المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المقالة الأولى التي كتبتردا على جريدة العلم - مجلة المنار - جـ ١٤

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد رقم (14)

- ‌المحرم - 1329ه

- ‌فاتحة المجلد الرابع عشر

- ‌الاشتراك في المنار

- ‌فتاوى المنار

- ‌جمعية الدعوة والإرشاد

- ‌المقالة الأولى لجريدة العلم

- ‌المقالة الأولى التي كتبتردًّا على جريدة العلم

- ‌نهضة التعليم الإسلامي في سملك دابل

- ‌أعظم رجل في العالم

- ‌اعتصام الفئتين الكبريين من المسلمين

- ‌البابية البهائية

- ‌الماسون في الدولة العثمانية

- ‌صفر - 1329ه

- ‌الذكر بالأسماء المفردة

- ‌أسئلة من الهند

- ‌جماعة الدعوة والإرشاد

- ‌أقوال الجرائد

- ‌حال المسلمين والمصلحين

- ‌الباطنية وآخر فرقهم البابية البهائية [

- ‌تقرير مرفوع إلى جناب صاحب الدولةالأمير أحمد باشا فؤاد حضرتلري

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة

- ‌الأخبار والآراء

- ‌ربيع أول - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌جماعة الدعوة والإرشاد

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة

- ‌الأخبار والآراء

- ‌ربيع الآخر - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌أمير الألاي صادق بك

- ‌المسلمون والقبط(النبذة السادسة)

- ‌اقتراح صاحب المنار على المؤتمر المصري

- ‌كيف خلق الإنسان [*]

- ‌النسائيات [*]

- ‌مذكرة عن أعمالالمبشرين المسيحيين

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة

- ‌جماعة الدعوة والإرشاد

- ‌مقدمة مقالات المسلمون والقبط

- ‌جمادى الأولى - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌العالم الإسلاميوالاستعمار الأوربي(1)

- ‌آراء أديسونفي مستقبل البشر

- ‌بيان أمير الألاي صادق بك

- ‌شيء من مناقب صادق بك

- ‌بيان هادي باشا الفاروقي

- ‌ألمانيا والعالم الإسلامي

- ‌(المؤتمر المصري)

- ‌اتفاق الدولوالمانع لها من قبول دولتنا فيه

- ‌احتلال فرنسة لمملكة المغرب الأقصى

- ‌جمادى الآخرة - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌العالم الإسلاميوالاستعمار الأوربي(2)

- ‌عليكم باللغة العربيةسيدة اللغات

- ‌المؤتمر المصري [*]

- ‌ملكة بهوبال الهندية في إنكلترة [

- ‌بلاغ محمود شوكت باشا

- ‌رأي الأمير صباح الدين

- ‌سياحة السلطانوالاستفادة من منصبه الديني

- ‌جماعة الدعوة والإرشاد

- ‌رجب - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌بحث الاجتهاد والتقليد

- ‌كلمة في السياحة المفيدة

- ‌قانون الجامع الأزهروالمعاهد الدينية العلمية الإسلامية

- ‌هل للقول من مستمع؟وهل للداعي من مجيب

- ‌ حضرموت

- ‌الدعاء للسلاطينفي الخطب وحكمه شرعًا

- ‌الإلحاد في المدارس العلمانية [*]

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة

- ‌فقيد مصرمصطفى رياض باشا(2)

- ‌جمعية الاتحادومشروع العلم والإرشاد

- ‌شعبان - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌علم الفلك والقرآن

- ‌فصل في بيان دقائقالمسائل العلمية الفلكية

- ‌كلمات علمية عربيةأسوقها إلى المترجمين والمعربين [1]

- ‌الانتقاد على المنار

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة

- ‌فقيد مصرمصطفى رياض باشا(3)

- ‌مشروع المنتدى الأدبي في التعليم العربي

- ‌الحريق في الآستانة

- ‌استدراك [

- ‌مخاطبات المنار

- ‌رمضان - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌كلمات علمية عربيةأسوقها إلى المترجمين والمعربين [*](2)

- ‌ملحق بقانون الجامع الأزهروالمعاهد الدينية العلمية الإسلامية

- ‌الكوليرا [*]

- ‌الإسعافات الطبية الوقتيةللمصابين بالكوليرا

- ‌أرباب الأقلام في بلاد الشامومشروع الأصفر

- ‌شوال - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌بحث الاجتهاد والتقليد

- ‌المسألة الشرقية [*]

- ‌حالة المسلمين في جاوه والإصلاح

- ‌الانتقاد على المنار

- ‌رد المنار

- ‌نظام مدرسة دار الدعوة والإرشاد

- ‌ذو القعدة - 1329ه

- ‌العلوم والفنونالتي تدرس في دار الدعوة والإرشاد

- ‌فتاوى المنار

- ‌المسألة الشرقية

- ‌مقدمات الحربفي طرابلس الغرب

- ‌عِبَرُ الحرب في طرابلس الغرب

- ‌ذو الحجة - 1329ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌مناظرة عالم مسلملدعاة البروتستانت في بغداد

- ‌المسألة الشرقية

- ‌منشورات إيطالية الخداعية

- ‌إعانة أمير أفغانستان وكبراء قومهلأهل طرابلس الغرب

- ‌عريضة الشكرمن العثمانيين المستخدمين في أفغانستان إلى أميرها

- ‌تقريظ المطبوعات

- ‌كتابٌ رصيفٌ ورأيٌ حصيفٌفي المساعدة على الحرب بطرابلس الغرب

- ‌الخطر الأكبر على بلاد العربوالرأي في تلافيه

- ‌الانتقاد على المنار

الفصل: ‌المقالة الأولى التي كتبتردا على جريدة العلم

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌المقالة الأولى التي كتبت

ردًّا على جريدة العلم

التي يصدرها الحزب الوطني

(مشروع العلم والإرشاد في الآستانة)

(والدعوة والإرشاد بمصر)

] وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ [[1]

ذكر هذا المشروع في بعض الجرائد محفوفًا بأوهام غريبة عنه، ونشرت

جريدة (العلم) مقالة افتتاحية في العدد الذي صدر في ثامن المحرم، أرجف كاتبها

فيها بالموضوع إرجافًا مبنيًّا على أقاويل لا يجزم بصحتها، وكان يسهل عليه أن

يراجعني أو يراجع المنار ويرى فيه ما كتبته عن المشروع، وأنا في الآستانة بين

أولي الأمر وأهل الحل والعقد، وكذا ما كتبته جرائد الآستانة التركية والعربية من

المقالات في إزالة سوء التفاهم بين العرب والترك، والتأليف بينهم بحجج الإسلام

القيمة، وآيات السياسة البينة.

فإن كان لم يتح له الرجوع إلى صاحب المشروع، ولا مراجعة ما كتبه فإن

صاحب المشروع يكتب بيانًا وجيزًا يعلم منه خطأ تلك الأقاويل التي بنى عليها كلامه،

لعله يرجع عنه، وينقض تلك الشكوك التي أقامها حول أفضل وأقدس عمل ديني

اجتماعي، يخدم به المسلمون دينهم وهو الدعوة إلى الإسلام، ودفع شبهات

المشككين فيه والمنفرين عنه، وهو فاعل- إن شاء الله تعالى - إن كان

حسن النية فيما أخطأ فيه من قبل.

ليست فكرة الدعوة وبث الدعاة إلى الإسلام بالفكرة التي حدثت عندي في هذه

الأيام، فيقال: إنني أريد أن أخدم بها جمعية سياسية جديدة؛ إن صح ما أذاعته جريدة

العلم ولم نسمعه إلا عنها من خبر هذه الجمعية، وإنما هي أمنية قديمة، صارت

رغيبة ثم اقترنت بها العزيمة بعد تمهيد طويل، وإليك البيان بالإيجاز:

كنت في أيام طلبي للعلم في طرابلس الشام، أتردد بعد الخروج من المدرسة

إلى مكتبة المبشرين الأمريكانيين، أقرأ جريدتهم الدينية، وبعض كتبهم ورسائلهم،

وأجادل قسوسهم ومعلميهم، وأتمنى لو كان للمسلمين جمعية كجمعيتهم، ومدارس

كمدارسهم، ولما هاجرت إلى مصر وأنشأت المنار، قويت عندي هذه الفكرة،

وأحببت أن أنبه المسلمين لها، فكتبت في جمادى الأولى من سنة 1318 مقالتين

عنوان إحداهما (الدعوة حياة الأديان)، وعنوان الثانية:(الدعوة وطريقها وآدابها)

ونشرتهما في المجلد الثالث من المنار، وكتبت مقالات أخرى في الرد على كتب

وصحف دعاة النصرانية الذين يطعنون في الإسلام، عنوانها العام: (شبهات

النصارى وحجج المسلمين) ، وكنت أقصد بذلك إعداد النفوس للقيام بهذه الفريضة؛

فريضة الاجتماع والتعاون على الدعوة، أي أنني بدأت بالكتابة في ذلك منذ عشر

سنين أو أكثر.

وفي سنة 1323 توجهت نفسي للسعي والعمل، فكتبت في المنار مقالة نوهت

فيها بالدعوة، وأشرت إلى ما تحتاج إليه من الاستعداد، وبحثت فيها عن دعوة

اليابانيين إلى الإسلام، وكان قد شاع أنهم يريدون عقد مؤتمر ديني للبحث عن أمثل

الأديان وأجدرها بالاتباع ليتبعوه، وبدأت بالسعي لتأسيس جمعية الدعوة، يكون أول

عملها إنشاء مدرسة لتخريج الدعاة، وجعلت تلك المقالة تمهيدًا لذلك، فكان لها

تأثير حسن في الأقطار الإسلامية شرقيها وغربيها، وبدأت المكاتبة في ذلك بيني

وبين أهل الغيرة من الصين إلى بلاد المغرب، وقد أشرت إلى ذلك في الجزء

الأول من المنار الذي صدر في المحرم سنة 1324 أي: منذ خمس سنين.

كاشفت يومئذ بهذا الأمر كثيرًا من أصدقائي بمصر، ورغبت إلى صاحب

الدولة رياض باشا أن يكون رئيس الجمعية التي تقوم بالاكتتاب لتنفيذ العمل، وإلى

محمود بك سالم أن يكون السر لها، وإلى حسن باشا عاصم - رحمه الله تعالى -

ومحمد بك راسم، وغيرهما من الفضلاء أن يكونوا أعضاء مؤسسين،

واجتمع بعض من دعوتهم للمذاكرة في ذلك مرارًا في إدارة المنار.

وشاورت يومئذ أحمد مختار باشا الغازي في العمل فاستحسنه هو وولده

محمود باشا، ووعدني ولده بالاشتراك بمائة جنيه في السنة عدا ما يدفعه من نفقات

التأسيس، ولكن عرض في أثناء السعي دعوة مصطفى كامل بك الغمراوي إلى

تأسيس مدرسة جامعة مصرية، وتلت ذلك العسرة المالية في مصر، فوقف

الاكتتاب للمدرسة الجامعة، ووقف أيضًا سعيي إلى مشروع الدعوة.

ثم حدث في سنة 1326 الانقلاب العثماني الذي كنا نسعى إليه في الخفاء، ثم

خلع السلطان عبد الحميد الذي كان مانعًا في بلاده من كل علم وعمل نافع يجب

على المسلمين القيام به مجتمعين، فعزمت أن أجعل مشروع الدعوة والإرشاد في

الآستانة لأسباب أهمها أمران: (أحدهما) أنني أرجو من نجاحه ومساعدته والثقة

به بالآستانة في ظل الدستور، ما لا أرجوه في مصر التي كنت أتوقع فيها مقاومة

الحزب الوطني، كما كنت أحذر مقاومته في طلب الدستور من السلطان عبد الحميد،

فاشتغل بذلك سرًّا. (وثانيهما) أنني رأيت بلاد الدولة تكثر فيها الفتن باختلاف

العناصر والأديان والمذاهب، وأنني أعلم أن لكل طائفة من النصارى العثمانيين

مدارس دينية تابعة لبطاركهم، على شدة إقبالهم على مدارس دعاة دينهم من الإفرنج،

وأعلم أن المسلمين هم المحرومون من ذلك، فقلت في نفسي: إن تأسيس

المشروع في الآستانة، تكون فائدته الأولى ترقية مسلمي الدولة العلية في دينهم

ودنياهم، والتأليف بينهم وبين أبناء وطنهم، ومنع أسباب الفتن والخروج على

الدولة من أقرب طرقها وهو الوعظ الديني، وبذلك يكون ارتقاء الأمة العثمانية

الاجتماعي والاقتصادي سريعًا، وبه تزيد ثروة الدولة وقوتها.

رحلت إلى الآستانة في أواخر رمضان من سنة 1327، بعد مكاتبة في

المشروع مع بعض معارفي فيها، ومع بعض رجال جمعية الاتحاد والترقي في

سلانيك، ظهر لي منها ميلها إلى مشروعي، حتى إنها سألت عن سفري بلسان

البرق، وتلقتني بالحفاوة في أزمير والآستانة، وقد أقمت في الآستانة سنة كاملة لا

عمل لي فيها إلا السعي لهذا المشروع، ولحسن التفاهم بين العنصرين المقومين

لهذه الدولة وهما العرب والترك اللذان شبهتهما بالعنصرين المكونين الماء أو الهواء،

وقد كتبت في هذه المسألة الأخيرة مقالات، نشرت أكثرها هنالك بالتركية

والعربية في جريدة إقدام، وجريدة كلمة الحق، ثم جريدة الحضارة، ويجدها

القارئ كلها في مجلدي المنار للسنتين الماضيتين.

عرضت المشروع هنالك على وزراء الدولة وكبرائها من رجال جمعية

الاتحاد والترقي وغيرهم، فاتفقت كلمتهم بعد البحث معي في لجنتين: إحداهما

علمية، والأخرى سياسية، على أن يصرف النظر عن البحث في مسألة تخريج

الدعاة إلى الإسلام، وإن تسمى المدرسة المراد إنشاؤها (دار العلم والإرشاد) ،

وجمعيتها (جمعية العلم والإرشاد) . وكان وصل المشروع في وزارة حسين حلمي

باشا إلى حيز التنفيذ؛ إذ قال لي: إن العمل قد تم نهائيًا، فألف الجمعية حالاً،

ونحن نصرف لكم الآن خمسة آلاف ليرة؛ لأجل الابتداء بالعمل، وفي أول السنة

المالية تزيد لكم بقدر الحاجة. ولكن استقالت وزارة حسين حلمي قبل أن نتمكن من

تأليف الجمعية.

ثم استأنفت العمل في وزارة حقي باشا، وقد عرض عليَّ ناظر الداخلية

وناظر المعارف فيها أن آخذ رخصة المدرسة باسمي، وأدع مسألة الجمعية إلى

فرصة أخرى، فلم أقبل، وقلت: يجوز أن أموت بعد مدة قليلة وحينئذ تصير

المدرسة لورثتي، وهم ليسوا أهلاً لهذا العمل، فلا بد من جمعية دائمة.

وقد فوضت إليهم اختيار أعضاء المؤسسين، فاختارهم ناظر المعارف مع

مدير شعبة الإلهيات والأدبيات في دار الفنون من صفوة رجالهم في المشيخة

الإسلامية ومجلس الأمة ونظارات الحكومة، وقد ذكرت أسماءهم في الجزء السادس

من المنار الذي صدر في آخر جمادى الآخرة سنة 1328، ومنهم شيخ الإسلام

الحال (وكان من أعضاء مجلس الأعيان والمدرسين) ومستشار المشيخة، واقترح

بعض الأعضاء أن يكون شيخ الإسلام رئيس شرف للجمعية، فقبلت.

* * *

قال صاحب مقالة جريدة (العلم) في مقالته التي أرد عليها بعد ذكر رحلتي

إلى الآستانة، وعرض المشروع على أولي الشأن ما نصه: (رحب رجال الدولة

بهذا المشروع، وأرادوا أن يحلوه محله الطبيعي بجعله تحت رعاية شيخ الإسلام

الذي له دون سواه الإشراف على المعاهد الدينية، فأبى ذلك صاحب المشروع،

وزادهم نفورًا منه فيما يقولون ما اتصل بهم (إن صدقًا وإن كذبًا) من إفراطه في

الاشتغال بالمسألة العربية، وإغراقه في التحرش بالأتراك، لقد كان يبلغهم ذلك

فيظنون بالشيخ الظنون، ويخشون مغبة تسليمه مقاليد تلك المدرسة، فأبوا إلا أن

تلحق بالمشيخة، وهم الآن فيما نعلم يشتغلون بإقامتها) .ا. هـ

أقول: (1) قول الكاتب إنهم رحبوا بالمشروع - يعني المشروع الذي عبر

عنه بالتبشير الإسلامي - غير صحيح، وإنما رحبت وزارة حسين حلمي باشا

بمشروع تربية المرشدين الذين يكونون وُعَّاظًا ومعلمين للمسلمين؛ لشدة الحاجة

إليهم في بلاد الدولة العلية، وأراد أن ينفذه كما اقترحت من غير أن يكون لشيخ

الإسلام رأي فيه، ولا إشراف عليه.

(2)

لما سقطت وزارة حلمي باشا، بقيت بضعة أشهر أراجع وزارة حقي

باشا، حتى اقتنعت بوجوب تنفيذ مشروع العلم والإرشاد، لا الدعوة والإرشاد،

بواسطة جمعية لا بواسطة شيخ الإسلام، وتأسست الجمعية، وصدقت عليها

الحكومة رسميًّا، وقانونها أو نظامها الأساسي مطبوع في المنار (ج6م13) .

(3)

إن كون المشروع في يد جمعية من خيار رجال العاصمة، ينافي أن

يكون بيدي، فلا محل لخوفهم مني إن صح أنهم سمعوا عني ما ينفرهم، فإن كان

جعل المدرسة تابعة للمشيخة مبنيًّا على عدم الثقة، فإنما ذلك عدم الثقة بالجمعية

التي ألفوها، لا بعضو واحد له فيها صوت واحد، وإن كان هو صاحب المشروع.

(4)

الحق الذي وقع هو أنه لم يقترح أحد من رجال الدولة جعل هذا

المشروع تابعًا للمشيخة، بل كانوا كلهم متفقين على جعل المدرسة من المدارس التي

يسمونها (المكاتب الخصوصية) وعلى أن فائدتها بأن لا تكون من مدارس

الحكومية الرسمية (ولا أزيد على هذا الآن) .

(5)

إننا بعد تأسيس الجمعية وتصديق الحكومة عليها، طلبنا من شيخ

الإسلام أن يستنجز الحكومة ما وعدتنا به من المال، فقال لنا بعد أن ذاكر الصدر

الأعظم واتفق معه على ذلك: اكتبوا ما تريدون من المساعدة، فكتبت صورة مذكرة،

وترجمها كاتب الجمعية العام بالتركية، وأعطيناه إياها، فأمر بتبييضها ثم ختمها،

وأخذها بيده إلى الباب العالي، وبقيت أنا ألح بعرضها على مجلس الوكلاء؛

لأجل تقريرها زمنًا طويلاً حتى عرضت، وبشَّرني شيخ الإسلام وناظر المعارف

بقبولها وصدور القرار الرسمي بمقتضاها.

(6)

كان هذا في شعبان من السنة الماضية، وفي الأسبوع الأول من

رمضان بلغنا شيخ الإسلام صورة القرار الذي قرره مجلس الوكلاء، فإذا فيه أن

المدرسة تكون لها لجنة تحت إدارة ومسؤولية شيخ الإسلام، ولم يطرق سمع أحد من

أعضاء الجمعية هذا الرأي إلا في أوائل رمضان، وهو الشهر المتمم للسنة من

سعيي للمشروع هناك.

(7)

لم أكن أنا الذي اعترضت وحدي على هذه الفقرة من القرار، بل

اجتمعت جمعية العلم والإرشاد بدار الفنون بعد ظهر يوم الجمعة 19 رمضان سنة

1328، وقررت باتفاق الآراء الاعتراض على قرار مجلس الوكلاء، وبلغوا شيخ

الإسلام قرارهم بالكتابة الرسمية، فقال - حفظه الله تعالى: إن الاعتراض في

محله (حقكز وار) أي معك الحق، وأنه سيراجع الباب العالي، ويقترح تعديل

قرار مجلس الوكلاء، وجعل المدرسة (دار العلم والإرشاد) خاصة بالجمعية التي

ألفت لأجلها، وكذلك قال ناظر المعارف ووعد، وقال لي أحمد نعيم بك بابان

العضو في مجلس المعارف وفي مجلس إدارة الجمعية: أظن أن الناظر كتب بالفعل

إلى الباب العالي يقترح تعديل القرار.

* * *

هذا نبأ وجيز من تاريخ المسألة، وهو يدحض جميع تلك (الأقاويل)

و (الإشاعات) التي بني عليها كلامه كاتب تلك المقالة في جريدة العلم، ومنه يعلم

كل من له مسكة من الاستقلال في الفهم والرأي أنه لا مجال للظنون والأراجيف في

هذا المشروع العظيم، ولا في سعي هذا العاجز الضعيف إليه، وهل يعقل أن أترك

عملي الكثير بمصر، وأقيم سنة كاملة في الآستانة، وأخسر من المال والوقت ما لا

غنى لي عنه، إلا لشدة إخلاصي في خدمة ديني ودولتي، كما سبق لي منذ قدرت

على خدمتهما.

أما ما قيل (إن صدقًا وإن كذبًا) من إفراطي في الاشتغال بالمسألة العربية،

فليعلم ذلك الكاتب أنه من الكذب والبهتان، وهو أغرب من اتهام الحزب الوطني

بخدمة الإنكليز في المسألة المصرية وتمهيده السبيل لامتلاكهم مصر. وذلك أن

كتاباتي في محاربة العصبية الجنسية في الإسلام، وفي أخوة المسلمين العامة،

وفي التأليف بين العرب والترك خاصة، منبثة في ثلاثة عشر مجلدًا ضخمًا من

المنار، وفي أربعة مجلدات من التفسير، ولا أطيل في هذه المسألة البديهية، فإنما

غرضي في هذا المقال بيان ما لا بد منه من أمر مشروع الإرشاد في الآستانة العلية،

ليعلم أنه لا مجال للاشتباه فيه، وأن ما تقرر هنالك لا يغني عن إنشاء مدرسة

للدعوة إلى الإسلام هنا.

وسأبين في مقال آخر جوهر المشروع المتفق على إنشائه هنا، وأنه لا مجال

فيه أيضًا للأراجيف والظنون، وأنه لا يعارضه ولا يناهضه إلا عدو للإسلام

والمسلمين، أو حاسد للعاملين، فاصبر إن الله مع الصابرين.

وما سكتنا عن بيان المشروع في الجرائد؛ لأنه سري أو لأن فيه شيئًا سريًّا، وإنما

هو طور التكوين، فمتى تم تكوينه بيناه للناس أجمعين، ولتعلمن نبأه بعد حين.

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

(1)

فصلت: 33.

ص: 41

الكاتب: محمد رشيد رضا

المقالة الثانية

وهي المقالة التي أرسلتها إلى الجرائد في بيان المشروع ووجه الحاجة إليه

برأي الجماعة التي تسعى معي في تنفيذه.

(مشروع الدعوة والإرشاد في مصر)

{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ

وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104) .

{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ

رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل: 125) ،

الدعوة إلى الإسلام فريضة، إذا تركها المسلمون يكونون كلهم عصاة لله تعالى

مستحقين لعذابه، وإذا قام بها بعضهم سقط الحرج عن الباقين.

والدفاع عن الإسلام عند ظهور الشُّبَه وإلقاء الشكوك في عقائده وأصوله

فرض أيضًا، فإذا سكتوا عنه حيث يظهر كانوا عصاة لله تعالى مستحقين لعذابه،

وإذا قام به بعضهم وحصلت بهم الكفاية سقط الإثم عن الباقين.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الحاجة من فرائض الكفاية أيضًا،

فإذا سكت المسلمون عنه حيث يترك المعروف من الفرائض والسنن ويظهر المنكر

من البدع والمعاصي، كان جميع المسلمين هناك آثمين مستحقين لعذاب الدنيا

بذهاب عزهم ومجدهم، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون، وإذا قام به من

تحصل بهم الكفاية سقط الحرج عن الباقين.

هذه مسائل مجملة مجمع عليها بين المسلمين الذين يعتد بإسلامهم، ولها

تفصيل وجزئيات معروفة في مواضعها من كتب الدين بشروطها وأدلتها.

وقد أهملت هذه الفرائض في زماننا هذا إهمالاً لم يسبق له نظير، كما أن

الحاجة إليها قد اشتدت اشتدادًا لم يسبق له نظير في تاريخ الإسلام.

فشا الجهل بين المسلمين، وكثرت فيهم البدع والخرافات، وقل الوعاظ

والمعلمون الذين يتصدون لإرشاد العامة أو فقدوا (اللهم إلا الدجالين المحتالين على

التجارة بدينهم) ، وانبثت دعاة النصرانية في جميع شعوبهم، يشككونهم في دين

الإسلام، ويطعنون في كتابه المنزل، وفي نبيه المرسل، ويبثون مطاعنهم

بالخطب في المحافل العامة، والتعليم في المدارس الخاصة، والوعظ في الملاجئ

والمستشفيات، وبكتب ورسائل يطبعونها وينشرونها في الناس، وأكثر المسلمين

عوام أميون، لا يميزون بين الحق والباطل ولا بين الصادق والكاذب، مما يعزى

إلى دينهم وإلى علمائهم، ووراء ذلك أموال تبذل للمرتدين، تغر الطامعين الجاهلين.

فصار من الواجب المحتم عليهم في كل البلاد أن يقاوموا هذه الشكوك

والشبهات دفاعًا عن دينهم، وأن لا يكتفوا بالدفاع كما هو شأن الضعيف، بل

يزيدوا عليه تعليم عامة المسلمين حقيقة دينهم، ويدعوا غير المسلمين ولا سيما

الوثنيين إلى هذا الدين القويم، دين العقل والفطرة، المصدق لجميع الرسل،

الجامع بين مصالح الروح والجسد، المؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة.

يجب أن تقاوم هذه القوة المهاجمة لهم بمثلها، وأنى لهم مع هذا التخاذل

والتواكل والتحاسد والتباغض أن يأتوا بمثلها.

إن لكل مذهب من مذاهب النصرانية جمعيات دينية غنية بالهبات والتبرعات

ولهذه الجمعيات فروع، كل فرع منها موجه لتنصير شعب من الشعوب؛ فمنهم

الموجهون لتنصير العرب يتعلمون العربية ويتقنونها أكثر من أهلها، يؤلفون الكتب

بها، ويعلمونها في مدارسهم، وهم منبثون في البلاد العربية والآسيوية والأفريقية،

ومنهم الموجهون لتنصير الفرس، والموجهون لتنصير الترك، والموجهون لتنصير

الهنود، ولتنصير الجاويين

إلخ.

يشعر المسلمون في مصر بالألم والامتعاض عندما يرون جريدة من جرائد

هؤلاء الدعاة، أو كتابًا من كتبهم، أو رسالة من رسائلهم، تطعن في دينهم.

يتألمون لأنهم يعدون هذا إهانة لهم، وقلما يخطر في بال أحد منهم؛ أن بعض

المسلمين ينخدع بها فيشك في دينه أو يخرج منه لأن ضروريات الإسلام معروفة

هنا بين العامة في الجملة، ومعرفتها كافية لرفض كل ما يخالفها والإعراض عنه،

ويزيدهم قلة مبالاة ما يرونه من المطاعن الجديرة بالسخرية؛ كالكتاب الذي نشرته

المكتبة الإنكليزية بمصر، لقسيس إنكليزي ذكر فيه سورة زعم أنها كانت سقطت

من القرآن أو كتمت، وما تلك السورة بسورة، وإنما هي كلام ركيك، تتبرأ منه

الصحافة والبلاغة؛ بل اللغة العربية.

إلا فاعلموا أيها الإخوة، إن هذه الجمعيات قد انتزعت في مصر نفسها أفرادًا

من المسلمين ونصرتهم، ولكنكم لا تشعرون بهم لقلتهم، فماذا ترونها تفعل في غير

مصر من البلاد التي لا يعرف فيها الإسلام كما يعرف بمصر، ولا يوجد فيها من

يدافع عنه كما يوجد في مصر.

جاءني في كتاب من سائح مسلم مشهور بسنغافورة بتاريخ 14 شوال سنة

1328 ما نصه: إني قد ترددت إلى جاوه ومتعلقاتها منذ ثلث قرن، وقد تبين لي

أن دعاة النصرانية قد أضروا بالإسلام وأهله؛ لتغلب الجهل عليهم لمنع الحكومة

الهولندية دخول الدعاة إلى الإسلام، وحجتها أنهم ليسوا علماء بل دجاجلة، وكل

من منعته أو طردته ليس من متخرجي المدارس، ولقد هالني جدًّا ما رأيته في

سياحتي هذه، فإن الداء قد تمكن وفتك بالأهالي فتكًا ذريعًا مهولاً، وبالجملة أقول:

إن المتنصرين سنويًّا من مسلمي جاوه ومتعلقاتها - هندينذرلند - لا يقلون عن مائة

ألف إنسان، وإذا دام هذا، عادت جاوه أندلسًا ثانية (إلى أن قال بعد لوم العرب

الذين هنالك على سكوتهم عن هذا الأمر) ولو وجد عالم له إلمام بفن الدعوة،

وبعض معرفة بلغة أورباوية، وكان ذا عقل واعتدال، وساح في هذه النواحي،

لأوقف هذا التيار الجارف. فكيف لو وجدت بعثة كالبعثات الأوربية.

ثم جاءني منه كتاب آخر جوابًا عن كتاب أرسلته إليه مبشرًا إياه بالسعي

لإنشاء مدرسة لتخريج الدعاة إلى الإسلام، وصل إليَّ في 11 المحرم الحال، وقد

كتب في 24 ذي الحجة الماضي، وفيه ما نصه:

(أما ما ذكرته لكم من فتك دعاة النصرانية بأهل هذه النواحي فصحيح لا

مرية فيه، بل الأمر أشد وأكبر ولا سيما في جزائر تيمور ويتووسليس وبندقيني

وفلفاني ولا قوة إلا بالله، إلى أن قال: أما ما عرفتموه عن عدم سريان سموم

أولئك الأدعياء في الأقطار التي عرفتموها فله أسباب، كلها لا توجد هنا من تصلب

الأهالي، ووجود شيء من العصبية، وقليل من العلماء وبصيص من نور التمدن،

وكثرة قراء المجلات ونحو ذلك) .

(ولو عرفتم ما عرفته عن حال من بهذه الجهات لعجبتم من بقاء عشرات

الملايين على الإسلام مع ما هم فيه من الجهل، وما يعرض عليهم من الإعانات إن

تنصروا) .

(وأسأل الله أن يمدكم بعونه وتوفيقه ليتم لكم إقامة جمعية الدعوة والإرشاد،

ويطيل عمركم حتى تروا ثمرتها ونفعها للإسلام وأهله، وأرى أن لو كاتبتم أهل

الهند ولا سيما رؤساء ندوة العلماء؛ ليمدوا لكم يد المعاونة لكان حسنا) .ا. هـ

لا يوجد قطر من الأقطار الإسلامية إلا وعنده من أنباء هؤلاء الدعاة في بلاده

ما يحرك غيرته الدينية، ويذكره بما يجب عليه لدينه من القيام بمثل ذلك. ولكن

المسلمين أصيبوا بأمراض اجتماعية، حتى صاروا على شدة تمسكهم بدينهم

وغيرتهم عليه أبعد أهل الملل عن التعاون والاجتماع لخدمته، وإذا قام فيهم من

يريد خدمة الإسلام، لا يلقى الخاذلين والمقاومين له إلا من المسلمين، إما من باب

السياسة وفتنها، وإما من باب الحسد، وهم يتهمون غيرهم ولا سيما الأوربيين

بالمقاومة التي كفوهم أمرها، والصديق الجاهل أضر من العدو العاقل.

ولكن حوادث الزمان وأحداثه قد نبهت المسلمين في جميع أقطار الأرض

وحفزت هممهم إلى التعاون على إحياء دعوة الإسلام والدفاع عنه، وإرشاد عامة

أهله إلى ما يجب عليهم في هذا العصر من الاستمساك بآدابه وأعماله، ومباراة

الأمم الأخرى في العلم والمدنية، مع الحكمة والمودة والسلام العام بين أهل الملل.

قد قطع الأوربيون حجتنا بمثل ما نقله السائح عن حكومة هولندة في جاوة،

وما قاله لورد كرومر في بعض تقاريره عن دعاة النصرانية في السودان [1] فلم يبق

لأحد منا حجة في تعصب الأوربيين. وأما من يخافون من حسد جهلة المسلمين

والمارقين منهم، فليعلموا أن هؤلاء لا قوة لهم إلا بالأراجيف وسفه القول، وليس

هذا بعذر شرعي يسقط هذه الفريضة، بل الفرائض التي بيناها في صدر المقال.

هذا العمل لا يمكن أن تقوم به الحكومات؛ لما يحدث فيه حينئذ من فتن

السياسة؛ ولأن الحكومات لا تربي أرواحًا بل عمالاً، ولا الأفراد لضعفهم،

والشرع قد أوجب علينا أن تقوم به مجتمعين بقوله: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى

الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} (آل عمران: 104) الآية، ولم

يوجد في دين من الأديان التصريح بمثل هذا في افتراض الاجتماع لهذا العمل، وما

يعضده في القرآن الحكيم من الأمر بالتعاون والاعتصام، وقد دلت التجارب على

ذلك في غيرنا من الأمم، فلهذه الأوامر الدينية والأسباب الاجتماعية استخار الله

جماعة من أهل الغيرة من المسلمين المقيمين بمصر، وشرعوا في التوسل إلى

إنشاء مدرسة؛ لتخريج الدعاة إلى الإسلام والمرشدين للمسلمين، وإقامة تلك

الفرائض، وسيعلنون الدعوة إلى التعاون على ذلك عن قريب.

* * *

(مدرسة الدعوة والإرشاد)

نبين للناس أهم ما تقرر بين الجماعة المشتغلة بتأسيس هذه المدرسة بادئ بدء

إلى أن يصدقوا على قانونها فننشره.

(1)

يختار طلاب هذه المدرسة من طلاب العلم الصالحين من مسلمي

الأقطار ويفضل الذين هم أشد حاجة إلى العلم على غيرهم؛ كأهل جاوه والصين،

وما عدا القسم الشمالي من إفريقية.

(2)

المدرسة تكفل لهم جميع ما يحتاجون إليه من الغذاء والمنام والكتب.

(3)

يعتنى بتربيتهم على آداب الإسلام وأخلاقه وعباداته، بحيث يطرد من

المدرسة من ثبت عليه الكذب أو إظهار العصبية الجنسية أو المذهبية أو ارتكاب شيء

من المعاصي، وعلى قيام الليل وصيام أيام من كل شهر، وعلى ذكر الله تعالى وتلاوة

القرآن مع التدبر.

(4)

يعلمون كل ما يحتاج إليه الدعاة من العلوم الدينية؛ كالعقائد والتفسير

والحديث والأحكام على الوجه المؤدي إلى القدرة على إقامة الحجة ودحض الشبهة،

وما يحتاجون إليه من العلوم الرياضية والكونية واللغات لأجل ذلك.

(5)

لا تشتغل المدرسة ولا الجماعة المديرة لها بالسياسة المصرية ولا

العثمانية، ولا سياسة الدول الأجنبية مطلقًا.

(6)

يرسل الدعاة والمرشدون الذين يتخرجون في المدرسة إلى أشد البلاد

الإسلامية حاجة إليهم؛ كجاوه والصين، ثم إلى الشعوب الوثنية، ثم إلى أمريكة

وأوربة من البلاد الكتابية، ولا يرسل أحد منهم إلى الولايات العثمانية؛ لما يترتب

على ذلك من اعتراض غير المسلمين وتهويشهم على الدولة، وإن كان لكل مذهب

من مذاهبهم دعاة في تلك الولايات، وللعلم بأنه سيوجد في الآستانة مدرسة لأجل

تخريج المرشدين لتلك دون الدعاة إلى الإسلام.

(7)

سيبدأ المؤسسون بجمع الإعانات للقيام بهذا العمل، ثم يفتحون باب

الاشتراك الدائم لأجل استمراره، ويرجون نجاح السعي بما يجود به أهل الخير

والبر من الاشتراكات والتبرعات والهدايا والوصايا، والأوقاف التي يرجى أن

توقف على هذا العمل.

(8)

نشرت هذا البيان بعد استشارة المتعاونين على تنفيذ هذا المشروع

واستحسانهم، وسينشر قانون المشروع الأساسي بعد التصديق عليه مذيلاً بأسماء

المؤسسين.

...

...

...

... محمد رشيد رضا

***

(إصرار جريدة العلم على الإرجاف)

أرسلنا المقالة الأولى من هاتين المقالتين إلى جريدة العلم، وعزمنا على أن لا

نرسلها إلى غيرها إذا هي نشرتها؛ لأنها رد عليها؛ أرسلناها مع صديق لنا

ولزعماء الحزب الوطني، فوعد الشيخ عبد العزيز شاويش رئيس تحرير العربي

يوم الاثنين 15 المحرم بنشرها والتعقيب عليها، ثم أكد الوعد يوم الثلاثاء واعتذر

عن التأخير. ولكن بلغنا أنه حصل خلاف بينه وبين محمد بك فريد رئيس الحزب

الوطني في أمر نشرها، فكان رأي رئيس الحزب أن لا تنشر لأنها تفيد المشروع

قوة والمراد سحقه قبل أن يقوى، وكان رأي رئيس التحرير أن تنشر ويعقب عليها

بشدة تقوي الشبهة في المشروع وتزيده وهنًا على وهن، وقد انتظرت إلى يوم

الأربعاء، فلما رأيت جريدة العلم خلوًا منها، أرسلتها مع المقالة الثانية إلى جميع

الجرائد العربية في مصر والإسكندرية في مساء هذا اليوم.

***

(المقالة الثانية للعلم)

وفي صبيحة يوم الخميس 18 المحرم، صدر العلم وفيه المقالة، وفي فاتحة

باب الحوادث والأخبار منه ثلاثة أعمدة في سبي وشتمي، ووصفي بالعجز

والضعف، مع الإرجاف والإيهام بقوله: (ولو أن العلم شاء لبسط للناس، كيف

ذهب صاحب المشروع الذي هو (أقدس وأفضل عمل ديني) إلى السير غورست؛

ليعرض عليه مشروعه فيحظى برضاه، وينال إسعاده. ولو شاء العلم لبين للناس

ما في ذلك من المخازي والمآرب المكنونة.

لو كان في هذه الشتائم والأراجيف شبهة على الموضوع لنشرناها، كما نشرنا

مقالة العلم الأولى على وهنها وضعفها، ولكن فيها أمرين يحسن ذكرهما والجواب

عنهما، أحدهما: الإرجاف بعبارته التي نقلناها آنفًا، والثاني: تخطئة العلم إياي

بقولي: إنني كنت أتوقع مقاومة بعض رجال الحزب الوطني في هذا المشروع،

كما كنت أحذر مقاومتهم إياي في طلب الدستور من السلطان عبد الحميد.

أما الأول فأقول فيه: إنني لم أذهب إلى السير غورست لأحظي برضاه وأنال

إسعاده ومعونته على المشروع كما أرجف الكاتب، وأصرح بأعلى صوتي أن غاية

ما أرجوه وأتمناه من الإنكليز أن لا يقاوموا المشروع في مصر والهند؛ لأنني أرجو

من مساعدة المسلمين في هذين القطرين ما لا أرجوه من غيرهما، فإذا قاومه

الإنكليز فيهما، فلا شك في أنه يفوتنا من المساعدة ما لا غنى لنا عنه، على أنه لا

يوجد عاقل في الدنيا يقول إن طلب المساعدة على عمل نافع ممن لا نفع له فيه نفسه

ولا لقومه يخرج ذلك العمل عن وضعه، ولا سيما إذا كانت المساعدة المطلوبة سلبية

كعدم المقاومة، مثال ذلك الجمعية الخيرية الإسلامية طلبت المساعدة في السنين

الخالية من العميد الإنكليزي ومن غيره من الأجانب، وكانت ولا تزال تأخذ من

هؤلاء في كل سنة شيئًا من النقود فيما أعلم، فهل صارت الجمعية بذلك خادمة

للإنكليز وضارة بالمسلمين؟ ؟

ونحن لا نطلب من غورست ولا من غيره من الأجانب ولا غير المسلمين من

الوطنيين مساعدة مالية ولا أدبية، وإنما نطلب منهم أن لا يكونوا ضارين لنا ولا

مقاومين لمشروعنا كما يقاومه بعض المسلمين، ولا يبعد أن ننال هذه الأمنية

السلبية منهم، فقد قال الأستاذ الإمام وحلف على قوله بالله: إنه لم يقم بمشروع ينفع

المسلمين ووجد له مقاومًا فيه من الإنكليز، ولا من القبط، ولا من نصارى

السوريين، ولكنه لقي المقاومة في كل مشروع أراد به خدمة الإسلام من المسلمين

أنفسهم، أقول: ومن ذلك أنهم وشوا بالجمعية الخيرية إلى الإنكليز؛ بأنها تمد

مهدي السودان بالمال ليحارب به مصر والإنكليز، وهاجت جريدة اللواء عليه

وعليَّ اليهود عند تفسير بعض الآيات المتعلقة بهم في كتاب الله عز وجل.

إذا أثبتنا لرئيس تحرير العلم أن شيخ الأزهر أو بعض أعضاء إدارته زار

الوكالة البريطانية ولورد كرومر، فهل يعد هذا حجة على كون الأزهر صار خادمًا

للإنكليز، وقد علمنا ونحن في الآستانة أن بعض أعضاء جمعية الاتحاد والترقي

يختلفون إلى بعض السفارات؛ كاختلاف حسين جاهد بك وإسماعيل حقي بك بابان

إلى سفارة روسية، فهل يسمح لنا محرر العلم المنطقي أن نستدل بذلك على خيانة

الجمعية للدولة العلية؟ ؟

وأما الثاني فسببه أن مدير جريدة اللواء كان مقاومًا لي منذ سنته الأولى

وسبب ذلك أنني انتقدت عليه عند ظهوره أمرًا ضارًّا، فقلت في ص607 من مجلد

المنار الثاني ما نصه:

(وقد انتقدنا عليها أمرًا ذا بال، وهو الإرجاف بأن بعض الناس يسعون في

إقامة خلافة عربية، كأن الخلافة من الهنات الهينات، تنال بسعي جماعة أو

جماعات، ولا يمكن احتقار مقام الخلافة الأعلى بأكثر من هذا الإرجاف.

(مقام الخلافة أسمى من أن يتطاول إليه أحد، وقد سلم السواد الأعظم من

المسلمين زمامه لبني عثمان تسليمًا، والرابطة بين الترك والعرب هي (كما قال

المرحوم كمال بك الكاتب الشهير) موثقة بالأخوة الإسلامية والخلافة العثمانية، فإن

كان أحد يقدر على حلها فهو الله تعالى وحده، وإن كان أحد يطمع في ذلك فهو

الشيطان.

(ويعلم كل خبير بحال هذا الزمن أنه لا يرجف بالخلافة فيه إلا رجلان:

رجل اتخذ الإرجاف حرفة للتعيش وأكل السحت أو التحلي بالوسامات والألقاب

الضخمة، ورجل اتخذه الأجانب آلة لخداع بسطاء المسلمين؛ بإيهامهم أن منصب

الخلافة ضعيف متزعزع، يمكن لأي أمير أن يناله، ولأية جمعية أن تزحزحه عن

مكانه، ليزيلوا هيبته من القلوب، ويقنعوا نفوس العامة من الأغرار بإمكان تحويله

في وقت من الأوقات، وبأن المسلمين ليسوا راضين من الخلافة العثمانية جميعًا)

إلخ.

هذا ما كتبناه في الانتقاد على اللواء عند ظهوره أي: من إحدى عشرة سنة

وشهور، وإنه لم يظهر لنا في كل هذه المدة أن الأجانب اشتغلوا بهذه المسألة، بل

الذي ظهر أن الإرجاف والإفساد لم يكن إلا من الطامعين في دنانير السلطان عبد

الحميد وأوسمته ورتبه، المتوسلين إليها بدعوى الإخلاص له ولدولته، أو الانتقام

ممن يسلطون عليهم عقارب سعايتهم، ومن يريد بالمسلمين سوءًا من الأجانب، لا

يحتاج إلى سعي ولا عمل؛ فحمقى المسلمين يكفونه كل سعي.

كبر انتقادنا هذا على جريدة اللواء في ذلك الوقت، فصارت كلما سنحت

الفرصة، تنتقم منا ضروبًا من الانتقام، حتى إنها نشرت في سنة 1323 مقالة في

العدد ال1754، ثم بعد أسبوع نشرت مقالة أخرى في ع 1762، زعمت أنها

جاءتها من جاوه تؤيد المقالة الأولى وتستدرك عليها، توهم قراءها بذلك أن في

جميع البلاد الإسلامية أفرادًا يشايعونها على الطعن فينا، ولم يخطر لمديرها ولا

لمحرريها ولا لمصححيها أن البريد إلى جاوه غدوه شهر ورواحه شهر تقريبًا،

فكيف يصدق العارفون بتقويم البلدان من قراء اللواء؛ أن العدد الأول يصل إلى

جاوه، ويكتب الكاتب ما يكتب في استحسان تلك المقالة والاستدراك عليها، وتصل

رسالته إلى مصر، وتنشر، ويتم ذلك كله في أسبوع واحد! ! وزاد طعنها فينا

معاداتها للأستاذ الإمام ودفاعنا عنه كما هو مشهور.

هذا التحامل علينا من جريدة اللواء الذي استمر من أول إنشائه إلى سنة

1323 التي أردت فيها تنفيذ مشروع الدعوة والإرشاد، وتلك التهم التي كانت

تشيعها عن مسألة الخلافة العربية؛ لتنتقم بها لدى السلطان عبد الحميد ممن تتهمهم

بها، وذلك الإطراء الذي كان يطري به مدير اللواء ذلك السلطان المخرب للمملكة،

حتى إنه قال مرة ما معناه: إنه ينبغي لكل مسلم أن يضيف إلى الشهادتين بوحدانية

الله ورسالة خاتم النبيين شهادة ثالثة بخلافة عبد الحميد ذلك كله كان هو السبب في

حذرنا من مقاومة الحزب الوطني في مشروع الدعوة إلى الإسلام، وفي مقاومة

سياسة عبد الحميد ومطالبة بالشورى والدستور في (جمعية الشورى العثمانية) .

ولو شئت أن أشرح هذه المسألة وأنشر ما صار مطويًا في صحائف اللواء من

مدائح عبد الحميد وتقديسه، ومن الإرجاف بمسألة الخلافة العربية لأجل التزلف إلى

المابين، لأمكنني أن أكتب في ذلك مؤلفًا حافلاً، ولا سيما إذا أضفت إلى ذلك

بعض الوقائع؛ كإنكار محمد بك فريد على صاحب المؤيد نشره مقالاتي في إصلاح

الدولة العلية منذ ثنتي عشرة سنة؛ لأن ذلك يسيء السلطان و..

إن الذين كنت أحذر مقاومتهم وسميتهم الحزب الوطني؛ هم مدير اللواء

وبعض محرريه، ومحمد بك فريد وبعض مقلديه، ولا أعني أحدًا غيرهم ممن

اتصلوا بهم للمطالبة بجلاء الإنكليز عن مصر، ولجعل الحكومة المصرية دستورية

ولا يهمهم غير ذلك؛ كالانتقام الشخصي ومقاومة كل مشروع نافع يقوم به غيرهم،

ومن العجائب أن تطالبني جريدة العلم بالدليل على ما كان من حذري وتوقعي

مقاومة من ذكرت للمشروع في نفس العدد ونفس المقالة التي تقاومه هي فيه، فإذا

كان رئيس تحريرها ومن على رأيه من المحررين قد نسوا ما نشروه في جريدتهم

منذ أقل من أسبوع، كما نسي سلفهم الصالح المدة بين تينك المقالتين في اللواء

اللتين أشرنا إليهما آنفًا، فهل نسوا المقالة التي نزهوا فيها أنفسهم عن المقاومة؛

وهي ما أنشئت إلا للمقاومة! ! ! يقولون الآن: إن عندنا (أقاويل) أو (إشاعات)

أو شبهات على أن هذا يراد به غير ظاهر، وهذا عين ما كنت أحذره منهم من

قبل؛ إذ المقاومة لمثل هذا المشروع لا تكون إلا بمثل هذه (الأقاويل) والأراجيف

(شنشنة أعرفها من أخزم) .

على أنني كنت أظن في هذه المرة أن زعماء الحزب الوطني لا يقاومون هذا

المشروع؛ لأن لهم في شغل الحزب، وقد تكوّن ونمي ما يشغلهم عن انتقام هو في

الحقيقة جهاد في غير عدو، وقد مرت السنين وليس بيني وبينهم ما يسوء، ولأن

الشيخ عبد العزيز شاويش هو رئيس تحرير جريدتهم (العلم) وما كنت أظن أنه

يقدم على الإرجاف بهذا المشروع الجليل؛ بناء على الأقاويل والأوهام. فإذا كانوا

قاوموا في الحال التي حسن ظني بهم فيها، فكيف كان يكون شأنهم في الأيام التي

توفرت فيها الدواعي على المقاومة.

هذا، وإنني أبرئ كل عضو من أعضاء هذا الحزب عن مشايعة اللذين أو

الذين تصدوا للمقاومة، إلإ من كان إمعة لا روية له ولا استقلال، وأرجو - وقد بينا

لهم المشروع - أن يثوبوا إلى رشدهم، ويتوبوا إلى ربهم، فإن لم يفعلوا اليوم

فسيندمون بعد ظهور المشروع للوجود، وقيام حزبهم عليهم باللائمة والتفنيد، وما ذلك

من المستعجلين ببعيد.

ولا بأس أن نفكه القراء، وقد استولى عليهم الحزن من خذلان المسلمين

بعضهم لبعض بقول الشيخ عبد العزيز، وهو يكتب باسم الجريدة التي هي لسان

حزبه فإن كان الذي أغضب الأستاذ نسبتنا تلك الفكرة إلى أستاذنا المرحوم الشيخ

عبده، الذي كان لا يلقبه في حياته إلا بأمثال: (الأستاذ الحكيم والأستاذ الإمام،

وفيلسوف الإسلام) فليخفف عن نفسه قليلاً، فإنما أول من جاء بهذا الأمر منزل

القرآن) اهـ اقرءوا واسمعوا واضحكوا! ! ولا تعجبوا من قوله كان يلقبه في

حياته، وأنتم ترون هذا التلقيب في المنار بعد مماته أكثر ورودًا في المنار.

فمكابرة الحس لا تعد عجيبة من هؤلاء الناس، ولكن احمدوا الله معي، إن صاروا

يعترفون بأن الأستاذ الإمام أستاذهم، فالحمد لله على ذلك بعد أن كان معظم ما نالني

من آذاهم؛ سببه دفاع تهمهم عنه رحمه الله تعالى كما تعلمون من مجلدات المنار.

أنا لم أقل في ردي عليهم: إن الأستاذ الإمام لم يفكر في هذا الأمر ولا ذكرته؛

لأن الكلام كان مسوقًا لبيان أن هذا المشروع ليس جديدًا عندي، فيصدق أنني أريد

أن أخدم به الجمعية السياسية التي لم نسمع بخبرها إلا من العلم، ولكنني وأنا الذي

نشرت مناقب الأستاذ الإمام في الشرق والغرب أقول: إنني لم أسمع منه رحمه الله

تعالى كلمة تدل على أنه يريد تأسيس جمعية ومدرسة لهذا المشروع في مصر، ولا

على أنه يتمنى ذلك في الآستانة، وإنما كان يرجو أن يصلح الأزهر فيكون للمسلمين

منه كل ما يحتاجون إليه في أمر دينهم ومنه الاستعداد للدعوة إلى الإسلام، ولم

أسمع منه شيئًا في ذلك بعد تركه للأزهر.

وأقول: إنني لا أشك في تفكير كثير من مسلمي الأقطار في هذا المشروع كما

فكرت فيه، وقد أشرت في المقالة الأولى إلى تاريخ هذه الفكرة عندي، وإلى بعض

ما كتبته من التمهيد لها، وإنني لم أستقص في تلك الإشارات، وقد تذكرت الآن حديثًا

في ذلك دار بيني وبين شيخ الجامع الأزهر، وذكرته في عدد المنار الذي صدر في

شهر المحرم سنة 1319 أي منذ عشر سنوات كاملة، ذكرت فيه للشيخ شيئًا عن

الجمعيات الدينية في فرنسة وثروتها وأعمالها، وتوقف حفظ الدين الإسلامي على

مثل هذه الجمعيات المالية التي تجمع بين الدين والعلوم الكونية، وقلت له هذه العبارة

(وإن هذا ما يدعو إليه المنار) فليراجع ذلك من شاء في أول ص158 من مجلد

المنار الرابع.

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

(*) جاء في الفصل الذي عقده اللورد في تقريره عن السودان سنة 1904؛ أنه كتب إلى جمعية التبشير للكنيسة الإنجليزية كتابًا يدعوها فيه إلى التبشير في أقاليم السودان الجنوبية، ويخبرها أنه خُصص لها قسم كبير من تلك البلاد في الوقت الحاضر، كما خصصت أقسام أخرى للمبشرين النمساويين والأمريكيين وقال: إنه ذكر في كتابه إلى تلك الجمعية الجملة الآتية التي أوردها إفادة للقراء من المسلمين، وهي: (لم يطلب أحد حتى الآن رخصة لإنشاء مدارس في جنوب السودان على نفقته؛ تعلم فيها فرائض دين الإسلام، ولو طلب أحد طلبه لحل طلبه محل القبول، أقول ذلك إظهارًا لخطة الحكومة ودفعًا لكل وهم، فإن غرض الحكومة التعليم والتهذيب لا غير، فعلى الذين يتبرعون للدخول في هذا العمل على نفقة الجمعيات أو الأفراد أن ينتفعوا من مقاصد الحكومة، وينشروا معها تعاليمهم الدينية.

ص: 47

الكاتب: محمد رشيد رضا

مقالة العلم الثالثة

بعد نشر مقالتنا الثانية في بعض الجرائد اليومية، رجعت جريدة العلم عن

الإرجاف بكون مدرسة الدعوة والإرشاد تنشأ لهدم الخلافة العثمانية وتأسيس خلافة

إنكليزية، ونشرت في صدر عددها الذي صدر يوم الأحد 21 المحرم المقالة الآتية

بنصها، وهي:

(مدرسة الدعوة والإرشاد الإسلامي)

نشرنا في هذا الباب ما نشرنا، وكنا نحسب أنه غنية لمن كان مخلصًا من

رجال هذا المشروع، ولكننا نجد في كل يوم أفرادًا يكثرون من اللغط، ويطرحون

علينا أسئلة الاستنكار والاستهجان، زاعمين أننا أتينا بدعًا من الرأي، وزورًا من

القول، فلا بد لنا من كلمة ثالثة في الموضوع تزيده إيضاحًا وتبيانًا.

يعلم المفكرون أن أوربا كل يوم ترمينا بتلك التهمة الباطلة تهمة التعصب

الديني والجامعة الإسلامية.

طالما رمتنا بذلك، وكم جنت من وراء هذه التهمة التي تختلقها لتنال بها

مآربها من العالم الإسلامي، فتلزمه السكون والسكوت، وتقعده عن النشاط

والعمل، وتفرق بين أجزائه حتى لا يلتئم له شمل، ولا يرتق له فتق.

طالما رمتنا أوربا بذلك، وطالما جنت من وراء هذه التهمة المفتراه، فماذا

كنا ندرأ به عن أنفسنا هذه الويلات لا سيما في تلك السنين التي خضدت فيها شوكة

الحكومة الإسلامية، وأصبح الإسلام وأهله في أيدي الحكومات الصليبية.

وهل استطاع المسلمون أن ينجوا من آثار تلك التهم إلا بما كانوا يعلنونه

ويشهدون العالم عليه من أنهم أهل سلم لكل مسالم، وأرباب وفاء لكل معاهد، هل

استطاعوا أن يعدوا لأعدائهم مثل ما أعد هؤلاء لهم من مدافع مدمرة، وأساطيل

مصفحة، وكتائب سابغة الدروع تامة السلاح، هل استطاعوا أن ينافسوهم في

ميادين الاقتصاد، فيستغنوا عن مالهم، أو يزاحموهم في أسواق التجارة فيكفوا

الحاجة إليهم؟

إذًا، فماذا يبتغي أصحاب هذه المدرسة؟ قد يكونون - كما قلنا في أول كلمة

لنا - حسان القصد طاهري الضمير، ولكن إلى من يعدون خريجي مدرستهم؟ أَإلَى

أهل تونس والجزائر والمستعمرات الإسلامية الفرنسية، وهي تلك الدولة التي

لا تغفل عن مصالحها، ولا تكاد تبيح لأجنبي عنها التوغل في أعماق مستعمراتها

أو مخالطة أحد من رعاياها. أم إلى مسلمي جاوه، وتلك حكومة هولانده قد

أحاطتهم بنطاق من يقظتها، وحالت بينهم وبين العلم والنور والحرية والعوالم

الأخرى، فهي لا تسمح لأحد منهم بمقابلة أحد ولا معاشرته، إلا إذا كان هناك من

عيونها من لا يفتر عن مراقبته، ولا تأخذه غفوة عن سكونه أو حركته.

لعلهم يريدون أن يبعثوا بهم إلى أرجاء السودان؛ ليدخلوا أهله في دين

الإسلام، إذًا فهل أمنوا جانب إنجلترا ونسو مآربها هنالك، ألا والله لتعتبرن أولئك

الدعاة للإسلام أهل فتنة ودعاة ثورة، ولتقيمن لهم المحاكم المخصوصة ولتنصبن

لهم المشانق، ولتبطشن بهم بطش الجبارين، فهل أعددتم لوقايتهم ما أعدت دول

الصليب لمبشريها وحماة دينها من البأس والقوى، وهل سلكتم ما سلكه أولئك أيام

كانوا جهالاً ضعفاء من الدعوة من غير جلبة ولا ضوضاء.

أظننتم أن مريدي الشر للإسلام في غفلة عنّا، أو أنهم يسرهم أن تقوم على وجه

البسيطة مدرسة كهذه على النحو الذي يقوله أصحاب ابتداعها.

أأمنوا اتحاد دول الصليب علينا إذا علموا أننا نسعى لنشر كلمة الإسلام،

وهل غرَّهم ما يرونه من إحدى الدول العظمى التي تظهر الميل والعطف على العالم

الإسلامي، وكيف يغتر بها من يستقرئ خطواتها، ويدرس اضطرابها وتذبذبها،

وهي تلك التي لا تكاد تستقرعلى حال واحدة عدة أيام، فكم من عهد لم توف به؟

وكم من أمة خدعت بمعسول وعودها واطمأنت لزخارف أقوالها، ثم قطعت أناملها

ندمًا على ما فرط منها.

اعقلوا أيها القوم، وتدبروا الأمر قبل أن تجنوا في مغبته الخيبة، وتعجلوا

للمسلمين ما لا قبل لهم به، وإذا زعمتم أنكم تريدون دعوة غير المسلمين كما

صرحتم بذلك، فخير لكم أن تبدأوا بالجهال من بني دينكم وكثير ما هم، ثم إذا

وجدتم من أوقاتكم ومجهوداتكم متسعًا فثنوا بمن تشاءون من غيرهم، ولقد أسلفنا لكم

أنكم إذا ربحتم المسلمين، وأصلحتموهم، واكتفيتم بهم، فقد ربحتم كثيرًا وخسرتم

قليلاً.

إننا أيها القوم لسنا أعداء الإصلاح، ولا محاربي العاملين في سبيل

الإصلاح. ولكنا قد أدركنا مغبة مساعيكم، فروينا الذي رويناه، ولم ندع اعتقاد

شيء منه، وإنما بسطنا لكم القول وشرحنا لكم وعورة الطريق التي تسلكونها،

وأرشدناكم إلى أن أمامكم الأزهر الذي هو المدرسة الإسلامية العظمى، فأدخلوا فيه

ما شئتم من مواد الدراسة، وأعدوا طائفة منهم للوعظ والإرشاد، وهداية العامة من

المسلمين وغيرهم إلى الحق، والصواب من قواعد الدين الحنيف وأركانه، ولا

تستمسكوا بالألقاب والأسماء، ولا تقيموا معهدًا خاصًّا لما أردتم، فقد نمتم عن قوم

لا ينامون، وتجاهلتم أمر أعدائنا الذين لا يغفلون، وإذا لم يكن لكم بد من إقامة هذه

المدرسة فلا تدعوها بما يجلب عليها وعلى الإسلام الشقاء من الأسماء.

هذه كلمتنا للعقلاء المفكرين من المشتغلين بهذا المشروع، أما النفر المتعصب

لرأيه المتنطع في قوله، فما كان لنا أن نعنيه برد ولا نصيحة، فليأت العقلاء

المخلصون من الأعمال ما تحتمله الأحوال الحاضرة ولا تنافره الظروف السياسية،

وليقيموا ما شاءوا من المدارس على شريطة ألا يجروا بأسمائهم الضخمة وعنوانيها

الفخمة عليها شيئًا من البلاء والشقاء، وليتقوا الله في العالم الإسلامي، فلا يجلبوا

عليهم بتسرعهم وعدم تحوطهم أكثر مما نزل بهم، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم

محسنون.

(الرد على هذه المقالة)

بينت لنا هذه المقالة التي نشرت يوم الأحد 21 المحرم عدة أمور نذكرها مع

التعقيب عليها:

(1)

إن أصحاب جريدة العلم يجدون في كل يوم أفرادًا يكثرون اللغط،

ويطرحون عليهم أسئلة الإنكار والاستهجان، ويرمونهم بالبدع من الرأي والزور

من القول، كل هذا صرحت به العلم، وما سمعنا من أصحاب جريدة الحزب

الوطني قبل مثل هذا الاعتراف بإنكار الناس عليهم كل يوم شيئًا من الأشياء، بل

ما رأينا المسلمين بمصر اهتموا بمواجهة فرد من الأفراد فضلاً عن حزب من

الأحزاب بالإنكار والاستهجان، وناهيك استنكار واستهجان ما يكتب في جريدة العلم

التي يتحامى الناس الجهر بالإنكار عليها؛ تكريمًا لأنفسهم وصونًا لها من هجو

جريدة تكتب بمداد من السمّ، بل العادة الغالبة أن ينتقد الناس المخطئ في غيبته

ويسكتون في وجهه، ولو علم رئيس تحرير العلم كل ما يقول الناس فيه، لتبين له

أن مقامه لم يصل في مصر إلى درجة يقبل معها كلامه في تقبيح أفضل وأقدس

خدمة يخدم بها الإسلام لا عند الحزب الوطني ولا عند الجمهور، وإنما يمكن أن

يقبله بعض الملحدين المارقين من الإسلام دينًا وجنسية. ويغلب على ظني أن في

المنكرين على الشيخ عبد العزيز شاويش بعض أعضاء الحزب الوطني، ولولا ذلك

لما غير رأيه وناقض نفسه فيما كتبه أولاً وثانيًا.

(2)

تقول جريدة العلم اليوم: إن أوربا تتهم المسلمين بالتعصب الديني،

وما استطاعوا أن ينجوا من آثار تهمتها بما يعلنونه من سلمهم ومسالمتهم، وإن هذه

الخدمة تزيد في اتهامهم وعداوتهم للمسلمين، فلا ينبغي أن تكون. ونجيبها عن ذلك

بأنه إذا كانت أوربا لا يرضيها منا إلا ترك شعائر الإسلام وفرائضه أو حتى نتبع

ملتهم، أفتأمرنا جريدة العلم بأن نترك فرائض ديننا لأجل إرضاء أوربا أو

دفع تهمتها. قد بينا في مقالتنا الثانية التي أرسلناها إلى العلم كغيره من الجرائد أن هذا

المشروع قيام بثلاث فرائض إسلامية مجمع عليها، فكيف ينهانا أن نؤدي فرائض ديننا خوفًا من اتهام أوربة إيانا بالتعصب، وهو تحصيل حاصل؟ ؟

(3)

تسألنا جريدة العلم في معرض الإنكار؛ إلى أين نرسل خريجي هذه

المدرسة، وفرنسة وهولندا وإنكلترا لنا بالمرصاد في مستعمراتهن وفي السودان،

وأقسم الكاتب على أن الأخيرة منهن لا بد أن تقيم لهم في السودان المحاكم

المخصوصة، وتنصب لهم المشانق، وتبطش بهم بطش الجبارين. يريد الكاتب أن

يوهم قراءه أن الرحمة والشفقة الفائضتين من قلبه الشريف على الذين سيتخرجون

في مدرسة الدعوة والإرشاد ويرسلون إلى السودان؛ هما اللتان حملتاه على هذا

الإنكار الشديد لاستعداد المسلمين لأداء هذه الفرائض الدينية، فأبرز إنكاره أولاً

بزعم أن المراد من هؤلاء الدعاة إسقاط دولة الخلافة العثمانية وإنشاء خلافة

إنكليزية، وآخر بأن الإنكليز سيبطشون بهم بطش الجبارين، ويجعلوهم عبرة

للمعتبرين، ويكون مؤسسو المدرسة هم السبب في ظلم هؤلاء المساكين! ! ! ،

ونجيبه: أولاً - بأن الناصح الغيور على المسلمين، الذي لا يعادي الإصلاح

والمصلحين، لا يستحل مثل البهتان الذي أرجف به العلم في المسألة من قبل،

وثانيًا - بأن الخوف من إيذاء المسلم في سبيل الله في المستقبل، لا يبيح له

ترك الفرائض والاستعداد لنشر الدعوة.

ثالثًا - بأن المتعاونين على هذا المشروع ومن يربونهم ويعلمونهم ليسوا ممن

قال الله فيهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ

كَعَذَابِ اللَّهِ} (العنكبوت: 10) فهل يرضي أصحاب العلم أن يكونوا منهم.

رابعًا - إن لورد كرومر قال في تقريره الرسمي عن السودان: إن الحكومة

هناك تسمح للمسلمين بنشر الإسلام وتعليمه، فإذا أرسلنا إلى هنالك من يطلب منها

الإذن له بهذا ولم تأذن له؛ فإنه يمكنه أن يرجع إلى مصر بحجة ناهضة لجريدة

العلم أو ما يخلفها تجاهد بها الإنكليز، ولا يعرض نفسه لبطش الإنكليز.

خامسًا - إن السبب في اتهام أوربا إيانا بالتعصب الديني؛ هو السياسة في

الغالب، وقد امتاز مصطفي كامل باشا وأتباعه في الحزب الوطني بدعوة الوطنية

على وجه ينافي الوحدة الإسلامية، ونرى أوربة وغير أهل أوربة كالقبط، يتهمون

هذا الحزب وجرائده بالتعصب الديني ولم نرهم يتهمون مجلة المنار بذلك وهي

دينية؛ تقيم حجج الإسلام، وتردد شبهات النصارى وغيرهم، وتقيم الحجة عليهم؛

لأنها لا تفعل ذلك لأجل السياسة، وقد قامت جمعية ندوة العلماء في الهند بعمل

قريب من العمل الذي شرعنا فيه أو مثله، ولم تلق من الإنكليز بطش الجبارين،

بل أعطوها قطعة أرض لتبني مدرستها فيها. وغاية ما نرجو نحن بعملنا الديني

العلمي المدني الخالي من كل شائبة سياسية أن لا تعرقله وتضطهده كل حكومات

أوربة في مستعمراتها عملاً بحرية الدين، وقد صرحت هولندا بأنها تأذن لعلماء

المسلمين بالإرشاد في جاوه إن وجدوا، ولا تمنع إلا مشايخ الطرق الدجالين،

وسيكون المتخرجون في مدرستنا أبعد المسلمين عن أهواء السياسة ومقاومة

الحكومات.

وسادسًا - إذا منعنا الأوربيون من مستعمراتهم الإسلامية في إفريقية وجزائر

المحيط والهند فأمامنا اليابان والصين، فإذا تيسر لنا ترقية مسلمي الصين

بالإرشاد، وأهل اليابان بالدعوة إلى الإسلام، نكون قد عملنا أفضل الأعمال.

وسابعًا - إذا كان ذلك الكاتب في العلم يخاف على هذا المشروع من اضطهاد

دول الصليب كما ادعى، فلماذا يختار إلصاقه بمشيخة الإسلام في الآستانة،

ويقول: إن ذلك محله الطبيعي؟ أيجهل أنه لا يقيم قيامة أوربة عليه شيء كإلصاقه

بالدولة العلية، إن كان يجهل هذا فساسة الآستانة لا يجهلونه، وليعلم أن هذا هو

السبب الذي حملني على إيذان شيخ الإسلام وغيره من رجال الآستانة بأنني لا

أشتغل بالعمل هناك، إلا إذا كان بعيدًا عن السياسة ظاهرًا وباطنًا، ولم يكن له

صبغة رسمية.

(4)

تسألنا جريدة العلم هل سلكنا ما سلكه أهل الصليب أيام كانوا مثلنا

اليوم جهلاء ضعفاء من الدعوة من غير جلبة ولا ضوضاء، ونجيبها نعم.. إننا

أردنا ذلك، ولكن مصاب المسلمين بوجود مثل ذلك الكاتب محررًا أو رئيس تحرير

في جريدة تنتمي إلى حزب يعتقد أنه يؤديها ولو بالباطل؛ هو الذي حال بيننا وبين

ما نشتهي من السكون والسكوت، فماذا نفعل إذا كان الذي أثار بيننا الجلبة

والضوضاء هو أقدر أهل بلادنا على الجلبة والضوضاء لأنه هجيراه في حياته،

ومورد رزقه وعنوان جاهه.

(5)

ينصح لنا ذلك الكاتب المفتات بأن نبدأ بالجهال من أبناء ديننا،

فنعلمهم ونرشدهم ثم نثني بغيرهم إن وجدنا من أوقاتنا ومجهوداتنا متسعًا، كتب هذا

بعد أن قرأ في مقالتنا الثانية التي أرسلناها إليه مع كتبًا خاص، فلم ينشرها وبعد أن

نشرها المؤيد، ونشر موضوع المدرسة منها غير المؤيد؛ كالأخبار والأهالي،

وعلم الألوف من الناس كما علم هو أن هذا هو غرضنا، وليس هذا ببدع من إرشاد

جريدة العلم، فقد كنت منذ عهد قريب تقترح من إصلاح قانون الأزهر ما هو

منصوص في ذلك القانون؛ لأن رئيس تحرير هذه الجريدة جعل نفسه بغروره

مرشدًا للحكومة والأمة، وإن كان ما يأمر به تارة من تحصيل الحاصل، وتارة من

الممتنع شرعًا أو عقلاً أو قانوناً أو عادة، وماذا يهمه أن تمتع بلذة الأمر والنهي،

أن يكون إرشاده من العبث واللغو.

(6)

أمرنا رئيس تحرير العلم عملاً بشنشنته؛ بأن ندخل ما نشاء في مواد

المدرسة في الأزهر، ونعد طائفة من طلابه للإرشاد والدعوة، ونبأنا أن نقيم معهدًا

خاصًّا لما أردناه! ! وهو يجهل أو لا يجهل (الله أعلم) أن امتثال أمره ليس في

أيدينا، ولا مما يدخل في استطاعتنا، إن الداعي إلى هذا المشروع هو العاجز

الضعيف صاحب المنار، وقد عيره هو بالضعف والعجز في جريدة العلم مرارًا،

وما فعل ذلك إلا إعجابًا وغرورًا بحوله وقوته، واعتزازه بحزبه، ولكنه نسي مع

ذلك انه هو قد عجز على قوته وعظمته عن تعبير شيء من مواد قانون الدراسة في

الأزهر، فكيف يقدر على ذلك هذا العاجز الضعيف الذي لا حزب له ولا حول ولا

قوة إلا بالله العلي العظيم، وإذا كان أمره لا يطاع فكذلك نهيه فليترك هذه الرياسة

العامة، في هذه المسألة الخاصة، أو ليكتف بالإرجاف والتشهير، إن كان مُصرًّا

على مقاومة هذا العمل الشريف.

(7)

ناقض العلم نفسه كعادته، فأذن في آخر مقالته للعقلاء المخلصين منا

بالأعمال لتي تحتملها السياسة، وأن يقيموا ما شاءوا من المدارس (على شريطة أن

لا يجروا شيئًا بأسمائها الضخمة وعناوينها الفخمة عليها من البلاء والشقاء) ،

ونهاهم (أن يجلبوا على العالم الإسلامي بتسرعهم وعدم تحوطهم أكثر مما نزل

به) ! ! ! وغرضه من هذا الأمر - إن أطيع فيه - أن يتلذذ بنفوذه في إبطال

المشروع أو عنوانه الدال عليه، وما رأينا في غرائب هذا الكاتب وبعده عن

المعقول أبعد عن الصواب من توهمه أو إيهامه أن البلاء والشقاء سينزلان بالعالم

الإسلامي بسبب كلمة الدعوة والإرشاد، وإن الأوربيين مثله يحفلون بالألفاظ دون

المعاني والحقائق. وأما المشتغلون بتنفيذ هذا المشروع فيريدون أن يكون ظاهرهم

كباطنهم وقولهم كفعلهم، يعلمون أنهم لا يقدرون على غش الأوربيين وخداعهم إن

أرادوا ذلك - وهم لا يريدونه كغيرهم - ولذلك يصرحون بأنهم يربون طائفة من

الطلاب ويعلمونهم ما يقدرون به على الدعوة والإرشاد والتعليم، يرسلونهم إلى أحوج

البلاد الإسلامية إليهم، ثم إلى البلاد الوثنية، ثم إلى غيرها كما بينا في المقالة الثانية

من تقديم الأهم على المهم بحسب الاستطاعة، وسيسيرون على سنة الله تعالى في

أمثالهم من المصلحين، وقد وعد الله تعالى بإظهار هذا الدين كله ولو كره

الكافرون، وكان وعده مفعولاً في كل حين.

وقصارى الكلام، أن جريدة العلم قد خرجت عن منهج الرشد، وأسرفت في

البعد عن الحق، بالغلو في مقاومة هذا المشروع المفروض، بما لا يقبله إلا من اتبع

كل ناعق فيما يقول، لحرمانه من حرية الفكر، وعطله من حلية استقلال

الرأي، فهاجمته أولاً بالإرجاف السياسي وإيهام الناس أنه سيكون من القوة، بحيث

يسقط دولة للمسلمين ويؤسس دولة للإنكليز، بإيهامهم بعد ثلاثة أيام أنه من

الضعف بحيث يجزم الكاتب، ويحلف بأن الإنكليز سوف يسومون أهله سوء

العذاب! ! ! حار الكاتب في هذا الأمر وحاص، وناقض نفسه عدة مرات، ثم

تنصل من عداوة المشروع ومقاومة أهله، وادعى أنه ناصح ولو كان ناصحًا لنشر

مقالتنا الثانية، وجعل النصيحة بيننا وبينه، على أننا ننصح له كما نصح لنا بأن

يحاسب نفسه فيما يكتب بينه وبين الله، ولا يقفو ما ليس له به علم؛ عملاً بكتاب

الله عز وجل، وليقل خيرًا أو ليصمت؛ عملاً بهدي المصطفى صلى الله عليه

وسلم، لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، وأن يرجع إلى الحق فذلك خير من

الإصرار على الباطل، كما هي سنة السلف الصالح، فإن قبل النصيحة عاد

من التشنيع والتشهير والتشكيك والتهديد والوعيد إلى بيان محاسن المشروع والحث

عليه والترغيب فيه، ويكون عمل بحديث: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق

الناس بخلق حسن) رواه أحمد والترمذي عن أبي ذر ومعاذ. وحينئذ يجعل

النصيحة بينه وبين القائمين بإحياء هذه الفرائض التي يرجى بها تجديد دعوة

الإسلام - إن شاء الله تعالى - كما هو شأن المخلصين في نصحهم؛ الذين لا

يقصدون به الرياء والدعوى. وإن أخذته العزة بالإثم، ولم يعمل بهذه النصيحة

فحسبه غروره وتغريره، وعاقبة عدوانه ومصيره، وحسبنا الله فهو أغيرعلى

دينه من جميع عبيده المؤمنين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

_________

ص: 59

الكاتب: محمد رشيد رضا

إنذار للمرجفين

لئن لم ينته المنافقون، والذين في قلوبهم مرض، والمرجفون في مصر،

بمشروع الدعوة والإرشاد لنكشفن الستار عن السر الخفي الذي آلى على نفسه

ذلك الرئيس في الآستانة أن يحارب به الإسلام، وعهد باسم جمعيته السرية إلى

مندوبه في مصر أن ينصره فيه ظالمًا ومظلومًا باسم الانتصار للدولة العلية

ومحاربة أعدائها، فصديق الدولة الحقيقي من يخدم الإسلام، وأعدى أعدائها من

يخذل أي مشروع إسلامي في أي مكان، ولا خير لها في إصلاح يضع أساسه يهود

أوربا في سلانيك، ويؤيدهم فيه ملاحة الروملي والأناطول، وإن شايعهم عليه

المندوب الأخرق، ومحرره البذيء الأحمق، وتضافروا على نصر الباطل وخذل

الحق، نعم.. إننا نكشف الستر، ونفشي ذلك السر، الذي أشرنا إليه في فاتحة

هذه السنة، ولا نخشى في ذلك لومه لائم، ولا عذل عاذل، فإننا لم نحلف عليه يمينًا،

ولم نعاهد عليه أحدًا عهدًا، وإنما جاءنا من مصادر شتّى في الآستانة يتمنى رواتها لو

يعرفه المسلمون؛ ولكنهم لا يأذنون الآن بذكر أسمائهم، ولا الإشارة إلى سماتهم؛ بل

سمعنا بآذاننا، وشهدنا بأنفسنا في مقام الجهر لا في زوايا السر، ما لا يمكن دفعه

ولا يستطاع دحضه.

_________

ص: 67