الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكاتب: محمد رشيد رضا
خاتمة المقالات.. شجون ومحاورات
(10)
لكل شيء مادح وقادح، ولكل كلام مقرظ ومنتقد، ولقد رأيت أن أختم هذا
المقال بشكر الراضين عن مقالات المسألة الشرقية، والاعتذار عما اقترحوا،
وتفصيل القول في نقد الناقدين والعفو عما اجترحوا.
رأيت أكثر من عرفت راضين عن هذه المقالات ناقلين أحاديث الرضاء بل
الإطراء عن غيرهم، معتقدين أنها مثلت الحقيقة، وبينت الطريقة، واقترح
بعضهم ترجمتها ونشرها ببعض اللغات الأوروبية، وبعضهم طبعها على حدتها
باللغة العربية، شافهنا بذلك كثيرون، وكاتبنا به قليلون، فنشكر لهم ذلك ونعتذر
عن طبعها على حدتها، ولكننا ننشرها في مجلتنا (المنار) وعن ترجمتها ولكننا
نأذن بالترجمة وطبعها بغير العربية لمن شاء ذلك.
أما الساخطون فهم أعداء الدولة والملة، وأنصار إيطالية الباغية، وأما
المنتقدون فمنهم المخلص في انتقاده، المستقل في رأيه مع احترام رأي غيره،
ومنهم غير ذلك، وقد كانت تظهر أمارات وعبارات السخط من بعض الجرائد
الإفرنجية وجريدة (الأخبار) العربية، وكتب إلينا رئيس جمعية قبطية (بأبي
حنظل ومصر والإسكندرية) كتابًا قال فيه: (خط يراعك كلمة شلت يد كاتبها
الذي يصف قومًا أعزاء كرماء وصفوا بالصلاح والتقوى والإنسانية (لا التوحش
كما تقول) وحب الخير (يعني الإيطاليين) بأنهم متوحشون وإنك تعلم أيها
الفيلسوف الكبير أنه لا يقدر على الحكم على قوم إلا من كان منهم (؟) وإن تكن
إساءة الدخيل الذي أوجدناه من العدم (؟) وفتحنا له صدورنا ورفعنا له اسمًا ومنارًا لا
تحتمل [1] ! ! ثم قال الكاتب: إنه يعفو عن ذنبي هذا الذي أسأت به إلى
المصريين (بزعمه) وأنا دخيل فيهم. هذا ملخص ما كتبه. والعقلاء المنصفون
يعرفون أينا أحق بالعفو عن إساءته إلى الآخر، وقد ظهر بعد أن أشرنا إلى وحشية
الإيطاليين بزمن غير بعيد أن الجرائد في جميع الممالك الأوروبية والأمريكية وافقتنا
على قولنا وأيدته بروايات مراسليها في طرابلس الغرب، وبتصويرها لعدوانهم
الوحشي على النساء والأطفال والشيوخ وتقتيلهم والتمثيل بهم. وإنني قد عفوت
عن ذلك الساخط الساخر الساب الشاتم، بعد أن ظهر أنني على الحق وهو على
الباطل.
وبعد هذا وذاك أذكر جميع ما بلغني من الانتقاد في محاورة مع منتقد وهو من
عدة مصادر وأجيب عنه: قال لي صديق لا أرتاب في إخلاصه: إنك قد اشتهرت في
الاعتدال فيما تكتب وأراك قد بالغت في هذه المقالات - أو قال تطرفت - حتى
شايعت العلم والمؤيد في ذكر الجهاد والحرب الدينية وأنحيت باللائمة على أوربة
كلها، وهذه السياسة ضارة بنا.
فقلت له: إن صورة البغي المنكرة التي فاجأتنا بها إيطالية قد كانت صاخَّةً
أصمت المسامع، وقارعةً صدعت القلوب، وإن ما تضمنته من مخالفة حقوق
الدول وإبطال العهود الضامنة لسلامة دولتنا، وما أجابت به الدول الكبرى حكومتنا
حين راجعتها في ذلك من أنها على الحياد، لا تعارض إيطالية في نسخ القانون الدولي
وإبطال المعاهدات، كل من هذا الجواب، وذلك العدوان الصريح قد دلنا وأشعرنا بأننا
مهددون بزوال دولتنا، وذهاب ما بقي من ملكنا، وبأن القوم قد أنفقوا
على حل المسألة الشرقية حلاًّ سريعًا حالاً إذا لم يروا فينا من الحياة ولوازمها ما
يقتضي التلبث في ذلك والرجوع عنه، فقل لي بحقك ماذا يخاف الذي أنذر بزواله
من الوجود إذا هو دافع عن نفسه بكل ما يستطيع؟ أليس كل ما دون الزوال أسهل
منه؟ ألم يصدق علينا في هذه الحال، قول شاعرنا الذي سار مسير الأمثال (أنا
الغريق فما خوفي من البلل) ؟ بلى إنني بتأثير هذه القارعة التي ظهر أن أوربة متفقة
عليها أردت أن أبين لأوربة نفسها ولجميع العثمانيين والمسلمين أننا نعتقد أن أوربة
كلها تكون خصمًا لنا إذا ساعدت إيطالية علينا، ومكنتها من كل ما تريده من البغي
والعدوان على بلادنا.
كتبت هذا معتقدًا أن تذكير المسلمين في جميع بقاع الأرض بما أوجبه الإسلام
في مثل هذه الحال، وظهور أثر هذا التذكير فيهم - هو أرجى ما ترجو من أسباب
حذر أوروبة من مساعدة إيطالية على كل ما تريد من بغيها، واستمالة الدول الذي
بهما إرضاء المسلمين وحسن اعتقادهم فيها، وأولاهن بذلك إنكلترة ثم فرنسة
وروسية المتفقتان معها في السياسة والمصلحة، وكل واحدة من هذه الدول الثلاث
مستولية على عشرات الملايين من المسلمين. وقد صرحت بمقصدي هذا في
المقالات الأولى، ولم أقطع الأمل من مساعدة كل الدول.
قال صديقي المنتقد: إن المسلمين الرازحين تحت سيطرة هذه الدول كلهم
ضعفاء بالجهل والتفرق، فالدول إذا أرادت إنفاذ هذا الأمر (حل المسألة الشرقية)
لا تبالي رضاهم ولا سخطهم، إذ لا يستطيعون أن يعملوا شيئًا، قلت: إني لا أرى
هذا الرأي بل إنها تبالي وتهتم أشد الاهتمام برضاهم، وتحسب ألف حساب
لسخطهم، إذا كان سببه اعتقادهم أنها تريد إزالة دولة الخلافة وإبطال حكم الإسلام
من الأرض.
إن رأيك هذا يشبه رأي لطفي بك السيد مدير (الجريدة) إذ قال: إن إظهار
مسلمي مصر لعواطف الميل إلى الدولة العلية وإعانة أهل طرابلس على حرب
عدوهم ينافي مصلحة مصر، فهو من ترجيح سياسة العواطف على سياسة المنافع،
التي تتبعها كل العقلاء من أمم المدنية ودولها، وأنا أرى أن العواطف والمنافع متفقة
في هذه الحال فإذا جرى جميع المسلمين على ما طالب لطفي بك به المصريين،
وعلمت دول أوروبة أن تقسيم بلاد الدولة العثمانية بينهن لا يهيج لمسلم عاطفة، بل
يرى كل شعب منهم أن رضاه بزوال هذه الدولة عين المنفعة له والمصلحة، فإنها
لا تتلبث بقسمة هذه البلاد إلا ريثما تتفق على توزيع الحصص، وليت شعري ما
هي المنفعة التي تنالها مصر من هذا التقسيم، وخرت سقوفها على أهلها، وأتاهم
العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وعن أيمانهم وشمائلهم.
قال المنتقد: أما ينبغي أن نخاف أن تشدد أوروبة وطأتها على المسلمين، إذا
هم أظهروا العطف على الدولة بباعث الدين؟ قلت: إنني لا أرى هذا الخوف في
محله، ولو فعلت أوروبة ذلك لكان أنفع للمسلمين، فإنه لا شيء يربي الأمم ويجمع
كلمتها مثل الضغط عليها في وقت تهيج شعورها، ومصادرتها فيما يتعلق باعتقادها،
على أن كل بلاء يمكن أن يحل بالمسلمين في مثل هذه الحال يجب أن يحتمل في
سبيل الدفاع عن كيان الدولة كما فهمت من جوابي السابق - الخوف من الذل مجلبة
للذل، وإنما السلامة في الشجاعة لا في الجبن، ولكن.
يرى الجبناء أن الجبن حزم
…
وتلك خديعة الطبع اللئيم
وأقول الآن إن ما جرينا عليه، ووجهنا النفوس إليه، من كون عدوان إيطالية
يعد طرقًا لباب المسالة الشرقية، قد ذكر بعد ذلك في كثير من الصحف الشرقية
والغربية. وإن ما ارتأيناه من تحريك شعور المسلمين لاتقاء الخطر به قد وافقنا فيه
العارفون بالسياسة من المسلمين المقيمين الآن في عواصم أوربة ومسلمي الهند
وتونس وغيرهم، وأشهر هؤلاء القاضي أمير علي الشهير. وكان من مسلمي
الهند ورأس الرجاء الصالح أن عقدوا الاجتماعات الكثيرة لإظهار استيائهم
وتألمهم لحكومتهم ومطالبتها بالسعي إلى منع هذه الحرب الجائرة ومساعدة الدولة
العلية.
وكان من تأثير ذلك أن إنكلترة لم تضغط على مسلمي مصر، وفرنسة لم
تضغط على مسلمي تونس والجزائر، ولم تمنعهم هذه ولا تلك من جمع الإعانات
لإخوانهم مسلمي طرابلس حتى إن جرائد إيطالية قد رفعت عقيرتها بالشكوى من
هاتين الدولتين وطالبتهما بالتشدد في منع إنجاد طرابلس وبنغازي من تونس
ومصر [1] .
بل كان من تأثير ذلك ما هو أعظم مما ذكرنا وهو ظهور مبادئ الاتفاق بين
دولتنا وإنكلترة بإرسال سلطاننا أكبر أنجاله ضياء الدين أفندي لتحية ملك وملكة
الإنكليز في سفينتهما التي تحملهما إلى الهند عند وصولهما إلى ثغر بورسعيد
ذاهبين على الهند بقصد الاحتفال في عاصمتها القديمة دهلي بنصب الملك
إمبراطورًا على الهند. وكان لقاء وفد نجل سلطاننا لملك الإنكليز مع أميرنا خديو
مصر بالغًا منتهى الوداد اللائق بالزائر والمزور وجواب الملك عن كتاب السلطان
وخطبته في مقابلة خطبة نجله، وإهداؤه الوسام الخاص بأسرة الملك إلى هذا النجل
السعيد بعد الزيارة - كل ذلك قد بشرنا بقرب تحقق ما أشرنا به من استمالة دول
الاتفاق الثلاثي إلينا وفي مقدمتهم إنكلترة [2] وهذا ما صرحنا به في أوائل هذه
المقالات منذ شهرين كاملين.
وجملة القول أننا رأينا العدوان من إيطالية إحدى دعائم التحالف الثلاثي،
ورأينا دول التواد الثلاثي قد سكتن لها، ولم يجبن نداءنا وطلبنا المحافظة على
القوانين والمعاهدات الدولية، فصحنا من شدة الألم أن أوروبة كلها متفقة علينا،
واستصرخنا الشعور الإسلامي وذكرناه بالخطر على ما بقي للإسلام من السلطة،
لنستعين بذلك على استمالة إنكلترة ووديدتيها إلى مساعدتنا، ودفع الخطر الأكبر عنا،
ولما قيل لنا: إن الدول حصرت الحرب في طرابلس الغرب ورأينا مبادئ الرجاء
في إنكلترة وغيرها تومض أمامنا، سكتنا عن الشكوى من أوروبة كلها، ولم نشرح
ما كنا عزمنا على شرحه.
قال المنتقد: إنك صبغت المسألة الشرقية بصبغة الدين فجعلتها
كالحروب الصليبية كما تقول جريدة العلم المتطرفة المغالية وهي مسألة سياسية كان
ينبغي أن تستصرخ فيها العثمانيين خاصة، فاتفاق المعتدلين بتلك مع المتطرفين على
صبغ هذه الحرب بصبغة الدين قد أخاف نصارى بلادنا أن يتضمن ذلك التحريض
عليهم والإيقاع بهم، فيجب الإقلاع عن تسمية هذه الحرب بالجهاد
وجعلها دينية فإنها ليست إلا سياسية.
قلت: إنني قلما أقرأ جريدة العلم وقلما أراها فأنا لا أدري ما هو حكمها في
هذه المسألة وأرى أننا إذا جعلنا حربنا لإيطالية دينية فذلك خير لإيطالية ولجميع
البشر لا لنصارى بلادنا فقط، وليت إيطالية نفسها تتبع أحكام الإسلام في الجهاد
فإن القاعدة الأساسية عندنا في ذلك هي قوله تعالى {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} (البقرة: 190) فلا يجوز لنا أن
نقاتل غير المعتدي علينا.
والمعتدي هو المحارب لا جميع أهل جنسه فلا يجوز لنا أن نقاتل من
الإيطاليين أنفسهم من لا يقاتلون كالرهبان والنساء والشيوخ والولدان. وإيطالية لا
تبقي على أحد من هؤلاء ولا تذر إلا من تعجز عن الوصول إليه، وأما الحرب
الدينية والجهاد الذي معناه أن يقاتل إنسان كل من يخالفه في الدين وإن كان ذميًّا أو
معاهدًا أو مستأمنًا فهذا معنى بثته أوروبة في الشرق بحروبها الصليبية ولم يقل أحد
من المسلمين به، ولو تجردنا من أحكام الدين لاستبحنا في هذه الحرب كل ما نقدر
عليه من إيذاء خصمنا والإسلام لا يبيح لنا كل ذلك.
قال المنتقد: إن النصارى لا يفهمون الجهاد الديني في الإسلام بمعناه الشرعي
الذي تعنيه بل يفهمون عنه ما هو مشهور عندهم وكثير من عوام المسلمين يفهمون
منه مثل فهمهم فيجب أن لا يذكر الدين والإسلام في الكلام عن هذه الحرب لأجل
ذلك.
قلت: إنني بينت حكم الإسلام وأنه لا يجيز لنا أن نقاتل في هذه الحرب غير
العسكر الإيطالي وسأزيد ذلك بيانًا في مقالة خاصة (وكان هذا قبل كتابة مقالة
الجهاد في الإسلام في الشهر الماضي) ومهما قال المسلم منا فهو لا يمكن أن
يرضي بعض المتعصبين منهم، الذين يحسبون كل صيحة عليهم، أو يدَّعون ذلك
لتحريض أوروبة علينا كصاحب جريدة (الأخبار) ، ولو شئت لنقلت من كلام
نصارى الشرق والغرب ما صرحوا به من كون المسألة الشرقية مسألة دينية كقول
أمين شميل (شقيق صديقنا الدكتور شميل) في كتابه الوافي: إن هذه المسألة ولدت
بولادة نبي الإسلام، وترعرعت من ابتداء ترعرع ملك خلفائه إلى الآن. وعندي
نُقول كثيرة عن الأوروبيين في ذلك لا أحب الآن أن أنشرها، ونسأل الله أن يكفينا
شرها.
لا يسع أحدًا أن ينكر أن المراد من هذه المسألة أن لا يبقى للمسلمين ملك على
وجه الأرض، فإذا فرضنا أن هذا لا يضر الإسلام في عباداته، فهل يقول عاقل
مسلم أو غير مسلم: إنه لا يبطل سلطته وأحكامه القضائية والسياسية؟ كلا إن هذا
هو الذي نعنيه بكون المسألة الشرقية عداوة للإسلام وأهله، فحسب أوربة ما
سلبت من ملكه، ونقصت من أرضه، ولتترك لنا هذه البقية القليلة، فإن أبت إلا
الاعتداء عليها، وجب أن نبين لها أننا عارفون مستيقظون، وأن لا تلومنا هي على
ما نفعل للمحافظة على هذا الذماء، فهل يصح أن نلوم نحن أنفسنا، ونتخاذل في
المحافظة على رمقنا؟
ولا يمنعنا السعي لذلك أن نستصرخ سائر الشعوب الشرقية ونتعاون معها سرًّا
أو جهرًا على هذا الدفاع الشريف، فكلما اعتُدي على قطر إسلامي تحرك شعور
المسلمين باسم الإسلام، وتحرك شعور غيرهم من الشرقيين باسم الشرق، ونحب
أن تكفينا أوروبة مؤنة ذلك بمنع بعضها بعضاً عن الإجهاز على الدولة العثمانية
والدولة الإيرانية، وإطلاق حرية الدين والعلم والاجتماع في البلاد الإسلامية التي
أدخلتها في حمايتها كمراكش وتونس وزنجبار وفي البلاد التي ضمتها إلى
مستعمراتها كالجزائر وجاوه.
إننا الآن بين الخوف من أوروبة والرجاء فيها، والرجاء في إنكلترة أقوى كما
بينت ذلك في المقالات السابقة، ومن أسباب قوة الرجاء فيها ما ظهر من التواد بين
المسلمين والوثنيين في الهند منذ ظهر عدوان إيطالية بعد اشتداد العداوة بينهم في
السنين الأخيرة لمخالفة المسلمين الهندوس فيما يقاومون به الحكومة الإنكليزية وإنني
أورد في هذا المقام جملة من كتاب خاص كتبه إليّ سائح من حيدرآباد الدكن بعد ما
ساح في كثير من تلك الممالك. قال: (أفيدكم أن الهند كلها بقضها وقضيضها،
مسلميها على اختلاف نحلهم، وكفارها على تشعب مللهم، لا أستثني غير
الأوروبيين وميتي الشعور من همج الهمج وأشباههم، قد تغيظوا وتحمسوا أشد
الغيظ والتحمس لما صار من إيطالية في الترك، وقد عقدت المؤتمرات العديدة
وأرسلت الاحتجاجات ولا حديث للقوم إلا في هذه المسألة، وهم لا يفهمون منها إلا
أنها عداء من أوروبة لآسيا، وظلم من القوي للضعيف، ودرس في التعصب
يجب على الشرقي حفظه في سويداء قلبه لا خلاف في ذلك بين مسلم وبين برهمي أو
مجوسي أو وثني، حتى لقد أنسى القوم ما بينهم من الإحن والحزازات.
وتتجلى هذه المظاهر بأتم وضوح في البلاد التي تحكمها الإنكليز مباشرةً،
وهي أقل ظهورًا فيما تحكمه مهراجات الهندوس، وهي أقل في الممالك المحكومة
بأمراء (نواب) مسلمين، ولعل السبب في هذا هو خوف هؤلاء من غول التعصب
الذي يقذفهم به الأجانب عند كل صغيرة وكبيرة.
ولو كان المنار صحيفة إخبارية لأطلت النفس وشرحت له الأخبار. ثم إن ما
صار وظهر في جميع أقطار الهند من هذه الحركة المباركة لما أفزع رجال الإنكليز
وحسبوا له ألف حساب، وإذا لم ترضهم الإنكليز بأفعالها -؛ لأن دور الإرضاء
بالأقوال قد ذهب - لتندمن حيث لا ينفع الندم، وستكون بعملها إذ ذاك جامعة لكفار
الهند ومسلميها، وفي ذلك من الضرر عليها ما تعرفه هي أكثر من غيرها ولا
يرضاه لها محبوها ومحبو الإنسانية، سيما مع قرب موعد الدربار (الاحتفال
بإلباس الملك تاج إمبراطورية الهند، وفي العبارة ما يدل على ميل الكاتب على
إنكلترة) .
نعم إن رجال ساستها يزعمون أن اتفاق المسلمين مع الهندوس مضر
بالمسلمين؛ لأنهم الآن نحو مائة مليون نفس فقط (أي بحسب إحصاء هذا العام
الذي لما يعلن رسميًّا) مع أن الهندوس أكثر من ضِعفيهم، ولكن هل درى سادتنا
الساسة أن المسلمين قد حكموا الهندوس في وقت لم يكونوا فيه إلا نحو خمسة في
المائة؟ ثم زاد الآن عدد المسلمين مع مغلوبيتهم كما تضاعف عددهم بالصين كذلك،
فلهذا لا يعلّق المسلمون كبير أهمية على نحو هذا، وإنهم لكما كانوا شجاعة وشدة،
وأكثر مما كانوا علمًا وحبًّا للإسلام واستماتة في نصره (وما راءٍ كمن سمع) .
إن أهل الهند لم يروا من آثار الترك سوى الطرابيش المجلوبة من النمسا ولو
كان للترك في الهند مدارس عالية كما لأكثر الدول في سائر القارات لكان نفوذ
الدولة هناك مما ترجف له أعصاب أعدائها، وإني أنصح للدولة بأن لا تبقي جهدًا
في فتح مدارس دينية علمية في جميع الأقطار التي خضعت لنير الأجنبي وبها
مسلمون وإن ضعفت ماليتها وكلفها هذا الاقتراح ما كلفها، فلابد دون الشهد من إبر
النحل) اهـ.
هذا ما كتبه إلينا السائح الذكي الذي نعلم من سياسته الميل إلى اتفاق مسلمي
الهند مع حكومتهم دون الاتفاق مع أهل وطنهم عليها، ولكنه مسلم قبل كل شيء
ولو كره المتفرنجون المفتونون بالجنسية، أما اقتراحه على الدولة فما هو بالذي
يسمع ولا الدولة بقادرة عليه لا لقلة المال، بل لعدم الرجال، وأقرب منه أن تنشئ
الدولة هذه المدارس العالية في الحرمين الشريفين أو تسمح للقادرين على إنشائها من
المسلمين بذلك من أموالهم، ويكون لها الغنم، وعليهم الجهد والغرم.
(النتيجة العامة) إن مقالاتنا في المسألة الشرقية لم نقصد بها إلا ما ذكرنا
من دفع الخطر عن دولتنا وأمتنا، وقد دعونا فيها غير المسلمين من أهل مملكتنا
لمشاركتنا في هذا الدفاع عن الدولة من حيث الجامعة العثمانية، كما دعونا فيها
المسلمين إلى مشاركتنا من حيث الجامعة الإسلامية، والشرقيين إلى مساعدتنا من
حيث الجامعة الشرقية، وإن غير المسلمين من العثمانيين لم يكونوا أشد غيرة وحدبًا
علينا من وثنيي الهند، ومع هذا كله لا ندعو إلا إلى تقوية الرابطة بهم، وحفظ
الحقوق الوطنية بيننا وبينهم، ونحن مع من يساعدنا من الأوربيين، ولا ينكر علينا
أحد أننا نشكر للمحسن إحسانه، ونعرف لصاحب الجميل جميله ولا ننكره، بدليل
توددنا إلى إنكلترة مع جفوتها لنا زمنًا طويلاً، ونجعل ذنب هذه الجفوة على سلطاننا
السابق بتودده إلى خصيمتها ألمانيا. فهذه هي سياستنا فمن أنكر علينا منها شيئًا
فليبده لنجيب عنه بالإنصاف وقواعد العقل، والسلام على من اتبع الهدى، ورجح
العقل على الهوى.
…
...
…
...
…
...
…
20 ذي الحجة سنة 1329
(المنار)
بعد أن نشرنا هذه المقالة في المؤيد تذكرنا أن جريدة معروفة بالتعصب على
المسلمين حتى لإيطالية في عدوانها وبغيها قد أنكرت علينا كلمتين من تلك المقالات،
ولما كنا نتحرى الأدب والحق في كلامنا وأن لا يوجد فيه ما ينكره الخصم وإن
نظر إليه بعين السخط كتبنا الاستدراك الآتى:
استدراك في الانتقاد على مقالات المسألة الشرقية
إنني أتحامى بطبعي وسجيتي كل ما تأباه مصلحة الارتباط بيننا وبين أهل
الملل التي تشاركنا في وطننا، وكل ما لا يرضاه الذوق والأدب في التعبير عن
الحقائق التي أعتقدها، وإن من القوم من ينظر في كلام كل كاتب مسلم بعين السخط
من وراء نظارة مكبرة، ولم يصل إليَّ من الانتقاد على هذه المقالات الطويلة إلا
إنكار بعض هؤلاء الذين يجعلون الحبة قبة ، عبارتين اثنتين أذكرهما وأجيب عنهما.
إحداهما: نقلي لقول الفقهاء الذي أتوقع أن يبلغه شيوخ السنوسية للناس
حيث الحرب تشتعل نيرانها، وهو أن الكفار إذا دخلوا دار الإسلام فاتحين وجب
على كل مسلم فيها مدافعتهم.
قال الساخط: إنني عبرت عن الإيطاليين بالكفار وهم أهل كتاب وعدّ هذا
إهانة لجميع المشاركين لهم في دينهم.
وإنني أجيب عن هذا: بأنني نشرت في الأعداد الأولى من السنة الأولى
للمنار نبذًا متسلسلة في بيان اصطلاحات كتاب العصر بينت في الأولى منها وهي
في العدد الأول أن لفظ الكفر قد أطلق في الشرع على ما يقابل الإيمان والإسلام ولم
يرد بهذا الإطلاق الإهانة ولا السب والشتم؛ لأن اللفظ لا يدل في اللغة على شيء
قبيح ولا معيب فإن معناه العام هو الستر والتغطية، ولذلك سمي الليل كافرًا والبحر
كافرًا، وأطلق في القرآن الكريم لفظ الكفار على الزراع؛ لأنهم يكفرون الحَبّ
بالتراب أي يسترونه، وذلك قوله تعالى {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ} (الحديد: 20) ثم بينت بعد ذلك أن هذا اللفظ صار في عرف أهل هذا العصر
مرادفًا للإلحاد والتعطيل وصار يعد من ألفاظ السب والإهانة، وأفتيت بحرمة
إطلاقه في التخاطب على من حرم الإسلام إيذاءهم كالذميين والمعاهدين، ونقلت
مثل هذا الإفتاء عن بعض الفقهاء. ولكن هذا لا يمنعنا من ذكر الاصطلاحات
الشرعية في كتبها وعند البحث فيها كما هي، ومن هذا الباب العبارة الفقهية التي
انتقدها الساخط هنا، على أن الحربيين كالإيطاليين لا يجب علينا مجاملتهم في
الخطاب والتعبير عنهم ولا تجنب إيذائهم كما يجب مثل هذا في خطاب الذميين
والمعاهدين.
يشبه هذا الانتقاد إن كان عن جهل بالاصطلاح ما رأيته في بعض جرائد
السوريين في أمريكة من إنكار ذكر الجرائد التركية لفظ الملة والأمور الملية ظنًا من
المنتقد أنهم يعنون بالملة الدين وإنما يعنون به الأمة، وما رأيته في بعضها من
استنكار عزل شيخ الإسلام لبعض النواب ظنًا من الكاتب أن المراد بهم المبعوثون.
والعبارة الثانية هي ذكر البغايا مع الخمارين والمقامرين والتجار والقسوس
ووكلاء الدول في سياق ما أصابنا من ضرر هذه الأصناف في أموالنا وآدابنا
وسياستنا وديننا.
وإنني ترويت في كتابة تلك العبارة خشية أن يكون فيها سوء أدب، وبعد
التروي رأيت مثل هذا في أبلغ الكلام وأنزهه، رأيت ذكر اسم الجلالة الكريم، في
الآيات التي فيها ذكر الشيطان اللعين، وذكر الطيبين والطيبات، مع الخبيثين
والخبيثات، معطوفًا بعضهم على بعض، وقال الشاعر:
ثلاثة تشقى بها الدار
…
العرس والمأتم والزار
فذكر أولئك الأصناف من قبيل الأشياء المذكورة في البيت، أي أن كل صنف
منها آذانا نوعًا من الإيذاء وإن كان لكل منها مقام في نفسه ليس للآخر، كما أن
العرس ضد المأتم، وإنما ذُكرا معًا؛ لأن في كل منهما ضررًا ماليًّا لما اعتيد فيهما
من الإسراف، وفي الزار أيضًا ضرر مالي وهو مع ذلك معيب مذموم عند أهل
الدين والعقل. فهل يقول أحد: إن الشاعر جعل هذه الثلاثة في مرتبة واحدة من كل
وجه؟ ؟
كلا، إن الذي انتقد تلك العبارة وعابها هو معروف بسوء القصد وتتبع
العثرات واستقراء الزلات في أقوال المسلمين المشهورين وأفعالهم، وهو معهم من
الذين قال فيهم الشاعر:
إن يسمعوا الخير أخفوه وإن سمعوا
…
شرًّا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
فهو لما لم يجد في مقالات المسألة الشرقية كلمة يستدل بها على ما يرمي به
كل كاتب مسلم يغار على ملته من التعصب وتحقير النصارى والإغراء بهم زعم
أنني أهنتهم بإهانة إيطالية لأنني قلت: إن السنوسية سيقولون للناس: إن دفاع
الكفار وصدهم عن المسلمين إذا دخلوا بلادهم مقاتلين فرض عين، ولأنني ذكرت
وكلاء الدول والقسوس في سياق ذكرت فيه أصحاب الحانات والقمار! ! ولو لم
ينخدع بكلامه بعض القوم ويشر إليه بعض دعاة النصرانية في مقالة له رماني فيها
بالخروج عن الأدب معهم في بعض العبارات، لما كتبت هذه الكلمات في بيان أن
تلك العبارة ليس فيها شيء من سوء الأدب؛ لأن مثلها معهود في أفصح الكلام العربي
وأنزهه. وهب أن فيها شيئًا من ذلك فأنا بريء من القصد إليه وتعمده
لأنني أكرم نفسي وأربأ بها أن تأتي ذلك.
_________
(1)
المنار: لم يشترك القبط في المنار ولم يساعد أحد منهم صاحبه في شيء ولم يسمع من أحد منهم كلمة خير فيه إلا شتم جرائدهم له وهو لم يذكر أحدًا منهم بسوء، فكيف لا يخجل قائلهم من مثل ما قال وهو ما لا يقوله صادق من المسلمين؟ .
(2)
بعد كتابة هذه المقالة شددت الحكومة المصرية بإيعاز الإنكليز في المحافظة على حدود مصر من الشرق والغرب؛ لئلا يتسرب شيء إلى بنغازي مما يسمونه مهربات الحرب، حتى ضايقت التجار والمسافرين، ثم إنها عادت إلى اللين.
(3)
لما يتحقق ذلك ولن يتحقق ما دامت جمعية الاتحاد تتصرف بالدولة.
الكاتب: شبلي النعماني
نقد تاريخ التمدن الإسلامي
الشيخ شبلي النعمانى
(1)
تمهيد للمنار
تاريخ التمدن الإسلامي لجرجي أفندي زيدان صاحب الهلال مشهور، وقد
سبق لنا تقريظه في المنار ونقد بعض مباحثه، وذكرنا أننا كنا نود لو نجد سعة من
الوقت لمطالعته كله ونقده نقدًا تفصيليًّا. ولما عرضه مؤلفه على نظارة المعارف
المصرية وطلب منها أن تقرره للتدريس في مدارسها عهدت النظارة إلى بعض
أساتذتها بمطالعته وإبداء رأيهم فيه، فلما طالعوه بينوا للنظارة أن فيه غلطًا كثيرًا
وأنه غير جدير بأن يعتمد عليه في التدريس ولا المطالعة، فلأجل هذا لم تقرره
النظارة. وكنت انتقدت الأساتذة الذين طالعوا الكتاب وانتقدوه أنهم لما يكتبوا ما
رأوه فيه من الغلط وبينوه للناس وللمصنف أيضًا لعله يرجع إلى الصواب إذا ظهر
له، فإنه يدعو الكتاب دائمًا على نقد كتبه.
نعم إن بعض من قرأه قد انتقده بمقالات نشرت في جريدة المؤيد وأجاب
المصنف عن بعض ما انتقد عليه واعترف ببعض، وقد ذكرت هذا في المنار.
ويرى بعض الناقدين لهذا التاريخ قولاً وكتابة أن مؤلفه يتعمد التحامل على العرب
وعلى الإسلام نفسه، وكنت إذا سمعت ذلك منهم أعارضهم وأرجح أنه غير متعمد،
وأن السبب في أكثر ما أخطأ به هو عدم فهم بعض المسائل كتفسيره لمسألة القول
بخلق ألفاظ القرآن بأن القرآن غير منزل من عند الله وكخطئه فيما ذكره عن ثروة
المسلمين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وذلك مما انتقدناه عليه في المنار،
وإما جعل بعض الوقائع الجزئية قواعد كلية عامة، وهذا معهود في جميع مؤلفاته،
ولكن ظهر لنا مما كتبه بعد ذلك ومن بعض حديثه معنا ومع غيرنا من أصحابه أنه
يكاد يكون من الشعوبية الذين يتحاملون على العرب ويفضلون العجم عليهم وكان
هذا سبب ترجمة هذا الكتاب بالتركية.
وقد انبرى في هذه الأيام الشيخ شبلي النعماني العلامة المصلح الشهير مؤسس
جمعية ندوة العلماء في الهند ومحرر مجلتها إلى الرد على هذا التاريخ، وكتب إلينا
أنه يريد أن يرسل إلينا ما يكتبه ويطبعه من هذا الرد بالتدريج لننشره في المنار،
كلما طبع منه شيئًا في (لكنؤ) أرسله إلى أن يتم، ولما كان الانتقاد من مثل هذا
العالم المؤرخ هو ضالتنا وضالة صديقنا وصديقه المؤلف، بادرنا إلى نشره
معتذرين عما في أوله من شدة الحكم، وودنا لو لم يصرح به وإن أثبته، ولولا أنه
طبعه لحذفناه منه. قال:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه
أجمعين إن الدهر دار العجائب. ومن إحدى عجائبه أن رجلاً من رجال العصر [1]
يؤلف في تاريخ تمدن الإسلام كتابًا يرتكب فيه تحريف الكلم وتمويه الباطل، وقلب
الحكاية، والخيانة في النقل، وتعمد الكذب ما يفوق الحد، ويتجاوز النهاية، وينشر
هذا الكتاب في مصر وهي غرة البلاد، وقبة الإسلام، ومغرس العلوم، ثم يزداد
انتشارًا في العرب والعجم، ومع هذا كله لا يتفطن أحد لدسائسه [2] {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ
عُجَابٌ} (ص: 5) .
لم يكن المرء ليجترئ على مثل هذه الفظيعة في مبتدأ الأمر ولكن تدرج إلى
ذلك شيئًا فشيئًا، فإنه أصدر الجزء الثاني من الكتاب وذكر فيه مثالب العرب دسيسة
يتطلع بها على إحساس الأمة وعواطفها، ولما لم يتنبه لذلك أحد، ولم ينبض لأحد
عرق، ووجد الجو صافيًا، أرخى العنان، وتمادى في الغي، وأسرف في النكاية،
في العرب عمومًا وخلفاء بني أمية خصوصًا.
وكان يمنعني عن النهوض إلى كشف دسائسه اشتغالي بأمر ندوة العلماء ،
ولكن لما عم البلاء، واتسع الخرق، وتفاقم الشر، لم أطق الصبر، فاختلست من
أوقاتي أيامًا وتصديت للكشف عن عوار هذا التأليف والإبانة عما فيه من أنواع
الإفك والزور وأصناف التحريف والتدليس.
معذرة إلى المؤلف
إني أيها الفاضل المؤلف غير جاحد لمننك فإنك قد نوهت باسمي في تأليفك
هذا وجعلتني موضع الثقة منك، واستشهدت بأقوالي ونصوصي، ووصفتني بكوني
من أشهر علماء الهند، مع أنى أقلهم بضاعة، وأقصرهم باعًا، وأخملهم ذكرًا،
ولكن مع كل ذلك هل كنت أرضى أن تمدحني وتهجو العرب غرضًا لسهامك ودريّة
لرمحك، ترميهم بكل معيبة وشين، وتعزو إليهم كل دنية وشر، حتى تقطعهم إربًا
إربًا، وتمزقهم كل ممزق، وهل كنت أرضى بأن تجعل بني أمية لكونهم عربًا
بحتًا من أشر خلق الله وأسوئهم، يفتكون بالناس، ويسومونهم سوء العذاب،
ويهلكون الحرث والنسل، ويقتلون الذرية وينهبون الأموال، وينتهكون الحرمات،
ويهدمون الكعبة ويستخفون بالقرآن.
وهل كنت أرضى بأن تنسب حريق خزانة الإسكندرية إلى عمر بن الخطاب،
الذي قامت [1] بعدله الأرض والسماء، وهل كنت أرضى بأن تمدح بني العباس
فتعد من مفاخرهم أنهم نزلوا العرب منزلة الكلب، حتى ضرب بذلك المثل، وأن
المنصور بنى القبة الخضراء إرغامًا للكعبة، وقطع الميرة عن الحرمين استهانة
بهما، وأن المأمون كان ينكر نزول القرآن، وأن المعتصم بالله أنشأ كعبة في
(سامرَّا) وجعل حولها مطافًا واتخذ منى وعرفات.
وهب أني عدمت الغيرة على الملة والدين، وافتخرت كصنيع بعض الأجانب
بأني فلسفي بحت عادم لكل عاطفة ووجدان، فلا أرضى ولا أغضب ولا أسر ولا
أغاظ ولا أفرح ولا أتألم، وهب أني حملت نفسي على احتمال الضيم، وقبول
المكروه، والصم عن البذاء، ومجازاة السيئة بالحسنة، ومكافأة الخبيث بالطيب،
فهل كنت أرضى بأن تشوه وجه التاريخ، وتدمغ الحق، وتروج الكذب، وتفسد
الرواية، وتقلب الحقيقة، وتنفق التهم، وتعود الناس بالخرافة، بئس ما زعمت
أيها الفاضل، فإن في الناس بقايا وإن الحق لا يعدم أنصارًا.
إن الغاية التي توخاها المؤلف ليس إلا تحقير الأمة العربية وإبداء مساويها
ولكن لما كان يخاف ثورة الفتنة غير مجرى القول، ولبس الباطل بالحق. بيان
ذلك أنه جعل لعصر الإسلام ثلاثة أدوار: دور الخلفاء الراشدين، ودور بني أمية،
ودور بني العباس، فمدح الدور الأول وكذلك الثالث (ظاهرًا لا باطنًا كما سيجيء)
ولما غر الناس بمدحه الخلفاء الراشدين، وهم سادتنا وقدوتنا في الدين، وبمدحه
لبني العباس وهم أبناء عم النبي صلى الله عليه وسلم، وبهم فخارنا في بث التمدن
وأبهة الملك، ورأى أن بني أمية ليست لهم وجهة دينية فلا ناصر لهم، ولا مدافع
عنهم، تفرغ لهم، وحمل عليهم حملة شنعاء، فما ترك سيئة إلا وعزاها إليهم، وما
خلى حسنة إلا وابتزها منهم، ثم لو كان هذا لأجل أنهم من آل مروان أو لكونهم من
سلالة أمية لكنا في غنى عن الذب عنهم، والحماية لهم، ولكن كل ذنبهم أنهم
العرب على صرافتهم ما شابتهم العجمة مطلقًا كما قال: (وتمتاز- أي دولة بني
أمية - عن الدولة العباسية بأنها عربية بحتة) - الجزء الثاني من تمدن الإسلام -
(وجملة القول أن الدولة الأموية دولة عربية أساسها طلب السلطة والتغلب) -
الجزء الرابع صفحة 103 -.
عصبية العرب على العجم
أطال المؤلف وأطنب في إثبات هذه الدعوى فذكر طرفًا منه في الجزء الثاني
مدسوسًا - انظر صفحة 18 - ثم جعل له عنوانًا خاصًا في الجزء الرابع (58)
وهذه نصوصه:
فإن العرب كانوا يعاملونهم معاملة العبيد، وإذا صلوا خلفهم في المسجد
حسبوا ذلك تواضعًا لله.
وكانوا يحرمون الموالي من الكنى ولا يدعونهم إلا بالأسماء والألقاب ولا
يمشون في الصف معهم.
وكانوا يقولون لا يقطع الصلاة إلا ثلاثة حمار أو كلب أو مولى.
فكان العربي يعد نفسه سيدًا على غير العربي ويرى أنه خلق للسيادة وذاك
للخدمة.
فتوهم العرب في أنفسهم الفضل على سائر الأمم حتى في أبدانهم وأمزجتهم
فكانوا يعتقدون أنه لا تحمل في سن الستين إلا قرشية، وأن الفالج لا يصيب
أبدانهم.
ومنعوا غير العرب من المناصب الدينية المهمة كالقضاء فقالوا لا يصلح
للقضاء إلا عربي وحرموا منصب الخلافة على ابن الأمة ولو كان أبوه قرشيًّا.
ولا يزوجون الأعجمي عربية ولو كان أميرًا وكانت هي من أحقر القبائل
وكان الأمويون في أيام معاوية يعدون الموالي أتباعًا وأرقاء وتكاثروا فأدرك
معاوية الخطر من تكاثرهم على دولة العرب فهمَّ أن يأمر بقتلهم كلهم أو بعضهم.
اعلم أن للمؤلف في إنفاق باطله أطوارًا شتى:
فمنها تعمُّد الكذب كما سترى، ومنها تعميمه لواقعة جزئية، ومنها الخيانة في
النقل وتحريف الكلم عن مواضعه.
ومنها الاستشهاد بمصادر غير موثوقة مثل كتب المحاضرات والفكاهات.
وهاك أمثلة من كل نوع منها قال: (إذا صلوا خلفهم في المسجد حسبوا ذلك
تواضعًا لله وكانوا يحرمون الموالي من الكنى إلخ ، وكانوا يقولون لا يقطع الصلاة
إلا ثلاثة إلخ) .
غير خافٍ على من له إلمام بتاريخ الفرس والعرب أن الفرس كانت قبل
الإسلام تحتقر العرب وتزدريهم ولما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه
إلى كسرى العجم اشمأز وقال عبدي يكتب إليَّ! ! وكتب يزدجرد إلى سعد بن أبي
وقاص فاتح القادسية أن العرب مع شرب ألبان الإبل وأكل الضب بلغ بهم الحال
إلى أن أفنوا دولة العجم فأفٍّ لك أيها الدهر الدائر ، وكانت ملوك الحيرة تحت إمرة
ملوك العجم.
ثم لما شرف الله العرب بالإسلام انتصفت العرب من العجم واستنكفوا من
سيادتهم عليهم، وجاءت الشريعة الإسلامية ماحية لكل فخر ونخوة فقال رسول الله
في خطبته الأخيرة في حجة الوداع، أن لا فضل للعربي على العجمي ولا للعجمي
على العربي كلكم أبناء آدم) .
وحينئذ ارتفع التمايز وتساوى الناس ولكن مع ذلك بقيت في بعض الناس من
كلا الطرفين حزازات كامنة في صدورهم كانت سببًا لحدوث حزبين متقابلين يسمى
أحدهما الشعوبة وهي التي تحتقر العرب وترميه بكل معيبة حتى إن أبا عبيدة
صنف كتبًا عديدة يطعن فيها على أنساب كل قبيلة من قبائل العرب، والثاني
المتعصبون للعرب. وقد عقد العلامة ابن عبد ربه في كتابه العِقْد الفريد بابًا في
حجج كِلا الطرفين وأقوالهما. ومعظم ما نقله المؤلف في إثبات عصبية العرب هي
أقوال ذكرها صاحب العقد في هذا الباب، كما لوَّح به المؤلف في هامش الكتاب.
وإذا تصفحت الكتب يظهر لك أن الأقوال التي نسبها إلى العرب عمومًا إنما
هي أقوال شرذمة خاصة موسومة بأصحاب العصبية، وصاحب العقد حيثما ذكر
هذه الأقوال صدرها بقوله (قال أصحاب العصبية من العرب) وأنت تعلم أن هذه
العصبة ليست كافة العرب ولا أكثرها، بل ولا عشر معشارها، فإنك سترى أن
هؤلاء أناس شرذمة مغمورون في الناس. ثم إن المؤلف ما اقتنع بذلك بل ربما
نسب قول رجل معين معلوم الاسم إلى العرب عامة.
فقال ناقلاً عن كتاب العقد: (وكانوا يكرهون أن يصلُّوا خلف الموالي وإذا
صلوا خلفهم قالوا: إنا نفعل ذلك تواضعًا لله) قال صاحب العقد: نسب هذا القول
إلى نافع بن جبير فأخذه المؤلف وجعله قولاً عامًّا للعرب، وهذه الصنيعة أعني
تعميم الواقعة الجزئية هي أكبر الحيل التي يرتكبها المؤلف لترويج باطله بل هي
قطب رحى تأليفه.
قال المؤلف: (فأدرك معاوية الخطر من تكاثرهم على دولة العرب فهمَّ أن
يأمر بقتلهم كلهم أو بعضهم) - الجزء الرابع صفحة 59 - إن نص معاوية الذي
نقله المؤلف بعد هذه العبارة هو هذا (كأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب
والسلطان فرأيت أن أقتل شطرًا وأدع شطرًا) فأنت ترى أن الرواية على تقدير
صحتها ليس فيها إلا أن معاوية رأى أن يقتل شطرًا منهم. ولكن المؤلف زاد على
العبارة وقال: إن معاوية همَّ أن يأمر بقتلهم كلهم.
قال المؤلف: فكانوا يعتقدون أن الفالج لا يصيب أبدانهم، - الجزء الرابع
صفحة 6 - استشهد في هذه الدعوى بطبقات الأطباء كما لوح في هامش الكتاب.
وايم الله لو كنت تقف على عبارة الطبقات لوقعت في أشد حيرة من اجتراء المؤلف
على قلب الحكاية، وتغيير الرواية، ذكر صاحب الطبقات تحت ترجمة عيسى
الطبيب (الراجح أنه نصراني) أن المهدي ضربه فالج فحضر المتطببون ومنهم
عيسى صاحب الترجمة فقال (المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله
بن عباس يضربه فالج، لا والله لا يضرب أحدًا من هؤلاء ولا نسلهم فالج أبدًا إلا
أن يبذروا بذورهم في الروميات والصقلبيات وما أشبههن) .
قد نقل صاحب الطبقات بعد الحكاية المذكورة عن يوسف الطبيب أن إبراهيم
بن المهدي لما اعتل بعلة شبيهة بالفالج دعا يوسف وقال له: ما العلة عندك في
عروض هذه العلة لي؟ (قال يوسف) : فعلمت أنه كان حفظ عن أمه قول عيسى
أبي قريش في المهدي وولده أنه لا يعرض لعقبه الفالج إلا أن يبذروا بذورهم في
الروميات وأنه قد أمل أن يكون الذي به فالجًا لا عارض الموت. فقلت: لا أعرف
لإنكارك هذه العلة معنى إذ كانت أمك التي قامت عنك دنباوندية و (دنباوند) أشد
بردًا من كل أرض الروم، فكأنه تفرج إلى قولي وصدقني وأظهر السرور.
فأنت ترى أن الظن ببراءتهم من الفالج إنما كان مبناه حَرّ أرض العرب وليس
له أدنى مساس بشرف النسل. ولو كان كما يتبادر إلى الذهن من عد أسماء آباء
المهدي فهو يختص بعائلة النبي عليه السلام لا يفهم منه العموم مطلقًا، ولذلك لما
ذكر لإبراهيم (وهو ابن الخليفة المهدي) أن أمه من (دنباوند) وهو أشد بردًا من
كل أرض الروم، ذهب عنه استغرابه عروض الفالج له.
فانظر كيف كان مجرى الحكاية فغيرها المؤلف وارتكب لذلك خيانات تترى،
ثم إن هذا قول عيسى الطبيب ولا يدرى أنه عربي أم لا وغالب الظن أنه نصراني
وهب أنه عربي فهو رجل من حاشية الدولة يريد التزلف إلى الخليفة والتملق له
فهل يكون قوله قول العرب كافة؟ .
قال المؤلف: ومنعوا غير العرب من المناصب الدينية المهمة كالقضاء فقالوا:
لا يصلح للقضاء إلا عربي - الجزء الرابع صفحة 60 - وأسند هذه الرواية إلى
ابن خلكان.
حقيقة هذا القول أن الحجاج لما أسر سعيد بن جبير التابعي المشهور وكان من
الموالي قال له ممتنًّا عليه: أما جعلتك إمامًا للصلاة في الكوفة ولم يكن في الكوفة إلا
العرب، قال ابن جبير: نعم، ثم قال له الحجاج: أليس أني لما أردت أن أوليك
قضاء الكوفة ضجَّ العرب وقالوا: لا يصلح للقضاء إلا عربي؟ وقد ذكر الرواية
ابن خلكان بطولها ولا يخفى عليك أن كوفة لم يكن إذ ذاك فيها إلا العرب وظاهر أن
القضاء لا يصلح له إلا من كان عارفًا بعوائد الأمة مطلعًا على خصائصهم وكيفية
تعاملهم فيما بينهم، وسعيد بن جبير لم يكن من العرب، ولو كان استنكاف أهل
كوفة من قضائه لأجل كونه من الموالي لاستنكفوا من إمامته للصلاة فإن الإمامة
أعظم شرفًا وأرفع محلاً من القضاء. وهذا أبو حنيفة كان من الموالي وأرادوا أن
يولوه القضاء في عصر بني أمية فامتنع ولم يرض بذلك وقد ذكر الواقعة ابن خِلِّكان
مفصلاً.
قال المؤلف (وحرموا منصب الخلافة على ابن الأَمَة ولو كان قرشيًّا) نعم
ولكن لم يكن هذا للاستهانة به.
قال الأصمعي: كانت بنو أمية لا تبايع لبني أمهات الأولاد فكان الناس يرون
أن ذلك للاستهانة بهم ولم يكن لذلك ولكن لما كانوا يرون أن زوال ملكهم على يد أم
ولد [1] .
أما ما استدل به المؤلف من قول هشام بن عبد الملك لزيد بن علي: إنك ابن أمة
ولذلك لا تصلح للخلافة، فقد رده عليه زيد وقال: إن إسماعيل كان ولد الجارية
وكان سيد البشر محمد من سلالته ، ومن المعلوم أن زيدًا وهو ابن الإمام زين
العابدين أرفع شأنًا وأعظم محلاًّ وأطيب أرومة وأصدق قولاً من هشام. ثم لو كان
هذا الأمر حقًّا ما كانوا يولُّون الخلافة يزيد بن الوليد الأموي ومروان الحمار وهما
ابنا أمة.
ولما فرغنا من إبداء شطر من خيانات المؤلف ليكون كالعنوان على دأبه في
تأليفاته حان لنا أن نحقق أصل المسألة أي أن العجم والموالي هل كانوا أذلاء
ساقطين مرذولين يعاملون معاملة العبيد في عصر بني أمية كما يدعيه المؤلف أو
كانوا بمحل من الشرف والعزة يعترف لهم العرب بالفضل والسؤدد، ويوفَّى لهم
أوفى قسط وأكمل حق.
اعلم أن البلاد التي كانت عواصم الأقاليم وقواعدها في عصر بني أمية هي
مكة والمدينة والبصرة والكوفة واليمن ومصر والشام والجزيرة وخراسان
وكان لكل هذا الأصقاع إمام يقودهم ويسود عليهم وهذه أسماؤهم.
مكة المشرفة عطاء بن أبي رباح هو أستاذ الإمام أبي حنيفة
اليمن
…
... طاوس
الشام
…
... مكحول
مصر
…
... يزيد بن أبي حبيب
الجزيرة
…
ميمون بن مهران
خراسان
…
ضحاك بن مزاحم
البصرة
…
الإمام الحسن البصري
الكوفة
…
إبراهيم النخعي
وكل هؤلاء غير إبراهيم النخعي كانوا من الموالي وبعضهم أبناء الإماء ومع
كونهم أعجامًا وكونهم أولاد الإماء كانوا سادة الناس وقادتهم تذعن لهم العرب
وتحترمهم خلفاء بني أمية وولاة الأمر.
فأما (عطاء بن أبي رباح) فمع كونه ابن سندية كان شيخ الحرم وإليه
المرجع في الفتوى وعليه المعول في المسائل، قال ابن خلكان في ترجمته: قال
إبراهيم بن عمرو: ابن كيسان أذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحج صائحًا
يصيح (لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح) وهل يمكن أن ينادى بمثل ذلك من
غير رضى الخلفاء [1] .
وأما (طاوس) فلما قضى نحبه بمكة ازدحم الناس في جنازته حتى تعذرت
الصلاة عليه وكان إبراهيم بن هشام إذ ذاك واليًا على مكة فاستعان بالشُّرَطة ومشى
في جنازته عبد الله ابن الإمام حسن عليه السلام واضعًا نعشه على عاتقه وصلى
عليه الخليفة هشام بن عبد الملك الأموي، ذكر كل هذا العلامة ابن خلكان في
ترجمة طاوس فهل يكون منزلة أعظم من ذلك؟
وأما (مكحول الشامي) فأحد الأئمة المتبوعين وقال الزهري: العلماء أربعة
فلان وفلان ومكحول.
وأما (يزيد بن أبي حبيب) فهو الذي أرسله عمر بن عبد العزيز ليفقه الناس
في مصر ويفتيهم في المسائل وهو المعلم الأول لهم كما صرح بذلك السيوطي في
حسن المحاضرة.
وأما (ميمون بن مهران) فمع فضيلته وسيادته كان أميرًا على الخراج في
الجزيرة كما صرح به ابن قتيبة في المعارف.
أما (حسن البصري) فحدث عن البحر ولا حرج، يذعن له الملوك والسادة
والقواد وعليه المعول وإليه المنتهى [1] .
ذكر السخاوي في شرح ألفية الحديث للعراقي (طبع لكهنو صفحة 498
و499 أن هشامًا قال للزهري: من يسود أهل مكة؟ . قال: عطاء، قال: بم
سادهم؟ قال: بالديانة والرواية، قال هشام: نعم من كان ذا ديانة حقت الرياسة له
ثم سأل عن يمن قال طاؤس، وكذلك سأل عن مصر والجزيرة وخراسان
والبصرة والكوفة فأخذ الزهري يعد أسماء سادات هذه البلاد وكلما سمى رجلاً كان
هشام يسأل هل هو عربي أم مولى؟ وكان يقول الزهري: مولى، إلى أن أتى
على النخعي وقال: إنه عربي. فقال هشام (الآن فرَّجت عني والله ليسودن
الموالي العرب ويخطب لهم على المنابر والعرب تحتهم) .
إن التابعين لهم أعلى محل في تاريخ الإسلام - ورأسهم سعيد بن جبير وهو
أسود وقد ولاه حجاج بن يوسف إمامة الصلاة في الكوفة كما ذكره ابن خلكان في
ترجمته والكوفة إذ ذاك جمجمة العرب وقبة الإسلام، وهل يصح بعد ذلك دعوى
المؤلف أن العرب كانت تستنكف من الصلاة خلف الموالي.
وهذا سليمان الأعمش أستاذ الثوري كان عبدًا عجميًّا وكان بمنزلة من العز
والشرف أنه لما كتب إليه الخليفة هشام بن عبد الملك أن يكتب له مناقب عثمان
ومساوئ علي أخذ كتاب هشام وألقمه عنزًا كان عنده وقال للرسول قل لهشام هذا
جواب كتابك.
…
...
…
...
…
...
…
(ابن خلكان ترجمة الأعمش)
وهذا حماد الراوية الذي دوَّن المعلقات وله المكانة الكبرى في الأدب والشعر
كان عبدًا أسود وكانت ملوك بني أمية تقدمه وتؤثره وتستزيره كما ذكره ابن
خلكان.
وهذا سالم بن عبد الله بن عمر كان ابن أمة ولما دخل الخليفة هشام بن عبد
الملك المدينة أرسل إليه يدعوه فاعتذر فدخل عليه هشام ووصله بعشرة آلاف ثم لما
حج ورجع كان سالم إذ ذاك مريضًا فذهب لعيادته ولما توفي صلى عليه وقال: لا
أدري بأي الأمرين أنا أسر: بحجتي أم بصلاتي على سالم؟ ولو أخذنا في تعداد
أمثال هذه الوقائع لطال الكلام ومل الناظرون.
ويظهر مما مر عليه أن الموالي كانوا في أيام بني أمية بأعلى محل من
الشرف والمكانة وكانت العرب تذعن لهم وتقدمهم وتقتدي بهم وترفع شأنهم، فهل
يصح قول المؤلف بعد ذلك: إن الموالي وأبناء الإماء كانوا في عصر بني أمية
مرذولين ساقطين يزدرى بهم ولا يقام لهم وزن وكان العرب وبنو أمية يعاملونهم
معاملة العبيد؟
(لها بقية)
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(1)
هو جرجي زيدان صاحب مجلة الهلال اهـ من خط المؤلف في هامش الأصل.
(2)
المنار: قد علم من التمهيد أن كثيرين قد فطنوا لما في الكتاب من الخطأ وبعضهم انتقدوه.
(3)
لعل الأصل شهدت بدل قامت.
(4)
انظر الجزء الثاني من العقد الفريد طبع مصر صفحة 330.
(5)
المنار: الأمر أكبر من ذلك، كان عطاء يشدد في وعظ عبد الملك والوليد فيقبلان منه راجع في صفحة 422 و 423 من مجلد المنار التاسع وعظه لعبد الملك وهو جالس معه على كرسيه وترفعه عن الأخذ منه وقول عبد الملك عند خروجه:(هذا وأبيك الشرف) ومخاطبته للوليد باسمه وتشديده في وعظه حتى أغمي عليه.
(6)
راجع في 423 وما بعدها من مجلد المنار التاسع إغلاظ الحسن على الحجاج، وفي صفحة 498 منه نصيحته لوالي بني أمية على العراق.