الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[ثقافة العنف]
[أولا الأسباب العامة]
ثقافة العنف * د. محمود بن أحمد شوق: لا نستطيع إرجاع ظاهرة العنف الإسلامي الحديثة إلى سبب واحد، وإنما هي ثمرة جملة من العوامل، بعضها إنساني عام، وبعضها الآخر وليد ظروفنا الذاتية.
أولاً - من الأسباب العامة 1) انتشار ظاهرة العنف في جميع أنحاء العالم، واستخدام العنف في العلاقات الدولية، والحروب التي لا ينطفئ لها سعير شاهد على هذا؛ فبالأمس كنا نتحدث عن حرب البوسنة والهرسك والصرب، وحرب أفغانستان والاتحاد السوفيتي، وحرب إيران والعراق، وعدوان إسرائيل على العرب، واعتداء العراق على الكويت، إلى آخر قائمة الحروب التي شهدناها.
واليوم، لا تزال طاحونة العنف تطحن البشر: روسيا ضد الشيشان، والهند ضد كشمير، وإسرائيل ضد الفلسطينيين واللبنانيين، رغم الاتجاه إلى السلام، وصراع الفصائل الأفغانية فيما بينها، وحرب نمور التاميل والجيش السيرلانكي، وتمرد جنوب السودان، وحرب القبائل في رواندا، وغيرها من طواحين الحرب التي تصم أخبارها آذان البشر كل يوم.
2 -
) انتشار ثقافة العنف في الإعلام إن المتابع للإعلام الغربي - على وجه الخصوص - يجد العنف قد تبوأ فيه مساحة كبيرة، فأفلام الحركة التي تعتبر اتجاها عصريّا في هذه الأيام تعتمد - بالدرجة الأولى - على العنف والاقتتال. ولكي يمكن تبرير هذا العنف لا بد أن تختل موازين العلاقة بين الأفراد أو الجماعات في أحداث هذه الأفلام من أجل أن يجد مخرجوها أسباباً تقنع المشاهد بأن هذا العنف ينسجم مع سلسلة الأحداث التي تحتويها. وفي كثير من الأحيان يكون الغلو في الفكر أو الغلو في الاعتداء أو الغلو في فرض الإرادة والسيطرة أو غير ذلك من مجالات الانحراف في العلاقات - هو محور هذه الأفلام - وبذلك، فإن هذه الأفلام تغرس الانحرافات السلوكية إضافة إلى العنف في نفوس مشاهديها.
والمشاهد لأفلام الكراتيه والجودو وحتى برامج الأطفال يجد العنف هو الأساس في أحداثها. ولا يخفى على أحد أن التلفاز أداة جاذبة للصغار والكبار، وبكل أسف فإن الإعلام في كثير من بلدان العالم الإسلامي يعب من هذه المواد الإعلامية الغربية فتغرس في أبناء المسلمين الاتجاه إلى العنف، وبخاصة أن عرض المواد التي تحمل هذا الاتجاه يكون شائقاً. مما يجعلها بالنسبة لأبناء المسلمين مثل السم في العسل.
3 -
) الخواء العقدي لا شك أن العقيدة الإسلامية الراسخة تكون زادا للإنسان في رحلة الحياة، ورجاء له من الوقوع في المحظور، وعضداً له في مواجهة مشكلات الحياة وخطوبها، وهى تحرر الإنسان من الخوف من غير الله، وتقيم سلوكه على الحق والعدل، وتشعره بعون الله الدائم ورعايته المستمرة، ومن ثم لا يشعر باليأس أو القنوط، بل تكون نفسه راضية مرضية.
أما عند غير المسلمين فإن هذا الخواء قد جعل كثيراً من الناس - وبخاصة الشباب منهم - غير راضين عما يحيط بهم من معطيات الحياة، ومن ثم أصبح هؤلاء بين منتحر أو رافض. لذلك نجد نسبة الانتحار في دول الغرب قد زادت بصورة غير مسبوقة. كما أن الخروج على القوانين والأعراف والتقاليد السليمة أصبح أمرا مألوفا. ليس هذا فحسب، فإن التقاليد والعادات الفاضلة أصبحت تتوارى خجلاً من القيم النقيضة الغازية التي أضحت أعلى صوتاً وأكثر شيوعاً. وإذا كان الانتحار - ولله الحمد - لم ينتشر في بلاد المسلمين، لأن ديننا يحمينا من هذا، فإن الخروج على إلى المألوف والرفض لكثير من القيم والأعراف أصبح ظاهرة في كثير من المجتمعات الإسلامية ولا سيما عند الشباب.
4 -
) انتشار الحضارة المادية على حساب القيم الروحية والأخلاقية فما تطلعات شباب اليوم؟ سيارة فاخرة، ومنزل أنيق، ودخل مادي كبير، واقتناء الأدوات غالية الثمن. إلى غير ذلك من الأسباب المادية.
ومن هم المثل الأعلى للشباب؟ هل هم علماء الدين أم المعلمون أم الآباء أم رجال الدعوة؟ كل هؤلاء اضطروا إلى ترك مواقعهم لفئات أخرى مثل: الفنانين، ولاعبي كرة القدم وغيرهم من أصحاب المهن التي تدر الثراء السريع، وهذا التحول تؤكده بكل أسف بحوث علمية.
هذا التحول في القدوة أتاح فرصاً لظهور أنماط من السلوك غير مرغوب فيها مثل السعار المادي، واللهاث وراء الكسب، بغض النظر عن الوسيلة في كثير من الأحيان، وسمح لقيم ساقطة أن تطفو على السطح على حساب قيم أخرى مثل الحق والعدل وغيرها من عناصر الأخلاق الفاضلة. وهذا يؤدي - بالضرورة - إلى اتجاهات منحرفة، وقيم منحرفة، ومن ثم إلى سلوك منحرف يعبر عن نفسه أحياناً في صورة عنف أو تفكك في الأسرة، أو عداء ضد المجتمع أو غير ذلك من الموبقات التي تغشى المجتمعات في الوقت الحاضر.