المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌ كون النبي صلى الله عليه وسلم خرج في أمة العرب:

- ‌ شرف النسب:

- ‌ بلوغه صلى الله عليه وسلم الذروة في مكارم الأخلاق:

- ‌ كونه صلى الله عليه وسلم أميا لا يقرأ ولا يكتب:

- ‌ثالثا: بدء الوحي:

- ‌شهادة فيلسوف نصراني على صدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌من خصائص دين الإسلام

- ‌ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله:

- ‌ إقامة الصلاة:

- ‌ إيتاء الزكاة:

- ‌ صوم رمضان:

- ‌ حج البيت:

- ‌أولا: الإيمان بالله:

- ‌ثانيا: الإيمان بالملائكة

- ‌منزلة القرآن الكريم من الكتب المتقدمة

- ‌السنة النبوية

- ‌ثمرات الإيمان بالكتب:

- ‌من ثمرات الإيمان بالرسل:

- ‌ الإيمان بالبعث:

- ‌ الإيمان بالجزاء والحساب:

- ‌ثمرات الإيمان باليوم الآخر

- ‌إنكار البعث بعد الموت والرد على هذا الزعم

- ‌إنكار عذاب القبر ونعيمه والرد على هذا الزعم

- ‌سادسا: الإيمان بالقدر

- ‌العبادة في الإسلام

- ‌تعريفها:

- ‌ فضائلها

- ‌ حال المسلمين في عصورهم المتأخرة لا تمثل حقيقة الإسلام:

- ‌ تأخر المسلمين سببه البعد عن الدين:

- ‌ القول بأن الإسلام دين تطرف وإرهاب مردود على من قاله:

- ‌الدخول في دين الإسلام

الفصل: ‌ثالثا: بدء الوحي:

‌ثالثا: بدء الوحي:

بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أشده وقَرُب من الأربعين، واكتملت قواه العقلية والبدنية، وكان أول ما بدأ به من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح واضحة كما رآها في منامه.

ثم بعد ذلك حُبِبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بنفسه في غار حراء في مكة، فيتعبد الله الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بالطعام والشراب، حتى جاءه الحق، وهو على هذا الشأن بنزول القرآن عليه في شهر رمضان، وذلك بأن تمثل له المَلَكُ جبريل، ولقنه عن ربه أول ما نزل من القرآن، فقال:{اقرأ} فقال ((ما أنا بقارىء)) فقال له: {اقرأ} فقال: ((ما أنا بقارىء)) فقال: {اقرأ} فقال: ((ما أنا بقارىء)) وكان جبريل بعد كل جواب من الأجوبة الثلاثة يضمه على صدره، ويعصره حتى يبلغ منه الجهد.

ولما تركه جبريل في المرة الثالثة ألقى عليه أول آيات أنزلت من القرآن، وهي:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}

ص: 20

بهذه الآيات العظيمة التي تأمر بالعلم، وتبين بداية خلق الإنسان - بدأ نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم فرجع النبي إلى خديجة - يرجف فؤاده، ولكنه حفظ رشاده، فقال:«زملوني، زملوني» يعني لففوني بالثياب، ففعلوا، حتى إذا ذهب عنه الروع أخبر خديجة الخبر وقال:«لقد خشيت على نفسي»

فقالت خديجة رضي الله عنها: ((كلا والله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقوي الضعيف، وتعين على نوائب الحق))

وهكذا استدلت هذه المرأة العاقلة على أن من كان هذا شأنه في محبة الخير للناس فلن يخذله الله؛ فسنة الله تقتضي بأن الجزاء من جنس العمل.

ثم انطلقت بعد ذلك خديجة بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى أتت ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر في الجاهلية، ويكتب الإنجيل بالعبرانية، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت خديجة له: اسمع من محمد ما يقول، فقال ورقة يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ياليتني فيها جذعاً، أي شاباً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك.

ص: 21

فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أو مخرجي هم؟)) قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم توفي ورقة، وفتر الوحي.

واستمرت فترة الوحي ثلاث سنين، قوي فيها استعداد النبي، واشتد شوقه وحنينه.

قال صلى الله عليه وسلم: «بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني في حراء» .

وذكر أنه رعب منه، ولكن ذلك دون الرعبة الأولى، فرجع إلى أهله فتزمل، وتدثر (أي تغطى بالثياب) .

ثم أنزل الله عليه قوله - تعالى -: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} {قُمْ فَأَنْذِرْ} {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}

أي قم يا أيها الذي تدثر بثيابه، فأنذر الناس بالقرآن، وبلغهم دعوة الله، وطهر ثيابك من أدران الشرك، واهجر الأصنام.

ص: 22

ثم حمي الوحي بعد ذلك، وتتابع، وبلَّغ صلى الله عليه وسلم دعوة ربه، حيث أمره وأوحى إليه بأن يدعو الناس إلى عباده وحده، وإلى دين الإسلام الذي ارتضاه الله، وختم به الأديان؛ فقام النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.

فاستجاب له أو من استجاب له خديجة من النساء، وأبو بكر الصديق من الرجال، وعلى بن أبي طالب من الصبيان، ثم توالى دخول الناس في دين الله، فاشتد عليه أذى المشركين، وأخرجوه من مكة، وآذوا أصحابه أشد الأذى، فهاجر إلى المدينة، وتتابع عليه نزول الوحي، واستمر في دعوته، وجهاده، وفتوحاته، حتى عاد إلى مكة ظافرا فاتحا.

وبعد ذلك أكمل الله له الدين وأقر عينه بعز الإسلام وظهور المسلمين، ثم توفاه الله وعمره ثلاث وستون سنة، أربعون منها قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيا رسولا.

وبه ختم الله الرسالات السماوية، وأوجب طاعته على الجن والإنس؛ فمن أطاعه سعد في الدنيا، ودخل الجنة في الآخرة، ومن عصاه شقي في الدنيا، ودخل النار في الآخرة.

ص: 23

وبعدما توفاه الله عز وجل تابع أصحابه مسيرته، وبلغوا دعوته، وفتحوا البلدان بالإسلام، ونشروا الدين الحق حتى بلغ ما بلغ الليل والنهار.

ودينه عليه الصلاة والسلام باق إلى يوم القيامة؛ فما القول في أمي نشأ بين أميين، قام بذلك الإصلاح الذي تغير به تاريخ البشر أجمعين، في الشرائع، والسياسات، وسائر أمور الدنيا والدين؟ وامتد مع لغته في قرن واحد من الحجاز إلى آخر حدود أوربا وأفريقيا من الغرب، وإلى حدود الصين من جهة الشرق حتى خضعت له الأمم، ودالت له الدول، وأقبلت إليه الأرواح قبل الأشباح، وكانت تتبعه في كل فتوحه الحضارة والمدنية، والعدل والرحمة، والعلوم العقلية والكونية على أيدي تلك الأمة الحديثة العهد بالأمية، التي زكاها القرآن، وعلمها أن إصلاح الإنسان يتبعه إصلاح الأكوان؛ فهل يمكن أن يكون هذا إلا بوحي من لدن حكيم عليم، وتأييد سماوي من الإله العزيز القدير الرحيم؟

ص: 24