الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكاتب: محمد توفيق صدقي
بشائر عيسى ومحمد في العهدين
العتيق والجديد [*]
(2)
وإذا ترجمنا عبارة داود هكذا (ثقبوا يديّ ورجليّ) كما يترجمونها كان
المعنى أنهم أتلفوهما وهو كناية عن تعطيل جميع قواه وقهره وإذلاله بسبي نسائه
ونساء رجاله وبنيهم وأخذهم الغنائم الكثيرة منهم (1 صمو 30: 3 و19) ألا ترى
إلى قوله في نفس هذا المزمور 22: 14 (كالماء انسكبت. انفصلت كل عظامي.
صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي) إلخ فهل هذه الأشياء وقعت بالفعل؟
وهل انفصلت عظام داود أو المسيح حقيقة وذاب قلبهما؟ أم كل هذا كنايات كقوله:
(ثقبوا يديّ ورجليّ) ؟ وكان داود يدعو الله أن ينصره على أعدائه ويخذلهم وينجيه
من تعيير رجاله له ورغبتهم في رجمه. وقد كان ذلك كله فنصره الله عليهم وقتلهم
واسترد منهم جميع ما أخذوه كما سبق (1 صمو 30: 17 - 19) .
وأمثال هذه الكنايات كثيرة في المزامير وغيرها راجع مثلاً قوله مز 3: 7
(قم يا رب. خلصني يا إلهي؛ لأنك ضربت كل أعدائي على الفك. هشمت أسنان
الأشرار) ومزمور 18 و35.
أما المسيح عليه السلام فلم ينجه الله تعالى - على قولهم - من يد أعدائه بل
أخذوه وعذبوه وصلبوه وقتلوه مع أن مقتضى المزمور الذي نحن بصدده أن الله
استجاب دعاء داود ونجَّاه من أعدائه ومن الكرب الذي كان فيه (انظر عدد 24 منه)
فكيف إذًا ينطبق هذا على المسيح؟ !
(برهانهم الرابع) ما ورد في الإصحاح الثاني عشر والثالث عشر من سفر
زكريا. اعلم أن الإصحاح الثاني عشر هو نبوءة عن يهوذا المكابي وملخص قصته
كما في التواريخ المسيحية وكما في سفر المكابيين المقدس عند الكاثوليك وعند
الأرثوذكس أن ثلاثة من الكهنة الأشرار منهم واحد يسمى (الكميس) جمعوا حولهم
نفرًا من قومهم اليهود وذهبوا إلى انتيوخس ملك سوريا اليوناني ووشوا إليه
بالآخرين من أمتهم وحرضوه عليهم فانقاد الملك لرأيهم وسار إلى أورشليم وسلب ما
في الهيكل فهرب من بقي في المدينة وولى على اليهود واحدًا من قواده وأمره أن
يطلب من اليهود أن يسجدوا لأصنامه وأن يأكلوا لحم الخنزير وأن يتركوا الختان
وكان يقتل كل من لم يقبل ذلك وكان أكثرهم طاعة الكهنة الثلاثة المذكورون سابقًا
وحزبهم فتسلطوا على إخوانهم الذين لم يطيعوا وفي سنة 166 قبل الميلاد قام كاهن
من اليهود الصالحين رئيسًا عليهم فقتل أحد عساكر الملك وهو يهودي منافق وقتل
القائد أيضًا فقويت بذلك قلوب اليهود.
ولما توفي خلفه ابنه (يهوذا) فالتف حوله جمع عظيم وحارب جيش الملك
فهزمه، وأراد الملك أن يأتي بنفسه إليه ولكنه مات في الطريق، ولما فرغ يهوذا
من محاربة اليونان دخل أورشليم وأزال الأوثان وطهر البيت وبنى مذبحًا جديدًا ثم
قتل بعد ذلك في بعض وقائعه مع اليونان وكان في جيش عدوه (الكميس) وكثير
من منافقي اليهود فبكاه شعب إسرائيل بكاءً عظيمًا وتولى أخوه يوناثان بعده (راجع
الفصل 9 من سفر المكابيين الأول عدد 20) فلذا قال زكريا في كتابه 12: 2
(هأنذا أجعل أورشليم كأس ترنح لجميع الشعوب حولها وأيضًا على يهوذا تكون في
حصار أورشليم) . (وفي نسخة الكاثوليك ويهوذا أيضًا تكون في الحصار على
أورشليم) إلى قوله 3 (يجتمع عليها كل أمم الأرض) أي الشعوب التي حولها فلا
يدل هذا على التعميم كما يقولون هم في مثل قول لوقا 2: 1 (وفي تلك الأيام
صدر أمر من أوغسطس قيصر بأن يكتتب كل المكونة) أي الأرض التابعة
للرومان فقط وفي قول التكوين 41: 56 (وكان جوع على كل وجه الأرض 57
وجاءت كل الأرض إلى مصر) وكذا قول تك 7: 19 (فتغطت جميع الجبال
الشامخة التي تحت كل السماء) إلى قوله 23 (فمحى الله كل قائم كان على وجه
الأرض) .
ثم قال زكريا 14: 4 (فى ذلك اليوم أضرب كل فرس بالحَيْرَة وراكبه
بالجنون 6 في ذلك اليوم أجعل أمراء يهوذا كمصباح 7 ويخلص الرب خيام يهوذا
10 وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات
فينظرون إليَّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له 11 في ذلك اليوم
يعظم النوح في أورشليم) وصحة الترجمة (ويسلمون إليّ) أمر (الذي طعنوا)
بدون هاء الضمير وذلك أن الذين كانوا مع يهوذا المكابي تركوه خوفًا من جيش
العدو ولم يبق منهم إلا قليل هربوا أيضًا حينما قتل وسلموا أمره إلى الله وإنما نسب
الطعن إليهم؛ لأنهم تسببوا فيه بفرارهم من حوله، وأيضًا لأن الجيش الذي طعنه
كان فيه كثير من اليهود مع (الكميس) الذي كان يرغب أن يكون كاهنًا أعظم وأتى
بجيش الملك لمحاربة يهوذا معه ، وعلى فرض صحة ترجمة البروتستنت وأن
المعنى: (فينظرون إليّ أنا الذي طعنوه) فالذي طعنوه هو (يهوذا) وإنما أسند
النظر والطعن إلى الله تعالى على حد قول الإنجيل (متى 25: 35 لأني جعت
فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني) إلى قوله 40 (بما أنكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي
هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم) وقوله تعالى في القرآن الشريف: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ
رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} (الأنفال: 17) وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا
يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (الفتح: 10) ولما كان يهوذا المكابي هذا
مرضيًّا عند الله ومحبوبًا وأعماله إنما هي لله - نسب تعالى طعن أعدائه له لنفسه
تعالى كما نسب جوع الفقراء وعطشهم له. وقد أشار دانيال (كما قالوا) في آخر
سفره لحوادث يهوذا المكابي هذا (دا 12: 12) .
هذا وقول زكريا: (وينوحون عليه كنائحٍ على وحيدٍ له 11 في ذلك اليوم
يعظم النوح في أورشليم) إلى قوله 14: (كل العشائر الباقية عشيرة عشيرة على
حدتها) يؤيد تفسيرنا هذا وأنه في حق يهوذا لا في حق المسيح فإن الذين طعنوه
وهم عسكر الرومان (يو 19: 34) لم ينوحوا عليه في ذلك اليوم ولا عشائر
اليهود الذين تسببوا في صلبه. أما يهوذا فقد ناحوا عليه كثيرًا كما تقدم في سفر
المكابيين، ويؤيد قولنا أيضًا قوله قبل هذا 12: 2 (وأيضًا على يهوذا تكون في
حصار أورشليم) فإنه لا ينطبق على المسيح فإن أورشليم لم تكن محاصرة بجيوش
حينما كان المسيح عليه السلام فيها ولم يكن ثَمَّ حرب.
ثم قال زكريا في الإصحاح الثالث عشر 13: 1 (فى ذلك اليوم يكون ينبوع
مفتوحًا لبيت داود ولسكان أورشليم للخطية وللنجاسة) إلى قوله: (اضرب الراعي
فتتشتت الغنم وأرد يدي على الصغار) فالمراد بالراعي هنا (يوناثان) أخو يهوذا
المكابي الذي تولى بعده.
ولما قتل يهوذا دخل جيش الملك ومعه اليهود المنافقون ونجسوا المدينة وكان
رئيسهم (الكميس) فظلم اليهود الصالحين وأمر بهدم حائط بيت المقدس فلذلك قال:
(فى ذلك اليوم يكون ينبوع مفتوحًا لبيت داود ولسكان أورشليم للخطية والنجاسة)
ثم أصيب (الكميس) بفالج ومات فرحل الجيش وتولى يوناثان أخو يهوذا ودخل
المدينة وطهرها وأزال عبادة الأصنام كما قال زكريا 13: 2 (إني أقطع أسماء
الأصنام من الأرض) ثم قتله قائد يسمى (تريفون) بالخديعة وأخذ من أخيه
(سمعان) مئة قنطار من الفضة وولدي (يوناثان) أيضًا كما في سفر المكابيين ولما
قتل تشتت جيشه وحصل لليهود رعب شديد وفزع ثم جمعهم (سمعان) أخوه
وشجعهم واستأصل كل أثيم شرير من اليهود المنافقين (مكابيين أول 14: 14)
وانتهت عبادة الأصنام من بينهم فهذا هو قول زكريا: (استيقظ يا سيف على
راعيّ.. .. .. . اضرب الراعي فتشتت الغنم وأرد يديّ على الصغار) ولدي
يوناثان (ويكون في كل الأرض) أي أرض إسرائيل (أن الثلثين منها
يقطعان) وهم الأشرار الذين قتلهم سمعان (ويموتان والثلث يبقى فيها) وبعد
سمعان لم تعد اليهود لعبادة الأصنام فلذلك قال في آخر هذا الإصحاح (زك 13: 9)
هو (أي شعب إسرائيل) يدعو باسمي وأنا أجيبه. أقول: هو شعبي وهو يقول:
الرب إلهي) فهذان الإصحاحان لا علاقة لهما بالمسيح عليه السلام ألبتة
ولا ينطبقان عليه. وهل المسيح كان له ولدان فأُسِرا حتى يقول: (وأرد يدي
على الصغار) ؟ وهل مات بالسيف مع أنه ما ضُرب بالحربة إلا بعد موته؟ (يو
19: 33 و34) فما بالهم يريدون أن يجعلوا كل شيء رمزًا لدينهم ولو بالقوة وإن
خالفوا اللغة والتاريخ والعلم والعقل والدين؟ !
(برهانهم الخامس) قال متى في إنجيله 27: 9 (حينئذ تم ما قيل بأرميا
النبي القائل وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل)
فادعى متَّى وادعوا تبعًا له أن الأنبياء أخبروا أن المسيح سيباع بثلاثين من الفضة
وهذه النبوءة لا يوجد لها أثر في كتب العهد العتيق اللهم إلا في كتاب زكريا (لا
أرميا) فإنه يوجد بعض ألفاظ تشبه هذه العبارة (11: 12 و13) ولكن لا علاقة
لها بالمسيح وإنما النصارى كما قلنا مرارًا يخترعون من الحوادث للمسيح ما يمكنهم
أن يطبقوه على عبارات العهد القديم ليوهموا الناس أن الأنبياء السابقين أخبروا
بجميع أحوال المسيح حتى موته وصلبه وألوهيته المزعومة وفي هذه العبارة كما في
غيرها لم يحسنوا التلفيق فأخطئوا وذكروا اسم أرميا وكان الأولى أن يحسنوا السبك
ويذكروا زكريا بدله وإن كان كل من العبارتين مختلفًا لفظًا ومعنًى.
(برهانهم السادس) جاء في سفر الأعمال 2: 31 أن داود أنبأ عن قيامة
المسيح (من الموت بعد الصلب) بقوله: (إنه لم تترك نفسه في الهاوية ولا أرى
جسده فسادًا) يشير بذلك كاتب هذا السفر إلى المزمور السادس عشر الذي قال فيه
داود عليه السلام 16: 9 (لذلك فرح قلبي وابتهجت روحي. جسدي أيضًا يسكن
مطمئنًّا 10 لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فسادًا 11 تعرفني
سبيل الحياة - إلى قوله -: في يمينك نعم إلى الأبد) وظاهر أن داود في
هذا المزمور يتكلم عن نفسه. ولفظ (الهاوية) هنا أصله العبري (شآول) وهو اسم علم لدار الموتى سواء كانوا في سعادة أو في شقاء ولذلك قال يعقوب لبنيه
حينما أرادوا أخذ بنيامين منه تك 42: 38 (إن أصابته أذية في الطريق تنزلون
شيبتي بحزن إلى الهاوية) .
وعليه فمعنى هذا المزمور أن جسد داود يسكن بعد الموت مطمئنًّا؛ لأنه يعلم
أن الله لن يتركه ميتًا إلى الأبد بل سيرد روحه إليه من عالم الأرواح (شآول)
ويبعثه يوم القيامة للحياة الباقية فيخرجه من دار الموتى إلى نعيم الجنة.
وأما قوله: (لن تدع تقيك يرى فسادًا. تعرفني سبيل الحياة) فالكلمة
المترجمة هنا (بفساد) تفيد أيضًا معنى (القبر) والمراد بها المعنى المجازي أي
مكان الموت المعنوي وهو البعد عن الله فكأنه قال: (إنك لن تدعني يا الله أرى
مكان الموتى وهم الضالون الأشرار بل ستهديني إلى معرفتك التي بها الحياة الأبدية
وتعصمني من الاقتراب منهم) فلهذا ولاعتقادي بالبعث والنشور أراني مطمئنًا
وسيسكن جسدي بعد موتي مستريحًا واثقًا بوعدك لي بالنعيم الخالد فلذا أحمدك
وأشكرك؛ لأنك نجيتني من الموت (الموت الأدبي الروحاني) وذلك مثل قوله في
مزمور آخر 56: 13 (لأنك نجيت نفسي من الموت. نعم ورجلي من الزلق لكي
أسير قدام الله في نور الأحياء (أو الحياة) فالبعد عن الله هو الموت وهو الموصل
للقبر ومعرفته تعالى هي الحياة الباقية. قال المسيح عليه السلام يو 17: 3 (وهذه
هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته)
وقال يو 11: 26 (كل من كان حيًّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد) وقال أيضًا
يو 6: 47 (من يؤمن بي فله حياة أبدية) فهذه الأقوال كلها هي كقول داود: (لن
تدع تقيك يرى فسادًا (أو قبرًا) . تعرفني سبيل الحياة) إذ إن من عرف الله وآمن
به واتقاه لا يرى الفساد ولا الشر وينجو من الموت النفساني ويبتعد عن مأوى
الأشرار الفجار الذين ماتت نفوسهم فيحيا إلى الأبد (كما قال المسيح عليه السلام : حياة طيبة مع الأطهار الأبرار بعيدًا عن مواطن السوء والشر والفساد راجع
أيضًا متى 6: 13 ويو 17: 15 (قال الله تعالى في القرآن الشريف: {أَوَمَن
كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ
بِخَارِجٍ مِّنْهَا} (الأنعام: 122)
أما إذا أصر النصارى على أن المراد بعبارة داود هذه الحقيقة لا المجاز
وترجمت هكذا: (لن تدع تقيَّك يرى قبرًا) كانت منافية لقوله قبلها مز 16: 9
(جسدي أيضًا يسكن مطمئنًّا) أي في القبر فإن ذلك يعين أن ما جاء بعد من عدم
رؤية القبر يراد به قبر موتى النفوس البعيدين عن الله (أي القبر المعنوي) فإن
المؤمن لا يموت أبدًا وليس المراد القبر الحقيقي وإلا فإن داود والمسيح عليهما
السلام قد رأيَا القبر ودفنا فيه وبقي المسيح فيه ثلاثة أيام - كما يقولون - ومن
راجع المزامير كلها علم أن المجازات فيها ربما كانت أكثر من الحقيقة وإني
لأعجب لماذا يريد النصارى حمل كل ما جاء في العهد القديم على المسيح ولو كان
بعيدًا عنه حتى مجَّ الإنسان سماع هذه الاستشهادات منهم! ! لكني أتذكر فأقول:
إنهم لو وجدوا لدينهم دلائل غيرها لما تهافتوا عليها تهافت الظمآن على السراب
حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
فهذه هي براهينهم على الصلب من العهد القديم وقد انهارت جميعها على
أسسها وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت.
***
الفصل الثاني
(فى إبطال ما يستدل به النصارى على ألوهية المسيح من العهد القديم)
نبدأ هذا الفصل بالمقدمة الآتية ثم نتبعها بالكلام على شواهدهم التي يتمسكون
بها من العهد القديم.
المقدمة - لا يخفى أن اليهود من عهد موسى عليه السلام إلى زمن المسيح
كانوا دائمًا يميلون إلى الوثنية فمع ظهور آيات الله تعالى لهم العظيمة ومع كثرة
أنبيائهم وشدة نهيهم لهم عن الشرك وعبادة غير الله نراهم كثيرًا ما ارتدوا وعبدوا
الأصنام وقربوا قرابينهم لمولك ولعشتورث ولكموش (1 مل 11: 33)[1] .
وسجدوا لها وعبدوا - في زمن موسى - العجل الذهبي وغير ذلك كما تشهد به
كتبهم. ولعل منشأ حب الوثنية في قلوبهم وجودهم أزمنة طويلة بين الوثنيين الذين
كانوا في كثير من الأوقات سادات لهم في مصر وبابل والذين تغلبوا عليهم في
أرض كنعان والمغلوب يميل عادة لتقليد غالبه ويعجب بما عنده من مظاهر الأبهة
والعظمة والجمال. فلا يبعد على مثل هؤلاء الناس (اليهود) الذين أُشربوا في
قلوبهم حب الوثنية من قديم الأزمان أن يقولوا في مسيحهم الذي كانوا ينتظرونه
ويظنون أنه سيكون ملكًا عظيمًا ينصرهم على جميع الأمم ويخلصهم من ظلم
أعدائهم ومن سلطانهم عليهم ويجعلهم سادة الأرض ويكون دينهم أبديًّا كما قالوا في
الختان (تك 17: 13) وفي مواسمهم وقرابينهم (راجع الإصحاح الثالث
والعشرين من سفر اللاويين) وكما قالوا في ملك سليمان إنه باقٍ إلى الأبد [2] (2
صمو 7: 12 - 16 وأخبار الأيام الأول 22: 10) فلا يبعد على مثل هؤلاء
الناس الذين علمت ميلهم للوثنية وأوهامهم وخيالاتهم في ملكهم وأمتهم ودينهم أن
يقولوا في مسيحهم هذا: إنه أعظم المخلوقات وأن الله تعالى خلقه قبل كل شيء وبه
عمل كل شيء وأنه صيره إلهًا وأن ملكه سيبقى إلى الأبد وأنه سيدين الخلائق جميعًا
يوم القيامة إلى غير ذلك من هذه الأحلام اللذيذة والخيالات الجميلة التي كانوا
يقولون نحوها حينما يرتدون في معبوداتهم التي عبدوها مرارًا من دون الله مع كثرة
نهي موسى والأنبياء لهم عن الشرك والوثنية (راجع الإصحاح الثالث عشر من
سفر التثنية وغيره) .
فلما جاء المسيح عليه الصلاة والسلام نمت هذه العقائد في قلوبهم وحاول
كثير ممن آمن به عليه السلام عبادته فكان يحارب هذه الأفكار بمثل قوله في إنجيل
متى 7: 22 (كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك
تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة 23 فحينئذ أصرح لهم
أني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم) وقوله مر 13: 32 (وأما ذلك
اليوم وتلك الساعة فلم يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب)
وقوله يو 17: 3 (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك
ويسوع المسيح الذي أرسلته) وزجره لمن ناداه بقوله: (أيها المعلم الصالح) فقال
كما في متى 19: 17 (لماذا تدعوني صالحًا ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله)
وقوله مر 12: 29 (الرب إلهنا رب واحد) وقوله متى 22: 40 (بهاتين
الوصيتين) أي محبة الله ومحبة القريب (يتعلق الناموس كله والأنبياء) وتسمية
نفسه في أكثر الأوقات (بابن الإنسان) إشارة إلى أنه إنسان مثلهم وقوله يو 20:
17 (إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) أي أن الله أب له كما هو أب لهم
وإله له كما هو إله لهم إلى غير ذلك من أقواله الشريفة التي أبقاها الله تعالى في
الأناجيل إلى اليوم حجة ناهضة على النصارى، ولكن الناس في زمنه وبعده أبوا
إلا أن يعبدوه من دون الله وإن رفض تواضعًا منه أن يسمى صالحًا وأوَّلوا جميع
أقواله هذه وغيرها بالتعسف والتكلف البارد الذي نسمعه اليوم من النصارى في هذه
الأقوال الصريحة. وأي كلام لا يمكن تأويله بمثل هذه التأويلات السخيفة؟ !
فاليهود الذين تنصروا حملوا إلى المسيحية وثنيتهم القديمة رغمًا عن جميع
أقوال المسيح عليه السلام نفسه وتعاليمه وأولوها حتى أخرجوها عن معانيها الحقيقية
الظاهرة منها ظهور الشمس في رابعة النهار.
والذي يدلك على ميل اليهود في ذلك الوقت لهذه الأفكار الوثنية قول
يوسيفوس مؤرخهم الشهير في حق المسيح ما يأتي إذا صح أن النصارى لم يحرفوا
كلامه (كما حرفوا غيره) على ما يقول كثير من فلاسفة العلم في أوربا اليوم. فمع
أن يوسيفوس ما كان يعتقد صدق المسيح عليه السلام قال ما يأتي عنه في تاريخه
القديم كتاب 18 فصل 3 رأس 3 (ونحو هذا الوقت نشأ يسوع إنسان حكيم إذا صح
أن ندعوه إنسانًا؛ لأنه عمل أمورًا عجيبة وكان معلمًا لجماعة قبلوا الحق بسرور
وصار له مصدقون كثيرون من اليهود واليونانيين) [3] فانظر وتأمل! وقد ساعد
اليهود على هذه الأفكار وجودهم في ذاك الوسط الوثني وسط الرومانيين ووسط
الفلسفة اليونانية وغيرها وانتشار مثل هذه العقائد بين جميع الأمم الأخرى.
فحمل الذين تنصروا منهم في ذلك الزمن إلى دينهم الجديد أفكارهم القديمة في
مسيحهم المنتظر وغلوهم فيه فقالوا: إنه أفضل جميع المخلوقات وإنه خلق قبل
العالمين (وهو بكر الخلائق) وأن الله خلق الخلق بواسطته وأنه صيره إلهًا مثله
وأنه سيأتي ويدين الخلائق بدلاً عن أبيه إلخ إلخ، وهذه الأفكار هي التي نقرؤها في
الأناجيل المتأخرة (كإنجيل يوحنا) وفي رسائل بولس أعظم اليهود المتنصرين في
مبدأ المسيحية بل مؤسس المسيحية الحالية الحقيقي تأمل في الإصحاح الأول مثلاً
من رسالته إلى العبرانيين وفي قوله فيها 1: 4 (صائرًا أعظم من الملائكة بمقدار ما
ورث اسمًا أفضل منهم (وفي رسالته إلى أهل كولوسي) 1: 15 - 17
(فالظاهر من أقوالهم في تلك الأيام أنهم كانوا يعتقدون أن المسيح لم يكن مساويًا لله
تعالى في الدرجة والمقام والجوهر بل مخلوقًا منه قبل جميع الخلق (أي بكر كل
خليقة كما قال بولس) وأقل درجة منه تعالى وهو الذي وهبه كل شيء حتى جعله
بارًّا وإلهًا للعالمين كما جعل موسى إلهًا لفرعون على ما يقول سفر الخروج)
7: 1 (فلم تكن عقائد ألوهيته الأصلية الأزلية ولا عقائد التثليث ناضجة في أذهانهم
كما هي اليوم؛ ولذلك لا تجد بيانًا مفصلاً شافيًا لهذه العقائد في العهد الجديد.
هذه هي أفكار اليهود القدماء التي أدخولها في المسيحية وكانت نشأت فيهم
قبل وجود عيسى عليه السلام بسنين؛ لأجل مسيحهم الذي ينتظرونه. ثم شبت
ونمت حتى بلغت أشدها في زمن بولس وشابت وهرمت بعده فقال أكثرهم: إن
المسيح مساوٍ لله تعالى في الجوهر والمقام، وأنه هو هو، وبقي الآخرون على
عقائدهم القديمة في عدم المساواة وقام منهم فرق عديدة ورؤساء لهم كآريوس وغيره
مؤيدين كلامهم بمثل قول بولس: أفسس 1: 17 - 22 (كي يعطيكم إله ربنا
يسوع المسيح أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته - إلى قوله - 20:
الذي عمله في المسيح إذ أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه في السماويات - إلى
قوله - 22: وأخضع كل شيء تحت قدميه وإياه جعل رأسًا فوق كل شيء للكنيسة)
وقول بطرس أع 2: 22 (يسوع الناصري رجل قد يبرهن لكم من قِبَل الله
بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضًا تعلمون) ولكن
فاز الفريق الأقوى والأكثر على الفريق الأقل لميل النفوس إلى الغلو والمبالغة
ولانتشار الوثنية في العالم. وبقي الأقلون الذين لا يعتقدون في مساواة المسيح بالله
إلى أن جاء الإسلام فراق لهم وأعجبهم فدخلوا فيه أفواجًا أفواجًا واستمر فريق منهم
في أوروبا إلى اليوم ولكنهم بثوا أيضًا في نفوس بعض الغلاة من المسلمين شيئًا من
أفكارهم القديمة فجعلوا محمدًا صلى الله عليه وسلم مخلوقًا قبل كل شيء؛ ولأجله
خلق كل شيء ومن نوره [4] خلق كل شيء كما كانوا يقولون مثل ذلك في المسيح
من قبل ولولا أن نصوص الإسلام أصرح وأكثر من نصوص غيره في التوحيد
والتنزيه - ولولا ارتقاء البشر في زمنه عمن سبقهم في العقل والفكر لَعُبد محمد
صلى الله عليه وسلم من دون الله كما عُبِدَ غيره من الأنبياء والمصلحين وغيرهم
ولدخل المسلمون في عين جحر الضب الذي دخله مَنْ قبلهم.
وعليه فإذا وجد في كتب اليهود ألف نص ونص على ألوهية بعض البشر أو
مساواتهم لله تعالى في الأزلية لما قبل منهم ولعلمنا أنه مما أدخلوه في عقائدهم ومما
أفسدوه في دينهم.
ولما وجد اليهود أن النصارى يتمسكون به عليهم لإقناعهم بدينهم وبمسيحهم
ترك اليهود هذه الأفكار القديمة في المسيح المنتظر شيئًا فشيئًا حتى محيت من بينهم
تقريبًا وأنسيت من أفكارهم ولم يبق لها إلا آثار قليلة في بعض كتبهم القديمة وهذه
الآثار هي التي يريد النصارى إقناع المسلمين بها اليوم.
على أنها غير صريحة وليست نصًّا فى الموضوع ويمكن تأويلها بنفس أقوال
كتبهم الأخرى بدون تكلف ولا تعسف كما يفعلون هم في أقوال المسيح عليه السلام
في التوحيد والتنزيه.
وإذا سألت النصارى: لماذا لم تذكر عقيدة التثليث والتجسد والفداء في كتب
أنبياء بني إسرائيل صراحة؟ أجابوك لعدم استعداد البشر لها في تلك الأزمنة.
ونقول: قد أثبت العماء الباحثون وجود مثل هذه العقائد تمامًا عند أكثر الأمم الوثنية
القديمة إن لم نقل كلها (راجع كتاب العقائد الوثنية في الديانة النصرانية) فهل
وصل إليها الناس بالعقل أم بالوحي؟ فإن كان الأول فما عدم الاستعداد إذًا؟ وإن
كان الثاني فَلِمَ أَوحيت إلى الناس كافة ولم توحَ إلى شعب إسرائيل - شعب الله
المختار المفضل على العالمين؟ ! وما معنى هذا الاستعداد؟ هل كان الناس غير
قادرين على فهم هذه العقائد ثم فهموها مع أنها ما فهمت قط ولن تفهم أبدًا! ! فإن
قالوا: إنها أَوْقعت قديمًا كثيرًا من الناس في الشرك الحقيقي؛ فلذا لم توحَ إلى بني
إسرائيل. قلت: وهل سلمت اليهود من الشرك والوثنية وهم الذين عبدوا كثيرًا من
آلهة الكفرة والمشركين مع صراحة التوحيد في كتبهم وكثرة نصوصه؟ وهل سلم
النصارى من الشرك والوثنية وفيهم من عبد مريم العذراء والصليب والقديسين
والقديسات؟ وهم جميعًا إلى الآن يعبدون المسيح كله مع قول جمهورهم إنه إنسان
كامل وإله كامل وهم مع ذلك يعبدون الثالوث المركب من الآب والابن والروح
القدس مع تصريحهم بأن الآب هو الأصل وأن الروح القدس انبثق منه والابن انبثق
من أحدهما أو كليهما (على رأي آخرين) . وما الفرق بين عبادة الثلاثة على أنها
أقانيم وبين عبادتها على أنها ثلاثة آلهة؟ وما الفائدة من التوحيد إذًا؟ ؟
الحق أن جميع الأمم القديمة قالوا بهذه العقيدة (الثالوث) للجمع بين التوحيد
الذي أوحي إليهم من الله وبين الشرك الذي لم يُمْكِنهم أن يتصوروا وجود إله للعالم
بدونه لقصر عقولهم واستبعادهم أن يدبر هذا الكون العظيم إله واحد، ومثل هذا
السبب قد أوقع النصارى في نفس هذه العقيدة للجمع بين النصوص التي رأوها
متناقضة في العهد الجديد. أما العهد القديم فدلائل التوحيد فيه بينة ظاهرة في جميع
أسفاره من أولها إلى آخرها.
وإليك جميع الأقوال التي يتمسك بها النصارى من كتب اليهود على ألوهية
المسيح وبيان معناها وهي التي تركوا لأجلها نصوص المسيح عليه السلام الفصيحة
الصريحة ونصوص جميع الأنبياء الآخرين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
***
الشواهد من العهد القديم
1 -
جاء في كتاب أشعيا ما يأتي 9: 6 (لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنًا
وتكون الرئاسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًّا رئيس السلام
7 لنمو رئاسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها
بالحق) إلخ فإذا صح أن هذا الكلام في حق المسيح فهو من أوهام اليهود في
مسيحهم الذي ظنوا أنه سيجلس على كرسي داود إلى الأبد كما قالوا في سليمان على
ما تقدم. على أن تسميته (إلهًا) قد ورد مثلها في حق موسى عليه السلام كما في
سفر الخروج 7: 1 (فقال الرب لموسى: انظر. أنا جعلتك إلهًا لفرعون
وهارون أخوك يكون نبيك) وورد في المزمور الثاني والثمانين 6 (أنا قلت: إنكم
آلهة وبنو العلي كلكم) ثم إن اللفظ المترجم بإله هنا في الأصل العبري يحتمل معنى
(القوي أو الجبار) وفي النسخة اليونانية الإسكندرانية بمعنى القوي ولا وجود له
هنا في النسخة السبعينية. ويقول اليهود الآن: إن المراد بهذه العبارة هو حزقيا
ومعنى حزقيا (قوة الله) وهو من أعظم ملوك اليهود ومعدود بين الملوك الثلاثة
الذين كانوا من أحسن ملوك يهوذا وهم يهوشافاط وحزقيا ويوشيا. ويقول المسلمون:
إن عبارة أشعياء هذه هي بشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو الذي جلس على
كرسي داود في الأرض المقدسة للآن وهو أب أبدي للمؤمنين رئيس السلام لغير
المعتدين (راجع فصل البشائر) وعلامة ملكه على كتفيه وهي المسماة في كتب
الحديث (بخاتم النبوة) واسمه (محمد) لم يكن معتادًا بين العرب قبله وهو قوي
منصور وجميع هذه الصفات لا تنطبق على المسيح مثل انطباقها على محمد صلى
الله عليهما وسلم.
وقوله: (يولد لنا ولد) معناه على هذا أنه يولد لهم ولد من إخوتهم بني
إسماعيل فإن أبناء العم هم إخوة ومن ولد لنا فقد ولد لهم فكأن بني إسماعيل وبني
إسحاق أسرة واحدة أو أهل بيت واحد فإذا ولد لأحدهم ابن فهو مولود للجميع وأبو
الكل إبراهيم عليه السلام (تك 17: 4 انظر أيضًا عدد 20: 14 وتث 2: 4
وتك 16: 12 و25: 18) .
سلمنا جدلاً أن هذه العبارة في حق المسيح عليه السلام وأن الناس سيدعونه
(إلهًا قديرًا) وقد وقع ذلك بالفعل فأي دليل فيها على صحة ألوهيته؟ غاية الأمر أن
أشعياء عليه السلام قد أخبر بقدره وعظمته حتى أن الناس سيتخذونه إلهًا وإن لم
يكن إلهًا حقيقيًّا؛ ولذلك قال: (يولد لنا. ونعطى. ويدعى اسمه كذا.. .. وغيرة
رب الجنود تصنع هذا) فالمولود والمعطَى (بالفتح) والذي صنعه رب الجنود لا
يكون إلهًا وإن دعاه الناس بهذا الاسم فإن قيل: لماذا لم ينبه أشعياء بأكثر من ذلك
على عدم ألوهيته قلت: إن المقام مقام تنبؤ وإخبار بما سيحدث لا مقام تحذير من
الوثنية فلذا اكتفى بما ذكر ولعلمه أن كتابه وسائر كتب العهد القديم قد حذرتهم من
عبادة غير الله وملئت صفحاتها بذلك وخصوصًا سفر التثنية (5: 7 - 9 و13:
1 -
5 4: 15 - 19 وغير ذلك كثير راجع أيضًا إصحاح 45 و46 من سفر
أشعياء) .
أما قول أشعياء في العدد السابع من هذا الإصحاح: إنه سيجلس على كرسي
داود إلى الأبد، فالنصارى أولى بتأويله منا فإنه لم يجلس على كرسي داود ولا
ساعة واحدة في الدنيا وإن كان المراد به ملكه الروحاني كما يعبرون (أي تسلطه
على النفوس) فنحن لا ننكره بل قال كتابنا الشريف: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ
الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} (آل عمران: 55) فهو وإن بقي جالسًا على كرسي
داود المعنوي إلى الأبد إلا أنه سيكون مع ذلك تابعًا لمحمد صلى الله عليه وسلم إذ لا
منافاة بين هذا وذاك ويجوز أن نقول في هذه العبارة مثل ما يقولون هم في وعد الله
لسليمان بتثبت ملكه إلى الأبد (1 أيام 22: 10) وفي بقاء أورشليم عامرة إلى
الأبد (أرميا 31: 40) إن ذلك مشروط باستقامة بني إسرائيل وحفظهم لعهد الله
وشريعته كما في سفر أخبار الأيام الثاني (7: 18 - 22) فزوال الملك من اليهود
وعدم تملك المسيح عليهم وعدم دوام ملكه الدنيوي فيهم إلى الأبد وخراب أورشليم
إنما نشأ من كفرهم وعصيانهم وخروجهم عن طاعة الله فلو أنهم آمنوا به واتبعوه
لبقي ملكهم الدنيوي إلى يوم القيامة وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا
يزيل منهم هذا الملك بل يقويه ويعززه بوجود ملك آخر عظيم لإخوانهم بني
إسماعيل [5] ويكون الجميع يدًا واحدة على كل عدو لهم قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ
أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ} (المائدة: 66)(أي القرآن)
{لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} (المائدة: 66) أي لفاضت عليهم
الخيرات والبركات، من الأرض والسماوات.
2 -
قول أشعياء 35: 4 (قولوا لخائفي القلوب تشددوا. هوذا إلهكم.
الانتقام يأتي. جزاء الله. هوذا يأتي ويخلصكم) وهذه نبوءة بخلاصهم من أسر
بابل بدليل قوله في آخر هذا الإصحاح 10: (ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى
صهيون) أي أورشليم وإتيان الله كناية عن مجيء عذابه لأعدائهم ورحمته لهم
وخلاصهم وقد ورد مثل هذه الكناية كثيرًا في الكتب المقدسة (مزمور 78: 65 -
70) و (أشعيا 19: 1 و42: 13 و45: 21 و40: 10) (وتث 33:
2) وورد في القرآن الشريف قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي
ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} (البقرة:
210) . ومما يدل على أن عبارة أشعياء هذه ليست في المسيح أن المسيح لم يأت
بالانتقام والجزاء بل هو الذي أخذ وصلب وقتل - على قولهم -.
على أننا لا ننكر أن المسيح صلى الله عليه وسلم جاء ليخلص اليهود وينقذهم
من الآثام والعصيان والكفر والضلال بالتوبة والإيمان والهداية. ولو أنهم تركوا
أعمالهم السيئة وآمنوا به جميعهم واتبعوه واهتدوا بهديه لخلصوا أيضًا من الذل
والهوان وتسلط الأمم الأجنبية عليهم ولصارت لهم دولة عظيمة يرأسها عيسى
(يسوع) عليه السلام. ولعل في اسمه (يسوع) أي المخلص والمعين والمنقذ إشارة
إلى ذلك وإن كان اسمًا شهيرًا سمي به كثيرون من اليهود قبله وبعده تفاؤلاً به
للخلاص مما هم فيه من البلايا والمحن والمصائب.
3 -
قول أشعياء 7: 14 (ولكن يعطيكم السيد نفسُه آية. ها العذراء تحبل
وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل) أي (الله معنا) والكلمة المترجمة هنا بالعذراء
معناها الفتاة سواء كانت بكرًا أو غير بكر وكذلك وردت في سفر الأمثال 30: 1
و19 (ثلاثة عجيبة فوقي وأربعة لا أعرفها، طريق نسر في السماوات، وطريق
حية على صخر، وطريق سفينة في قلب البحر، وطريق رجل بفتاة) فصحة
الترجمة (ها فتاة تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل) وهي بشارة لآحاز أن مُلك
(رصين) مَلك آرام (وفقح) ملك إسرائيل سيزولان فلا يحق له أن يخاف منهما
وعلامة ذلك أن فتاة تحبل وتلد ابنًا وتصير أرض هذين الملكين خربة قبل أن يميز
هذا الابن الخير من الشر فخربت أرض (فقح) بعد إحدى وعشرين سنة.
واختلفوا فيمن هي هذه الفتاة؟ فقال بعضهم: إنها امرأة أشعياء وقال آخرون: إنها
امرأة آحاز أو امرأة أخرى كانت معلومة لهم؛ ولذلك قال أشعياء بعد هذه
العبارة 7: 16 (لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير تُخلى
الأرض التي أنت خاشٍ من مَلِكَيْها) راجع الإصحاح السابع من سفر أشعياء، فأي
علاقة لهذه المسألة بالمسيح ومتى سمي المسيح (عمانوئيل) ؟
فالحق يقال: إن متى الإنجيل أخطأ في زعمه أن هذه نبوءة عن المسيح كما
في إنجيله 11: 23) .
وعلى فرض أنها في المسيح فالمسلمون لا ينكرون أن أمه كانت عذراء لم
يمسسها بشر [6] وأما اسم (عمانوئيل) فهو علم عبري دعي به كثير من اليهود
والنصارى فليس من يسمى به يكون إلهًا كما لا يكون إلهًا من سمي بالأسماء الآتية:
أشعياء (أي خلاص الله) يهوشافاط (الله يقضي) يهوصاداق (الله يبرر) يهوشع
(الله يعين) يهوه شلوم (الله سلام) يهوياداع (الله يعلم) يسوع أو عيسى (الله
يعين) أليشع (الله خلاص) إلى غير ذلك من أسماء اليهود التي فيها لفظ الجلالة
(الله) فهل كان كل هؤلاء آلهة لأنهم سموا بهذه الأسماء؟ إن أمر النصارى والله
لَعجيب.
4 -
قال متى 2: 15 (وكان هناك أي في مصر) إلى وفاة هيرودس.
لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: (من مصر دعوت ابني) والنبي المشار
إليه هنا هو (هوشع) الذي قال 11: 1 (لما كان إسرائيل غلامًا أحببته ومن
مصر دعوت ابني) ومعنى هذه العبارة ظاهر لا يخفى على أحد إلا من أعماه الله
وهو أن المراد منها بنو إسرائيل وخروجهم من أرض مصر وقد سموا هم وغيرهم
أبناء الله كما هو معلوم والظاهر من الأناجيل الأخرى أن المسيح لم يذهب إلى
مصر وخصوصًا إنجيل لوقا الذي ذكر تاريخ المسيح بالتفصيل ولكنه لم يذكر هذه
الحادثة بل قال 2: 41 (وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم في عيد الفِصْح)
فالغالب أن متَّى اخترع مسألة ذهابه إلى مصر ليلصق بالمسيح عبارة (هوشع)
النبي كما هو شأنهم في تاريخ المسيح عليه السلام وقد أخذوا كل ما قيل عن خلاص
اليهود من مصر ومن بابل وادعوا أنه رمز أو إشارة لخلاص البشر بصلب المسيح
كما قلنا سابقًا.
وعلى فرض أن المسيح هو المراد بما قاله (هوشع) فأي شيء فيه يدل
على ألوهيته مع أن إسرائيل (أي بنيه) قد سمي بالابن البكر في العهد القديم (خر
4: 22) وكذلك أفرايم (أر 31: 9) وداود (مز 89: 27) فإذا لم يكن الابن
البكر إلهًا فكيف يكون المسيح إلهًا لهذه التسمية.
فإن قيل: إن المسيح سمي بالابن الوحيد في إنجيل يوحنا (1: 18 و3:
16 و18) قلت: إن بحثنا الآن فيما ورد في كتب اليهود (العهد القديم) أما العهد
الجديد فليسمه النصارى فيه بما شاءوا وشاءت أهواؤهم على أن هذا الابن الوحيد
(المسيح) قد سبق منذ زمن بعيد بالابن البكر (وهو عادة مفضَّل) فالمسيح وإن
سمي في زمنه بالابن الوحيد؛ لأنه كان أعظم إنسان حينذاك لكن كان لإلههم أبناء
غيره سبقوا عيسى في الملك والوجود (كداود) . فالحق أن جميع هذه الأسماء
مجازية لا حقيقية وهي لا تدل على ألوهية أحد منهم - هذا ولم يسم المسيح نفسه
(بالوحيد) بل ذلك مما سماه به يوحنا - أما المسيح بحسب أناجيلهم فقد سمى نفسه
(وغيره أيضًا) بابن الله راجع ما قاله عليه السلام في هذا الموضوع في الأناجيل
(يوحنا 10: 31 - 38 ومتى 5: 9 و44 و45 ولو 20: 36) .
(يتلى)
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(*) تابع لما نشر في الجزء الرابع ص 281.
(1)
مولك اسم إله للعمونيين وكان من نحاس جالسًا على عرش من نحاس وعشتورت آلهة الصيدونيين وكموش إله المؤابيين.
(2)
حاشية: يقول النصارى: إن ذلك إشارة إلى المسيح عليه السلام؛ لأنه أتى من نسل سليمان ونقول: إن من راجع نسب المسيح عليه السلام كما في إنجيل لوقا 3: 23 - 38 اتضح له أن المسيح من نسل ناثان بن داود لا من نسل سليمان فكيف يكون هو المراد بتلك العبارة؟ وقد قالوا لرفع الخلاف الذي بين متى ولوقا في نسب المسيح: إن ما ذكره لوقا هو نسب أمه مريم عليها السلام فهو نسبه الحقيقي أما ما ذكره متى فهو نسب يوسف النجار ولا يخفى أن يوسف ليس بأب المسيح وعليه فلا يكون المسيح عليه السلام من نسل سليمان إلا بالادعاء من غير برهان وإن كان يوسف النجار هذا من نسله كما في إنجيل متى (1: 6) إلا أن يوسف هو زوج مريم فقط وليس هو أبو المسيح عليه السلام ولا ندري لماذا ذكر لوقا الآباء الحقيقيين لبعض جدود مريم تارة والآباء الشرعيين كما يقولون للجدود الآخرين؟ ولماذا لم يجر على طريقة واحدة كمتى فيذكر إما الآباء الحقيقيين كلهم أو الآباء الشرعيين؟ وهل وجود ابن حقيقي للأب الشرعي يسوغ إهمال لوقا ومتى لذكره مع ذكر لوقا لبعض من لا ولد حقيقيًّا له لهذا السبب كما يدعون لرفع تناقضهما واختلافهما العظيم ولم يخجلوا من هذا الاضطراب والتضارب! ! ! .
(3)
راجع الفصل الثالث من كتاب دين الله وسينشر في الأعداد الآتية.
(4)
حاشية: قال ابن تيمية في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) في الجزء الثاني صفحة 198: إن جميع هذه الأحاديث الواردة في خلق العالم من نور النبي (كلها كذب) ولا يخفى على أحد علم ابن تيمية في الحديث.
(5)
حاشية: هم الذين قالت عنهم التوراة تث 32: 21 (فأنا) الله أغيرهم بما ليس شعبًا بأمة غبية أغيظهم (وهم أمة غبية لجهلهم وأميتهم وقلة الأنبياء فيهم وقال عنهم المسيح لليهود كما في
متى 21: 43) إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره.
(6)
حاشية: اسم أبي مريم في القرآن الشريف هو عمران وهو تعريب اسمه العبري (عمرام) الذي معناه (شعب عال) فهو يفيد معنى العلو أو السمو ويسمى في إنجيل لوقا (3: 23)(هالي) ومعناه أيضًا (عال) وهذا الإنجيل يوناني الأصل فالظاهر أن صاحبه سمي أبا مريم بمعنى اسمه لا بلفظه الأصلي ويوجد في كتب العهدين كثير من أسماء الأعلام التي لم تنقل كما هي من لغاتها بل ترجموها ترجمة ففي الترجمة العربية لسنة 1844 تجد لفظ (شيلون)(تك 49: 10) مترجمًا (بالذي له الكل) وفقًا للترجمة اليونانية مع أنه اسم علم ولذا بقي في التراجم الحالية كما هو وكما أبدلت في العربية ميم (عمرام) نونا فصارت (عمران) كذلك في الإنكليزية كثيرًا ما يبدلون ميم اللغات الأخرى بالنون مثال ذلك Collodium و Ectropium اليونانيتان صارتا في الإنكليزية Collodion و Ecotrpion وغير ذلك كثير فهذه يا قوم إحدى غلطات القرآن في عقل صاحب كتاب الهداية المنصف المحقق! ! هداه الله قبل أن يهدي غيره.
الكاتب: المسيو شاتليه
الغارة على العالم الإسلامي
أو فتح العالم الإسلامي [*]
(3)
مؤتمر القاهرة سنة 1906
كان القسيس (زويمر) رئيس (إرساليات التبشير العربية في البحرين) أول
من ابتكر فكرة عقد مؤتمر عام يجمع إرساليات التبشير البروتستانتية للتفكير في
مسألة نشر الإنجيل بين المسلمين.
وفي سنة 1906 أذاع اقتراحه وأبان الكيفية التي يكون بها فوضعت هذه
الفكرة على بساط البحث في (ميسور) من ولاية (أكرا) في الهند - لأن هذه
الولاية ذات أهمية كبرى من حيث المسائل الإسلامية لوجود مدرسة (عليكدة)
هناك، ثم عرض الاقتراح على مؤتمر التبشير الذي ينعقد في مدينة (مدراس)
الهندية كل عشر سنوات فأجاز عقده، وإن اتخاذ الهند قاعدة لتأسيس النظامات
الخاصة بتبشير المسلمين بالنصرانية أمر طبيعي وبديهي - لأن مسلمي الهند أخذوا
على عاتقهم منذ القرن التاسع عشر تعضيد السياسة الإنكليزية للتغلب على الهندوس.
ولما تقرر عقد المؤتمر شرع القسيس (زويمر) وزميل له يعدان المعدات
لتأليف لجنة مؤقتة تضع برنامج مذاكرات المؤتمر وتدعو المبشرين المنتشرين في
كل البلاد للاشتراك به.
وفي يوم 4 إبريل من سنة 1906 افتتح المؤتمر في القاهرة في منزل عرابي
باشا في باب اللوق وبلغ عدد مندوبي إرساليات التبشير 62 بين رجال ونساء،
وكان عدد مندوبي إرساليات التبشير الأمريكية التي في الهند وسورية والبلاد
العثمانية وفارس ومصر واحدًا وعشرين، ومندوبو إرساليات التبشير الإنكليزية
خمسة، واشتركت في المؤتمر الإرساليات الأسكتلندية والإنكليزية المنفردة
والألمانية والهولندية والسويدية وإرسالية التبشير الدانمركية الموجودة في بلاد
العرب.
انتخب القسيس (زويمر) رئيسًا للمؤتمر وعُيِّنَ معه نائب وكَتَبَة وحددت أيام
الجلسات. وهذا برنامج المسائل التي تفاوضوا فيها:
1-
ملخص إحصائي عن عدد المسلمين في العالم.
2-
الإسلام في إفريقية.
3-
الإسلام في السلطنة العثمانية.
4-
الإسلام في الهند.
5-
الإسلام في فارس.
6-
الإسلام في الملايو.
7-
الإسلام في الصين.
8-
النشرات التي ينبغي إذاعتها بين المسلمين المتنورين والمسلمين العوام.
9-
التنصر.
10-
الارتداد.
11-
وسائل إسعاف المتنصرين المضطهدين.
12-
شئون نسائية إسلامية.
13-
موضوعات تتعلق بتربية المبشرين والعلاقات بينهم وكيفية التعليم في
الإسلام.
وهذه الموضوعات جمعت على حدة في كتاب كبير اسمه (وسائل التبشير
بالنصرانية بين المسلمين) . ثم صنف القسيس زويمر كتابًا جمع فيه شيئًا من
التقارير عن التبشير وسماه (العالم الإسلامي اليوم) .
***
وسائل لتبشير المسلمين بالنصرانية
جمع هذا الكتاب ونشره القسيس (فلمنج) الأمريكي وكتب عليه هذه الكلمة
(نشرة خاصة) بمعنى أنه طبع ليتنقل في أيدي فئة خاصة من رجال التبشير لا
ليطلع عليه كل الناس. وقد ضمنه المباحث التي دارت في مؤتمر القاهرة واختتمه
بنداءين أنهض بأحدهما همم رجال النصرانية ليجمعوا قواهم ويتضافروا بأعمال
مشتركة وعمومية ليستولوا على أهم الأماكن الإسلامية، والنداء الثاني خاص
بأعمال نسائية.
أما الفصل الأول من هذا الكتاب فيبحث في الطريقة التي ينبغي انتهاجها في
التبشير وعما إذا كان يفيد ضم إرساليات تبشير المسلمين إلى إرساليات تبشير
الوثنيين أو تفضيل بقائهما منفصلتين وفيه البحث أيضًا عما إذا كان الإله الذي يعبده
المسلمون هو إله النصارى واليهود أم لا (!) وقد صرح الدكتور (لبسوس) في
مؤتمر القاهرة بأن إله الجميع واحد إلا أن القسيس (زويمر) خالفه في هذا الرأي
فقال: إن المسلمين مهما يكونوا موحدين فإن تعريفهم لإلههم يختلف عن تعريف
المسيحيين؛ لأن إله المسلمين ليس إله قداسة ومحبة [1] ! ؟
وفي الفصل الثاني والثالث بحث في الصعوبات التي تحول دون تبشير
المسلمين العوام وذكر الوسائل التي يمكن استجلابهم بها وتحبيب المبشرين إليهم.
وأهم هذه الوسائل العزف بالموسيقى الذي يميل إليه الشرقيون كثيرًا. وعرض
مناظر الفانوس السحري عليهم وتأسيس الإرساليات الطبية بينهم. وأن يتعلم
المبشرون لهجتهم العامية واصطلاحاتها نظريًّا وعمليًّا وأن يدرسوا القرآن ليقفوا
على ما يحتويه. وأن يخاطبوا العوام المسلمين على قدر عقولهم ومستوى علمهم.
ويجب أن تلقى الخطب عليهم بأصوات رخيمة وبفصاحة وأن يخطب المبشر وهو
جالس ليكون تأثيره أشد على السامعين وأن لا تتخلل خطاباته كلمات أجنبية عنهم
وأن يبذل عنايته في اختيار الموضوعات وأن يكون واقفًا على آيات القرآن
والإنجيل عارفًا بمحل المناقشة وأن يستعين قبل كل شيء بالروح القدس والحكمة
الإلهية (!) ومن الضروري أن يكون خبيرًا بالنفس الشرقية وأن يستعمل التشبيه
والتمثيل أكثر مما يستعمل القواعد المنطقية التي لا يعرفها الشرقيون (!)
وختم المؤلف هذين الفصلين بأن أكثر المسلمين الذين تنصروا إنما هم من
العامة والأميين.
وفي الفصل الرابع يأتي على ذكر الصعوبات التي تقف في سبيل تبشير
المسلمين المتنورين. وهذه الصعوبات هي التي جعلت المؤتمر يترك المذاكرة في
بادئ الأمر بمسألة التنصير فخاض في البحث عن الوسائل التي يكون لها تأثير -
ولو قليلاً - على الناشئة الإسلامية لتدرك الأمور الاجتماعية والأخلاقية والأدبية.
وهنا قال سكرتير المؤتمر: إن الخطة العدائية التي انتهجها الشبان المسلمون
المعلمون اضطرت المبشرين في القطر المصري إلى محاولة إعادة ثقة الشبان
المسلمين بهم، فصار هؤلاء المبشرون يلقون محاضرات في موضوعات اجتماعية
وأخلاقية وتاريخية لا يستطردون فيها إلى مباحث الدين رغبة في جلب قلوب
المسلمين إليهم. وأنشأوا بعد ذلك في القاهرة مجلة أسبوعية اسمها (الشرق والغرب)
افتتحوا فيها بابًا غير ديني يبحثون فيه بالشئون الاجتماعية والتاريخية. وأسسوا
أيضًا مكتبة لبيع الكتب بأثمان قليلة والغرض من ذلك استجلاب الزبائن ومحادثتهم
في أثناء البيع. وقد مضى على ذلك ثلاث سنوات تسنى فيها للمبشرين أن يتوصلوا
إلى النتائج الآتية:
الأولى - أنهم عرفوا أحوال البلاد وأفكار المسلمين وشعورهم وعواطفهم
وميولهم.
الثانية - أنهم حصلوا على ثقة بعض المسلمين بهم.
الثالثة - أن المبشرين تحققوا أنهم بتظاهرهم في وداد المسلمين وميلهم إلى ما
تطمح إليه نفوسهم من الاستقلال السياسي والاجتماعي والنشأة القومية - يمكنهم أن
يدخلوا إلى قلوبهم.
وبناء على هذا ساعد المبشرون الشبان المسلمين في تأسيس جمعية الغرض
منها إيجاد صلة وتقرب بين الطبقة المتعلمة والطبقات المتعددة التي تتألف الأمة منها
وإنماء روح الاتفاق. هذه هي الطريقة التي استحسنها المبشرون بعد أن علموا أن
الأمور التي يتذرعون بها وتكون صبغتها دينية لا ريب أن عاقبتها الفشل. ولكن
المبشرين الذين هم على شيء من الجرأة يقولون: إنهم سمعوا بعض المسلمين
يشكون من الزواج في الإسلام وتعدد الزوجات وتربية المرأة وعدم وجود التسامح
الدينيي (!)
وكل ما خاض فيه المؤتمر من هذه المباحث يختص بالمجهودات التي يبذلها
المبشرون لتبشير الشبيبة الإسلامية التي تعلمت على الطريقة الأوروبية وفي
مدارس الحكومة وما يلقونه من الصعوبات والفشل في تبشيرها.
أما الذين تعلموا على الطريقة الشرقية في الأزهر وما يماثله فلم يتكلم أعضاء
المؤتمر عنهم إلا بعض اقتراحات ونظريات - من ذلك أن أحد أعضاء المؤتمر
أفاض في وصف ما للجامع الأزهر القديم من النفوذ وإقبال الألوف عليه من الشبان
المسلمين في كل أقطار العالم. وتساءل عن سر نفوذ هذا الجامع منذ ألف سنة إلى
الآن. ثم قال: إن السُّنيين من المسلمين رسخ في أذهانهم أن تعليم العربية في
الجامع الأزهر متقن ومتين أكثر منه في غيره والمتخرجون في الأزهر معروفون
بسعة الاطلاع في علوم الدين. وباب التعليم مفتوح في الأزهر لكل مشايخ الدنيا
خصوصًا وأن أوقاف الأزهر الكثيرة تساعد على التعليم فيه مجانًا؛ لأن في
استطاعته أن ينفق على 250 أستاذًا. ثم تساءل عما إذا كان الأزهر يتهدد كنيسة
المسيح بالخطر. وعرض اقتراحًا يريد به إنشاء مدرسة جامعة نصرانية تقوم
الكنيسة بنفقاتها وتكون مشتركة بين كل الكنائس المسيحية في الدنيا على اختلاف
مذاهبها لتتمكن من مزاحمة الأزهر بسهولة وتتكفل هذه المدرسة الجامعة بإتقان تعليم
اللغة العربية.
ثم قال: إن في الإمكان مباشرة هذا العمل في دائرة صغيرة وهي أن تخص
أولاً بتعليم المسلمين المتنصرين وتربيتهم تربية إسلامية ليتمكن هؤلاء من القيام
بخدم جليلة في تنصير المسلمين الآخرين.
وختم كلامه قائلاً: (ربما كانت العزة الإلهية قد دعتنا إلى اختيار مصر مركز
عمل لنا لنسرع بإنشاء هذا المعهد المسيحي لتنصير الممالك الإسلامية (!)
وفي الباب الخامس ذكر المؤلف ما دار في المؤتمر عن النشرات التي ينبغي
للمبشرين إذاعتها لتنصير المسلمين. وقد ظهر للمؤتمر أن التوراة مترجمة إلى
معظم اللغات الإسلامية وأكثر لهجاتها، أما أدبيات التبشير ومؤلفاته فمترجمة إلى
اللغات الإسلامية المهمة فقط.
وقد اقترح أحد المندوبين أن تراجع المؤلفات التي قدم عليها العهد لإصلاحها
واستخدامها في تبشير المسلمين المتنورين الذين اقتبسوا علومهم في المعاهد
العصرية مثل مدرسة أكسفورد وبرلين، وأشار إلى وجوب تخفيف اللهجة في
المجادلات الدينية.
وقال مندوب آخر: إن الحاجة شديدة إلى نشر كتب في الموضوعات الدينية
الآتية:
1-
أسماء وألقاب المسيح التي في الأناجيل.
2-
طبيعية الخطيئة الأصلية.
3-
ضرورة الغفران.
4-
الجنة وكيفية الحصول عليها.
5-
الروح القدس وأعماله.
6-
عقيدة سر التجسد.
7-
الإنسان فرد اجتماعي وخالقه ليس كذلك.
8-
وأن الإله الاجتماعي يشمل الثالوث.
9-
الشيطان وكيفية الخلاص منه.
***
إرساليات التبشير الطبية
خاض المؤتمر بعد ذلك في مسألة إرساليات التبشير الطبية فقام المستر
(هاربر) وأبان وجوب الإكثار من الإرساليات الطبية؛ لأن رجالها يحتكون دائمًا
بالجمهور ويكون لهم تأثير على المسلمين أكثر مما للمبشرين الآخرين. وهنا ذكر
المستر هاربر حكاية طفلة مسلمة عني المبشرون بتمريضها في مستشفى مصر
القديمة ثم ألحقت بمدرسة البنات البروتستانتية في باب اللوق وكانت نهاية أمرها أن
عرفت كيف تعتقد المسيح بالمعنى المعروف عند النصارى.
وذكر أيضًا عن رجل مسلم كان يحضر محاضرات المبشرين لإثارة الجلبة
والضوضاء. واتفق أنه مرض فدخل مستشفى المبشرين وبعد أن لبث فيه مدة شفي
وخرج منه فصار يحضر المحاضرات في هذه المرة ولكن بخشوع زائد وبعد ذلك
بقليل تعمد وأصبح نصرانيًّا على مذهب البروتستانت.
ثم قام الدكتور هارس (طبيب إرسالية التبشير في طرابلس الشام) فقال: إنه
قد مر عليه اثنان وثلاثون عامًا وهو في مهنته فلم يفشل إلا مرتين فقط وذلك عقب
منع الحكومة العثمانية أو أحد الشيوخ لاثنين من زبائنه من الحضور إليه.
وأورد إحصاءً لزبائنه فقال: إن 68 في المئة منهم مسلمون ونصف هؤلاء
من النساء وفي أول سنة مجيئه إلى حيث يبشر بلغ عدد زبائنه 175 وفي آخر سنة
كان عدهم 2500 وختم كلامه قائلاً:
(يجب على طبيب إرساليات التبشير أن لا ينسى ولا في لحظة واحدة أنه
مبشر قبل كل شيء ثم هو طبيب بعد ذلك) .
وقام بعده الدكتور (تمباني) وذكر الصعوبات التي يلقاها الطبيب في التوفيق
بين مهنتي التبشير والطب كما حدث معه هو. إلا أن ما بذله من المجهودات قد
أعانه على النجاح حتى تمكن من تأسيس مستشفى للتبشير من طريق الاكتتابات،
وكان أول مكتتب لهذا المستشفى التبشيري رجلاً مسلمًا!
وخطب الأستاذ (سمبسون) بعد ذلك في بيان فضل الإرساليات الطبية، ومما
قاله: إن المرضى والذين ينازعهم الموت بوجه خاص لا بد لهم من مراجعة
الطبيب وحسن أن يكون هذا الطبيب (المبشر) في جانب المريض عندما يكون في
حالة الاحتضار التي لا بد أن يبلغها كل واحد من أفراد البشر.
ثم خطبت المس (أناوستون) فتكلمت عن إرسالية التبشير الطبية في مدينة
(طنطا) قائلة: إن 30 في المئة من الذين يعالجون في مستشفى هذه الإرسالية هم
من الفلاحين المسلمين وأكثرهم من النساء. أما طريقة التبشير في هذا المستشفى
فهي أن يذكر الإنجيل للمرضى بأسلوب بسيط لا يدعو إلى التطرف في المناقشة،
إذ المستشفى يجمع بين جدرانه نساء ورجالاً.
***
الأعمال النسائية في التبشير
كان لهذا الموضوع اهتمام كبير من أعضاء المؤتمر؛ لأنه خاص بنصف
مسلمي العالم. فقالت المس (ولسون) : إن النساء المبشرات يستعن في الهند
بالمدارس وبالعيادات الطبية وزيارة قرى الفلاحين لينشرن النصرانية بين طبقات
الناس.
وخطبت المس (هلداي) في حث المبشرين على الرفق بالمرأة المسلمة
وتناولت السيدات المبشرات الخطابة في أخبار نجاحهن في المناطق التي انتدبن فيها
. فقالت إحداهن: إن المسلمات الفارسيات يظهرن ميلاً شديدًا للعلم بالرغم من
جهلهن باتساع نطاقه، وهن يعتقدن أن الذي يعرف جغرافية البلاد نابغة ولقصة
الابن المسرف التي في الإنجيل وللمزمار الحادي والخمسين تأثير شديد على النفس
المسلمة.
وقالت مبشرة أخرى: إن مدرسة البنات البروتستانتية في الخرطوم فيها من
80 إلى 90 تلميذة مسلمة. ولأهلهن الحرية في السماح لهن بقراءة العهد الجديد
(الإنجيل وذيوله) أو في منعهن من ذلك. إلا أن المدرسة في هذه السنة لم يرد عليها
طلب استثناء واحدة من التلميذات من قراءة الإنجيل.
وانتقل المؤتمر بعد ذلك إلى موضوع تربية النساء اللائي يتطوعن للتبشير.
***
المتنصرون والمرتدون
تساءل القسيس (جون فان أيس) عن الأركان التي يشترط توفرها في
الشخص المتنصر. أو النصراني الشرقي الذي يدخل في المذهب البروتستانتي.
وبعد أن بحث في ذلك قال: إن (المحبة) التي يعرفها نصارى الشرق
تشوبها نزعة الاعتقاد بالقضاء والقدر وعقيدة الشرقيين عمومًا ضرب من الخرافات
وإن تكن مبادئ الإيمان موجودة لديهم جميعًا. ثم تساءل عما إذا كان المسلم
المتنصر أهلاً لنشر النصرانية؟ وأجاب على ذلك بأن هذا الأمر هو محك إخلاصه؛
لأن نشر الدعوة أمر تقتضيه روح الإسلام وبهذا كان الإسلام دين دعوة وتبشير،
وكنت أتمنى لو انتفعنا بهذه المزية وأدخلناها في النصرانية.
وتناقش المؤتمر بعد ذلك بشأن المتنصرين المضطهدين ووسائل استخدام
المخلصين منهم وإدخال الأطفال الذين اعتنقوا المذهب البروتستانتي في المدارس
العادية والصناعية.
***
شروط التعميد
بسط القسيس (حسب) القول في هذا البحث وسأل عن الشروط التي يجب
أن تتوفر في المسلم المتنصر ليكون أهلاً للتعميد. ثم قال: إن المبشرين الكاثوليك
يعمدون الناس ليجعلوهم مسيحيين أما نحن فنعمدهم لأنهم مسيحيون.
وذكر بعد ذلك أيام التجربة والمعلومات الدينية التي يجب على المتنصر
معرفتها وبحث فيما إذا كان يحق له أن يتلقى سر التناول (أي تناول القربان الذي
هو جسد المسيح ودمه) .
واستطرد المؤتمر إلى مسألة تعدد الزوجات عند المسلمين. وتكلم عن موقف
المرأة التي تعمد زوجها هل يفرق الإسلام بينها وبينه أم لا. وعما إذا كان يجوز
للمتنصر أن يتزوج مرة ثانية. فتقرر أن هذه المسائل عويصة، وقد سبق الخوض
فيها في مؤتمر (لمبث) سنة 1888 وأن الظروف تقضي باعتبار المسلم المتنصر
وهو ذو زوجات متعددة بأنه تحت التجربة إلا إذا كان تنصره في ساعة الاحتضار.
أما هذه المسائل نفسها فقد تركت بدون حل.
***
كيف يتقرب المسلمون؟
خطب القسيس (هاريك) في هذا الموضوع فعرض على المؤتمر نتيجة
أبحاثه التي أجراها في بلاد السلطنة العثمانية فمنها أنه عرف أن لا فائدة لطريقة
المناظرة والجدل التي وضعها الدكتور (بفندر) المبشر ولم يكن من نتائجها غير
وقوف الحكومة العثمانية في وجه المبشرين والذين ينتمون إليهم. أما ترجمة
الإنجيل وكتب التبشير إلى اللغة التركية بدون مناقشة ومجادلة فكانت أكثر فائدة
وأعم نفعًا. وقد تبين أنه بمجرد اشتراء المسلمين لهذه الكتب ومطالعتهم لها صارت
تتبدد أوهامهم! القديمة.
ثم قال: إن الجدل والمناظرة يبعدان (المحبة) التي لها وقع كبير على قلوب
الأغيار وتأثير عظيم في نشر النصرانية. فالمحبة والمجاملة هما آلة المبشر؛ لأن
طريق الاعتقاد غايته دائمًا هي قلب الإنسان.
وقال بعد ذلك: يرى بعضهم أن الموازنة بين حياة وأخلاق الأمم النصرانية
وحياة وأخلاق الأمم الإسلامية تنتج دائمًا رجحان النصرانية على الإسلام، وأنا
أيضًا أوافق على رأي هؤلاء ولكن من الوجهة المادية. وفي هذه الأيام نجد جمهورًا
عظيمًا من متنوري المسلمين يرغب في المناظرة والجدل. والعثمانيون يشيرون
بازدراء إلى ما حدث في بلاد الروس النصرانية في السنة الماضية خصوصًا في
أودسا (يريد اضطهاد نصارى روسيا ليهودها) ويقولون لنا: (هذه هي
نصرانيتكم وأنتم الذين كنتم قبل زمن قليل تتهموننا بلا شفقة بأننا أرقنا قليلاً من
الدماء أثناء اشتغالنا بقمع فتنة) وعلق القسيس على ذلك بوجوب تحلي حياة المبشر
بمبدأ المسيحية قبل أن يعنى بالأمور النظرية كيما يظهر للمسلم أن النصرانية ليست
عقيدة دينية ولا دستورًا سياسيًّا بل هي الحياة كلها، وأنها تحب العدل والطهر
وتمقت الظلم والباطل - نفتح للمسلم مدارسنا ونتلقاه في مستشفياتنا ونعرض عليه
محاسن لغتنا ثم نقف أمامه منتظرين النتيجة بصبر وتعلق بأهداب الأمل. إذ المسلم
هو الذي امتاز بين الشعوب الشرقية بالاستقامة والشعور بالمحبة ومعرفة الجميل.
بهذه الطريقة فقط يمكن للمبشر أن يدخل إلى قلب المسلمين. ولو أن أحدًا
أظهر لنا شغفًا وميلاً عظيمًا إلى طرد كل العثمانيين من أوربا ومن وجه الأرض
كلها يجب أن نجيبه قائلين: بل سنتحد إن شاء الله مع العثمانيين وندعوهم بكل
إخلاص للاشتراك معنا في اقتباس أنوار النصرانية.
***
موضوعات تبشيرية
خاض المؤتمر بعد إتمامه الموضوع السابق في موضوعات كثيرة منها كيفية
عرض العقيدة النصرانية والمناظرة فيها والوسائل التي يجدر التذرع بها لنشر
مبادئها والتحكك بالنفوس الإسلامية والوقوف أمام صبغة الإسلام. والصفات التي
ينبغي أن يتصف بها مبشر المسلمين بالنصرانية والإنجيل.
ثم قال القسيس (ثرونتن) وعرض على المؤتمر هذه النظريات الأولية:
1-
الشعب البسيط يلزمه إنجيل بسيط.
2-
الشرق سئم المجادلات الدينية.
3-
الشرق يحتاج إلى دين أخلاقي روحي واستنتج من هذه النظريات القواعد
الآتية:
1-
يجب أن لا نثير نزاعًا مع مسلم.
2-
يجب أن لا يحرض المسلم على الموافقة والتسليم بمبادئ النصرانية إلا
عرضًا وبعد أن يشعر المبشر بأن الشروط الطبيعية والعقلية والروحية قد توفرت
في ذلك المسلم.
3-
إذا حدت سوء تفاهم حول الدين المسيحي فيجب أن يزال في الحال ولو
أفضى الأمر إلى المناقشة.
أما (لفروا) أسقف مدينة لاهور فيرى أن المبشر الذي يعد نفسه لمجادلة
المسلمين في أمور الدين يجب أن تتفوق فيه الصفات الأخلاقية والاستقامة التامة
على المزايا العقلية. وأن يكون مقتنعًا بصحة البراهين التي يحتج بها وأن يكون
صحيح المجاملة وأن يضع الأمل بالفوز على خصمه نصب عينيه ويحاول حمل
خصمه على الخضوع للحقيقة.
وهذا الأسقف يستنكر قسوة التعاليم القديمة ويرى أنها كانت ترمي إلى التغلب
على العدو لا إلى اكتساب مودته. ثم قال: ويظهر لي أن كثيرًا من إخواننا
المبشرين يريدون أن يبشروا الناس برشقهم بالحجارة لا بعرض الحقيقة عليهم. نعم
إن هذه الطريقة قد تفيد ولكني أشك في موافقتها للتبشير وبما ينتج عنها من الحالات
النفسية.
وختم كلامه قائلاً: يجب على المبشر أن يتذرع بالصبر والسكينة وأن يكون
حاكمًا على عواطفه إلى الغاية القصوى. وأن لا يخالج نفسه أقل ريب في أنه هو
الذي سيفوز.
وهذا كان آخر مناقشات المؤتمر ثم قام القسيس (زويمر) رئيس المؤتمر
وقال:
(إن انعقاد هذا المؤتمر كان بالتقريب نتيجة لأعمال (شبان التبشير
المتطوعين) . أما البحث في أحوال العالم الإسلامي وتبشيره بالنصرانية فقد سبق
الخوض فيه في مؤتمر (كلفلند) . وهذه الخريطة التي نراها أمامنا الآن موسومة
باسم (خريطة تنصير العالم الإسلامي في هذا العصر) قد بعثت الأمل في قلوب
ألوف من الطلبة في مؤتمر (ناشفيل) الذي انعقد في شهر فبراير الماضي والتبشير
متوقف على وجود زمرة من المبشرين المتطوعين يقفون حياتهم ويضحونها في هذا
السبيل) ثم ختم كلامه راجيًا أن يكون لندائه صَدى في المدارس الجامعة في أوربة
وأميركة.
***
(4)
العالم الإسلامي اليوم
هذا عنوان كتاب نشره القس (زويمر) رئيس إرسالية التبشير في البحرين
بمؤازرة زملائه - جمعوا فيه تقارير ومباحث تاريخية واجتماعية كتبها المبشرون
عن حال المسلمين القاطنين في مناطقهم التبشيرية. وتتلو هذه التقارير خلاصة عن
أعمال المبشرين التي قاموا بها في الأصقاع المختلفة وما نتج عنها من انتشار الدين
المسيحي.
وقد أنشأ جامعو هذا الكتاب مقدمة له ألحوا فيها بضرورة تنصير المسلمين
الذين أهمل المبشرون أمرهم. وهذه الفكرة قد توسع بها أخيرًا إمبراطور أهم
إمبراطورية أوربية في خطاب ألقاه على بعض المبشرين (يريد إمبراطور ألمانية)
فكانت تشف عن الحكم على الإسلام من الوجهة الأخلاقية عامةً والدينية خاصةً أما هذه الفكرة فهي أنه لم يسبق وجود عقيدة مبنية على التوحيد أعظم من عقيدة
الدين الإسلامي الذي اقتحم قارتي آسية وأفريقية الواسعتين وبث في مئتي مليون
من البشر عقائده وشرائعه وتقاليده وأحكم عروة ارتباطهم باللغة العربية
أصبحوا كالأنقاض والآثار القديمة المتراكمة على جبل المقطم أو هم كسلسلة
جبال تناطح السحاب وتطاول السماء مستنيرة ذرواتها بنور التوحيد
ومسترسلة سفوحها في مهاوي تعدد الزوجات وانحطاط المرأة! ؟
تلك هي الفكرة التي أشار إليها ناشرو الكتاب في المقدمة وأردفوها بقولهم:
إن الكنيسة المسيحية ارتكبت خطأ كبيرًا بتركها المسلمين وشأنهم إذ ظهر لها
أن أهمية الإسلام في الدرجة الثانوية بالنسبة إلى ثمانمائة مليون وثني - رأت أن
تشتغل بهم - رأت هذا وهي لم تعرف عظمة الإسلام وحقيقة قوته وسرعة نموه إلا
منذ ثلاثين سنة فقط.
على أن أبواب التبشير صارت مفتوحة الآن في ممالك الإسلام الواقعة تحت
سلطة النصرانية مثل الهند والصين الجنوبية الشرقية ومصر وتونس والجزائر.
وإن في العالم 140000000 مسلم يرتقبون الخلاص؟ !
وفي هذه المقدمة بعض ملاحظات ونصائح للمبشرين منها:
1-
يجب إقناع المسلمين بأن النصارى ليسوا أعداء لهم.
2-
يجب نشر الكتاب المقدس بلغات المسلمين؛ لأنه أهم عمل مسيحي. على
أنه قد تم جزء من هذه المهمة بعد أن طبع في بيروت 46 مليون صفحة من الكتاب
المقدس.
3-
يجب أن يكون تبشير المسلمين بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين
صفوفهم؛ لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها؟
4-
ينبغي للمبشرين أن لا يقنطوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم للمسلمين ضعيفة إذ
من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوربيين وتحرير
النساء وأن تنصير أمثال (كامل) في بيروت و (عماد الدين) في الهند و (ميرزا
إبراهيم) في تبريز وأعمالاً أخرى من هذا القبيل من شأنها أن تولد لنا مجهودات
جديدة يجب علينا أن نحمد بسببها نعمة الله علينا.
***
الإسلام في مصر
هذا الفصل من كتاب (العالم الإسلامي اليوم) يتضمن ملخص أعمال
المبشرين البروتستان في مصر والوسائل التي يتذرعون بها والنتيجة التي توصلوا
إليها.
وأهم معاهد التبشير في مصر هو الذي أسسته (جمعية اتحاد مبشري أمريكا
الشمالية) سنة 1854 وكان المبشرون قد وضعوا نصب أعينهم تبشير المسلم
واليهودي والنصراني وقد استطاعوا أن يتحككوا بالمسلمين بواسطة مؤلفاتهم
ومدارسهم. فنشروا منذ 35 سنة كتاب (شهادة القرآن) ووزعوا بعض نسخ من
كتاب (الكندي) وكتاب (ميزان الحق) المطبوعين في إنكلترة.
ووضعوا في الأيام الأخيرة كتاب (الهداية) وهو في أربعة أجزاء ألف في
الرد على الذين طعنوا في النصرانية.
والمحاضرات العامة التي يقيمها المبشرون مرتين من كل أسبوع للموازنة
والمناظرة بين الإسلام والنصرانية يحضرها عدد عظيم من المسلمين ويسمح لهم
بأن يتكلموا.
وفي مدارس المبشرين في القطر المصري 3050 طالبًا مسلمًا وخُمس هؤلاء
من البنات المسلمات.
وكانت نتيجة هذه المجهودات منذ بداية التبشير إلى أيامنا هذه أن تنصَّر مئة
وخمسون مسلمًا وأهم ما وقع من ذلك سنة 1903 وسنة 1904 فقد تنصَّر في
الأولى 14 شخصًا وفي الثانية 12.
وفي سنة 1882 تأسس في مصر معهد علمي للتبشير تابع لجمعية (تبشير
الكنيسة) وله أربعة فروع الأول قسم طبي والثاني مدرسة للصبيان والثالث مدرسة
للبنات والرابع لنشر الإنجيل. وينشر مبشرو هذا المعهد مجلة أسبوعية وكراسات
ولهم مكتبة خاصة بهم.
والنتيجة الأولى لمساعي هؤلاء هي تنصير قليل من الشبان والفتيات ،
والثانية تعويد كل طبقات المسلمين أن يقتبسوا بالتدريج الأفكار المسيحية.
وبعد المعهدين السابق ذكرهما تأتي (جمعية تبشير شمال أفريقيا) وهذه
الجمعية أسست معهدًا في مصر سنة 1892 وأهم وظائفها تنصير المسلمين. ولهذه
الجمعية ثلاثة وكلاء في الإسكندرية واثنان في شبين الكوم. وأعمال هذا المعهد
قاصرة على فتح المدارس لتعليم الإنجيل بوجه خاص. وأن تزور المبشرات منازل
المسلمين وتجتمع بسيداتهم. وأن توزع المؤلفات والكتب التبشيرية على المسلمين.
وأن تلقى محاضرات دينية لدرس الإنجيل في أيام الأسبوع. وأن تقام الصلاة.
وهذا المعهد قد نجح في تنصير خمسة أشخاص.
وفي سنة 1898 تأسست (الجمعية العامة لتبشير مصر) وغايتها تنصير
المسلمين أيضًا ولها معاهد في الدلتا والسويس وتدير مدارس للصبيان والبنات
وتبث فيهم مبادئ النصرانية ولها خزائن كتب تحوي كتبًا عربية ذات علاقة
بالإسلام ولها مجلة شهرية منتشرة جدًّا وخاصة بالمسلمين. وفي كل يوم سبت
يطوف المبشرون للتفتيش.
وأقل إرساليات التبشير أهمية في القطر المصري الإرسالية الهولندية التي
توطنت في قليوب ، وفي مدارسها المتعددة تلاميذ من كل المذاهب ، وهي تنشر
الإنجيل في القرى بواسطة بائعي الكتب ، ومن أعمالها أنها أنشأت ملجأً للأيتام ،
وعنايتها متوزعة بين الأولاد المسلمين والنصارى على السواء.
أما العقبة الوحيدة التي تقف في سبيل إرساليات التبشير فهي أنه ليس لديها
قوة تزيل الضرر الذي يلحقها من مقاطعة المسلمين للمتنصرين وعدم إصغائهم لهم.
***
الإسلام وإرساليات الهند
من الذين ألفوا في هذا الموضوع المستر (م. وهري) فإنه تكلم عن حالة
التبشير في شمال الهند. وعن انتشار الإسلام ووسائط نشره وأشار إلى دراويش
جمعية (انجمن إسلام) وذكر التقدم الفكري والاجتماعي الذي حدث في هذه الجهات
وأن الإسلام عرقل سير هذه الميول.
ثم لخص هذا المبشر تاريخ التبشير في الهند فقال: إنه ابتدأ منذ مئة سنة
عندما نال (جيزوم كزافيه) اليسوعي إذنًا بالتبشير في لاهور ففتح باب الجدال في
مسائل التوحيد والتثليث وألوهية المسيح وصحة الكتب المقدسة. فتسبب عن ذلك
قيام (أحمد بن زين العابدين) وتأليفه كتاب (الأنوار الإلهية في دحض خطأ
المسيحية) .
إلا أن المبشر البروتستاني الذي يتكلم في تاريخ التبشير في الهند لم ترق له
الأعمال التي قام بها المبشرون الكاثوليك وقال: إن دفاعهم عن عقيدة عبادة العذراء
والآثار (ذخائر القديسين (أي بقايا عظامهم)) والصور عن الأماكن المقدسة كان
من شأنه إظهار النصرانية بغير مظهرها الحقيقي.
ثم جاء المبشر هنري مارتين فوضع أساسًا قويًّا للتبشير بالإنجيل فترجمه إلى
الفارسية والأوردية.
ثم جاء بعده (بفندر) فترجم كتابه (ميزان الحق) من الفارسية إلى
الأوردية وزاد عليه ترجمة كتاب (طريق الحياة) و (مفتاح الأسرار) وبهذا أثار
(بفندر) مجادلات شديدة مع علماء الإسلام في دهلي، وأكرا، ولكنهوء، وزلزل
بذلك إيمان كثير من المسلمين وإن يكن الذين تنصروا منهم قليلاً عددهم (!)
وأعان المبشرين في هذه المجادلات المسلمون المتنصرون مثل السيد مولوي صفدر
علي ومولوي عماد الدين وسيد عبد الله حاتم ومنشي محمد حنيف والدكتور بري
قدارخان.
وفي شمال الهند الآن ما لا يقل عن 12 جمعية تبشير بين إنكليزية وأمريكية
وأسترالية وكلها ترمي إلى غاية واحدة.
واجتهدت هذه الجمعيات بتنصير المسلمين منذ وطئت البلاد، ويتبين من
تقارير هذه الإرساليات أن من المسلمين المتنصرين من وصل إلى درجة المبشر،
وقد اختصت هذه الجمعيات المسلمين بكتب يطالعونها وهي معروضة لهم في
مكتبات التبشير.
وقد اشتد انتباه المبشرين إلى مكافحة الإسلام في الأيام الأخيرة فنمت فيهم
فكرة الاختصاص بتبشير المسلمين عن إثر كتابات الدكتور (مردوتش) وبادرت
جمعيات متعددة إلى إرسال مبشرين أخصائيين لهذا الغرض.
أما عدد المسلمين المتنصرين فلا تمكن معرفته من الاعتماد على الإحصائيات
ولكننا عثرنا في تقارير سنة 1904 على أسماء صار أصحابها قسيسين مبشرين،
وعدد المبشرين الذين هم من هذا القبيل 194 ويرى القارئ أسماء إسلامية في قوائم
أعضاء اللجان الدينية في (بشاور) وغيرها، وقرأ (المولوي عماد الدين) في
(برلمان الأديان) في شيكاغو سنة 1893 أسماء خمسين من المسلمين المتنصرين
الذين امتازوا بإخلاصهم للتبشير.
أما ثمرة التبشيرفي أواسط الهند فهي أضعف بكثير من ثمرة التبشير في شمال
الهند بالرغم من اجتهاد (تبشير الكنيسة) التي في مِدراس وحيدر آباد، وبالرغم من
تفاني إرسالية (تبشير الكنيسة) التي تبشر النساء فكل المتنصرين في أواسط الهند
عدد قليل في جهتين أو ثلاث، وفوق ذلك فإنه يكثر في هذه الجهات ارتداد
النصارى إلى الإسلام لأسباب مالية ومصالح شخصية، وجمعية (انجمن إسلام)
تنجح دائمًا بما لها من النشاط في حمل عدد كبير من الهندوس والمسيحيين على
اعتناق الإسلام.
ومؤتمر المبشرين الذي عقد في القاهرة لم يَفُتْه البحث في حركة الإصلاح
التي دخلت في مسلمي الهند والإشارة إلى (السير سيد أحمد خان) زعيم تلك
النهضة وما تبذله مدرسته الإسلامية في عليكدة ومؤتمر التربية الإسلامية.
ولقد خطب القسيس (ويتبرتشت) في مؤتمر القاهرة بموضوع (الإسلام
الجديد) فذكر أن تعاليم أوربة تقرب المسلمين من النصرانية ثم قال:
1-
يحب علينا أن ننشئ جسرًا فوق الهاوية التي تفصل بين العناصر
وللتوصل إلى ذلك يجب أن ننتفع من وجود الطلبة المسلمين في إنكلترة.
2-
أن يدرس الإنجيل على حدة أو على جماعات قليلة العدد.
3-
أن تلقى محاضرات ودروس منظمة بمراقبة رجال ممتازين، وأن
تصرف العناية إلى المناقشات.
4-
توسيع نطاق المطبوعات بالأوردية مثل مجلة (ترقي) وأن يترجم تاريخ
التوراة للدكتور بلاك وأن يتذرع لترويج ذلك بنشر الجرائد والكتب الإنكليزية التي
يأنس بها المسلمون.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(*) نشرنا في الجزء الماضي طائفة من هذه المقالات وسنبدي رأينا فيها بعد تمام نشر جميعها في المنار.
(1)
كنت قرأت في كتاب (الإسلام) لهنري دي كاستري أن مما يجب أن يقوله مسلم يتنصر عبارة معناها أنه يكفر بإله محمد فظننتها كلمة آثارها التعصب والتقبيح على دين يخالف دين واضعها وأن فكرة الانتقام كانت مستولية عليه حين وضعها ولم أكن أفكر بأن يقول مثل (زويمر) في هذه الأيام التي احتك فيها العالم بعضه ببعض وخصوصًا من (كرس) نفسه (للكرازة) في الإسلامية ووقف على ما يقوله المسلمون بإلههم وإله آبائهم الله الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام وإذا كان معبودًا وإلهًا إنما تعرف صفاته من كتابها الذي تديه به فهاك النصوص القرآنية على قداسته جل وعلا، فمنها في سورة 2: 30 [وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ](البقرة: 30) وس 59: 24 [هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ](الحشر: 23) إلخ وس 62: 1 [يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ](الجمعة: 1) وس 20: 12 [فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ](طه: 12) وس 79: 17 [إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ](النازعات: 16) وس 5: 24 [يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ](المائدة: 21) ومن المعلوم أن غير المقدس لا يعطي القداسة لأن (فاقد الشيء لا يعطيه) وأما المحبة فهاك بعض النصوص القرآنية عليها أيضًا قال تعالى في س 2: 222 [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ](البقرة: 222) وفي س 3: 31 [فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ](آل عمران: 31) وس 3: 76 [بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ](آل عمران: 76) وس 3: 159 [فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ ٍ](آل عمران: 159) وس 5: 58 [فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ](المائدة: 54) إلخ هذا وإن قداسة الله تعالى ومحبته مخلوقاته ومحبة المؤمنين إياه تعالى معلومة بالضرورة عند جميع المسلمين ولكننا أتينا بهذه النصوص ليراها مثل (زويمر) ثم إننا نسأل (زويمر) قائلين: هل تريد بالقداسة أن ينال الإنسان الأول (آدم) أخص صفات الإله بمجرد أكله من تلك الشجرة كما جاء في التكوين اص 3: 5 قول الحية لآدم وامرأته: بل الله عالم أنكما يوم تأكلان منها (الشجرة) تنفتح أعينكما وتكونان كالله (وصدقها الله بذلك كما جاء في تك 3: 22 (هو ذا آدم صار كواحد منا) وهل من القداسة أن يحمله الخوف من أن يكمل آدم صفات الألوهية بأكله من شجرة الحياة كما جاء في تك 3: 22 (والآن يمد يده فيأخذ من شجرة الحياة ويأكل ويحيا إلى الأبد) فيطرده من الجنة ويقوي الحرس عليها خوفًا من رجوع آدم إليها ثانية وأكله من الشجرة تك 3: 24 (وأقام شرقي جنة عدن الكوربين ولهيب سيف متقلب لحراسة شجرة الحياة) ثم هل الرحمة بأن يجعل على آدم وامرأته وذريتهما ذلك القصاص الصارم بأن يأكلوا خبزهم من الحسك والشوك وأن يلعن الأرض بسببه؟ تك 3: 17 (وقال الرب الإله لآدم: لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة - إلى قوله -: ملعونة الأرض بسببك بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك) إلى 18 و19 وأن يكثر أوجاع حواء وبناتها تك 3: 16 (وقال للمرأة تكثيرًا أكثر إتعاب حَبَلك) إلخ وكذلك قصاص الحية (تك 3: 14) وقال الرب الإله للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت (إلخ مع أنها لم تقل إلا حقًّا فكان هذا القصاص لم يكن فيه شيء من الرحمة لاسيما وأنه كان قصاصًا أبديًّا؛ لأن تلك الخطيئة (أكل آدم من الشجرة) لم تكن قابلة للغفران أصلاً بدليل أن ذلك القصاص لايزال واقعًا مشاهدًا في ذرية آدم والحية معًا ولم يؤثر شيء من التجسد ولا نفعت تلك المصالحة في هذا الموضوع شيئًا؛ لأن الرب الإله لم يجعل قصاصًا لذلك الذنب غير لعن الأرض وطرد آدم من الفردوس إليها ليعمل فيها بالتعب؛ حيث تنبت له الحسك والشوك إلخ وهذه الأشياء لاتزال واقعة حاصلة لم تتغير اللهم إن إلهًا هذه قداسته وهذه محبته لَمِمَّا لا يعبد اختيارًا وإنما يخضع له كما كان الناس ولايزالون يخضعون للملوك القساة المستبدين الظالمين، وأي عاقل يحسد زويمر على إلهه هذا؟ ربما يقول زويمر بأن إلهه إنما هو إله العهد الجديد وإننا نحوله حينئذ على كتاب (دين الله في كتب أنبيائه) وكتاب (العقائد الوثنية في الديانة النصرانية) ليعلم منهما قداسة ومحبة آلهة كثيرين كإلهه هذا وإننا نبرأ إلى الله مما جرى به القلم في مجاراة ومجالدة هذا القس ليعلم العالم أن روح قسس العصور المظلمة التي أثارت الحروب الصليبية قد دخلت في أجسام هؤلاء الدعاة وإنهم مهما علموا من فضل الإسلام فإنهم لا يرجعون عن الافتراء عليه فهم ضالون على علم.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
صالح مخلص رضا