المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثالث: النصيحة بالحكمة - قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال في ضوء الكتاب والسنة

[سعيد بن وهف القحطاني]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأول: أصولٌ وضوابطٌ وموانعٌ في التكفير

- ‌تمهيد:

- ‌الفصل الأول: تحريم الخروج على أئمة المسلمين ووجوب طاعتهم في المعروف

- ‌المبحث الأول: وجوب السمع والطاعة بالمعروف

- ‌ طاعة ولاة أمر المسلمين واجبة في المعروف؛ لأدلة

- ‌ولاة الأمر هم: العلماء، والولاة، والأمراء

- ‌المبحث الثاني: تحريم الخروج على الإمام المسلم

- ‌المبحث الثالث: النَّصيحة بالحكمة

- ‌وإنكار المنكر مشروط بأن لا يحصل منكر أنكر

- ‌الأولى: أن يزول، ويخلفه ضده

- ‌الثانية: أن يقل، وإن لم يزل بجملته

- ‌الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله

- ‌الرابعة: أن يخلفه شر منه

- ‌المبحث الرابع: الدعاء لولاة الأمر من المسلمين

- ‌المبحث الخامس: الخارجون على الأئمة وصفاتهم

- ‌الخارجون على الإمام المسلم أربعة أصناف:

- ‌1 - قوم امتنعوا عن طاعة الإمام

- ‌2 - قوم لهم تأويل إلا أنهم نفر يسير لا منعة لهم:

- ‌3 - قوم من أهل الإسلام يخرجون عن قبضة الإمام ويريدون خلعه

- ‌4 - الخوارج الذين يكفّرون بالذنب

- ‌الفصل الثاني: أُصولٌ في التكفير

- ‌1 - إن السنة والأحاديث النبوية هي المبيِّنة للأحكام القرآنية

- ‌2 - إن الإيمان أَصْلٌ له شُعَب متعددة كل شعبةٍ منها تسمى إيماناً

- ‌3 - إن الإيمان مُركَّب من قولٍ وعمل:

- ‌الأول: قول القلب: وهو تصديقه وإيقانه واعتقاده

- ‌الثاني: قول اللسان: وهو النطق بالشهادتين، والإقرار بلوازمهما

- ‌الثالث: عمل القلب: وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد

- ‌الرابع: عمل اللسان والجوارح:

- ‌4 - إن الكفر نوعان: كفر أكبر كالشرك بالله تعالى، أو جحد ما أخبر به

- ‌5 - إنه لا يلزم من قيام شعبة من شُعَب الإيمان بالعبد أن يُسمّى مؤمناً

- ‌الفصل الثالث: ضوابط التكفير

- ‌1 - الحكم بالظاهر

- ‌2 - الاحتياط في تكفير المعين

- ‌3 - ما تقوم به الحجة:

- ‌4 - عدم التكفير بكل ذنب

- ‌الفصل الرابع: موانع التكفير

- ‌1 - الجهل، ولكن العذر بالجهل له حالات

- ‌2 - الخطأ

- ‌3 - الإكراه

- ‌4 - التأويل

- ‌5 - التقليد

- ‌التقليد في الحقيقة:

- ‌الفصل الخامس: خطورة التكفير

- ‌1 - أنَّه لا يحل لزوجته البقاءُ معه

- ‌2 - أنَّ أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه

- ‌3 - أنَّه فقد حق الولاية والنُّصرة من المجتمع الإسلامي بعد أن مرق

- ‌4 - أنَّه يجب أن يُحاكم أمام القضاء الإسلامي

- ‌5 - أنَّه إذا مات لا تُجرى عليه أحكام المسلمين

- ‌6 - أنَّه إذا مات على حاله من الكفر يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته

- ‌7 - أنَّه لا يُدعَى له بالرَّحمة

- ‌الفصل السادس: تعاريف ومفاهيم

- ‌1ـ الكفر

- ‌أ- كُفرٌ يُخرِج من الملَّة، وهو (الكفر الأكبر)

- ‌ب- كفر لا يُخرج من الملة، وهو (الكفر الأصغر)، أو كفر

- ‌2 - الشرك:

- ‌والشرك في الاصطلاح الشرعي:

- ‌الشرك شركان:

- ‌شرك أكبر يُخرِج من الملة

- ‌شرك أصغر لا يُخرِج من الملّة

- ‌3 - الإلحاد:

- ‌4 - النفاق: لغة:

- ‌النفاق: شرعاً:

- ‌النفاق نوعان: أكبر يُخرج من الملّة، وأصغر لا يُخرج من الملّة

- ‌5 - الزندقة:

- ‌6 - البِدعَةُ: لغة:

- ‌البدعة في الاصطلاح الشرعي

- ‌البدعة بدعتان: بدعة مُكفِّرة تُخرج عن الإسلام، وبدعة مُفسّقة لا تخرج عن الإسلام

- ‌الباب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة في قضية التكفير

- ‌الفصل الأول: مذهب أهل السنة ومعتمدهم

- ‌المبحث الأول: مذهب أهل السنة والجماعة

- ‌أهل السنة والجماعة هم أهل الحق

- ‌أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله، وآياته، وصفاته، وسط

- ‌ أهل السنة والجماعة في التكفير، فهم وسط بين مذهبي: الإرجاء، والوعيدية

- ‌ أهل السنة والجماعة: العباد مأمورون بالطاعة، ومنهيُّون عن المعصية

- ‌والإيمان عند أهل السنة والجماعة، يزيد وينقص

- ‌ أهل السنة وسط في صحابة رسول الله

- ‌الكفّار نوعان:

- ‌ ومن هذه الأسباب الأسباب الآتية:

- ‌السبب الأول: الشرك بالله تعالى والشرك بالرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌1ـ فالشرك بالله تعالى إما شرك في الربوبية

- ‌2 - أما الشرك بالرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌السبب الثاني من أسباب الكفر: عدم الإيمان بالكتاب والسنة

- ‌تقييد لا بد منه

- ‌خلاصة مذهب أهل السنة في قضية التكفير:

- ‌ الكفر، والشرك، والبدعة، والظلم، والفسوق، والنفاق

- ‌أ- أكبر يُخرج من الملّة لمنافاته أصل الدين بالكليَّة

- ‌ب- وأصغر ينقص الإيمان وينافي كماله، ولا يخرج صاحبه منه

- ‌ ويختلف الأمر بين الحاكم والمحكوم

- ‌أ- موقف الحاكم من المارقين والعصاة:

- ‌1 - فإن ادَّعوا أنهم مؤمنون

- ‌ب- أما موقف الشعب (المحكومين) من المضلَّلين والجاهلين

- ‌المبحث الثاني: معتمد أهل السنة والجماعة فيما ذهبوا إليه

- ‌أولاً: من الكتاب:

- ‌ثانياً: من السّنّة المطهَّرة:

- ‌ثالثاً: الإجماع:

- ‌الفصل الثاني: أنواع الكفر وأخطر المكفرات

- ‌المبحث الأول: أنواع الكفر

- ‌المطلب الأول: كفر أكبر يخرج من الملة

- ‌النوع الأول: كفر التكذيب

- ‌النوع الثاني: كفر الإباء والاستكبار مع التصديق

- ‌النوع الثالث: كفر الشكّ، وهو كفر الظنّ

- ‌النوع الرابع: كفر الإعراض

- ‌النوع الخامس: كفر النفاق

- ‌المطلب الثاني: كفر أصغر لا يُخرج من الملة

- ‌المبحث الثاني: نواقض ونواقص الإسلام

- ‌المطلب الأول: أقسام المخالفات

- ‌القسم الأول: يوجب الرِّدّة، ويبطل الإسلام بالكُليّة

- ‌القسم الثاني: لا يبطل الإسلام، ولكن ينقصه ويضعفه

- ‌المطلب الثاني: أخطر النواقض المكفرات وأكثرها وقوعاً

- ‌الأول: الشرك في عبادة الله تعالى

- ‌والشرك ثلاثة أنواع:

- ‌النوع الأول: شرك أكبر: يُخرج من الملّة

- ‌1 - شرك الدعوة:

- ‌2 - شرك النِّيَّة والإرادة والقَصد:

- ‌3 - شرك الطَّاعة:

- ‌4 - شرك المحبة:

- ‌النوع الثاني: من أنواع الشرك: شرك أصغر:

- ‌النوع الثالث: من أنواع الشرك: شرك خفي:

- ‌الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم

- ‌الثالث: من لم يكفِّر المشركين، أو شكّ في كفرهم

- ‌الرابع: من اعتقد أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه

- ‌الخلاصة أن الحكم بغير ما أنزل الله فيه تفصيل

- ‌الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول

- ‌السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثوابه، أو عقابه، كفر

- ‌التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به

- ‌المطلب الثالث: أنواع النفاق

- ‌أولاً: النفاق الأكبر:

- ‌ثانياً: النفاق الأصغر:

- ‌المطلب الرابع: أنواع الأمور المبتدعة عند القبور

- ‌النوع الأول: من يسأل الميت حاجته

- ‌النوع الثاني: أن يسأل الله تعالى بالميت

- ‌النوع الثالث: أن يظن أن الدّعاء عند القبور مستجاب

- ‌المبحث الثالث: أصول المكفرات

- ‌القسم الأول: القوادح المكفّرة:

- ‌1 - الرّدّة بالقول:

- ‌2 - الرّدّة بالفعل:

- ‌3 - الرّدّة بالاعتقاد:

- ‌4 - الرّدّة بالشّكّ:

- ‌القسم الثاني: قوادح دون الكفر:

- ‌الباب الثالث: مذاهب الناس في تكفير أهل القبلة ومناقشتها

- ‌الفصل الأول: مذاهب الناس في التكفير

- ‌المبحث الأول: الخوارج ورأيهم

- ‌المبحث الثاني: المعتزلة ورأيهم

- ‌المبحث الثالث: الشيعة ورأيهم

- ‌خلاصة القول في مذهب الشيعة:

- ‌1 - الطّعن في أبي بكر رضي الله عنه

- ‌2 - الطعن في عمر:

- ‌3 - طعنهم في بقية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه أمهات المؤمنين

- ‌المبحث الرابع: المرجئة ورأيهم

- ‌الفصل الثاني: مناقشة الآراء السابقة وتقرير الحق بالدليل

- ‌المبحث الأول: مناقشة الخوارج

- ‌المبحث الثاني: مناقشة المعتزلة

- ‌المبحث الثالث: مناقشة الشيعة

- ‌المبحث الرابع: الرّدّ على المرجئة

- ‌الخاتمة: نتائج وثمرات البحث

الفصل: ‌المبحث الثالث: النصيحة بالحكمة

‌المبحث الثالث: النَّصيحة بالحكمة

21 -

قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها، وبلّغها، فَرُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفْقَهُ منه، ثلاثٌ لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم)) (1).

فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالبهجة ونضارة الوجه والحُسن الذي يُكسى به الوجه من آثار الإيمان وابتهاج الباطن به، وفرح القلب وسروره به، وَالْتِذَاذِهِ لمن سمع كلامه، ووعاه، وحفظه، وبلّغه غيره، فمن قام بهذه المراتب الأربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمّنة لجمال الباطن والظاهر (2).

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: ((وقوله: صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث لا يغِلُّ عليهن قلب مسلم

)) أي لا يحمل الغِلَّ، ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنها تنفي الغل والغش وفساد القلب، وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصهُ يمنعُ غِلَّ قلبه، ويخرجه ويزيله جُملةً؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبقَ فيه موضع للغش.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ومناصحة أئمة المسلمين

)) هذا أيضًا منافٍ للغل

(1) أخرجه الترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، برقم 2658، وابن ماجه في المقدمة، باب من بلّغ علماً، برقم 230، وفي كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر، برقم 3056، وأحمد، 1/ 437، وصححه الألباني صحيح الجامع، برقم 6766.

(2)

انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم، 1/ 274، و276 بتحقيق علي بن حسن بن عبد الحميد.

ص: 15

والغش؛ فإن النصيحة لا تجامع الغلَّ، إذ هي ضدُّهُ، فمن نصح الأئمة والأمة فقد برئ من الغل.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ولزوم جماعتهم

)) هذا أيضاً مما يُطَهِّر القلب من الغلِّ والغشِّ، فإن صاحبه - للزومه جماعة المسلمين - يُحبُّ لهم ما يحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكرَهُ لها، ويسوؤهُ ما يسوؤهم، ويسرّه ما يسرّهم، وهذا بخلاف من انحاز عنهم، واشتغل بالطعن عليهم والعيب والذّمِّ، كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم؛ فإن قلوبهم مُمتلئةٌ غِلاًّ وغِشَّاً؛ ولهذا تجد الرافضة أبعد الناس من الإخلاص، وأغشَّهم للأئمة والأُمَّة، وأشدَّهم بُعداً عن جماعة المسلمين.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم

)) هذا من أحسن الكلام وأوجزه، وأفخمه معنىً، شبَّه دعوة المسلمين بالسور والسِّياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوِّهم عليهم، فتلك الدعوة التي هي دعوةُ الإسلام - وهم داخلوها - لَمّا كانت سوراً وسياجاً عليهم أخبر أن من لزم جماعة المسلمين أحاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الإسلام كما أحاطت بهم، فالدعوةُ تجمع شمل الأمة، وتلمُّ شَعَثَها، وتحيط بها، فمن دخل جماعتها أحاطت به وشَمِلَتْهُ)) (1).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((وما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور، ومناصحتهم واجب على الإنسان وإن لم يعاهدهم عليه، وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكّدة، كما تجب عليه

(1) مفتاح دار السعادة لابن القيم، 1/ 275 - 278 بتصرف يسير.

ص: 16

الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، وحج البيت، وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من الطاعة، فإذا حلف على ذلك كان ذلك توكيداً وتثبيتاً لِمَا أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور، ومناصحتهم، فالحالف على هذه الأمور لا يحل له أن يفعل خلاف المحلوف عليه

فإن ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب وإن لم يحلف عليه، فكيف إذا حلف عليه، وما نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن معصيتهم وغشهم محرم، وإن لم يحلف على ذلك)) (1).

والنصيحة لولاة الأمر تكون سرّاً بين الناصح وبينهم: برفقٍ ولينٍ، وحكمةٍ وموعظةٍ حسنة، وأسلوبٍ مناسب.

22 -

فعن عياض بن غنم أنه قال لهشام بن حكيم رضي الله عنهما: ألم تسمع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يُبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدّى الذي عليه)) (2).

23 -

وعن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدِّينُ النصيحة)) قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتهم)) (3).

(1) فتاوى ابن تيمية، 35/ 9 - 10.

(2)

أخرجه عمرو بن أبي عاصم في كتابه: كتاب السنة، 2/ 521، وأخرجه أحمد، 3/ 403 - 404، والحاكم، 3/ 290، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد:((رواه أحمد ورجاله ثقات))، 5/ 229. وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة، 2/ 521.

(3)

أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، برقم 55، والحديث أخرجه البخاري معلقاً في كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:((الدين النصيحة))، ص 35، ط بيت الأفكار الدولية.

ص: 17

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: ((أما النصيحة لأئمة المسلمين: فحبُّ صلاحهم ورُشدهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله عز وجل، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحبّ إعزازهم في طاعة الله عز وجل)) (1). وقال في موضع آخر: ((والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفقٍ ولطفٍ، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك)) (2).

وقال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: ((وأما النصيحة لأئمة المسلمين: وهم ولاتهم من السلطان الأعظم إلى الأمير إلى القاضي، فهؤلاء لمّا كانت مهماتهم وواجباتهم أعظمَ من غيرهم، وجب لهم من النصيحة بحسب مراتبهم ومقاماتهم، وذلك باعتقاد إمامتهم، والاعتراف بولايتهم، ووجوب طاعتهم بالمعروف، وعدم الخروج عليهم، وحث الرعية على طاعتهم، ولزوم أمرهم الذي لا يخالف أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبذل ما يستطيع الإنسان من نصيحتهم،

(1) جامع العلوم والحكم، 1/ 222.

(2)

جامع العلوم والحكم، 1/ 223، وانظر: كلمات تكتب بماء الذهب في طاعة ولاة أمور المسلمين: فتاوى ابن تيمية، 28/ 390 - 391، ومنهاج السنة النبوية، 3/ 390، ومفتاح دار السعادة لابن القيم، 1/ 62، والجامع الفريد من كتب ورسائل أئمة الدعوة الإسلامية، ص281، والعقيدة الطحاوية، ص368.

ص: 18

وتوضيح ما خفي عليهم مما يحتاجون إليه في رعايتهم، كل أحد بحسب حاله، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق؛ فإن صلاحهم صلاح لرعيتهم، واجتناب سبِّهم، والقدح فيهم، وإشاعة مثالبهم؛ فإن في ذلك شرّاً، وضرراً، وفساداً كبيراً.

فمن نصيحتهم الحذر والتحذير من ذلك، وعلى من رأى منهم ما لا يحل أن ينبههم سرّاً لا علناً، بلطفٍ وعبارة تليق بالمقام، ويحصل بها المقصود؛ فإن هذا هو المطلوب في حق كل أحد، وبالأخص ولاة الأمور؛ فإن تنبيههم على هذا الوجه فيه خير كثير، وذلك علامة الصدق والإخلاص، واحذر أيها الناصح لهم - على هذا الوجه المحمود - أن تفسد نصيحتك بالتمدح عند الناس فتقول لهم: إني نصحتهم، وقلت وقلت؛ فإن هذا عنوان الرياء، وعلامة ضعف الإخلاص، وفيه أضرار أُخر معروفة)) (1).

24 -

وعن زياد بن كُسيب العدوي قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب، وعليه ثياب رقاق، فقال: أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفُسّاق، فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله)) (2)، ولفظ الإمام أحمد بدون ذكر القصة: ((من أكرم سلطان الله تبارك وتعالى في الدنيا

(1) الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، ص38 - 49.

(2)

أخرجه الترمذي، كتاب الفتن، باب 47، برقم 2224، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، 2297، وانظر: صحيح الترمذي، 2/ 245.

ص: 19

أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله تبارك وتعالى في الدنيا أهانه الله يوم القيامة)) (1)؛ ولهذا قال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله:((لا يزال الناس بخير ما عظَّموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفّوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم)) (2).

25 -

وقيل لأسامة بن زيد رضي الله عنهما: لو أتيت فلاناً (3) فكلَّمته، قال: ((إنكم لترون أني لا أُكلِّمُه إلا أُسْمِعُكم، إني أُكلِّمه في السِّر [وفي رواية لمسلم: والله لقد كلَّمته فيما بيني وبينه] دون أن أفتح باباً لا أكون أول من فتحه

)) (4).

فقد استخدم أسامة رضي الله عنه أسلوب الحكمة مع الأمير العظيم عثمان رضي الله عنه وأرضاه؛ لِأَنَّ النصيحة لولي أمر المسلمين لا بد فيها من مراعاة مركزه، وحاله؛ لأن إنزال الناس منازلهم من صميم الحِكمة؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:((وفي الحديث تعظيم الأمراء، والأدب معهم، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم (5)؛ ليكفُّوا ويأخذوا حذرهم بلطفٍ،

(1) أحمد، 5/ 48 - 49، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، 5/ 215: رواه أحمد والطبراني باختصار، وزاد في أوله: ((الإمام ظل الله في الأرض

))، ورجال أحمد ثقات)). وحسنه الألباني كما تقدم، وفي صحيح الجامع، برقم 5987.

(2)

تفسير القرطبي، 5/ 262.

(3)

هو عثمان بن عفان رضي الله عنه، كما في رواية الإمام مسلم، برقم 2989.

(4)

أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، برقم 3267،ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله، برقم، 2989.

(5)

وليس المراد تبليغهم ما يقول الناس فيهم على وجه النميمة والإفساد.

ص: 20