المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سُورَة الْأَنْبِيَاء قَالَ الله تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ - ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة بالبرهان

[محمود شكري الألوسي]

الفصل: ‌ ‌سُورَة الْأَنْبِيَاء قَالَ الله تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ

هَذِه الْآيَة فِيهَا من مهمات فن الْهَيْئَة أَن السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقا ثمَّ فتقها وإلقاء الرواسِي فِي الأَرْض أَن تميد بهم وَأَن كلا من الشَّمْس وَالْقَمَر سابح فِي فلكه كل ذَلِك مَحل تدقيق النّظر وإعمال الْفِكر

أما مَسْأَلَة الرتق والفتق فَهِيَ طَوِيلَة الذيل لَدَى الفلاسفة الْمُتَقَدِّمين مِنْهُم والمتأخرين وَهَكَذَا لَدَى المتشرعين فَمنهمْ من يَقُول إِن السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا شَيْئا وَاحِدًا ملتزقتين ففصل الله تَعَالَى بَينهمَا وَرفع السَّمَاء إِلَى حَيْثُ هِيَ وَأقر الأَرْض.

وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار: خلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض ملتصقتين ثمَّ خلق ريحًا فتوسطتهما ففتقهما وَعَن الْحسن خلق الله تَعَالَى الأَرْض فِي مَوضِع بَيت الْمُقَدّس كَهَيئَةِ الفهر عَلَيْهَا دُخان ملتصق بهَا ثمَّ أصعد الدُّخان وَخلق مِنْهُ السَّمَاوَات وَأمْسك الفهر فِي موضعهَا وَبسط مِنْهَا د وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {كَانَتَا رتقا ففتقناهما} فَجعل سبع سماوات وَكَذَلِكَ الأَرْض كَانَت مرتقة طبقَة وَاحِدَة ففتقها فَجَعلهَا سبع أَرضين.

وَرُوِيَ فِي معنى الفتق والرتق غير ذَلِك فقد أَتَى ابْن عمر رجل فَسَأَلَهُ عَن الْآيَة فَقَالَ اذْهَبْ إِلَى ذَلِك الشَّيْخ فَاسْأَلْهُ ثمَّ تعال فَأَخْبرنِي.

وَكَانَ ابْن عَبَّاس فَذهب إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ نعم كَانَت السَّمَاوَات رتقا لَا تمطر وَكَانَت الأَرْض رتقا لَا تنْبت فَلَمَّا خلق الله تَعَالَى للْأَرْض أَهلاً، فتق

ص: 100

هَذِه بالمطر وفتق هَذِه بالنبات فَرجع الرجل إِلَى ابْن عمر فَأخْبرهُ فَقَالَ ابْن عمر الْآن علمت أَن ابْن عَبَّاس قد أُوتِيَ فِي الْقُرْآن علما صدق ابْن عَبَّاس هَكَذَا كَانَت

وَذهب الْمُتَأَخّرُونَ من الفلاسفة إِلَى أَن الْعَالم كُله كَانَ قِطْعَة وَاحِدَة فأصابته صدمة فَتفرق إِلَى مَا يرى من الأجرام وَكثر مِنْهُم فِي ذَلِك القيل والقال

وَالْكَلَام على قَوْله تَعَالَى {وَجَعَلنَا فِي الأَرْض رواسي} الْآيَة تقدم مرَارًا عِنْد الْكَلَام على أَمْثَال هَذِه الْآيَة وَاعْترض بعض الزائغين مَعَ جَوَابه مَذْكُور فِي التَّفْسِير عِنْد الْكَلَام على هَذِه الْآيَة

وَمعنى قَوْله {وَجَعَلنَا السَّمَاء سقفا مَحْفُوظًا} أَنَّهَا مَحْفُوظَة من البلى والتغير على طول الدَّهْر وَالْمرَاد أَنَّهَا جعلت مَحْفُوظَة عَن ذَلِك الدَّهْر الطَّوِيل وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهَا تطوى يَوْم الْقِيَامَة طي السّجل للكتب

وَإِلَى تغيرها ودثورها ذهب جَمِيع الْمُسلمين ومعظم الفلاسفة وَمِنْهُم من خَالف فِي ذَلِك

وَأما قَوْله {وكل فِي فلك يسبحون} فالفلك فِي الأَصْل كل شَيْء دائر وَمِنْه فلكه المغزل وَالْمرَاد بِهِ هُنَا على قَول كثير هُوَ موج مكفوف تَحت السَّمَاء تجْرِي فِيهِ الشَّمْس وَالْقَمَر وَعَن الضَّحَّاك هُوَ لَيْسَ بجسم وَإِنَّمَا هُوَ مدَار هَذِه النُّجُوم وَفِيه القَوْل باستدارة السَّمَاء

ص: 101

وَفِي قَوْله {كُلٌّ فِي فَلَكٍ} رمز خَفِي إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِيل بالانقلاب وَعَلِيهِ أَدِلَّة جمة وَفِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة كَلَام طَوِيل

وَغَايَة مَا نقُول إِن الفلاسفة الْيَوْم من الإفرنج وَأهل الأرصاد القلبية والمعارج المعنوية خالفوا قَول بعض الفلاسفة الْمُتَقَدِّمين الْمُخَالف لقَولهم وَأما السّلف الصَّالح فَلم يَصح عَنْهُم تَفْصِيل الْكَلَام فِي ذَلِك لما أَنه قَلِيل الجدوى ووقفوا حَيْثُ صَحَّ الْخَبَر وَقَالُوا إِن اخْتِلَاف الحركات وَنَحْوه بِتَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وتشبثوا فِيمَا صَحَّ وخفي مِنْهُ بأذيال التَّسْلِيم وَالَّذِي يَنْبَغِي القَوْل بِهِ أَن السَّمَاوَات على طبق مَا صحت بِهِ الْأَخْبَار النَّبَوِيَّة فِي أَمر الثخن وَمَا بَين كل سَمَاء وسماء

واستنبط بَعضهم من نِسْبَة السباحة للكوكب أَن لَيْسَ هُنَاكَ حَامِل لَهُ يَتَحَرَّك بحركته مُطلقًا بل هُوَ متحرك بِنَفسِهِ فِي الْفلك تحرّك السَّمَكَة فِي المَاء إِذْ لَا يُقَال للجالس فِي صندوق أَو على جذع يجْرِي فِي المَاء إِنَّه يسبح

وَمن الْآيَات فِي سُورَة الْأَنْبِيَاء قَوْله تَعَالَى {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)} [الأنبياء: 104]

تَفْسِير الْآيَة:

(الطي): ضد النشر أَو الإفناء والإزالة من قَوْلك اطو عني هَذَا الحَدِيث.

وَأنكر ابْن الْقيم فِي «كتاب مِفْتَاح دَار السَّعَادَة» إفناء السَّمَاء وإعدامها إعداما صرفا وَادّعى أَن النُّصُوص إِنَّمَا تدل على تبديلها وتغيرها من حَال

(1) فإنك إذا بدأت من آخر الآية، تكون أيضاً (كُلٌّ فِي فَلَكٍ). "المؤلف".

ص: 102

إِلَى حَال وَيبعد القَوْل بالإفناء ظَاهر التَّشْبِيه فِي قَوْله تَعَالَى {كطي السّجل للكتب} فَإِن الَّذِي يطوي السّجل وَهُوَ الصَّحِيفَة أَو صحيفَة الْعَهْد أَو حجر يكْتب فِيهِ ثمَّ سمي بِهِ كل مَا يكْتب فِيهِ من قرطاس وَغَيره لَا يفنيه بالطي بل الْكتاب مَوْجُود بعده.

وَهَكَذَا السَّمَاء إِذا طويت لَا تفنى.

والكتب عبارَة عَن الصحائف وَمَا كتب فِيهَا فسجلها بعض أَجْزَائِهَا وَبِه يتَعَلَّق الطي حَقِيقَة.

ثمَّ إِن الطي لَا يخْتَص بسماء دون سَمَاء بل تطوى جَمِيعهَا لقَوْله تَعَالَى {وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ}

وَمعنى {كَمَا بدأنا أول خلق نعيده} أَي نعيد أول خلق إِعَادَة مثل بدئنا إِيَّاه أَي فِي السهولة وَعدم التَّعَذُّر.

أَو فِي كَونهَا إيجادا بعد الْعَدَم أَو جمعا من الْأَجْزَاء المتفرقة {وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين} ذَلِك بِالْفِعْلِ لَا محَالة وَالْأَفْعَال الْمُسْتَقْبلَة الَّتِي علم الله تَعَالَى وُقُوعهَا كالماضية فِي التحقق أَو قَادِرين على أَن نَفْعل ذَلِك.

ص: 103

سُورَة الْحَج

قَالَ الله تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} [الحج: 18]

المُرَاد ب (السُّجُود) دُخُول الْأَشْيَاء تَحت تسخيره تَعَالَى وإرادته وقابليتها لما يحدث فِيهَا وَفِي مُفْرَدَات الرَّاغِب السُّجُود فِي الأَصْل التطامن والتذلل وَجعل ذَلِك عبارَة عَن التذلل لله تَعَالَى وعبادته وَهُوَ عَام فِي الْإِنْسَان وَالْحَيَوَان والجماد وَذَلِكَ ضَرْبَان سُجُود بِاخْتِيَار يكون للْإنْسَان وَبِه يسْتَحق الثَّوَاب وَسُجُود بتسخير يكون للْإنْسَان وَغَيره من الْحَيَوَانَات والنباتات

وَخص بالشريعة من الرُّكْن الْمَعْرُوف من الصَّلَاة وَمَا جرى مجْرَاه من سُجُود التِّلَاوَة وَسُجُود الشُّكْر انْتهى

وأفرد الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَمَا بعْدهَا بِالذكر لشهرتها واستبعاد ذَلِك مِنْهَا بِحَسب الظَّاهِر فِي بادئ النّظر الْقَاصِر أَو لِأَنَّهَا قد عبدت من دون الله إِمَّا بِاعْتِبَار شخصها أَو جِنْسهَا فالشمس عبدتها حمير، وَالْقَمَر

ص: 104

عبدته كنَانَة وَعبد الدبران من النُّجُوم تَمِيم والشعرى لخم وقريش والثريا طي وَعُطَارِد أَسد والمرزم ربيعَة وَعبد أَكثر الْعَرَب الْأَصْنَام المنحوتة من الْجبَال وعبدت غطفان الْعُزَّى وَهِي سَمُرَة وَاحِد السمر وَمن النَّاس من عبد الْبَقر

فَهَذِهِ الْآيَة فِيهَا دَلِيل على أَن الأجرام العلوية والأجرام السفلية لَهَا عبَادَة مَخْصُوصَة لرب الْعَالمين جَارِيَة على حسب إِرَادَة مبدع السَّمَاوَات وَالْأَرضين.

وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65)} [الحج: 65]

المُرَاد بإمساكها حفظ تماسكها بقدرته تَعَالَى بعد أَن خلقهَا متماسكة آنا فآنا وَعدم تعلق إِرَادَته بوقوعها قطعا قطعا أَو بالجاذبية الَّتِي يَقُول بهَا متأخرو الفلاسفة وَهِي أَيْضا من آثَار قدرته وَالْمَعْرُوف من مَذْهَب سلف الْمُسلمين أَن السَّمَاء غير الْفلك وَأَنَّهَا ثَقيلَة مَحْفُوظَة عَن الْوُقُوع بمحض إِرَادَته وَقدرته الَّتِي لَا يتعاصاها شئ لاستمساكها بذاتها.

ص: 105