الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثامن عشر - في ذكر طعام أهل النار وشرابهم فيها
قَالَ الله تعالى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [الدخان: 43 - 46].
وقال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (3)(55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ [الواقعة: 51 - 57].
وقال: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} [الإسراء: 60]
وخرَّجَ الترمذيُّ (4) وابنُ ماجهَ (5) وابنُ حبانَ في صحيحِهِ (6)، من حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قرأ هذه الآيةَ: {اتَقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَموتنَّ إِلَاّ وَأَنتُم
(1){طلعها} : أي ثمرها الشبيه بطلع النخل. {كأنه رؤوس الشياطين} : تمثيل لتناهيه في البشاعة والقبح.
(2)
{لشوبًا} : لخلطًا ومزاجًا. {حميم} : أي ماء بالغ غاية الحرارة.
(3)
{شرب الهيم} : الإبل العطاش التي لا تروى.
(4)
برقم (2585) وقال: حسن صحيح.
(5)
برقم (4325).
(6)
برقم (7470).
مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لو أن قطرةً من الزقومِ قُطِرَتْ في دارِ الدنيا لأفسدتْ على أهلِ الدنيا معايشَهُم، فكيفَ بمن تكونُ طعامَهُ؟ " وقال الترمذيُّ: صحيح، ورُوي موقوفًا على ابنِ عباس.
وقال ابن إسحاق (1): حدثني حكيمُ بنُ حكيم، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال أبو جهلٍ لما ذكرَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شجرةَ الزقومِ: يُخوِّفُنا بها محمد؟!
يا معشرَ قريشٍ، أتدرُون ما شجرةُ الزقومِ التي يُخوِّفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوةُ يثربَ بالزبدِ، واللهِ لئنِ استمكنا منها لنتزقمنَّها تزقمًا (2)، فأنزل اللَّه فيه:{إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيم} [الدخان: 43 - 44].
أي ليس كما تقول.
وأنزل الله: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا} [الإسراء: 60]
وقال عبدُ الرزاقِ (3): عن معمر، عن قتادةَ، في قوله:{فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ} [الصافات: 63] قال: زادتُهم تكذيبًا حينَ أخبرَهم أنَّ في النَّارِ شجرةً، فقالوا: يخبرُهم أنَّ في النَّارِ شجرةً، والنَّارُ تحرقُ الشجرَ، فأخبرَهم أنَّ غذاءَها من النارِ.
وقد تقدمَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ شجرةَ الزقومِ نابتة في أصلِ سقرَ (4).
ورُوي عن الحسنِ، أنَّ أصلَها في قعرِ جهنمَ، وأغصانَها ترتفعُ إلى دركاتِها.
وقال سلامُ بنُ مسكينٍ: سمعتُ الحسنَ تلا هذه الآيةَ: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [الدخان: 43 - 46].
(1) ذكرها ابن هشام في السيرة (2/ 207 - 208) دون إسناد.
(2)
أي لنلتقمنها تلقمًا، اللسان، مادة:"زقم".
(3)
في "تفسيره"(3/ 150).
(4)
انظر تفسير الطبري (1/ 381).
قالَ: إنَّها هناك قد حُميت عليها جهنمُ.
وقال مغيرةُ، عن إبراهيمَ وأبي رزينِ:{كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ} [الدخان: 45]: قال: الشجرُ يغلي.
قال جعفرُ بنُ سليمانَ: سمعتُ أبا عمرانَ الجوني يقولُ: بلغَنا أنَّه لا ينهسُ منها نهسةً إلا نهستْ منه مثلَها.
وقد دلَّ القرآنُ، على أنَّهم يأكلونَ منها، حتى تمتلى منها بطونُهم، فتغلي في بطونِهم كما يغلي الحميمُ، وهو الماءُ الذي قدْ انتهى حرُّهُ، ثمَّ بعدَ أكلهم منها يشربُونَ عليه من الحميم شربَ الهيم.
قال ابنُ عباسٍ في روايةِ علي بنِ أبي طلحة: الهيمُ: الإبلُ العطاشُ (1).
وقال السديُّ: هو داء يأخذ الإبلَ فلا تُروى أبدًا حتى تموت، فكذلك أهلُ جهنم لا يُروونَ من الحميم أبدًا.
وعن مجاهدٍ نحوُه.
وعن الضحاكِ في قولِهِ: {شُرْبَ الْهِيم} [الواقعة: 55] قال: من العربِ مَن يقولُ: هو الرملُ، ومنهم مَنْ يقولُ: الإبلُ العطاش.
وقد رُوي عن ابنِ عباسٍ كلا القولين.
ودلَّ قولُهُ سبحانَهُ: {ثُمَّ إِن لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّن حَمِيم} [الصافات: 67] على أنَّ الحميمَ يشابُ به ما في بطونِهِم من الزَّقوم، فيصيرُ شوبًا له.
وقال عطاء الخراسانيُّ في هذه الآيةِ: يقالُ: يُخلطُ طعامُهُم ويشاطُ (*) بالحميم.
وقال قتادةُ: {لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيم} [الصافات: 67]: مِزاجًا من حميم.
(1) أخرجه الطبري في "تفسيره"(27/ 196) من طريق سفيان عن ابن عباس، وهو إسناد منقطع، وكذلك علي بن أبي طلحة قيل: لم يسمع ابن عباس.
(*) في المطبوع: "ويشاب".
وعن سعيدِ بنِ جبيرِ قال: إذا جاعَ أهلُ النَّارِ، استغاثُوا، من الجوعُ فأُغيثُوا بشجرةِ الزَّقومِ، فأكلوا منها، فانسلختْ وجوهُهُم، حتى لو أنَّ مارًّا مرَّ عليهم يعرفُهم لِعُرْفِ جلود وجوهِهِم، فإذا أكلُوا منها، أُلقي عليهم العطشُ، فاستغاثُوا من العطشِ، فأُغيثوا بماءِ كالمهلِ، والمهلُ: الذي قد انتهى حرُّهُ، فَإِذَا أدنوه من أفواههم، أنضج حره الوجوه، ويصهر به ما في بطونهم، ويضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو عَلَى حاله، يدعون بالثبور (1).
وقولُهُ تعالى: {ثمَّ إِن مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ} [الصافات: 67] أي: بعدَ أكل الزقومِ وشربِ الحميم عليه.
ويدلُّ هذا على أنَّ الحميمَ خارجٌ من الجحيم، فهم يردُونَه كما تَرِدُ الإبلُ على الماءَ، ثمَّ يَرِدُون إلى الجحيم.
ويدلُّ على هذا أيضًا، قولُه تعالى:{هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن 43 - 44].
والمعنى أنَّهم يتردَّدُون بينَ جهنمَ والحميم، فمرةٌ إلى هذا، ومرةٌ إلى هذا قالَهُ قتادةُ، وابنُ جريجٍ، وغيرُهما.
وقال القرظيُّ في قولِهِ: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن: 44] قالَ: إنَّ الحميمَ دونَ النَّارِ، فيُؤخذُ العبدُ بناصيتِه، فيُجرُّ في ذلك الحميم، حتى يذوبَ اللحمُ، ويبقى العظمُ، والعينان في الرأسِ، وهذا الذي يقول اللَّهُ عز وجل:{فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر: 72].
* * *
(1) الثبور: الهلاك.