المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المسلمون والقبط(النبذة السادسة) - مجلة المنار - جـ ١٤

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد رقم (14)

- ‌المحرم - 1329ه

- ‌فاتحة المجلد الرابع عشر

- ‌الاشتراك في المنار

- ‌فتاوى المنار

- ‌جمعية الدعوة والإرشاد

- ‌المقالة الأولى لجريدة العلم

- ‌المقالة الأولى التي كتبتردًّا على جريدة العلم

- ‌نهضة التعليم الإسلامي في سملك دابل

- ‌أعظم رجل في العالم

- ‌اعتصام الفئتين الكبريين من المسلمين

- ‌البابية البهائية

- ‌الماسون في الدولة العثمانية

- ‌صفر - 1329ه

- ‌الذكر بالأسماء المفردة

- ‌أسئلة من الهند

- ‌جماعة الدعوة والإرشاد

- ‌أقوال الجرائد

- ‌حال المسلمين والمصلحين

- ‌الباطنية وآخر فرقهم البابية البهائية [

- ‌تقرير مرفوع إلى جناب صاحب الدولةالأمير أحمد باشا فؤاد حضرتلري

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة

- ‌الأخبار والآراء

- ‌ربيع أول - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌جماعة الدعوة والإرشاد

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة

- ‌الأخبار والآراء

- ‌ربيع الآخر - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌أمير الألاي صادق بك

- ‌المسلمون والقبط(النبذة السادسة)

- ‌اقتراح صاحب المنار على المؤتمر المصري

- ‌كيف خلق الإنسان [*]

- ‌النسائيات [*]

- ‌مذكرة عن أعمالالمبشرين المسيحيين

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة

- ‌جماعة الدعوة والإرشاد

- ‌مقدمة مقالات المسلمون والقبط

- ‌جمادى الأولى - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌العالم الإسلاميوالاستعمار الأوربي(1)

- ‌آراء أديسونفي مستقبل البشر

- ‌بيان أمير الألاي صادق بك

- ‌شيء من مناقب صادق بك

- ‌بيان هادي باشا الفاروقي

- ‌ألمانيا والعالم الإسلامي

- ‌(المؤتمر المصري)

- ‌اتفاق الدولوالمانع لها من قبول دولتنا فيه

- ‌احتلال فرنسة لمملكة المغرب الأقصى

- ‌جمادى الآخرة - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌العالم الإسلاميوالاستعمار الأوربي(2)

- ‌عليكم باللغة العربيةسيدة اللغات

- ‌المؤتمر المصري [*]

- ‌ملكة بهوبال الهندية في إنكلترة [

- ‌بلاغ محمود شوكت باشا

- ‌رأي الأمير صباح الدين

- ‌سياحة السلطانوالاستفادة من منصبه الديني

- ‌جماعة الدعوة والإرشاد

- ‌رجب - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌بحث الاجتهاد والتقليد

- ‌كلمة في السياحة المفيدة

- ‌قانون الجامع الأزهروالمعاهد الدينية العلمية الإسلامية

- ‌هل للقول من مستمع؟وهل للداعي من مجيب

- ‌ حضرموت

- ‌الدعاء للسلاطينفي الخطب وحكمه شرعًا

- ‌الإلحاد في المدارس العلمانية [*]

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة

- ‌فقيد مصرمصطفى رياض باشا(2)

- ‌جمعية الاتحادومشروع العلم والإرشاد

- ‌شعبان - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌علم الفلك والقرآن

- ‌فصل في بيان دقائقالمسائل العلمية الفلكية

- ‌كلمات علمية عربيةأسوقها إلى المترجمين والمعربين [1]

- ‌الانتقاد على المنار

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة

- ‌فقيد مصرمصطفى رياض باشا(3)

- ‌مشروع المنتدى الأدبي في التعليم العربي

- ‌الحريق في الآستانة

- ‌استدراك [

- ‌مخاطبات المنار

- ‌رمضان - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌كلمات علمية عربيةأسوقها إلى المترجمين والمعربين [*](2)

- ‌ملحق بقانون الجامع الأزهروالمعاهد الدينية العلمية الإسلامية

- ‌الكوليرا [*]

- ‌الإسعافات الطبية الوقتيةللمصابين بالكوليرا

- ‌أرباب الأقلام في بلاد الشامومشروع الأصفر

- ‌شوال - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌بحث الاجتهاد والتقليد

- ‌المسألة الشرقية [*]

- ‌حالة المسلمين في جاوه والإصلاح

- ‌الانتقاد على المنار

- ‌رد المنار

- ‌نظام مدرسة دار الدعوة والإرشاد

- ‌ذو القعدة - 1329ه

- ‌العلوم والفنونالتي تدرس في دار الدعوة والإرشاد

- ‌فتاوى المنار

- ‌المسألة الشرقية

- ‌مقدمات الحربفي طرابلس الغرب

- ‌عِبَرُ الحرب في طرابلس الغرب

- ‌ذو الحجة - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌مناظرة عالم مسلملدعاة البروتستانت في بغداد

- ‌المسألة الشرقية

- ‌منشورات إيطالية الخداعية

- ‌إعانة أمير أفغانستان وكبراء قومهلأهل طرابلس الغرب

- ‌عريضة الشكرمن العثمانيين المستخدمين في أفغانستان إلى أميرها

- ‌تقريظ المطبوعات

- ‌كتابٌ رصيفٌ ورأيٌ حصيفٌفي المساعدة على الحرب بطرابلس الغرب

- ‌الخطر الأكبر على بلاد العربوالرأي في تلافيه

- ‌الانتقاد على المنار

الفصل: ‌المسلمون والقبط(النبذة السادسة)

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌المسلمون والقبط

(النبذة السادسة)

(إنما نطلب حفظ حقوقنا لا إضاعة حق للقبط)

إذا كنت أكتب لأجل ِإيذاء القبط أو التحريض على إيذائهم، أو لأجل محض

مدافعتهم، ومنعهم مما لا أراه حقًّا لهم، فلا حملت بناني قلمًا، ولا حفظت كما

أمرني الرسول صلى الله عليه وسلم ذمة ورحمًا، بل أشهد الله أنني لا أكتب إلا

لأجل الخير والمصلحة دون الإيذاء والمفسدة، ولفوائد إيجابية لا لأغراض سلبية،

وإذا كان المؤتمر المصري يجتمع ليأتمر بتخطئة القبط في مطالبها فقط، فلا خير

في هذا المؤتمر، وأجله أن يكون عمله سلبيًّا فقط.

إنني منذ خبرت حال مصر، رأيت أن للقبط روابط ملية. دون الرابطة

العامة المصرية بها يتعاونون ويتناصرون، وعليها يجتمعون ويتحدون، ولها

يتعلمون ويتربون، وإليها يرجعون. فهم بها أمة كما يقولون. وليسوا عضوًا من

جسم الأمة المصرية، إذا اشتكى عضو من سائر الأعضاء تألموا له بل هم جسم

تام مستقل بمقوماته ومشخصاته القومية. وإنما يتصل بما يجاوره؛ ليتغذى منه

ويمد حياته لا ليمده ويغذيه.

هذا ما رأيت عليه القبط، فأكبرته وحمدتهم عليه.

ورأيت المسلمين على غير ذلك، رأيتهم يتخاذلون ويتفرقون، ويمتص

غيرهم مادة حياتهم ولا يشعرون، تتعادى أحزابهم ويصفون أكثر النابغين فيهم

بخيانة الأمة والوطن. وهو وصف لا ينطبق على أحد منهم، وإنما علتهم الضعف

وأقتل سببيه تخاذل أمتهم، ليس لهم تربية ملية تجمعهم، ولا وحدة في التعليم

تضمهم، وثروتهم عرضة للزوال بإسرافهم، لا يشعر بعضهم بمصاب بعض،

وليس لمجموعهم شرايين ولا أوردة يكون به جسمًا واحدًا يمد بعض أعضائه

بعضًا بالغذاء ودفع الأذى.

هذا ما رأيت عليه المسلمين، وفيهم من النابغين ما ليس في القبط. ليس

عندهم قضاة كقضاتنا، ولا محامون كمحامينا، ولا إداريون كإدارينا، ولا أطباء

كأطبائنا، ولا كتاب ككتابنا، ولا شعراء كشعرائنا. أعني أن النابغين فينا أكثر

وأرقى من النابغين فيهم. ولكنهم أرقى منا في الحياة الملية، والمقومات القومية،

التي يكون بها أفراد الشعب كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وكالجسم الواحد إذا اشتكى

له عضو تداعى له سائر البدن بالحمى والسهر، كما وردت الأحاديث في وصف

المؤمنين، وقد فقد المسلمون قوة هذه الصفات التي جعلها الله سر دينهم وآية إيمانهم

فلم يغن عنهم النابغون شيئًا.

هذا التفاوت بين شعبين يشارك أحدهما الآخر في جميع مرافق الحياة تحذر

عواقبه، ولا تؤمن مغبته، أحدهما قوي بالاتحاد والتكافل، والآخر قوي بالكثرة

ضعيف بالتخاذل دأب المتحدين الطمع في سلب مرافق المتخاذلين، وبذلك ساد

بعض الشعوب على بعض، وكثيرًا ما كانت الفئة القليلة هي التي تسود الفئة

الكثيرة، والطامع قد يوغل في حقوق الغافل بغير رفق، والعنف في الإيغال قد

يفضي إلى العنف في الدفاع، فيكون من ذلك ما لا خير فيه للبلاد، فأحببت منذ

سنين أن أنبه المسلمين على ما تصان به حقوقهم، مع حفظ المودة بينهم وبين من

يعيش معهم، فكتبت في ذلك كثيرًا. ولكن المسلمين كانوا في شغل عن ذلك، فيقل

فيهم من قرأ ما كتبت، ويقل فيمن قرأ من فهم، ويقل فيمن فهم من اعتبر، ويقل

فيمن اعتبر من حدث غيره بما أصاب من العبرة. وهكذا شأن الغافلين المغرورين

ينتبهون بالحوادث لا بالأحاديث.

إنني مؤمن، والمؤمن لا ييأس من روح الله، ولا يقنط من رحمة ربه، ولو

يئست من حياة المسلمين، لما رأيت شيئًا من الخطر على البلاد في استمرار غفلتهم

إلى أن تصير وظائف الحكومة وثروة البلاد في غير أيديهم، سواء أوغلت القبط

في ذلك برفق أو بعنف، فإن الأمراض التي تموت بها الأمم تكون كداء السكتة،

يذهب بحياة المرء وهو لا يشعر بأنه يموت. ولكنني أعتقد أن في مسلمي مصر

حياة ضعيفة، لم تصل إلى درجة التكافل والتضامن، وأن الخير في تقويتها بالدعوة

إلى حفظ المصالح، لا بالدعوة على دفاع المهاجم، وأن هذا لا يكون إلا قبل أن

يغلبوا على مصالحهم، ويروا أنفسهم مسخرين لمن كانوا دونهم، يومئذ يخشى أن

لا يروا في أيديهم إلا سلاح الكثرة، فيستعملونه للضرورة فيما يضر البلاد من

الاعتصابات والفتن، فتلافي ما يخشى في المستقبل مذ الآن هو الذي يحملنا على

هذا البيان.

ما رأيت استحسانًا عامًّا لشيء نشر في الجرائد بعد رد الأستاذ الإمام على

هانونو كاستحسان ما كتبته في هذه الأيام من المقابلة بين المسلمين والقبط. يذكر

لي لك كل من أراه. وكتب إليّ وإلى المؤيد غير واحد يشكرون لي ذلك ويطلبون

المزيد منه، أذكر هذا تمهيدًا لقول بعض هؤلاء الحامدين الشاكرين: لماذا لم تنبهنا

من غفلتنا بمثل هذه المقالات قبل اليوم؟

ولهؤلاء أقول: إنني قد فعلت، وقلما قررت حقيقة في هذه الأيام إلا وقد بينتها من قبل

في المنار أو في بعض الجرائد اليومية، ولكن المسلمين كانوا في غمرة ساهين، لا

يعنون بما يكتب ولا يحلفون به إلا ما يكون عند الحوادث المؤلمة، والصيحات

المزعجة، ثم لا يلبثون أن ينسوا ويعودوا إلى سابق لهوهم وسهوهم، حيث خشيت أن

نكون كما قال شاعرنا من قبل في مثله الذي يشبهنا فيه بالغنم الراعية، تظل غافلة

متمادية في رعيها، حتى إذا ما سمعت نبأة صائح ترتاع وترتفع رؤوسها تاركة

الارتعاء، فإذا سكت الصائح عادت إلى سابق شأنها، أعني بهذا القول ابن

دريد في مقصورته:

نحن ولا كفران لله كما

قد قيل في السارب أخلى فارتمى

إذا أحس نبأة ريع وإن

تطامنت عنه تمادى ولها

صاحت القبط منذ ثلاث سنين مثل صيحتهم في هذه السنة، فكتبت مقالة في

المنار عنوانها (المسلمون والقبط) كان لها باعتدال الرأي والأدب في العبارة أحسن

الوقع، فنقلها بعض أصحاب الجرائد اليومية، ولخصها بعض آخر، فلم تلبث

القبط أن سكتت صيحتها، وسكنت في الظاهر دون الباطن ثورتها، فنسي

المسلمون ما كان، حتى تجددت الصيحة في هذا العام، بأقوى وأدوم مما كان في

سابق الأعوم.

افتتحت تلك المقالة بهذه الجملة:

(سبق لنا قول في هاتين الطائفتين بمصر بينا فيه أن المسلمين من حيث هم

أفراد أرقى من القبط في كل علم، وأن القبط من حيث الاجتماع والتعاضد الملي

أرقى من المسلمين، فلهم مجلس ملي وجمعيات وجرائد دينية تبحث دائمًا في

مصالحهم العامة من حيث هم قبط، وهم يتعاونون ويتحدون في المصالح. وهذا ما

حمدتهم وأحمدهم عليه، وأتمنى لو يوفق المسلمون لمثله، وإن كنت أعلم أنه لو

أنشأ المسلمون جمعية للرابطة الإسلامية كجمعية الرابطة المسيحية، لما وجدوا في

القبط مثل أحمد بك زكي يقوم فيها خطيبًا، ويجعل عنوان خطابته (مصريون قبل

كل شيء) بل يخشى أن يقوموا كما تقوم أوربة، ويقول الجميع: إن المسلمين

في مصر يحيون التعصب الإسلامي والجامعة الإسلامية، ويدعون إلى ارتباط

بعضهم ببعض؛ لمقاومة النصارى في مصر بل في جميع الأرض) .

ثم بينت نسبة القبط إلى المسلمين في العدد وفي أعمال الحكومة، وأنهم أكثر

فيها من المسلمين، وهم يدعون على ذلك أنهم مظلومون مهضومون، ويطلبون

لأنفسهم سائر أعمال الحكومة التي في أيدي المسلمين، وأنهم يسمون أنفسهم أهل

البلاد، ويُدلون ويفخرون على المسلمين بالانتساب إلى آل فرعون ذي الأوتاد،

الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، ويجهرون بأن المسلم فيها أجنبي محتل،

وأتاوي معتد، وينكرون أن يكون للمسلمين فيها حق من حيث هم مسلمون فاتحون،

على ادعائهم الحقوق فيها من حيث هم قبط مسيحيون، وبينت فيها مواثبتهم

للمسلمين من أضعف جانب يرونه فيهم، وهو تهييج الإنكليز وسائر الأوربيين

عليهم بتهمة التعصب الإسلامي، وكون هذه المواثبة قد تفضي إلى ندم المسلمين

على ما قاموا به من دعوة الوطنية، واعتقاد أنها كانت خسارًا عليهم وربحًا وفوزًا

للقبط، وأنهم إذا خسروا مودة المسلمين، فلا يمكن أن يجدوا عوضًا خيرًا منها؛

فإنهم لا يقدرون على استغلال أرضهم بعد ذلك.

وبينت هنالك أن القبط لا يمتازون على غيرهم من نصارى المصريين

ويهودهم، وإنما ميزهم المسلمون عناية بهم، وبحثت في دين الحكومة الرسمي،

وذكرت مساعدة بعض رجال الدين من الإنكليز لهم، وأن المساواة التي يطلبونها

هي امتياز على المسلمين من وجه آخر.

نصحت للقبط في تلك المقالة نصيحة لو عقلوها وعملوا بها ما وقعوا في

السيئة التي ندموا الآن أن اجترحوها، وقد سبني في هذه الأيام كتابهم في جرائهم

ولو عقلوا قولي لاستبدلوا الثناء بالهجاء، فقد بينت لهم الآن كما بينت لهم من قبل؛

أن المسلمين يغلب عليهم النسيان والتواكل، وأنه لا شيء يحول دون سلب القبط

منهم كل ما في أيديهم إلا هذه الجعجعة بالقبطية والمسيحية التي تدفعهم بالرغم

منهم لمقابلتها بالجنسية الإسلامية، وهذا نص نصيحتي لهم منذ ثلاث سنين:

فالرأي عندي للقبط أن لا يغتروا بترجيع بعض الجرائد الإفرنجية لأصواتهم

في الشكوى من المسلمين والقول بتعصبهم، ولا من سرور بعض الإنكليزية إن كان

ما قيل حقًّا فإنهم مهما أصابوا من تعضيد في مشاقة المسلمين، فهو لا يكون خلفًا

صالحًا لمودتهم فيما أرى. فأنصح لهم أن يتوبوا مما فعلوا، ويعتذروا عنه،

ويعودوا إلى سابق شأنهم، أو إلى خير منه إن استطاعوا. والمسلمون تغلب عليهم

سلامة القلب، فلا يلبثون أن يغفروا لهم، وينسوا ما كان منهم، ففي حديث أبي

هريرة عند أبي داود والترمذي: (المؤمن غر كريم) أي ليس بذي نكر ولا مكر ولا

خدّاع.

ولولا أنني أحب الوفاق، لما نصحت لهم بهذا. فإنني أعلم أن هذه المشاقّة لا

تزيد المسلمين إلا قوة في رابطتهم الإسلامية التي أدعو إليها، وحفظًا لحقوقهم التي

أغار عليها، ولكنني أفضل أن يكون تنبيهي لهم بغير هذا:

(أحب أن يعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا، وأن يكونوا مع ذلك على

وفاق ووئام مع من يعيش معهم، وأنصح للمسلمين أن لا يكتبوا شيئًا في الرد على

القبط، ولو لم يكتبوا في الماضي ما كتبوا لكان خيرًا لهم وأحسن؛ إطفاء لتلك الفتنة

وخذلانًا لموقظيها. ولكن لا بأس ببيان عدد الموظفين منهم في كل مديرية، وذكر

الوقائع في تعصب بعضهم لبعض، وتعاونهم الملي المحض من باب بيان الحقيقة

والاعتبار بها، بشرط أن يتحرى الصحيح، ولا تمزج الرواية بشيء من التأنيب

والتجريح، فضلاً عن الهجر والتقبيح) .

لم تعمل القبط بهذه النصيحة؛ لاعتقادها أن المسلمين قد قضي عليهم، وأنهم

أمسوا مشلولين لا حراك بهم، وزادها غرورًا أن رأت المسلمين نسوا تلك الغارة

الشعواء، ولم يأخذوا حذرهم من مثلها، ولا سمعوا نصيحتي بإحصاء الموظفين؛

لبيان أن القبط غابنون غير مغبونين، فها هم أولاء قد استدركوا في هذه المرة ما

فاتهم في الغابرة، فكانت كرة القبط كرة خاسرة.

إنني على تنبيهي للمسلمين، وحرصي على حفظ مصالحهم ومرافقهم،

ورغبتي في ترقيتهم، أجري على ما تعودت من المحافظة على مودة كل من يعيش

معهم، ويشاركهم في أوطانهم، ولهذا قلت: إنني أحب نصحهم بغير هذه الوسيلة؛

ولذلك أشرت عند الحركة الأولى إلى ما يسكنها، وقد سكنت وأبت القبط إلا أن

تعود إلى تحريكها، وثبت لنا أن المسلمين لا ينتبهون إلا بمثل هذه الصيحات

المنكرة في وجوههم.

نبهت قبل هذا على النسبة بين المسلمين والقبط في مصر، وبينهم وبين

غيرهم في الأقطار الأخرى بمقالات اجتماعية شخصت الحال تشخيصًا، وذكرت

بما يجب تذكيرًا. وأنَّى للغافل الذكرى؟ كتبت في الجزء الأول من مجلد المنار

الثامن الذي صدر في المحرم سنة 1323 (مارس سنة 1905) مقالاً عنوانه

(حياة الأمم وموتها) ، عرفت فيه حياة الأمة بأنها أثر روح يسري في أفرادها،

فيشعرهم بأن مكان كل واحد منهم من مجموع الأمة مكان أحد أعضائه من جسده،

فهو يلاحظ في كل عمل منفعة نفسه ومنفعة أمته معًا، كما أن عمل كل عضو في

البدن يكن سبب حفظ حياته من حيث هو سبب لحفظ حياة البدن كله، وقارنت بين

حياة الأفراد وحياة الأمم، وبين حياة الأجسام وحياة النفوس، وضربت المثل لأمة

تموت بالوارث المسرف، ولأمة تحيا بالتاجر المقتصد، ذلك ينقص ماله الكثير كل

يوم، وهذا يزداد ماله القليل كل يوم. وأول ما يخطر في بال المصري في هذا

المقام ورثة شريف باشا وأجراؤهم وخدمهم من القبط، أولئك أضاعوا ثروتهم

الواسعة فصاروا فقراء، وهؤلاء امتصوا تلك الثروة فصاروا أغنياء.

قلت في تلك المقالة: (معرفة شؤون الأمم والشعوب أخفى على الأكثرين من

معرفة حال الأفراد والبيوت، فكم من جاهل يفضل أمة على أخرى؛ لأنها أصح

دينًا وأعدل شريعة، أو لأنها أشرف أرومة، وأعرق في المجد جرثومة، أو لأن

تراثها من سلفها أكثر، ومزاياها الجنسية أشهر، أو لأنها أكثر عددًا ومددًا، وأعز

عشيرة ونفرًا، وإذا صح أن يكون هذا كله أو بعضه للأمة التي تموت زمنًا من

الأزمان. فإنه لا يبقى إلا ريثما تتصل بها أمة حية، فترى هذه تمتص جميع مزايا

تلك ومقوماتها الحيوية، وتلك تتحمل آفات هذه وعللها البشرية، حتى تكون

إحداهما في عليين، والأخرى في أسفل سافلين.

(يسهل على القارئ في الشرق القريب أن ينظر فيما بين يديه من الشعوب

التي تضمها جنسية سياسية أو لغوية، وتفصل بينها روابط نسبية أو ملية، فإنه

يرى شعبين يمتاز أحدهما بكثرة العدد وكثرة المال وقوة الحكم وقوة العلم، ثم يجد

نفسه تفضل قليل المزايا منهما على كثيرها؛ لأنه يرى الشعب الكثير المزايا يتمزق

ويتفرق، فتذهب مزاياه بذهاب الأعوام. والشعب القليل المزايا ينمو ويسمو

ويجتمع ويتألف فيعتز ويشرف بإقبال الأيام، يرى الشعب الكبير يتخاذل فيتضاءل،

والشعب الصغير يتلاءم ويتعاظم، وما ذلك إلا أن في أحدهما نسمة حياة تدفع عنه

الأعراض الضارة بالشعوب فيقوى ويزكو، وتغذيه كل يوم بغذاء جديد فينمو

ويسمو، وليس في الآخر شيء من هذه الحياة، فهو كجسم العاشق يذوب ويضمحل

ويحقر ويذل) .

ثم بعد مقارنة أخرى بين شعبين يحيى الكبير منهما ويموت الصغير، فندت

رأي من يجعل للصغر والكبر دخلاً في الحياة والاتحاد بما نصه:

(لا يغرنك ما ترى من آيات الحياة في أمة تقطعت روابطها، وانفصمت

عروة الثقة بين أفرادها، وبغض إليها النظام، وفقدت التلاحم والالتئام، وإن كان

ما نراه أخلاقًا كريمة، ومعارف صحيحة، وثروة واسعة، وسلطة نافذة، مع العلم

بأن هذه الأشياء كلها هي آثار الحياة توجد بوجودها وتذهب لذهابها، فقد يكون

ذلك من بقايا إرث قديم، يعبث به الفساد الحديث، إلا أن ترى العلم والأخلاق

تقرب البعيد، وتجمع الشتيت، وتزيد في الثقة بين الناس، وتدعو إلى التعاون

على البر والإحسان، وترى الثروة تجمع مع ملاحظة مصلحة الأمة، وينفق جزء

منها على المنافع العامة)

إلخ.

وقد كتبت في تلك السنة (1323) مقالة أخرى عنوانها (المسلمون والقبط

أو آية الموت وآية الحياة) كان سببها ما كتبه المؤيد وكتبته جريدة الوطن في مسألة

(التعليم الديني والحكومة) وما طلبه القبط من مساواتهم بالمسلمين، فيما يشترط

في إعفاء حفاظ القرآن من خدمة العسكرية. وذكرت في هامشها أنني (طالما

عزمت على كتابة مقالات في المقابلة بين مسلمي مصر وقبطها وبين المسلمين

والنصارى عامة ثم أرجأتها) ، وسبب الإرجاء؛ انتظار الفرص التي تنبه الأذهان

إلى ما يكتب والنفوس إلى العبرة به.

وجملة القول أننا نرى أن القبط يطلبون ما ليس بحق شرعي لهم، وإنما

يطلبونه بقوة الاتحاد الملي وضعف المسلمين وتخاذلهم، ونرى المسلمين تضيع

حقوقهم الشرعية وهم غافلون. ونرى أن القبط قد أيقظوا المسلمين ونبهوهم قبل

الوصول إلى حد اليأس الذي تخشى عاقبته.

ونرى أن بيان حق كل ذي حق ومكان كل من الآخر؛ هو الذي يمكن أن يبنى

عليه الصلح الثابت، والوفاق الدائم، وسنبين في النبذة التالية مكان كل من هذه

الحكومة، وهل هي حكومة إسلامية أم لا؟

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

ص: 273

الكاتب: محمد رشيد رضا

النبذة السابعة

هل الحكومة المصرية إسلامية أم لا؟

إنني بحثت وأبحث في مقالي هذا عن الحقيقة الكائنة لا عن الرغيبة التي أحب

أن تكون، والعاقل هو الذي يحب جلاء الحقائق، وبيان الواقع الكائن، ويستفيد

منه عبرة، ويزداد بصيرة، فيسلك إلى مقاصده في طريق النور لا طريق الظلمة.

ولو تدبرت القبط هذا لكافأتني جرائدها بالحمد والشكر، لا بما جاءت به من السب

والهجر.

من هذه الحقائق التي أبينها في هذه النبذة وقد أشرت إليها من قبل أن

المسلمين يعدون أنفسهم أمة جنسيتها الإسلام، وأنه يجب أن يكون لهم حكومة

إسلامية، وأن جنسيتهم هذه واسعة عادلة لا تفرق في العدل بين المسلم وغيره،

وذات سماحة وحرية، لا تمنع أهلها أن يشاركوا غيرهم فيها وفي جميع مرافق

الحياة، كما ولوا القبط في القديم والحديث إلى هذا اليوم أكثر أعمالهم في الحكومة،

وكذا في عقارهم وأرضهم وأوقافهم.

بالغوا في التسامح وأسرفوا في الجود والسماحة في أيام قوتهم، وقنعوا من

السلطة باسم السيادة وكونهم هم المعطين وغيرهم هو المعطى، حتى إذا ما حل بهم

الضعف صار ما أعطوه للأجانب حقوقًا وامتيازات يستعملون بها عليهم، ويزيدون

فيها بقوتهم ما شاءوا، ويفسرونها كما أرادوا. وقد كان هذا بتكافل الدول القوية

واتحادها بالتدريج، فأذاقوا المسلمين مرارة تفريطهم لقمة بعد لقمة، وجرعة في إثر

جرعة، فتجرعوه كارهين مكرهين، كما بذلوه من قبل راضين مرضيين.

وأرادت القبط أن تقيس نفسًا على الدول الكبرى، فتسمي ما سمح لها به

المسلمون حقوقًا واجبة، وتزيد فيها ما تشاء، فأنشأت تطلب لنفسها الزيادة فيما

سمته حقوقًا وإزالة ما بقي للمسلمين من امتياز إسلامي بمشاركتها لهم فيه. وقد كان

هذا مما يسيغه المسلمون المساكين جرعة بعد جرعة، كما أساغوا تلك الامتيازات

مع الاعتراف لهم بأن الحكومة حكومتهم. ولكن أبت جرائد القبط ومؤتمر القبط إلا

أن تنازع المسلمين اسم السلطة كما نازعتهم معناها. وأنها لإحدى الكبر التي لم يئنْ

للمسلمين في مصر أن يسيغوها مختارين.

مضت سنة الله في أهل السيادة الذين يضيعون سيادتهم بسوء تصرفهم أن

يكون آخر ما يهتمون به الأسماء والألقاب والرسوم والشارات الظاهرة، كما هو

معروف في تاريخ الشرق والغرب.

دع ذكر ملوك الطوائف وأمراء المسلمين من الأندلس إلى فارس والهند،

واعتبر بحال أمراء جبل لبنان من مسلمي الشيعة، تجدهم في آخر عهدهم بعد أن

ملكت النصارى حتى من خدمهم وإجرائهم معظم ما كان لهم، كانوا يقنعون من

الامتياز باللقب ولبس الأحذية الحمر التي كانت خاصة بهم من دون الفلاحين، حتى

كان الشيخ منهم يكون له الحقل أو الكرم الواحد من الأرض والعقار، فيهدي إليه

الفلاح النصراني حذاء أحمر (جزمة) ويظهر له أنه جيء به، فلم يرد أن يلبسه

تأدبًا معه فيهبه الشيخ إياه، وربما كان آخر ما يملكه.

أصابت القبط موضع التأثير من قلوب المسلمين بقولها: إن حكومة مصر

ليست إسلامية (أو حركت الوتر الحساس من نفوسهم كما تقول الإفرنج) وقد جعل

هذه الدعوى خطيبهم في مؤتمر أسيوط قضية مسلمة، فحمد الله وحمد نية

المصريين أن كان الذين يقولون منهم: إن هذا البلد إسلامي لا يتجاوزون عدد

الأصابع، وهذا ألطف ما قالوه في هذا الباب؛ لأنهم قالوه بعد العلم بأن المسلمين

تألموا من مؤتمرهم وعزموا على إنشاء مؤتمر إسلامي.

نعم إن المسلمين مفتونون بالحكومة في كل مكان، وهذا هو الواقع وإن أضر

بهم في هذا الزمان، فإنه صرفهم عن ترقية أنفسهم، والاعتماد على

استعدادهم ومواهبهم، ألم تروا أن المسلمين بمصر قد أهملوا أمر الأمة، وتركوها

للمرابين والمقامرين والقوادين والخمارين يغتالون ثروتها، ويجنون على دينها

وعرضها وصحتها، وجعل أصحاب الجرائد وغيرهم من المتصدين والمتصدرين

للأمور العامة يجاهدون الحكومة والاحتلال المسيطر عليها، وقد ترك للأمة حريتها

تعمل ما تشاء فلم تعمل شيئًا يذكر، ولماذا؟ لأن الزعماء شغلوها بفتنة السلطة عن

نفسها، حتى إنهم كانوا يعدون من يجب أن يكون همّ الأمة الأكبر في ترقية نفسها

بالتعليم والتربية والثروة خائنًا للأمة خادمًا للاحتلال؛ لأن الواجب عندهم

قبل كل شيء هو إزالة الاحتلال ثم إصلاح الأمة بالحكومة المستقلة.

مقاومة الاحتلال بالسهل الممكن وهو الكلام طبيعي لا اعتراض عليه،

والانتقاد على الحكومة - والحرية واسعة - طبيعي لا بد منه، وإنما المنتقد هو جعل

المسلمين همهم كله في ذلك، وإهمالهم أمر تربية الأمة وتكوينها، وقد سلم من هذا

الانتقاد القبط، فكوّنوا أنفسهم حتى صاروا على قلتهم يقولون (الأمة القبطية) بحق،

وإنما أخطأوا أخيرًا بما نازعوا المسلمين في شكل الحكومة وتصريحهم بأنها غير

إسلامية.

الحق الواقع أن جمهور المسلمين يرون أن حكومة مصر إسلامية وشعورهم

في هذا رقيق جدًّا، يجرحه القول اللطيف؛ ولهذا كان لورد كرومر وهو ذلك

الشجاع الجبار، يتحامى أن يلمس أي شيء له علاقة بالدين، وهذه هي سنة

السياسة عند الفحول المقرمين من أهلها، وعليها جرى الكثيرون في إبقاء بعض أمراء

المسلمين في البلاد التي ملك الإفرنج أمرها كله؛ كسلاطين جزائر جاوه

وباي تونس وبعض النواب في الهند؛ لتتوهم العامة أن حكامها من أبناء دينها.

هذا هو شعور الجماهير، وإني لأعرف من المسلمين من يرى أن الخير

للمسلمين أن تعلن هذه الحكومة رسميًّا أنها غير إسلامية، وأن تترك للمسلمين جميع

شؤونهم الملية يديرونها بأنفسهم كما تركت مثل ذلك للقبط وغيرهم؛ كالمحاكم

الشرعية والأوقاف والمعاهد الدينية كلها.

يرى هؤلاء أن هذا الإعلان إذا حصل، يذهب بغرور المسلمين بهذه الحكومة

التي لا حظّ لهم من عنايتها، ويبد لهم من بعد اتكالهم استقلالاً واعتمادًا على عملهم،

ومن بعد كسلهم نشاطًا وإقدامًا على ترقية أنفسهم، حتى إذا ما ارتقوا وتكونوا

بتوحيد التربية الملية والتعليم الحر، فصاروا أمة واحدة تكون حكومتهم تابعة للرأي

العام المستقل في الأمة؛ لأن هذه هي عاقبة جميع الأمم المرتقية.

تقول القبط: إن هذه الحكومة مصرية لا إسلامية وحاكمها العام حاكم مدني لا

حاكم ديني، وقد يحتج من يرى هذا بأنها تشرع ما لم يشرعه الإسلام من القوانين،

وتبيح ما لم يبحه من الفسق. وقد يرد عليهم الجمهور بأن خطأ الحكومة في هذه

المسائل كخطأ الأفراد، فكما يخالف أفراد المسلمين هداية دينهم فيزنون ويسكرون،

تخالف حكومتهم هذه الهداية فلا تمنع الزنا والسكر، وحكم الفقه أن المعصية لا

تخرج صاحبها من الإسلام إلا إذا جحد تحريمها، وكان مجمعًا عليه معلومًا من

الدين بالضرورة. وكما تكون الأمة يكون أولياء أمورها لأنهم منها. وقد عرض

لهذه الحكومة من سلطة الأجانب ما جعلها غير مختارة ولا مستقلة في كل شيء

إسلامي، لكن السلطة الأجنبية لم تمح منها كل ما هو إسلامي.

إذا كانت هذه الحكومة غير إسلامية، فلماذا تستولي على مال من يموت من

المسلمين عن غير وارث، ولا تستولي على مال من لا وارث له من القبط وغيرهم

من النصارى واليهود؟

إذا كانت هذه الحكومة غير إسلامية، فلماذا تتولى هي القضاء الشرعي

الإسلامي في الأحكام الشخصية، وتدع مثل ذلك لغير المسلمين يحكمون فيه بما

يعتقدون؟ إن القاضي الأكبر الذي يتولى السلطة الشرعية العليا من قبل خليفة

المسلمين، يحكم بين الناس بمذهب الخليفة والأمير وكذلك سائر القضاة. ولا يحكم

أحد منهم بين المتخاصمين بأحكام المذهب الذي يتقلدونه، بل جعلوا قضاء مصر

حنفيًّا محضًا كالقضاء في بلاد الترك الحنفية، وأهل مصر شافعية ومالكية إلا

القليل.

إذا كانت هذه الحكومة غير إسلامية، فلماذا لا تترك للمسلمين أوقافهم كما

تركت للقبط وغيرهم أوقافهم، فإذا كان الخديوي كما تقول القبط حاكمًا مدنيًا فقط،

ونسبة المسلمين والقبط إليه من حيث هو حاكم واحدة، فهل يرضون بكل ما يتفرع

على هذا الأصل، ويجعلون له الحق أن يعطي من أوقاف القبط للمنافع المشتركة

(كالجامعة المصرية) كما يعطي من أوقاف المسلمين.

إذا كانت هذه الحكومة غير إسلامية، فلماذا تضع هي القوانين للمعاهد الدينية

التعليمية كالأزهر وغيره من جوامع العلم الديني، وتولي هي المشايخ عليه ومشايخ

المذاهب، وترفع بعضه في الرتب العلمية الدينية على بعض. ولماذا تولي أئمة

الصلاة وخطباء الجمعة، ولا ترى لها مثل هذا الحق في معاهد الديانة النصرانية

من الأديار والكنائس وقسوسها ورهبانها وسائر رجال دينها، وإنما تكتفي ببعض

الرسوم الدالة على أن هذه الديانة من الديانات التي أقرتها الحكومة في بلادها، ولها

عليها حق الحماية وحفظ الحرية الدينية. وليس لكل أهل دين هذا الحق في كل

حكومة، فالبابية ليس لهم حقوق دينية في بلاد الدولة العثمانية كالنصارى مثلاً.

إذا كانت هذه الحكومة غير إسلامية، فلماذا تترك العمل في الأعياد الدينية

الإسلامية، وتحتفل بها احتفالاً رسميًّا كما تحتفل بالمولد النبوي الشريف دون أعياد

القبط وغيرهم، ودون مولد سيدنا عيسى عليه السلام، ومثل ذلك الاحتفال بمحمل

الحج وكسوة الكعبة المعظمة.

لست أعني بهذه الأمثلة والشواهد أنها كلها من الفرائض أو السنن في أصل

الإٍسلام، أو من الأحكام التي فرضها الدين على الحكام، فالصحابة والتابعون

والأئمة المجتهدون لم يحتفلوا بذكرى المولد ولا المعراج، كما تحتفل الحكومات

الإسلامية الآن، وإنما أعني أن هذه الخصائص من آثار كون الحكومة إسلامية.

تريد القبط أن تمحو هذه الخصائص، ومن وسائلها على ذلك طلب ترك

العمل في يوم الأحد، وطلب جعل أموال الحكومة المصرية شرعًا بينهم وبين

المسلمين، لا يتفق شيء منها في مصلحة إسلامية إلا ويتفق مثله في مصلحة قبطية،

وهذا أصل عام، يتفرع منه إذا قبل محو جميع خصائص المسلمين في هذه

الحكومة. وتحتج القبط على حقيقة هذا الطلب بأن هذه الحكومة مصرية لا إسلامية،

فهذا هو الأصل عندها، فإذا قبلته الحكومة ترتب عليها ما طلبوا أو أكثر مما

طلبوا من الفروع.

وإذا محصنا المسألة وبينا حقيقتها ترى أن المطلوب هو إخراج هذه الحكومة

عن كونها إسلامية بإزالة كل اختصاص للمسلمين فيها، ولكن أبوا أن يعترفوا بهذا

الأصل ويطلبوا هدمه، ورجحوا أن يهدم بهدم ما بني عليه. وهذا من الدهاء والحكمة

؛ لأن طلب إبطال الفروع أخف على النفوس من طلب إبطال الأصول، فإنه من قبيل

الدعوى بالدليل، ولأن من اعترف بالأصل لزمه الاعتراف بالفروع. فما جروا عليه

هو الأقوى والأنفع لهم، وهو أشد على المسلمين في باطنه وحقيقته، وأخف في

ظاهره وصورته.

إن الدولة العثمانية أمّ الحكومة المصرية واقفة أمام مثل هذه المسألة في بلادها،

فقد قام النصارى بعد الدستور يطالبون بنحو ما تطالب به القبط. ولكنهم لا

يزالون يخفون أكثر مما يظهرون، وليس موضوع كلامي إبداء رأيي أو ميلي في

تخطئة هذا أو ذاك ولا تصويبه، وإنما رأيت الأمر غمة على المسلمين والنصارى

كافة، وما رأيت أحدًا يتجرأ على بيان الواقع فأحببت أن أبينه كما هو لا كما يجب

أن يكون.

الواقع أن الحكومة العثمانية حكومة إسلامية قبل الدستور وبعده، وأن الحكومة

المصرية مثلها وتابعة لها في كونها إسلامية، وإنما تختلف في شيء واحد وهو أنها

مستقلة في إدارتها الداخلية بعهد (فرمان) من السلاطين. وأن الاحتلال الأجنبي

مسيطر عليها.

وقد صرّح القانون الأساسي للدولة بأن دينها الرسمي هو الإسلام، وأن

سلطانها هو خليفة المسلمين. والدين في حكومتها أظهر منه في الحكومة المصرية

التي هي تحت سيادتها. فإن شيخ الإسلام هنالك هو العضو الأول في مجلس

النظار وباب المشيخة الإسلامية من أكبر نظارتها. وإذا تناقش مجلس الأمة من

المبعوثين أو الأعيان في مسألة، وقال أحد منهم: إنها مخالفة للدين؛ لا يستطيع أحد

أن يقول: لا ضرر في ذلك، بل يدفعون ذلك بعدم التسليم له، فلو كان جميع

المبعوثين من المسلمين عالمين بالشرع الإسلامي، وأرادوا أن يطبقوا جميع

القوانين على أحكامها لفعلوا بلا معارض.

هذا هو الواقع هنا وهناك، وهو يثقل على القبط وسائر النصارى، وإن كان

إنجيلهم يأمرهم أن يخضعوا لكل حاكم، وأن يعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله،

ويفخرون بأن دينهم فصل بذلك بين الدين والحكومة، ولكنه لا يثقل على اليهود

الجامع كتابهم بين الدين والحكومة، بل يكتفي هؤلاء من الحكومة بأن تمنحهم

الحرية في دينهم وكسبهم، وقد وجدوا من هذه الحرية في بلاد المسلمين أيام قوتهم

وأيام ضعفهم ما لم يجدوه في بلاد أخرى في الحالتين.

النصارى أحرص الناس على السلطة والحكم، وللتربية الإفرنجية في نفوسهم

تأثير عظيم في ذلك، فهم لا يرضون من الحكومتين العثمانية والمصرية تمام الرضى

إلا بالانسلاخ التام من الإسلامية، ولكن هذا الانسلاخ مما لا يستطاع إلا بالتدريج

البطيء في الزمن الطويل، فإن الأشخاص والأقوام والحكومات تتكون كطبقات

الأرض بفعل الزمن الطويل، وما كان كذلك لا يمكن تغييره دفعة واحدة كما قلنا،

ولهذا بينت من قبل أن القبط قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، ومنعهم

بغضهم للعرب أن يهتدوا فيه بحكمة شاعرهم التي سيرها مثلاً وهي:

قد يدرك المتأني بعض حاجته

وقد يكون مع المستعجل الزلل

قلت: هذا لأن ما يطلبونه هم وإخوانهم من سلخ الحكومتين من الإسلامية لا

يمكن أن يحصل إلا بالتدريج وبموافقة المسلمين لهم عليه. وقد وجد من المسلمين

الجغرافيين (أي الذين يعدون من المسلمين في إحصاء الجغرافية، وإن لم يعرفوا

ما هو الإسلام) من يرون هذا الرأي، ويسعون هذا السعي بالدعوة إلى حل

الرابطة الإسلامية، والاستعاضة عنها بالرابطة الوطنية أو الجنسية.

وقد صار لأصحاب هذا الرأي أحزاب وزعماء يقودون المسلمين إلى حيث

يجهلون، وترك رجال الدين زعامة الأمة وقيادتها لهم، وهم يعلمون أن منهم الملحد

ومنهم الفاسق الذي يشرب الخمر ويزني ويلوط، ومنهم الذي يحل الربا، وأمثال

هؤلاء الزعماء أحرص على سلخ الحكومة من الدين من النصارى؛ لأنه يتعذر عليهم

أن يجمعوا بين شهواتهم وأهوائهم والزعامة في قومهم وبين الحكومة الإسلامية.

لو صبرت القبط والنصارى في البلاد العثمانية لكفاهم هؤلاء المسلمون

الجغرافيون الأمر، كما بينته من قبل، ألم يروا أنه لا يوجد مشروع إسلامي إلا

ويكونون هم المقاومين له؛ لأنهم يخشون قوة الدين على زعامتهم ووطنيتهم، وإن

كان من قوم لا عناية لهم بالزعامة، ولا يحبون أن يقربوا من نار السياسة، ولكنهم

إذ لم يصبروا، يخشى أن يجيء الأمر على ضد ما طلبوا.

يحسن أن يقنعوا الآن بما لهم في الحكومتين من الحرية الواسعة، وجواز

مشاركة المسلمين في أكثر أعمال الحكومة، أو كل ما لا يختص بالدين منها،

والقبط أجدر بهذه القناعة من غيرهم؛ لأن أكثر أعمال الحكومة الخديوية في أيديهم

وليتدبروا حال الحكومات الأوربية العريقة في الحكومة النيابية، كيف لا تزال على

ندرة المخالفين لشعوبها في دينها تفضل مذهب الجمهور والحكومة على غيره،

حتى إن فرنسا وهي الجمهورية التي صرحت بأنه لا دين لحكومتها، لا يمكن أن

تجعل من اليهود المالكين على أزمة القوة المالية فيها قوادًا للجيش ولا للأساطيل ولا

رؤساء للجمهورية، دع معامتلها لمسلمي الجزائر وتونس.

إن لتصريح القبط وغيرهم بهذه المسألة عواقب تتوقع؛ ولا سيما إذا أجيبوا

إليها:

(منها) تنبيه غيرة المسلمين الغافلين إلى وجوب إقامة حكومتهم لشريعتهم،

ولا يمكن للحكومة العاقلة أن تخالف رغبة الجمهور العظيم من رعيتها إلى رغبة

النزر اليسير ولو فيما ترغب هي فيه.

(ومنها) تصدي الدولة العلية للمداخلة في الأمر باسم الخلافة والسيادة، إذا

أجابت الحكومة بعض المطالب تفريعًا على الأصل الذي تقرره القبط، وهو أنها

غير إسلامية.

وقد سمعنا هذه الأيام صوت مجلس المبعوثين في الآستانة يبحث عن

القاضي الأكبر والقضاء في مصر، ويطالب بالمحافظة على الشرع فيها، وعهد

إلى شيخ الإسلام بالبحث عن ذلك وإيضاح ما يقف عليه للمجلس، وما نظن أن

الحكومة الإنكليزية تحب فتح هذا الباب في هذا الوقت.

(ومنها) أن المسلمين في جميع الأقطار يعدون مصر باب الحرمين

الشريفين ومعهد علوم الدين، فإذا علموا أن حكومتها خرجت عن كونها إسلامية،

يألمون بالطبع، وتتفرج مسافة الخلف بينهم وبين النصارى، وذلك لا يرضى به

محب للإنسانية.

(ومنها) أن الإنكليز يحسبون لسخط رعاياهم المسلمين في الهند وغيرها

حسابًا إذا هم وافقوا القبط على ذلك جهرًا، والمسلمون أشد أهل الهند إخلاصًا لهم

في هذا الوقت.

(ومنها) أن هذا يذهب بكل أمل المسلمين في هذه الحكومة، فيكون علة

لرجوع المسلمين إلى استعدادهم الذاتي واعتمادهم على أنفسهم، وحينئذ يخشى أن

تخسر القبط منهم أكثر مما تربح من الحكومة، وأن يعود الأمر إلى نصابه بقوة

الاتحاد التي فقدها المسلمون باتكالهم على حكومتهم.

(ومنها) أن القبط ترجح على المسلمين رجحانًا ظاهرًا، يخشى أن يترتب

عليه مع تعصب بعضهم لبعض فتن كثيرة، وهذا مما لا ترضى به حكومة في

الدنيا ولا يعقل أن يرضى به الإنكليز.

وصفوة القول أن فتح باب هذه المسألة كان من الخطأ الذي يضر القبط دون

المسلمين، فإنه أيقظ هؤلاء، فإذا استمروا على يقظتهم كان فيه الخير العظيم لهم،

وإذا عادوا إلى غفلتهم كان ضرره على القبط تأخير مطالبهم، وبعدما كان قريبًا

منها عنهم.

نعم.. إن القبط يستفيدون من هذه الحركة اكتناه استعداد المسلمين، فإذا فاز

المؤتمر المصري اضطروا إلى معاملة المسلمين معاملة جديدة، ورضوا أن يكونوا

منهم مكان الأخ الصغير من الأخ الكبير الذي يكون رئيس العشيرة أو بما دون ذلك،

وإذا خاب المؤتمر بسعي المفرقين من المسلمين، علموا أن السيادة في هذه

البلاد ستكون لهم ولو بعد حين.

وسيكون المؤتمر المصري موضع النبذة الثامنة من مقالنا هذا.

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

ص: 279

الكاتب: محمد رشيد رضا

النبذة الثامنة

المؤتمر المصري

إن بركات هذا المؤتمر قد سبقت وجوده فإن القبط لما علموا بالعزم عليه

اضطروا إلى سلوك سبيل الأدب في التعبير، وتنكب السبيل التي سار عليها كتابهم

في الجرائد، وهي سبيل الغميزة والتعيير، ولكنهم لم يرجعوا عن مقصد من

مقاصدهم، وأهمها إنكار كون حكومة مصر إسلامية، وادعاء أنهم أعلى كفاءة من

المسلمين، وأنهم أخذوا معظم وظائف الحكومة بحق الكفاءة، ويطلبون ما يطلبون

من سائرها بحق الكفاءة.

غرهم اتحادهم وتخاذل المسلمين، وطعن بعض أفرادهم وأحزابهم ببعض ولا

سيما بالنابغين منهم في الحكومة، فادعوا ما هو بديهي البطلان في مسألة الكفاءة

الشخصية، وما يكاد يكون حقًّا ظاهرًا في كفاءة العصبية الملية لولا أن انبرى

أولئك الأكفاء الفضلاء إلى تأليف هذا المؤتمر الإسلامي المصري، وكل ما هو

مصري فهو إسلامي إذا عرف المسلمون أنفسهم، وتعاونوا على القيام بمصالح

قطرهم؛ لأن غيرهم قليل، فيكون بالضرورة مدغمًا فيهم، وليس له وجود مدني

خاص بدونهم، ولكن وجودهم المدني وقد اجتمعوا وتعاونوا لا يتوقف على وجود

غيرهم.

لولا غرور القبط باتحادهم، وتخاذل المسلمين وتفرقهم لما طلبوا الرياسة

الإدارية بدعوى الكفاءة. وكيف تعرف كفاءة المرء في أمر ليس له فيه عمل، ولم

تسبق له فيه تجربة، ومن ذا الذي يشهد لهم بهذه الكفاءة وشهادة المرء لنفسه باطلة

ولم يشهد بها المسلمون ولا المحتلون وهم أبناء دينهم، فإذا كانوا يعتدون بشهادة

أولياء الأمور فليتركوا الأمر إليهم، وإلا فليأتوا بشهدائهم إن كانوا صادقين.

أما أنا فأقول: إن هذا المؤتمر هو الذي يشهد لهم أو عليهم. ولا أعني

بشهادته ما يأتي به خطباؤه من البينات والحجج فقط، وإنما أعني شهادة الحال دون

شهادة المقال، فإن لسان المقال قد يكذب وقد يختلب لب السامع بالشعريات المتخيلة،

فيبرزها في صور الحقائق المقررة، كما فعل خطباء القبط في مؤتمرهم. وأما

لسان الحال فهو الصدوق الذي لا يعرف الكذب، والمحق الذي لا يأتيه الباطل

فنجاح المؤتمر المصري بالثبات والنظام والعدل والإنصاف والاتحاد والتعاون هو

الذي يشهد للمسلمين على القبط، وشهادته لا تكون بذلك إلا حقًّا؛ لأن تلك الصفات

هي روح الحق.

أبطأ مسلمو مصر في هذا المؤتمر، كما أبطأ إخوانهم مسلمو الهند في مثله

من قبل، سبق وثنيو الهند مسلميها في عقد المؤتمر السنوي والجمعية الملية،

والمسلمون هنالك أقل من الوثنيين عددًا، وسبق قبط مصر مسلميها في إنشاء

المجلس الملي وفي عقد مؤتمر قبطي، والمسلمون في مصر هم الأكثرون عددًا،

فما هو سبب ذلك، ههنا وهنالك.

كان المسلمون هم أصحاب العزة والسلطان الغالب في الهند كمصر، فعاش

الفريقان الزمن الطويل بعد دخول الأجانب في بلادهم، مغرورين بسابق عزهم

وسلطانهم، ولم يشعروا بحاجتهم إلى حياة اجتماعية جديدة في هذا العصر الجديد

كما شعر الهندوس هناك والقبط هنا لعدم غرورهما، وإنما استيقظ مسلمو الهند قبل

مسلمي مصر؛ لأن الغرور بالحكومة الإسلامية قد زال من نفوسهم من قبل، وإن

أبقت لهم إنكلترة بعض النواب الأمراء كالتماثيل الأثرية أو المومياء في متاحف

العاديّات، وبقي مسلمو مصر مغرورين متكلين على حكومتهم مشغولين بسلطة

الاحتلال المسيطرة عليها، حتى زلزلت القبط هذا الغرور باتحادها وتكافلها، وفغر

أفواهها لابتلاع الحكومة كلها، كما أيقظ مسلمي الهند اتحاد الهندوس وتكافلهم

وتقدمهم عليهم بعد أن كانوا دونهم، فليس لقلة المسلمين النسبية في الهند ولا لكثرتهم

في مصر دخل في هذه المسألة الاجتماعية، وإنما هي فتنة السياسة والغرور بشكل

الحكومة، قد أذهلا الأمة عن نفسها، وصرفاها عن استعمال مواهبها، حتى كادت

تفقد نفسها ومواهبها.

إن الأمم الأوربية التي يجب أن تعتبر بحالها هي التي أصلحت حكوماتها،

ولم تكن حكوماتها هي التي أصلحتها، فإذا ارتقت الأمة ترتقي الحكومة بالضرورة،

وقد قال السيد الأفغاني الحكيم: العاقل لا يُظلم ولا سيما إذا كان أمة.

يجب على زعماء الأمم أن يوجهوها إلى قواها الذاتية، وثروتها الطبيعية،

وأن ينموا هذه القوى والثروة، حتى تكون مصدر سعادة الأمة، وأن يحولوا دون

افتتان العامة بالسياسة، والاشتغال بأمر الحكومة، فإن ذلك يشغلها عما تحسنه

وتقدر عليه بما لا تحسنه ولا قبل لها به، وقد ورد في الحديث الشريف: (اعملوا

فكل ميسر لما خلق له) رواه الشيخان في صحيحيهما.

يعني أنه ينبغي للإنسان أن يعمل ويشتغل بما يميل إليه استعداده، فإنه هو

الذي يرجى أن يتقنه، ومن حكمة الله في اختلاف الاستعداد أن يتقن مجموع

البشر جميع الأعمال، فمسألة الحكومة والسياسة فتنة عظيمة في كل الشعوب ولا

سيما في دور الانقلاب الاجتماعي والانقلاب السياسي.

إن للأمة حقوقًا على العلماء والكتاب والأغنياء الذين يهتمون بالأمور العامة

ويتصدون لها. منها خدمة مصلحتها الدينية والأدبية، ومنها خدمة مصلحتها

الاجتماعية، ومنها خدمة مصلحتها الاقتصادية، فإذا حصروا عملهم في السياسة أو

جعلوه كله باسم السياسة أضاعوا عليها هذه المصالح والمنافع التي لا قوام لها ولا

بقاء إلا بها، ولا سيما في مثل هذه البلاد التي ليس لها من أمر سياسة نفسها إلا

الكلام بقدر ما تسمح به حرية الحكومة. وإني أعتقد أن الأمة لا ترتقي إذا كان همها

كلها موجهًا إلى شيء واحد، وناهيكم إذا كان ذلك الشيء هو السياسة التي لا يشتغل

بها في كل الأمم إلا القليلون، ولا يحسنها ممن يشتغل بها إلا الأقلون.

أمرنا الكتاب العزيز أن نسير في الأرض ونعتبر بأحوال الأمم، فإذا نحن

بلونا أخبار الشعوب الغربية وسبرنا غور ترقيهم، نرى أنهم ما وصلوا إلى ما

وصلوا إليه من العزة والثروة إلا باهتمام النابغين منهم بترقية الأمة، والاستعانة

على ذلك بالجمعيات والشركات وتوزيع الأعمال بحيث يشتغل بكل نوع منها

طائفة لا تشتغل بغيرها حتى تحسنها.

إذا اختبرنا حالهم في التربية وخدمة الدين نظن أنه لا هم لهم من الحياة غير

دينهم، ذلك بأن لهم جمعيات دينية كثيرة قد تبرعوا لها بالأموال، ووقفوا لها

الأوقاف حتى صارت تملك الملايين من الجنيهات، وقد عمت التربية الدينية عندهم

ثم فاض طوفانها على جميع شعوب الأرض، فأنشأوا فيها المدارس والملاجئ

والمستشفيات، وطفقوا يبثون فيها دينهم وينشرون كتبهم مترجمة بجميع اللغات،

وإن الفقراء منهم ليساعدون هذه الجمعيات على قدر حالهم، حتى إن منهم من يحرم

نفسه من شرب الشاي أو من سكره أو من اللحم شهرًا أو شهورًا أو سنة، ويجعل

ما كان ينفقه في ذلك للجمعيات الدينية، كما يعلم ذلك من كتبهم وجرائدهم.

أذكر مثالاً صغيرًا من ذلك وقع في هذه البلاد: كتب قسيس إنكليزي يقيم في

شبين الكوم في جريدة دينية؛ أنه يريد أن يطوف القرى في الأرياف للتبشير

بالإنجيل، وأنه يحتاج إلى دراجة (بيسكلت) لذلك ولا يملكها. فما لبث أن أمطرت

عليه بلاده الدراجات الجيدة، حتى صار بيته مخزنًا لها لا يكاد يسعها، وتبع هذا

من الدراهم والهدايا ما لا حاجة بنا إلى عده.

وإذا دققنا النظر في أعمالهم المالية نظن أنه لا هم لهم من الدنيا إلا المال

والاحتيال على جمعه، وتصريف أمور العالم كله به، وناهيكم بمصنوعاتهم التي

يعيش العالم كله بها، ولا تكاد تقع عين أحد منا إلا عليها.

وإذا بحثنا في العلوم والفنون كل منها على حدته، فإنه يسبق على أذهاننا عند

الوقوف على عنايتهم بكل علم وحده أنهم لم يشتغلوا بغيره، ولا يحفلون إلا ببلوغ

الغاية منه، حتى إنهم جعلوا لكل فرع من فروع العلم الواحد جمعيات خاصة لأجل

إتقانه.

فإذا أردنا الاعتبار بحالهم مع الاستضاءة بنور العقل، فعلينا أن ننظر في

حاجات أمتنا ومصالحها العامة، ونختص بكل منها طائفة تشتغل بها دون غيرها؛

لأن إتقان العمل الذي هو سلم الترقي لا يكون إلا بذلك.

عندنا جمعيات خيرية وتعليمية ودينية ونقابات مالية وزراعية وشركات

تجارية وصناعية، وتألفت عندنا مجالس المديريات لأجل تعميم التعليم، وهذه

المصالح كلها لا تزال ضعيفة ونفعها محصورًا في دائرة ضيقة، فهي الآن

كالأعضاء المتفرقة يجب اتصالها؛ ليكون عمل كل منها متممًا لعمل الآخر، أو

كالشرايين المنفصلة يجب اتصالها بالقلب لتستمد منه وتمده، أو كالأسلاك البرقية

التي يصل كل منها بين بلدين أو أكثر من المملكة، ولا تتصل بالمركز العام الذي

يصل بعضها ببعض، وما دامت مصالحنا متفرقة على هذا النحو لا نكون أمة

متحدة، فيجب أن يكون لجميع مصالح الأمة العامة سمط واحد تنتظم فيه حباتها

ويزاد عليها، حتى تكون عقدًا كاملاً، يجب أن تتصل هذه الأعضاء العاملة فتكون

جسمًا واحدًا، يعمل كل عضو منها عمله الخاص به؛ لأجل منفعة سائر الأعضاء.

فالسمط الذي نحتاج إليه لتكوين عقدنا الاجتماعي، بل الدماغ أو القلب الذي

نحتاج إليه ليمد جميع أعضاء الأمة بالحياة هو هذا المؤتمر.

ما سرني شيء في مصر كما سرني تأليف هذا المؤتمر، وإنما يتم السرور-

إن شاء الله تعالى - بنجاحه ودوامه، وإني أقترح عليه ما يغلب على ظني أن

غيري يقترحه، والحق يزيد قيمته ويعلو شرفه بكثرة طلابه، ولكن لا ينقص شرفه

بقلتهم، فإن الحق كالجوهر الخالص، شرفه ذاتي له، وإنما يعلو ويغلو بمعرفة

الناس لهذا الشرف وتنافسهم فيه أي: بأمر عارض غير ذاتي.

كفاني قانون المؤتمر أمر اقتراح سلبي لابد منه، ولا يرجى بقاء المؤتمر

ونفعه إلا به، وهو عدم الاشتغال بالسياسة؛ فالسياسة ما دخلت في شيء إلا أفسدته

كما قال الأستاذ الإمام، فيجب أن تترك لنفسها ويفوض أمرها على أحزابها، وأن

يشتغل المؤتمر بما دونها من مصالح الأمة فيجمع متفرقها، ويكمل ناقصها، ويوحد

وجهتها؛ ليكون عمل الكل موجهًا إلى غاية واحدة.

للمؤتمر عمل عارض مؤقت وأعمال دائمة مقصودة لذاتها، فالعمل العارض

الموقت هو تمحيص مطالب المؤتمر القبطي، وبيان حقه من باطله.

يقول الله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلَاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (العنكبوت: 46) الآية. ولا أحسن من بيان الوقائع وإثبات الحق بالإحصاء

الصحيح، وبذلك يثبت المؤتمر أنهم طلبوا من أعمال الحكومة ما لو أعطوه

لأضحت الحكومة قبطية خالصة، ويسهل على المؤتمر أن يثبت ما يعترف به

بعض القبط من تعصب رؤسائهم لهم في جميع المصالح، وتقديمهم على المسلمين،

ومن كان هذا شأنهم فإسناد الوظائف الرئيسية إليهم يخشى أن يفضي إلى ما لا تحمد

عقباه من التعصب والغلو في الخلاف، حيث تكون الحكومة كلها في أيديهم.

وليس فيما قاله القبط في مؤتمرهم وما يكررونه كثيرًا في جرائدهم أمر ذو

بال إلا تصريحهم بأن هذه البلاد ليست إسلامية وحكومتها ليست حكومة إسلامية.

إن القبط على احتراسهم في مؤتمرهم وتحاميهم الألفاظ التي تكبر المؤاخذة

عليها، صرحوا بأنه لا يقول: إن هذه البلاد إسلامية، للمسلمين فيها ما ليس

لغيرهم إلا أفراد لا يجاوزون عدد الأصابع، صرح بذلك خطيبهم توفيق بك دوس

المحامي، ولجريدتيهم كلام كثير في ذلك، أوضح مما قاله خطيب مؤتمرهم. وعلى

هذا بنوا وجوب تعليم الدين المسيحي في مدارس الحكومة وبطالة يوم الأحد.

فيجب على المؤتمر أن يبين ما يترتب على هذه الدعوى، وهو أنه إذا كانت

الحكومة الخديوية تعترف من نفسها أنها غير إسلامية أو يكرهها المحتلون على ذلك

فإن المسلمين لا يرضون أن تكون محاكمهم الشرعية تابعة لها، ولا أوقافهم

ومدارسهم الدينية تحت إدارتها، ولا وضع تركات من يموت منهم عن غير وارث

في خزينتها، بل يطلبون حينئذ أن يستقلوا بجميع أمورهم الدينية كالقبط وغيرهم.

فأما الحكومة فلا تعترف بهذا، وأما المحتلون فلا يتحملون تبعته.

لا أحب أن أطيل في المسألة القبطية أصولها وفروعها، وإنما كتبت ما كتبته

من قبل لتنبيه المسلمين إلى ما هم في أشد الحاجة إليه، وهو أن يعرفوا أنفسهم ممن

معهم، ويعرفوا ما لهم وما عليهم، وأنا واثق بأنه يسهل على المؤتمر المصري أن

يبين للمنصفين من شعوب المدنية وغيرهم أن القبط غابنون لا مغبونون، وأن

المسلمين مغلوبون بتساهلهم لا غالبون، وأن الخير للقبط أن يقنعوا بما هم فيه من

النعم، وأن لا يطلبوا شيئًا باسم القبط، ولا ينازعوا في صبغة الحكومة الإسلامية،

وأن يعودوا عما تجرءوا عليه من تهمة المسلمين بالتعصب الديني عليهم لنصرانيتهم

ومن تحريض أوربة عليهم، وعن اللهجة البذيئة التي سنتها لهم جرائدهم.

كل هذا مما يسهل على المؤتمر بالبراهين، ولكن القبط لا تذعن له إلا إذا

رأت من المسلمين الحزم، ومجاراتها في توثيق الرابطة الملية والتعاون الديني على

الترقي. فإذا هم عرفوا حدهم واعترفوا بحق غيرهم، فإني أحب للمسلمين أن

يستوصوا بهم خيرًا، ويعطوهم أكثر مما يستحقون، كما كانوا من قبل يفعلون،

ولا أحب للمسلمين أن يرجعوا بصفقة المغبون الذي لا هو محمود ولا هو مأجور.

***

(أعمال المؤتمر الدائمة)

أما أعمال المؤتمر الدائمة فكثيرة، لا يمكن شرحها في هذا المقال، وإنما

نشير فيما نقترحه في خاتمته إلى أصولها وقواعدها.

وأما فائدته فأكبرها عندي ما أشرت إليه آنفًا؛ من توحيد المصالح والأعمال

العامة التي تقوم بها الأمة دون الحكومة ومساعدتها عليها وتوجيهها إلى المقصد

الصحيح الذي ترتقي به الأمة في معارج الكمال المادي والمعنوي، ويدور ذلك كله

على أربعة أقطاب

(1)

التربية الملية والتعليم.

(2)

إرشاد العوام إلى تحسين معيشتهم في آدابهم وأعمالهم وصحتهم

ومعاملتهم لمن يعيش معهم من موافق ومخالف.

(3)

حفظ ثروة الأمة وتنميتها بالوسائل الحديثة، والتوقي من الغوائل التي

تغتالها.

(4)

مواساة العاجزين والبائسين وإعانة المنكوبين والغارمين.

سيشرح خطباء المؤتمر هذه المقاصد كلها أو بعضها، ويبينون وجه الحاجة

على ما يتكلمون فيه، وما ينبغي أن يقرره المؤتمر ويقوم به، وإنما يقرر المؤتمر

المطالب العامة بالإجمال. وأما التفصيل الذي يترتب عليه التنفيذ، فيتوقف على

تأليف لجان تختص كل لجنة بعمل من الأعمال، ويكون روح الأعمال كلها تكوين

الأمة وتوحيد وجهتها في حياتها الاجتماعية.

فإذا بحثنا في مقصد التربية والتعليم، نرى أن تربية أبنائنا وبناتنا مفرقة

لأجزاء أمتنا، ممزقة لأعضائها، حائلة دون أن نكون أمة متحدة، لا مكونة للأمة.

أي أن التربية والتعليم اللذين نتنافس فيهما، ونبذل النفيس لأجلهما، ونظن أن

فيهما عزتنا وارتقاءنا، هما حائلان دون كل ما نطلبه من وحدة الأمة وارتقائها.

***

المدارس والتربية والتعليم

ما هو المقصد العام من المدارس، ومن يدير هذه المدارس ويحقق لنا ما

نقصد منها، وهل الذين تخرجوا في هذه المدارس متحدون في أفكارهم ومقاصدهم،

متوجهون إلى توحيد الأمة وجعلها مثلهم.

لا بقاء للأمة إلا بالمحافظة على عقائدها وآدابها وشعائرها الدينية وأخلاقها

وعاداتها ولغتها، وهي مقوماتها ومشخصاتها التي تكونت بها بالوارثة وفعل القرون

كما تتكون المعادن في الأرض، فإذا طرأ على هذه المقومات والمشخصات بفعل

الزمن ما يعيبها ويشوهها، ويجعل الاستفادة منها قليلة، كان الواجب على المربين

والمعلمين أن يزيلوا تلك العيوب كما يزال الصدأ عن الحديد، لا أن يزيلوا الجوهر

نفسه ويضعوا مكانه جوهرًا آخر.

قال صلى الله عليه وسلم: (تجدون الناس معادن فخيارهم في الجاهلية

خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) رواه الشيخان. والأمم معادن كالأفراد، وعمل

المربين فيها كعمل الصنّاع في المعادن، وبعملهم تظهر مزاياها ومنافعها، فمهرة

الصناع يصقلون الحديد الأسود؛ حتى يكون أبيض لامعًا كالمرآة، حتى تفضله

بلونه على الفضة المهملة في المكان الرطب، يتغير لونها ويزول بهاؤها.

كذلك الأمم تظهر محاسنها ومنافعها في زمن دون زمن بالتربية والعلم،

وجوهرها هو جوهرها، لا يتغير في نفسه إلا بزواله وفنائه أو إدخاله في جوهر

آخر، كما يمزج قليل من المائع في غيره، فيغيب عن العين ويزول ذلك الوجود

الخاص به. فقد كان كل من الشعبين الإنكليزي والفرنسي جاهلاً لا مزية في عالم

المدنية ثم تعلما وارتقيا، وبقي كل منهما ممتازًا بمقوماته ومشخصاته، فمنها في

الأول الرصانة والثبات والبطء في التحول عن الشيء ولو قبيحًا، وفي الثاني

الذكاء والخفة وسرعة التحول، ولكل من الخلقين المتضادين منافع ومضار، ولكن

المنافع هي التي تغلب على طور الحياة والارتقاء، والمضار هي التي تغلب في

طور الضعف والانحطاط.

غرضنا من هذا المثل أننا محتاجون إلى تربية تزيل الصدأ الذي طرأ على

جوهر أمتنا حتى يظهر جوهرها نقيًّا ويسهل الانتفاع به، وإلى تعليم نعرف به

طرق استعمال مواهبنا الفطرية وخيرات بلادنا فيما يرقينا ويرفع شأننا، ولكن أمر

تربيتنا وتعليمنا ليس في أيدينا، فلا رأي لسراتنا ولا لأهل العلم والبصيرة منا في

أكثره.

نلقي بناتنا في مدارس الراهبات ومدارس الأمريكان، فهل يتعلمن فيها آداب

ديننا وأحكامه، ويتربين على عبادته وأخلاقه؟ ألا إننا نعلم أنهن لا يتعلمنها ولكن

يتعلمن ما ينفر منها، ويبعد عنها، فيخرجن لا نصرانيات على آداب النصرانية،

ولا مسلمات على الآداب والفضائل الإسلامية، وهل يرجى صلاح بيوت هذا شأن

رباتها؟ أم يرجى أن تكون الأمة المكونة من هذه البيوت أمة متحدة مرتقية؟

عندنا مدارس أهلية ابتدائية للبنات، فهل نجد فيها من الفضيلة وآداب الإسلام

وعباداته ما نفقده في مدارس الإفرنج؟ لا لا.

إن أمثل المدارس مدارس الحكومة ولا غناء فيها، فجميع مدارس البنات في

هذا القطر غير صالحة للتربية التي نحن في أشد الحاجة إليها، ولا يرجى أن توجد

المدارس الصالحة، ونحن في هذه الفوضى بالمصادفة، ولكننا إذا خرجنا بهذا

المؤتمر من هذه الفوضى، فإننا نجد ما نرجو كما نحب؛ لأنه يكون برأي الأمة

وتدبيرها.

إن جميع المدارس المصرية من إفرنجية وأهلية وأميرية غير صالحة للتربية

الملية التي ترتقي بها الأمة بتزكية جوهرها الفطري وحفظ مقوماتها الملية، كل هذه

المدارس تجذب المتعلمين والمتعلمات فيها إلى التفرنج، فتفتنهم بلغة غير لغتهم،

وآداب غير آدابهم، وعادات غير عاداتهم، كما تخفض مقام ملتهم وقومهم في

أنفسهم، وتعلي فيها مقام أقوام آخرين، كلها آلات محللة بل سيوف مقطعة لمقومات

الأمة ومشخصاتها، لا همّ للمتخرجين والمتخرجات فيها إلا أن يجدوا مالاً يبذلونه

للأجانب ثمنًا لما عندهم من الملذات والزينة، بل يبذلون القناطير منه في القمار

والمضاربات، وما لا لذة فيه إلا الهوس والخبل وفنون الجنون.

فعلى المؤتمر أن يتدارك هذا الفساد قبل أن يعم، ويتعذر تداركه بفشوه في كل

الطبقات والإجماع على استحسانه.

تلك إشارة على وجه الحاجة إلى المؤتمر في أحد تلك المقاصد العامة

والأقطاب التي تدور عليها مقاصد الأمة، فقس عليه سائرها.

وجملة القول أن المرجو من المؤتمر أن يكون سلك النظام للأعمال الحرة

التي تقوم بها الأمة من الجمعيات والنقابات والشركات، يوحد وجهتها ويساعد كلاًّ

منها بقدر الطاقة.

ليس المراد من ذلك أن تكون الجمعيات جمعية واحدة، ولا الشركات شركة

واحدة، ولا النقابات كذلك، ولا أن تتغير قوانينها ونظاماتها، ولا أن يكون المؤتمر

مسيطرًا عليها، فإن ذلك ينافي توزيع الأعمال، ومباراة العاملين، ولا ترتقي الأمم

إلا بهذا التوزيع الذي هو وسيلة الإتقان.

وإنما المراد أن هذه المصالح كأعضاء البدن: العينان تبصران، والأذنان

تسمعان، واليدان تعملان، والرجلان تسعيان، وكذلك الأعضاء الباطنة كالمعدة

والكبد تعمل أعمالها، كل هذه الأعمال الاختيارية وغير الاختيارية تجري على

نظام واحد غايته حفظ البدن كله، والقلب يمدها كلها بالدم الذي يعينها على أعمالها،

وبالنظام المقدر، والقدر المعين، والنظام قوام الوجود، ومعيار الأعمال، ووسيلة

الكمال.

_________

ص: 287