ثم يدخل بيته، فيدخل عليه زوجتان من الحور العين .. " وذكر الحديث.
وكذلك ورد في الشهيد، إذا استشهد أنه "يبتدره زوجتان من الحور العين"، فدل هذا عَلَى أن لكل رجل من أهل الجنة زوجتين من الحور العين (4)، ولو كان أدنى أهل الجنة منزلة، والله أعلم.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده، عن أبي صالح، قَالَ: بلغنا أن أكثر ذنوب أهل النار في النساء، كأنه يشير في الزنا ومتعلقاته.
وروى ابن أبي الدُّنْيَا، بإسناد منقطع، عن ابن مسعود، قَالَ:"ذنبان لا يغفران، فذكر أحدهما، رجل زين له سوء عمله فرآه حسنًا، فإن هذه التي يهلك فيها من يهلك من هذه الأمة". يشير إِلَى الشبهات المضلة، والله أعلم.
…
(1) برقم (3254).
(2)
أخرجه البخاري (3327)، ومسلم (2834).
(3)
برقم (188).
(4)
أخرجه أحمد (2/ 297، 427)، وابن ماجه (2798) وقال في الزوائد: هذا إسناد ضعيف، لضعف هلال بن أبي ذئب.