المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌رسالة تنزيه الذات والصفات من درن الإلحاد والشبهاتلبعض علماء نجد - مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الرابع، القسم الثاني)

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين للشيخ حمد بن ناصر

- ‌رسالة تنزيه الذات والصفات من درن الإلحاد والشبهاتلبعض علماء نجد

- ‌رسالة فيما هو الميثاق الذي أخذ الله على بني آدم

- ‌مسائل وفتاوى فقهية في الطهارة والجمعة والأضحية والتغليس والوقف واللقطة والتغليس والوقف واللقطة والصّلح للشيخ حسن بن حسين

- ‌الرد على المدعو عبد المحمود البخاري فيما موّه به من أقوال الإتحادية والمشركين لأحد علماء نجد

- ‌رسالة في العهد والأمان لبعض علماء نجد

- ‌مسائل وفتاوى في الطلاق والخلع، والشهادات والعينة، وشروط الصلاة وغيرهالأحد علماء نجد

- ‌مسائل وفتاوى فقهية لبعض علماء نجد

- ‌مسائل وفتاوي أخرى لبعض علماء نجد

- ‌مسائل وفتاوى في القراءة لأحد علماء نجد

- ‌مسائل وفتاوى في الطلاق والعدة والإجارة والثمار والعاقلة والتيمم للشيخ سعيد بن حجي

- ‌رسالة في الرد على صاحب جريدة القبلة لأحد علماء نجد

- ‌الكلام المنتقى مما يتعلق بكلمة لا إله إلا الله للشيخ سعيد بن حجي

- ‌مسائل وفتاوى ويليه رسالة في دحض شبهات على التوحيد من سوء الفهم لثلاثة أحاديث

- ‌رسالة في حكم من يكفر غيره من المسلمين والكفر الذي يعذر صاحبه بالجهل للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن

- ‌فتاوى ومسائل فقهية مختلفة "لبعض علماء نجد

الفصل: ‌رسالة تنزيه الذات والصفات من درن الإلحاد والشبهاتلبعض علماء نجد

‌رسالة تنزيه الذات والصفات من درن الإلحاد والشبهات

لبعض علماء نجد

الأعلام

معنى قوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

بسم الله الرحمن الر حيم

الحمد لله الذي خلق الإنسان لعبادته، وشرفه بخطابه ورسالته، وأمره ونهاه، وألهمه فجوره وتقواه، لما أراده منه وقدره عليه؛ ليكون مصيره ومنتهاه إليه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

"أما بعد":

فقد قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} 1 أي: إن الله –سبحانه- غني كريم عزيز حكيم، فهو محسن إلى عبده مع غنائه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر لا لجلب منفعة، ولا لدفع مضرة، بل رحمة منه وإحسانا، فهو –سبحانه- لم يخلق خلقه ليستكثر بهم من قلة، ولا ليعتز بهم من ذلة، ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ولا ليدفعوا عنه، بل ما خلقهم "إلا ليعبدوه" حق عبادته.

وأما العباد فإنهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته وانتفاعه به عاجلا أو آجلا، ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه، فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه، وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى وصول ذلك الإحسان إليه، فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل فهو محتاج إلى ذلك الجزاء معاوضا بإحسانه، أو لتوقع حمده وشكره، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى غيره، وإما أن يريد الجزاء من الله في الآخرة، فهو –أيضا- محسن إلى نفسه بذلك كما قال –تعالى-:{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ} 2 وقال –تعالى-: {مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} 3 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه عزوجل "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن

1 سورة الذاريات آية: 56، 58.

2 سورة الإسراء آية: 7.

3 سورة البقرة آية: 272.

ص: 664

إلا نفسه" 1 وقال –تعالى-: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} 2 أي: لعبا وباطلا لا لحكمة، وهو منصوب على الحال، أي: عابثين، وقيل: للعبث، أي: لتلعبوا وتعبثوا كما خُلِقَت البهائم لا لثواب ولا عقاب، وهو مثل قوله: {أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} 3 وإنما خلقتم للعبادة، وإقامة أوامر الله –تعالى- واجتناب نواهيه و" حسبتم: {أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} 4 في الآخرة لنجازيكم بما عملتم، ولولا ذلك اليوم لما تميَّز المطيع عن العاصي، والصديق عن الزنديق، ويكون هذا الخلق عبثا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وأول ما يقرع سمعك في المصحف من الأمر -بعد ما بيَّن الله مراتب الخلق بين مؤمن وكافر ومنافق-: {اأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 5 وقال –تعالى-: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} 6 أمر –تعالى- بعبادته وحده لا شريك له، فإنه الخالق الرازق المتفضل على خلقه بآلائه في جميع الحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه في عبادته لا يشركوا به شيئا من مخلوقاته، كما قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ:"أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا. ثم قال: أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم"7.

الاخلاص والاتباع شرطا العبادة

وللعبادة شرطان:

"أحدهما": الإخلاص في العمل لقوله –تعالى-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} 8 أي: الملة المستقيمة، والشريعة المتبعة، وإنما أضاف الدين للقيمة، وهي نعته لاختلاف اللفظين، وأنَّث القيمة ردا إلى الملة، وقيل: القيمة جمع القيم.

واحتجَّ بهذه الآية من قال: الإيمان عبارة عن القول والاعتقاد، والعمل هو الدين؛ لأنه –تعالى- ذكر في هذه الآية مجموع هذه الثلاثة قال:{وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} 9 أي: وذلك المذكور دين القيمة؛ لأن الدين هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان

1 مسلم: البر والصلة والآداب "2577".

2 سورة المؤمنون آية: 115.

3 سورة القيامة آية: 36.

4 سورة المؤمنون آية: 115.

5 سورة البقرة آية: 21، 22.

6 سورة النساء آية: 36.

7 البخاري: التوحيد "7373"، ومسلم: الإيمان "30"، والترمذي: الإيمان "2643"، وابن ماجه: الزهد "4296" ، وأحمد "3/260 ،5/228 ،5/229 ،5/230 ،5/234 ،5/236 ،5/238 ،5/242".

8 سورة البينة آية: 5.

9 سورة البينة آية: 5.

ص: 665

لقوله –تعالى-: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} 1 والإسلام هو الإيمان من وجهين.

"الأول": أن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولا عند الله لقوله –تعالى-: {مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} 2 ولكن الإيمان بالإجماع مقبول عند الله، فلا شك أنه عين الإسلام كما هو ظاهر.

"والوجه الثاني": قوله –تعالى-: {أَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} 3.

وقال بعضهم: الإشارة في ذلك راجعة إلى الإخلاص من قوله –تعالى-: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 4 وأما مجموع ما تقدم فهو الدين الكامل أي: المستقل بنفسه.

"والشرط الثاني": متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، كما قال –تعالى-:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} 5 وقال –تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 6.

أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم

قال الأخفش في قوله: "عن أمره" صلة، والمعنى يخالفون أمره صلى الله عليه وسلم وقال غيره: عن أصلية، والمعنى يعرضون عن أمره، ويميلون عن سنته، وقال –تعالى-:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 7.

وكان سبب نزول قوله –تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ} 8 الآية، أنه كان صلى الله عليه وسلم يُعَرِّضُ في الخطبة بالمنافقين ويعيبهم، فإذا سمع المنافقون ذلك خرجوا ولم يصلوا.

"والثانية": نزلت في أموال الفيء والغنيمة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهو عام في كل ما أمر به صلى الله عليه وسلم ونهى عنه من قول وعمل، كما هو جارٍ في جميع الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين، فكيف وقد أوجب الله طاعته بقوله –تعالى-:{اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} 9؟ قال ابن عباس وجابر: "هم الفقهاء والعلماء الذين يُعَلِّمُون الناس معالم دينهم على شريعته ومنهاجه"، وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد مستدلين على ذلك بقوله: {وَلَوْ

1 سورة آل عمران آية: 19.

2 سورة آل عمران آية: 85.

3 سورة الذاريات آية: 35، 36.

4 سورة الأعراف آية: 29.

5 سورة آل عمران آية: 31.

6 سورة النور آية: 63.

7 سورة الحشر آية: 7.

8 سورة النور آية: 63.

9 سورة النساء آية: 59.

ص: 666

رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ} 1.

وقال أبو هريرة: "هم الأمراء والولاة الذين يُعَلِّمُون ويحكمون بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه "حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا".

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني"2.

وعن نافع عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"3.

وقال عبادة بن الصامت: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في اليسر والعسر، وأن نقوم –أو نقول- بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم"4.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اسمع وأطع ولو لعبد حبشي كأن رأسه زبيبة"5.

وعن أبي أمامة قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: يا أيها الناس اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أَمْرِكُمْ تدخلوا جنة ربكم"6.

فطاعة هؤلاء من طاعته صلى الله عليه وسلم الواجبة على كل مكلف، وقال –تعالى-:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 7 أي: إلى كتاب الله وإلى رسوله في حياته، وبعد وفاته إلى سنته.

وجوب رد المتنازع فيه إلى الله ورسوله

وقال مجاهد -وغير واحد من السلف-: هذا أمر من الله عزوجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه يرد التنازع في ذلك إلى كتاب الله

1 سورة النساء آية: 83.

2 البخاري: الأحكام "7137"، ومسلم: الإمارة "1835"، والنسائي: البيعة "4193" والاستعاذة "5510"، وابن ماجه: المقدمة "3" والجهاد "2859" ، وأحمد "2/244 ،2/252 ،2/270 ،2/313 ،2/342 ،2/386 ،2/467 ،2/471 ،2/511".

3 البخاري: الأحكام "7144"، ومسلم: الإمارة "1839"، والترمذي: الجهاد "1707"، وأبو داود: الجهاد "2626"، وابن ماجه: الجهاد "2864" ، وأحمد "2/17 ،2/142".

4 البخاري: الأحكام "7199"، ومسلم: الحدود "1709"، والنسائي: البيعة "4149 ،4151 ،4152 ،4153 ،4154"، وابن ماجه: الجهاد "2866" ، وأحمد "3/441 ،5/318 ،5/319 ،5/325"، ومالك: الجهاد "977".

5 البخاري: الأذان "693"، وابن ماجه: الجهاد "2860" ، وأحمد "3/114 ،3/171".

6 الترمذي: الجمعة "616" ، وأحمد "5/251 ،5/262".

7 سورة النساء آية: 59.

ص: 667

وسنة رسوله، كما قال –تعالى-:{مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} 1 فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله فهو الحق {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ} 2؛ ولهذا قال –تعالى-: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} 3 أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فدلَّ على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة، ولم يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله واليوم الآخر.

فالرد إلى الكتاب والسنة واجب لصريح الأمر، وتعليق الإيمان عليه وجودا وعدما؛ لأن الوعيد عائد إلى قوله:" فردوه" والشرط جوابه محذوف عند جمهور البصريين، أي: فردوه إلى الله وهو المتقدم عند غيرهم، كما جاء الوعيد في قوله:{لا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} 4 فالوعيد عائد إلى التحكيم، و"لا" أصلية، والمعنى: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف بعد ذلك، فعلى هذا يكون الوقف على "لا" تاما، وقيل: إن "لا" مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في:{لئلا يعلم} 5.

وقد جاء في الحديث: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به".

وسبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي الأسود قال: "اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب. فقال: نعم. فانطلقا إليه، فقال الرجل: يا ابن الخطاب: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال: ردنا إلى عمر فردنا إليك. فقال: أكذلك؟ فقال: نعم. فقال عمر: مكانك حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر، فقتله وأدبر الآخر فارا إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله: قتل عمر والله صاحبي، ولو ما أني أعجزته لقتلني. فقال رسول الله: كنت

1 سورة الشورى آية: 10.

2 سورة يونس آية: 32.

3 سورة النساء آية: 59.

4 سورة النساء آية: 65.

5 سورة الحديد آية: 29.

ص: 668

ما أظن أن يتجرَّأ عمر على قتل مؤمن"فأنزل الله: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} 1 الآية.

فهدر دم ذلك الرجل، وبريء عمر منه، فعلى هذا تكون الآية متعلقة بما قبلها، وهو أقرب للمقام من السبب الآتي ذكره، وبه قال مجاهد وعطاء والشعبي وغيرهم من علماء السلف.

وقيل: إن هذه الآية نزلت في أنصاري مجهول، وقيل: في حاطب بن أبي بلتعة الأنصاري البدري 2 حين اختصم مع الزبير عند رسول الله في سقيا ماء، فحكم صلى الله عليه وسلم للزبير فقال حاطب: ابن عمتك، فتلوَّن وجه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية.

وعلى هذا تكون الآية مستأنفة حينئذ "الراج مسايل الماء" 3 {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً} 4 قال مجاهد: شكا، وقال غيره: ضيقا {مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} 5 أي: انقادوا لأمرك.

1 سورة النساء آية: 65.

2 ليس في البدريين من الأنصار رجل اسمه حاطب بن أبي بلتعة، وإنما فيهم حاطب بن عمرو، كذا في هامش الأصل. ولكن لهذا القيل أصلا أخرجه ابن أبي حاتم من مراسيل سعيد بن المسيب -وهي أقوى المراسيل-، قال: نزلت في الزبير بن العوام، وحاطب بن أبي بلتعة، وأخذ بهذه الرواية الثعلبي وعنه الواحدي وغيرهما، وَعُدَّ بيانا لرواية البخاري عن عروة عن عبد الله بن الزبير أنه حدَّثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي –صلى الله عليه وسلم في شراج الجرة التي يسقون بها النخل إلخ، ولما كان حاطب هذا مهاجريا أنصاريا قال بعض العلماء في توجيه الجمع بين الروايتين: إنه كان حليفا للأنصار، وقد سمَّى هذا الأنصاري بعض الرواة بأسماء أخرى، منها قول الواحدي: إنه ثعلبة بن حاطب، وقال بعضهم: إنه كان من المنافقين، والصواب الاكتفاء باتهامه كما فعل البخاري.

3 صواب هذه الكلمة الشراج ككتاب، وهو مفرد جمعه شراج وشروج كبحار وبحور، وهي مسائل الماء التي اختصم فيها الزبير مع الأنصاري، ولم تذكر هنا، ولعلها سقطت من قلم النساخ.

4 سورة النساء آية: 65.

5 سورة النساء آية: 65.

ص: 669

معنى كلمة التوحيد " لا إله إلا الله "

وقال صلى الله عليه وسلم "وكل ما ليس عليه أمرنا فهو رد" 1 2 وقال صلى الله عليه وسلم "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" 3 أي: صاحبها فلا يعبد الله إلا بما شرع على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.

ومعنى لا إله إلا الله: توحيده في عبادته مع التبرئ من كل معبود سواه، كما أخبر الله عن نبيه إبراهيم عليه السلام بقوله –تعالى-:{إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} 4 وهذا هو الذي تضمَّنه قول لا إله إلا الله، فإنما دعت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة، واعتقاد معناها، والعمل به لا بمجرد قولها باللسان.

ومعناها: هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لما يُعْبَد من دونه، والبراءة منه كما حكى الله عن إبراهيم عليه السلام:{إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} 5 وقال صلى الله عليه وسلم "من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دونه حرم ماله ودمه وحسابه على الله" 6 رواه مسلم فحينئذ من لا يكفر بكل معبود سوى الله لا يحرم دمه وماله، ولا يكون مسلما بمجرد التلفظ بلا إله إلا الله إلا إذا أضاف إليها الكفر بما يعبد من دون الله، ولا بمعرفة معناها مع التلفظ بها بل ولا كونه لا يدعو إلا الله، ولم يكفر بما يعبد من دون الله لم يكن مسلما بذلك فلا يحرم ماله ودمه، فهذا أصل لا مرية فيما تضمنه، ولا شك فيه، وأنه لا يتم إيمان أحد حتى يعلمه، ويعمل به.

"فإن قيل": قد أنكر صلى الله عليه وسلم على أسامة قتله لمن قال: لا إله إلا الله؟

"فالجواب": أنه لا شك أن من قال: لا إله إلا الله من الكفار حُقِنَ دمه وماله حتى يتبين منه ما يخالف ما قاله؛ ولذا أنزل الله في قصته: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} 7 الآية، فإن تبيَّن التزامه لمعناها، وهو إفراد الإلهية والعبودية لله –تعالى- كان له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وإن تبيَّن خلافه لم يُحْقَنْ

1 البخاري: الصلح "2697"، ومسلم: الأقضية "1718"، وأبو داود: السنة "4606"، وابن ماجه: المقدمة "14" ، وأحمد "6/73 ،6/146 ،6/180 ،6/240 ،6/256 ،6/270".

2 المعروف من رواية البخاري ومسلم من حديث عائشة وغيرهما: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".

3 أبو داود: السنة "4607"، والدارمي: المقدمة "95".

4 سورة الزخرف آية: 26، 27.

5 سورة الزخرف آية: 26، 27.

6 مسلم: الإيمان "23" ، وأحمد "3/472".

7 سورة النساء آية: 94.

ص: 670

بمجرد التلفظ ماله ودمه، وهكذا كل من أظهر التوحيد وجب الكفُّ عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك.

وقوع الشرك في توحيد الألوهية دون الربوبية

واعلم أن التوحيد قسمان:

القسم الأول: توحيد الربوبية والخالقية ونحوها، ومعناه: أن الله وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون، ولا يجعلون لله فيه شريكا، بل هم مقرُّون به كما أخبر الله عنهم في غير موضع من كتابه.

والقسم الثاني: توحيد العبادة، ومعناه: إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادة الآتي بيانها، فهذا هو الذي جعلوا لله فيه شركاء، ولفظ شريك يشعر بالإقرار بالله –تعالى-.

فالرسل عليهم السلام بُعِثُوا لتقرير الأول، ودعاء المشركين لله عند قولهم في خطاب المشركين:{أفِي اللَّهِ شَكٌّ} 1 {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} 2 ولنهيهم عن شرك العبادة، وكذلك قال –تعالى-:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} 3 أي: قائلين لأممهم: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} 4 وحده {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 5 وهو كل ما يعبد من دون الله، فأفاد بقوله –تعالى-:{فِي كُلِّ أُمَّةٍ} 6 أن جميع الأمم لم ترسل إليهم الرسل، وتبعث إلا بطلب توحيد العبادة لا للتعريف بأن الله هو الخالق للعالم، وأنه رب السماوات والأرض، فإنهم مقرون بذلك؛ ولهذا لم ترد الآيات في الغالب إلا بصيغة استفهام التقرير نحو:{هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} 7 {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ} 8 {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} 9 {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} 10 {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} 11 {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ} 12 استفهام تقرير لهم؛ لأنهم به مقرون.

وبهذا يُعْرَف أن المشركين لم يتخذوا الأوثان والأصنام، ولم يعبدوها ولم يتخذوا المسيح وأمه، ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله –تعالى- في خلق السماوات والأرض وفي خلق أنفسهم، بل اتخذوهم أولياء يقربونهم إلى الله زلفى كما قالوه، فهم مقرون بالله –تعالى- في نفس كلمات كفرهم، وأنهم شفعاء عند الله –تعالى: {قُلْ

1 سورة إبراهيم آية: 10.

2 سورة فاطر آية: 3.

3 سورة النحل آية: 36.

4 سورة النحل آية: 36.

5 سورة النحل آية: 36.

6 سورة النحل آية: 36.

7 سورة فاطر آية: 3.

8 سورة النحل آية: 17.

9 سورة إبراهيم آية: 10.

10 سورة الأنعام آية: 14.

11 سورة لقمان آية: 11.

12 سورة فاطر آية: 40.

ص: 671

أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} 1 فجعل سبحانه وتعالى اتخاذهم للشفعاء شركا ونزَّه نفسه عنه؛ لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لم يأذن الله لهم في الشفاعة، ولا يغنون عنهم من الله شيئا؟

فصل في أنواع العبادة الأربعة ودعوة الرسل كلهم إلى جعلها كلها لله وحده

والعبادة أنواع: اعتقادية –وهي أساسها-: وذلك أن يعتقد أنه الرب الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، وأنه الذي لا شريك له، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وأنه لا معبود بحق إلا هو، وغير ذلك مما يجب له من لوازم الإلهية.

ومنها لفظية: وهي النطق بكلمة التوحيد، فَمَنْ اعتقد ما ذكر ولم ينطق بها لم يُحْقَنْ دمه ولا ماله، وكان كإبليس فإنه يعتقد التوحيد، بل ويقر به، ولم يمتثل أمر الله بالسجود فكفر، ومن نطق ولم يعتقد حُقِنَ ماله ودمه وحسابه على الله، وحكمه حكم المنافقين.

وبدنية: كالقيام والركوع والسجود في الصلاة، ومنها الصوم وأفعال الحج والطواف.

ومالية: كإخراج جزء من المال امتثالا لما أمر الله –تعالى- به.

وأنواع الواجبات والمندوبات في الأبدان والأموال والأفعال والأقوال كثيرة، لكن هذه أمهاتها.

وإذا تقررت هذه الأمور، فاعلم أن الله –تعالى- بعث الأنبياء عليهم السلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرُّون بذلك كما ذكرناه، ولم يعبدوا الأصنام بالخضوع لهم، والتقرب بالنذور والنحر لهم إلا لاعتقادهم أنها تقرِّبهم إلى الله، وتشفع لهم لديه، فأرسل الله الرسل تأمرهم بترك عبادة كل ما سواه، وأن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، والتقرب إليهم باطل، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده، وأمر عباده أن يقولوا:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} 2.

1 سورة يونس آية: 18.

2 سورة الفاتحة آية: 5.

ص: 672

ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله، وإلا كان كاذبا منهيا عن أن يقول هذه الكلمة، إذ معناها: نخصُّك بالعبادة ونفردك بها وهو معنى قوله: {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} 1 و {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} 2 لما عرف من علم البيان أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي: لا تعبدوا إلا الله ولا تعبدوا غيره، ولا تتقوا إلا الله، ولا تتقوا غيره -كما في الكشاف-.

فإفراد الله –تعالى- بتوحيد العبادة لا يكون إلا بأن يتم جميعها كلها له، والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستغاثة والاستعانة بالله وحده، واللجأ إلى الله، والنذر له، والنحر له، وجميع أنواع العبادة، ومن يفعل شيئا من ذلك لمخلوق من حي أو ميت أو جماد فقد أشرك في العبادة، وصار من يفعل له هذه الأمور إلها لعابديه، سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا أو شجرا أو قبرا أو جنيا، وصار بهذه العبادة أو بأي نوع منها عابدا لذلك المخلوق، وإن أقرَّ بالله وعبده، فإن إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك، وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم، فإن الله –تعالى- أغنى الشركاء عن الشرك لا يقبل عملا شورك فيه غيره، ولا يؤمن به عبد عَبَدَ معه غيره، كما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"3.

وقد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر، وأنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به إلى الرب –تعالى-، إلا ما ورد في حديث فيه مقال في حق نبينا صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك- فإنه قد أشرك مع الله غيره، واعتقد ما لا يحل اعتقاده؛ لقوله –تعالى-:{مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} 4.

1 سورة العنكبوت آية: 56.

2 سورة البقرة آية: 41.

3 مسلم: الزهد والرقائق "2985"، وابن ماجه: الزهد "4202" ، وأحمد "2/301 ،2/435".

4 سورة الكهف آية: 110.

ص: 673

وعن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بِقُرَابِ الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" 1 2.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم فليقرأ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} 3 إلى قوله: {َأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 4.

وعن معاذ بن جبل قال: "كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال صلى الله عليه وسلم إن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا. قلت: يا رسول الله: أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا" 5 أخرجاه في الصحيحين.

فصل في الشرك الأكبر بدعاء غير الله عز وجل

الدعاء اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة

ومما تساهل فيه الناس من أنواع العبادة دعاء المسألة الذي أخبر الله به سبحانه وتعالى عن موسى وهارون بقوله –تعالى-: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} 6 قال العلي العظيم: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} 7 أي: ما سألتماه {فَاسْتَقِيمَا} 8 على دعوة الله إلى أن يأتيهم العذاب.

وأخبر سبحانه وتعالى عن زكريا عليه السلام بقوله: {كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً} 9 أي: دعا {رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً} 10 أي: دعا الله سرا في

1 الترمذي: الدعوات "3540".

2 رواه الترمذي وحسنه، والحاكم: وقال صحيح الإسناد.

3 سورة الأنعام آية: 151.

4 سورة الأنعام آية: 153.

5 البخاري: الجهاد والسير "2856"، ومسلم: الإيمان "30"، والترمذي: الإيمان "2643"، وابن ماجه: الزهد "4296" ، وأحمد "3/260 ،5/228 ،5/229 ،5/230 ،5/234 ،5/236 ،5/238 ،5/242".

6 سورة يونس آية: 88.

7 سورة يونس آية: 89.

8 سورة يونس آية: 89.

9 سورة مريم آية: 2.

10 سورة مريم آية: 3.

ص: 674

قومه {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً} 1 وأخبر سبحانه وتعالى عن أيوب عليه السلام بقوله: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ} 2 أي: دعاه {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} 3 وقال –تعالى-: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} 4.

قال الجمهور: هو أمر بالدعاء الذي هو أخص من العبادة لقوله –تعالى-: {أَسْتَجِبْ لَكُمْ} 5 وقيل: إنه أمر بالعبادة التي هي أعم من الدعاء لقوله –تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} 6 فأجيب عن ذلك بأن الدعاء اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة، فما يتركه إلا مستكبر عن إظهار العبودية، ولمَّا عبَّر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة.

وعن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "الدعاء هو العبادة، ثم قرأ {وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} 7 أي: صاغرين أخرجه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ لم يسأل الله يغضب عليه" 8 أخرجه الترمذي وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" 9 أخرجه الترمذي.

استجابة الدعاء الذي كملت شروطه

فإذا استكملت شروط الدعاء حصلت الإجابة قطعا للوعد الحق؛ ولما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "ما من رجل يدعو الله إلا استجاب له، إما أن يعجله له في الدنيا، وإما أن يدخره له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا، ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل. قالوا: يا رسول: وكيف يستعجل؟ قال: يقول: دعوت ولم يستجب لي" وقال –تعالى-: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} 10.

قال ابن عباس: قال يهود المدينة، يا محمد، كيف يسمع ربنا دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام، وغلظ

1 سورة مريم آية: 4.

2 سورة الأنبياء آية: 83.

3 سورة الأنبياء آية: 83: 85.

4 سورة غافر آية: 60.

5 سورة غافر آية: 60.

6 سورة غافر آية: 60.

7 الترمذي: تفسير القرآن "3247"، وابن ماجه: الدعاء "3828".

8 الترمذي: الدعوات "3373"، وابن ماجه: الدعاء "3827".

9 الترمذي: الدعوات "3370"، وابن ماجه: الدعاء "3829".

10 سورة البقرة آية: 186.

ص: 675

كل سماء خمسمائة عام؟ فنزلت هذه الآية 1 وقيل: سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أو بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية بقوله: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} 2 أي: بالعلم لا يخفى عليه شيء.

وقال –تعالى-: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} 3 أي: المكروب من مرض وبلاء ونازلة من نوازل الدهر، فإذا نزلت بأحد نازلة بادر إلى الالتجاء والتضرع إلى الله –تعالى-؛ فيجيب دعوته؛ فيكشف ما به من مرض وكرب وبلاء؛ لأنه لا يقدر على تغيير الحال من فقر إلى غنى، ومن مرض إلى صحة، ومن ضيق إلى سعة، إلا القادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا يغلب {مَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} 4 تدعونه في جلب النفع وكشف الضر {قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} 5 أي: تتعظون.

وقال صاحب الكشاف: "الاضطرار الحال المحوجة إلى الالتجاء، اضطره إلى كذا، والفاعل والمفعول مضطر 6 وهو من أصابه مرض أو فقر أو نازل نزل به أحوجه إلى التضرع إلى الله"، وقال السيد:"الذي لا حول له ولا قوة"، والخلاف لفظي.

الآيات في إبطال الشرك بدعاء غير الله

وقال –تعالى-: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} 7 أي: ادعوهم ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم فإنهم {لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ} 8 من خير وشر {هُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} 9 أي: لا شريك ولا معين {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} 10 تكذيبا لهم حيث قالوا: {هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا} 11.

وقال –تعالى-: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} 12 القشرة الرفيعة التي على النواة {إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا} 13 على سبيل الفرض والتقدير؛ لأن لو حرف امتناع {مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} 14 أي: ما أجابوكم فيما

1 هذا الحديث لا يصح بل هو من الإسرائيليات.

2 سورة البقرة آية: 186.

3 سورة النمل آية: 62.

4 سورة النمل آية: 62.

5 سورة النمل آية: 62.

6 يعني: أن لفظ اسم الفاعل والمفعول واحد لا يظهر الفرق بينهما في النطق لسبب الإدغام.

7 سورة سبأ آية: 22.

8 سورة سبأ آية: 22.

9 سورة سبأ آية: 22.

10 سورة سبأ آية: 23.

11 سورة يونس آية: 18.

12 سورة فاطر آية: 13.

13 سورة فاطر آية: 14.

14 سورة فاطر آية: 14.

ص: 676

سألتموهم {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} 1 أي: يتبرءون منكم، ومن دعائكم {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} 2.

وقال –تعالى-: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ} 3 وذلك أن المشركين أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف، فاستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم، فقال الله عزوجل {قُلِ} 4 للمشركين {ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ} 5 أي: الجوع والقحط {وَلا تَحْوِيلاً} 6 إلى غيركم.

والمقصود من الآية حيث قالوا: ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله، فنحن نعبد هؤلاء المقربين إلى الله، وهم الملائكة، ثم إنهم اتخذوا لذلك الملك الذي عبدوه تمثالا وصورة، واشتغلوا بعبادته، فاحتجَّ على بطلان قولهم بهذه الآية، ثم قال –تعالى-:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ} 7 يعني: الذين يدعوهم المشركون {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} 8 أي: القربة والدرجة العليا، قال ابن عباس:"هم عيسى وأمه والعزير والملائكة". وقال ابن مسعود: "نزلت هذه الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم أولئك الجن، ولم يعلم الإنس بذلك، فتمسكوا بعبادتهم، فغيَّرهم الله من حال إلى حال، وأنزل هذه الآية". وقوله –تعالى-: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} 9 معناه: أي ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به، وقيل: أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله بالعمل الصالح، وعليه الأكثرون {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ} 10 أي: جنته {وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِ} 11 ناره كغيرهم، فإذا كان الملائكة والمسيح والعزير لا يقدرون على كشف الضر وجلب النفع فكيف بغيرهم؟!.

وقال –تعالى-: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ} 12 إن عبدته بشيء من أنواع العبادة {وَلا يَضُرُّكَ} 13 إن تركت عبادته {فَإِنْ فَعَلْتَ} 14 ما نهيتك عنه، فعبدت غيري، أو طلبت النفع، وكشف الضر من غيري {فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} 15 فهذا الخطاب، وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فالمراد به غيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يدعُ من دون الله شيئا ألبتة، فعلى

1 سورة فاطر آية: 14.

2 سورة فاطر آية: 14.

3 سورة الإسراء آية: 56.

4 سورة الإسراء آية: 56.

5 سورة الإسراء آية: 56.

6 سورة الإسراء آية: 56.

7 سورة الإسراء آية: 57.

8 سورة الإسراء آية: 57.

9 سورة الإسراء آية: 57.

10 سورة الإسراء آية: 57.

11 سورة الإسراء آية: 57.

12 سورة يونس آية: 106.

13 سورة يونس آية: 106.

14 سورة يونس آية: 106.

15 سورة يونس آية: 106.

ص: 677

هذا المعنى المراد: ولا تدع من دون الله أيها الإنسان ما لا ينفعك ولا يضرك.

إبطال ما تعلق به المشركون في اتخاذهم آلهة من دون الله

وقال –تعالى-: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ} 1 يعني: الأصنام لا تجيب دعاء عابديها فيما يسألونها {لَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} 2 أي: لا تجيبهم {وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} 3 أي: لا يسمعون ولا يفهمون {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} 4 أي: جاحدين، وكل مَنْ دعا من دون الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك؛ لأن الدعاء اعتراف بالعبودية، فبدعائه له صيَّره إلها.

وقال –تعالى-: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} 5 يعني: دعوة الصدق، وقال علي:"دعوة الحق: التوحيد". وقال ابن عباس: "دعوة الحق: شهادة أن لا إله إلا الله". والخلاف بينهما لفظي، وقال صاحب الكشاف: دعوة الحق فيها وجهان:

"أحدها": أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل على أن الدعوة ملابسة للحق مختصة به، وأنها بمعزل عن الباطل، والمعنى أن الله يدعى؛ فيستجيب الدعوة، ويعطي الداعي سؤاله.

"والوجه الثاني": أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو الله على معنى دعوة الحق الذي يسمع ويجيب، وعن الحسن أنه الحق، وكل دعاء إليه دعوة الحق.

{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} 6 أي: يدعونهم من دون الله {لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْء} 7 أي: لا يجيبونهم فيما يسألونه منهم من نفع ودفع ضر إذا دعوهم {إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} 8 يعني: أن استجابتهم لهم كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جمادا لا يحس دعاءهم، ولا يستطيع إجابتهم، وقيل: شبههم في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيده ليشرب به، فبسطهما ناشرا أصابعه، لا يكون منه في يده شيء، كذلك الذي يدعو الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ولا بيده منها شيء، وقال مجاهد:"كالعطشان الذي يرى الماء بعينه من بعيد، وهو يشير بكفيه إلى الماء، ويدعوه بلسانه، فلا يأتيه أبدا". وقال عطاء: "كالعطشان الجالس على شفير البئر، وهو يمد يده إلى الماء فلا هو يبلغ

1 سورة الأحقاف آية: 5.

2 سورة الأحقاف آية: 5.

3 سورة الأحقاف آية: 5.

4 سورة الأحقاف آية: 6.

5 سورة الرعد آية: 14.

6 سورة الرعد آية: 14.

7 سورة الرعد آية: 14.

8 سورة الرعد آية: 14.

ص: 678

الماء، ولا الماء يرتفع إليه، فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء، ودعاؤه له، كذلك الذين يدعون الأصنام لا ينفعهم دعاؤهم". وقال ابن عباس:"كالعطشان إذا بسط كفيه إلى الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف، ولا يبلغ الماء فاه ما دام باسطا كفيه إلى الماء"{وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ} 1 أي: كل مدعو سواه يضل عمن دعاه إذا احتاج إليه، وقال ابن عباس:"إن أصواتهم محجوبة عن الله –تعالى-، وهذا مثل ضربه الله لمن يدعو غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه وتعالى".

وقال –تعالى-: {إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} 2 أي: ملك لله أمثالكم، لا يملكون لأنفسهم شيئا، فالذي لا يملك لنفسه شيئا من نفع كيف يتصور في حقه النفع لغيره؟! {فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 3 في دعواكم، وقال –تعالى-:{قُلْ أَرَأَيْتَكُم} 4 يعني: قل يا محمد لهؤلاء الذين تركوا عبادة الله وحده، وعبدوا معه غيره من الأصنام، أخبروني، تقول: أرأيتك، يعني: أخبرني بحالك، وأصله: أرأيتم، والكاف للتأكيد {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} 5 قبل الموت، مثل ما نزل بالأمم الماضية من الغرق والخسف والصواعق، ونحو ذلك من العذاب {أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} 6 أي: القيامة {َغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ} 7 في كشف العذاب عنكم {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 8 في دعواكم.

ومعنى الآية: أن الكفار إذا نزل بهم بلاء وشدة رجعوا إلى الله بالتضرع والدعاء، وتركوا الأصنام، فقيل لهم: أترجعون إلى الله في حال الشدة والبلاء، ولا تعبدونه وتطيعونه في اليسر والرخاء، {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} 9 من الضر الذي من أجله دعوتموه، وإنما قيد الإجابة بالمشيئة رعاية للمصلحة، وإن كانت جميع الأمور بمشيئته سبحانه وتعالى {وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} 10 أي: تتركون دعاء الأصنام التي تدعونها؛ لأنها لا تضر ولا تنفع، وقيل: المعنى تركتم دعاء الأصنام بمنزلة من قد نسيها، وهذا قول الحسن، فقد نفى الله عما سواه ما يتعلق به المشركون من دعاء غيره من أن يكون له شرك في مثقال ذرة من نفع أو ضر،

1 سورة الرعد آية: 14.

2 سورة الأعراف آية: 194.

3 سورة الأعراف آية: 194.

4 سورة الأنعام آية: 40.

5 سورة الأنعام آية: 40.

6 سورة الأنعام آية: 40.

7 سورة الأنعام آية: 40.

8 سورة الأنعام آية: 40.

9 سورة الأنعام آية: 41.

10 سورة الأنعام آية: 41.

ص: 679

كما قال لنبيه وخليله: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} 1 وقال: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ} 2 وقال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مظعون: "ما يدري ما يفعل به" 3 وفي رواية "ما يفعل بي، وأنا رسول الله"4.

وفي الصحيح عن أنس قال: "شُجَّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُدٍ، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت عليه {ليس لك من الأمر شيء} 5 وفيه عن ابن عمر: "أنه سمع النبي –صلى الله عليه وسلم يقول –إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر-: اللهم العن فلانا وفلانا، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، فأنزل الله عليه {ليس لك من الأمر شيء} 6 و "لما نزل عليه صلى الله عليه وسلم {وأنذر عشيرتك الأقربين} صعد إلى الصفا فقال: يا معشر قريش –أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، ويا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا، سليني من مالي" 7 فإذا كان سيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، وحبيب رب العالمين، لا يملك لنفسه ولا لأقاربه نفعا ولا ضرا، فكيف بغيره ممن لا يعلم حاله مع ربه، ولا مصيره إلى نعيم أو جحيم؟!

فإن كان قيل فيمن عبد الملائكة وعيسى وأمه، والله يقول:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} 8.

قال ابن القيم: "في هذه الآية دليل على جواز الخطاب العام وإرادة الخاص من غير بيان تفصيلي ولا إجمالي، فإن لفظة "ما" عام يشمل المعبودين سوى الله، ولم يرد العموم مع تأخير بيان المخصص، فإنه لمَّا نزلت هذه الآية قال ابن الزِّبَعْرَى: والله لألزمن محمدا بهذه الآية، فحضر عند النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لقد عُبدت الملائكة وعُبد عيسى، فيجب أن يكون هؤلاء حصب جهنم، وهو خلاف دينك يا محمد،

1 سورة الأعراف آية: 188.

2 سورة الأحقاف آية: 9.

3 البخاري: الجنائز "1243" ، وأحمد "6/436".

4 البخاري: الجنائز "1243" ، وأحمد "6/436".

5 مسلم: الجهاد والسير "1791"، والترمذي: تفسير القرآن "3002"، وابن ماجه: الفتن "4027" ، وأحمد "3/99 ،3/178 ،3/201 ،3/206".

6 البخاري: المغازي "4070"، والنسائي: التطبيق "1078" ، وأحمد "2/93 ،2/147".

7 البخاري: الوصايا "2753"، ومسلم: الإيمان "206"، والنسائي: الوصايا "3646 ،3647"، والدارمي: الرقاق "2732".

8 سورة الأنبياء آية: 98.

ص: 680

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه، فنزل بعد حين:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} 1 فقد أطلق العام مع إرادة الخاص، وبين بعد حين".

واعترض على هذا الدليل بأنا لا نسلم احتياج الآية إلى البيان، وإنما تحتاج إليه لو دخلت الملائكة وعيسى في عموم الآية، وهو ممنوع؛ لأن "ما" لغير من يعقل، فلا تتناول الملائكة ولا عيسى؛ ولهذا نقل في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن الزبعرى:"ما أجهلك بلغة قومك، أما علمت أن "ما" لما لا يعقل، و "من" لمن يعقل 2 وإنما نزلت {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} 3 زيادة بيان لجهل المعترض لا بيانا للآية السابقة.

وإن سلم أن كلمة "ما" تشملهم فلا تحتاج الآية إلى البيان أيضا؛ لأن العقل يحكم بخروجهم عن الآية؛ لأن تعذيب الملائكة وعيسى –بذنب الغير، وهو عبادة الناس إياهم – غير جائز عقلا، وإنما يجوز تعذيبهم لو كانوا راضين بذلك، وهو مستحيل في حقهم.

فصل في توحيد الأسماء والصفات والمذهب الصحيح في ذلك

الإيمان بأسماء الله وصفاته

فإذا عرفت ما تقرر من توحيد العبادة فاعلم بأن إيماننا بما ثبت في نعوته -تعالى- كإيماننا بذاته المقدسة، إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري، ونميِّز ذاته المقدسة عن الأشباه من غير أن نعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها، ونعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تشبيه ولا تعطيل، ونقول -كما قال السلف الصالح-: آمنا بالله على مراد الله، و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 4 فالاستواء معلوم من الكتاب العزيز {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} 5.

وكل ما وصف الله به نفسه وجب الإيمان به، كما يجب الإيمان بذاته، والكيف

1 سورة الأنبياء آية: 101.

2 هذا ليس عليه طلاوة كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.

3 سورة الأنبياء آية: 101.

4 سورة الشورى آية: 11.

5 سورة فصلت آية: 42.

ص: 681

مجهول فيهما لاستحالة تصوره؛ لقوله –تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1 ومن ليس له مثل لا يمكن التصور في ذاته وصفاته لا شرعا ولا عقلا.

ومَن أوَّلَ فقد تصور المستحيل في حقه سبحانه وتعالى من المشابهة للحوادث، فما وسعهم مما تصوروه من التشبيه الواقع في أذهانهم إلا الفرار منه إلى التعطيل.

فأوَّلوا اليدين بالقدرة، وقد أثبت الله لنفسه يدا وقدرة، وأوَّلوا الاستواء بالاستيلاء المفيد للتجدد والحدوث في الملك، وهو مستحيل في حقه سبحانه وتعالى وعطَّلوا صفتين من صفاته، وقد قال -تعالى-:{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} 2 وقال -تعالى-: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} 3 وقال -تعالى-: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 4 وقال -تعالى-: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} 5 إلى غير ذلك من آيات الاستواء.

وقال –تعالى-: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} 6 وقال –تعالى-: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} 7.

وقال –تعالى-: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} 8 وقال –تعالى-: {إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ} 9 وقال –تعالى-: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} 10 وقال –تعالى-: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} 11 وقال –تعالى- في الملائكة: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} 12 وقال –تعالى -: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} 13.

وقال –تعالى-: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} 14 وقال –تعالى-: {أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} 15 "في" بمعنى "على" كقوله -تعالى-: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} 16 وقوله: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} 17 أي: على

1 سورة الشورى آية: 11.

2 سورة الأعراف آية: 54.

3 سورة هود آية: 7.

4 سورة طه آية: 5.

5 سورة الفرقان آية: 59.

6 سورة فصلت آية: 11.

7 سورة البقرة آية: 29.

8 سورة السجدة آية: 5.

9 سورة فاطر آية: 10.

10 سورة آل عمران آية: 55.

11 سورة النساء آية 157 158

12 سورة النحل آية: 50.

13 سورة المعارج آية: 3.

14 سورة غافر آية: 36.

15 سورة الملك آية: 16.

16 سورة التوبة آية: 2.

17 سورة طه آية: 71.

ص: 682

الأرض، وعلى جذوع النخل، وكذلك في السماء، أي: على العرش فوق السماء إلى غير ذلك من نصوص القرآن العظيم جلَّ منزِّله، وتعالى قائله.

الأحاديث المصرِّحة بعلو الله

وأما السنة: فمن الأحاديث الواردة في العلو حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: "كانت لي غنم بين أحد والجوانية فيها جارية لي، فاطلعت ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم فأسفت، فصككتها، فأتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله: أفلا أعتقها؟ قال: ادعها. فدعوتها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء قال: مَنْ أنا؟ قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أعتقها فإنها مؤمنة" 1 هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم.

وقال عطاء بن يسار: حدثني صاحب الجارية نفسه قال: "كانت لي جارية ترعى"2 الحديث، وفيه:"فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها مستفهما: مَنْ في السماء؟ قالت: الله. قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مسلمة."وقال النسائي في تفسيره في قوله –تعالى-: {ثم استوى إلى السماء} 3 أنبأنا قتيبة عن مالك عن هلال بن أسامة عن عمر بن الحكم قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله: إن جارية لي كانت ترعى غنما لي، فجئتها ففقدت شاة من الغنم، سألتها عنها، فقالت: أكلها الذئب، فأسفت عليها، وكنت رجلا من بني آدم، فلطمت وجهها، وعلي رقبة فأعتقها؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله؟ قالت: في السماء. قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: فأعتقها" 4 كذا سمَّاه مالك عمر بن الحكم.

وعن أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية أعجمية فقال: يا رسول الله: إن علي رقبة مؤمنة، فأعتق هذه؟ فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، قال: فمن أنا؟ فأشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة"5.

1 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة "537"، والنسائي: السهو "1218"، وأبو داود: الصلاة "930" والأيمان والنذور "3282".

2 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة "537".

3 سورة البقرة آية: 29.

4 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة "537"، والنسائي: السهو "1218"، وأبو داود: الصلاة "930" ، وأحمد "5/448"، ومالك: العتق والولاء "1511".

5 أبو داود: الأيمان والنذور "3284" ، وأحمد "2/291".

ص: 683

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه جارية سوداء أعجمية، فقال: عليَّ رقبة، فهل تجزئ هذه عني؟ فقال: أين الله؟ فأشارت بيدها إلى السماء، فقال: مَنْ أنا؟ قلت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة".

حديث أسامة بن زيد الليثي عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: "جاء حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له فقال: يا رسول الله: إن عليَّ رقبة، فهل تجزئ هذه عني؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: فأين ربك؟ فأشارت إلى السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة" وهو مرسل.

حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة يوم عرفة: "ألا هل بلغت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وَيَنْكُبُهَا إليهم ويقول: اللهم اشهد" 1 أخرجه مسلم.

وحديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون" 2 متفق عليه.

وعن أبي رزين العقيلي قال: " قلت: يا رسول الله: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: كان في عماء" 3 قال أبو عبيد: "العماء: الغمام". وقال خالد بن يزيد الرازي: "أخطأ أبو عبيد إنما العمى مقصور، ولا يدرى أين كان الرب –تعالى-"، وقيل: معناه مقصور لا شيء معه فوق هواء، وما تحته هواء، ثم خلق العرش، ثم استوى عليه. رواه الترمذي وابن ماجه وإسناده حسن.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"4 أخرجه أبو داود والترمذي.

وعن عبد الله بن مسعود: "ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء"5.

1 مسلم: الحج "1218"، وابن ماجه: المناسك "3074"، والدارمي: المناسك "1850".

2 البخاري: مواقيت الصلاة "555"، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة "632"، والنسائي: الصلاة "485" ، وأحمد "2/257 ،2/312 ،2/344 ،2/396 ،2/486"، ومالك: النداء للصلاة "413".

3 الترمذي: تفسير القرآن "3109"، وابن ماجه: المقدمة "182" ، وأحمد "4/11 ،4/12".

4 الترمذي: البر والصلة "1924"، وأبو داود: الأدب "4941".

5 الترمذي: البر والصلة "1924"، وأبو داود: الأدب "4941".

ص: 684

وعن أنس أن زينب بنت جحش كانت تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: "زوَّجكن أهاليكن، وزوَّجني الله من فوق سبع سماوات" وفي لفظ: أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم "زوجنيك الرحمن من فوق عرشه"أخرجه البخاري.

وعن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 1 متفق عليه.

وعن أبي هريرة أن ر "ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء." سول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه، فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها، حتى يرضى عنها زوجها" 2 أخرجه مسلم.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما أُلْقِي إبراهيم عليه السلام في النار قال: "اللهم إنك واحد في السماء، وأنا في الأرض واحد أعبدك" هذا حديث حسن الإسناد..

وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "من توضَّأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، فأتمَّ ركوعها وسجودها والقراءة فيها، قالت: حفظك الله كما حفظتني، ثم صُعد بها إلى السماء، ولها نور وضوء، وفتحت لها أبواب السماء، حتى يُنْتَهَى بها إلى الله عز وجل فتشفع لصاحبها".

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميت يحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم تعرج بها إلى السماء التي فيها الله –تعالى-" 3 رواه أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، وهو على شرط البخاري ومسلم.

وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فيرفعون رءوسهم، فإذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم، فقال: السلام عليكم"

1 البخاري: المغازي "4351"، ومسلم: الزكاة "1064"، والنسائي: تحريم الدم "4101"، وأبو داود: السنة "4764" ، وأحمد "3/68 ،3/73".

2 مسلم: النكاح "1736".

3 أحمد "2/364".

ص: 685

يا أهل الجنة. فذلك قوله: عزوجل"سلام قولا من رب رحيم" أخرجه ابن ماجه في سننه.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تصدَّق بعدل تمرة من كسب طيب –ولا يصعد إلى الله إلا طيب- فإنه يقبلها بيمينه، ويربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل" 1 أخرجه البخاري.

وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرْفَعُ إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور –وفي رواية النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره" 2 أخرجه الشيخان.

وقال صلى الله عليه وسلم لِحُصَيْنٍ: " كم تعد لنفسك من إله؟ قال: سبعة: ستة في الأرض، وواحد في السماء، قال: فأيهم تعد لرهبتك ورغبتك؟ قال: الذي في السماء. فقال له صلى الله عليه وسلم أما إنك لو أسلمت لعلمتك كلمتين ينفعانك، فلما أسلم حصين قال له: قل: "اللهم ألهمني رشدي وعافني من شر نفسي" أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد.

وروى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي" 3 وفي رواية للبخاري: "إن الله كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش"4.

وفي رواية لهما: "إن الله لما خلق الخلق" 5 وعند مسلم: "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب كتبه على نفسه، فهو موضوع عنده" 6 زاد البخاري "على العرش" 7 ثم اتفقا "إن رحمتي تغلب غضبي"8.

وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من اشتكى منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدَّس اسمك، أمرك في السماء والأرض،

1 البخاري: التوحيد "7429".

2 مسلم: الإيمان "179"، وابن ماجه: المقدمة "195" ، وأحمد "4/405".

3 البخاري: بدء الخلق "3194"، ومسلم: التوبة "2751"، والترمذي: الدعوات "3543"، وابن ماجه: المقدمة "189" والزهد "4295" ، وأحمد "2/358".

4 البخاري: التوحيد "7554"، وابن ماجه: المقدمة "189" ، وأحمد "2/257 ،2/259 ،2/381 ،2/397 ،2/466".

5 البخاري: الأدب "5987".

6 البخاري: بدء الخلق "3194" والتوحيد "7404 ،7422 ،7453 ،7553 ،7554"، ومسلم: التوبة "2751"، والترمذي: الدعوات "3543"، وابن ماجه: المقدمة "189" والزهد "4295" ، وأحمد "2/257 ،2/259 ،2/313 ،2/358 ،2/381 ،2/397 ،2/433 ،2/466".

7 البخاري: التوحيد "7404"، ومسلم: التوبة "2751"، والترمذي: الدعوات "3543"، وابن ماجه: الزهد "4295" ، وأحمد "2/313 ،2/358 ،2/381 ،2/433".

8 البخاري: التوحيد "7404"، ومسلم: التوبة "2751"، والترمذي: الدعوات "3543"، وابن ماجه: الزهد "4295" ، وأحمد "2/433".

ص: 686

كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع. فيبرأ" 1 أخرجه أبو داود.

وهكذا حال من يسأل: أين الله؟ يبادر بفطرته، ويقول: في السماء. ففي الخبر مسألتان:

"أحدهما": قول السائل: أين الله؟

"وثانيها": قول المسئول: في السماء. فمن أنكر هاتين المسألتين، فإنما ينكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قالهما، وأقرهما من غيره، والعياذ بالله من الإعراض عما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله.

ولم تخبر الرسل بما تستحيله العقول، بل أخبارهم قسمان:

"أحدهما": ما يشهد به العقل والنظر.

"والثاني": ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ، واليوم الآخر، وتفاصيل العقاب والثواب، ولا يكون خبرهم محالا في العقول أصلا.

وكل خبر تظن أن العقل يحيله فلا يخلو من أحد أمرين: إما لعدم صحة في النقل أو لفساد في العقل، والعقل الصحيح لا يخالف النص الصريح.

قول الإمام مالك في الاستواء

واختلف السلف في الاستواء، فقال قوم:"استوى بمعنىاستقرَّ"، ومنهم ابن عباس رضي الله عنهما كما رواه البيهقي في الأسماء والصفات، وهو استقرار يليق بذاته.

وقال آخرون -منهم سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك، وغيرهم من علماء السلف-:"إقرارها وإمرارها كما جاءت بلا كيف". وقال البغوي:" أهل السنة يقولون: الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف، يجب على الإنسان الإيمان به، ويكل العلم به إلى الله عز وجل".

وروى البيهقي بسنده عن عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك بن أنس، فدخل رجل، فقال: يا أبا عبد الله: {الرحمن عفلى العرش استوى} 2 كيف استوى؟ قال:

1 أبو داود: الطب "3892".

2 سورة طه آية: 5.

ص: 687

فأطرق مالك، وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه، فقال:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1 كما وصف نفسه، ولا يقال: كيف؟ وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة، أخرجوه، فَأُخْرِجَ الرجل.

وفي رواية يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد الله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 2 كيف استواؤه؟ فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا.

ما ورد في القرآن والأحاديث في صفة وجه الله الكريم

وقال –تعالى-: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} 3 وقال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ} 4 وقال: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} وقال: {نَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} 5 وقال: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} 6 وقال: {إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} 7 وقال: {يُرِيدُونَ وَجْهَه} 8.

وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: "لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم} قال: أعوذ بوجهك "أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض" قال: هاتان أهون وأيسر"9.

وروى البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وأن ينظروا إلى وجه ربهم عزوجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"10.

وروى البخاري عن عتبان بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حرَّم الله على النار أن تأكل مَنْ قال: لا إله إلا الله. يبتغي بها وجه الله"11.

وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ستة نفر، فقال المشركون: اطرد هؤلاء عنك، لا يجترئون علينا، وكنت وعبد الله بن مسعود –أظنه قال: وبلال ورجل من هذيل، ورجلان قد نسيت اسمهما- فوقع

1 سورة طه آية: 5.

2 سورة طه آية: 5.

3 سورة القصص آية: 88.

4 سورة الرحمن آية: 27.

5 سورة الإنسان آية: 9.

6 سورة الرعد آية: 22.

7 سورة الليل آية: 20.

8 سورة الأنعام آية: 52.

9 البخاري: تفسير القرآن "4628"، والترمذي: تفسير القرآن "3065" ، وأحمد "3/309".

10 البخاري: تفسير القرآن "4878"، ومسلم: الإيمان "180" ، وأحمد "4/416"، والدارمي: الرقاق "2822".

11 البخاري: الصلاة "425"، ومسلم: الإيمان "33".

ص: 688

في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يحدث به نفسه، فأنزل الله عز وجل "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه"الآية.

صفة اليد لله تعالى وما ورد فيها من النصوص

وقال –تعالى-: {اإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} 1 وقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} 2.

وروى الشيخان عن أنس بن مالك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُجْمَعُ المؤمنون يوم القيامة، فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم: أنت أبو الناس خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلَّمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا" 3 وذكر الحديث بطوله.

وروى البخاري عن أبي هريرة قال: "أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم فَدُفِعَ إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ " 4 قال: فذكر حديث الشفاعة، وفيه:"فيأتون آدم فيقولون: يا آدم: أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه –أظنه قال:- وعلَّمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى ربك"5.

وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "احتجَّ آدم وموسى، فقال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه" 6 إلخ.

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "احتجَّ آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت أبونا جئت، وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخطَّ لك في الألواح بيده" 7 إلخ.

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خلق الله جنات عدن، وغرس أشجارها بيده، فقال لها: تكلَّمي فقالت: " قد أفلح المؤمنون".

1 سورة ص آية: 75.

2 سورة المائدة آية: 64.

3 البخاري: التوحيد "7410"، ومسلم: الإيمان "193"، وابن ماجه: الزهد "4312" ، وأحمد "3/116 ،3/244 ،3/247".

4 البخاري: تفسير القرآن "4712"، ومسلم: الإيمان "194"، والترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع "2434".

5 البخاري: أحاديث الأنبياء "3340"، ومسلم: الإيمان "194"، والترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع "2434" ، وأحمد "2/435".

6 البخاري: أحاديث الأنبياء "3409" وتفسير القرآن "4738"، ومسلم: القدر "2652"، والترمذي: القدر "2134"، وأبو داود: السنة "4701"، وابن ماجه: المقدمة "80" ، وأحمد "2/248 ،2/264 ،2/268 ،2/287 ،2/314 ،2/392 ،2/398 ،2/448 ،2/464"، ومالك: الجامع "1660".

7 البخاري: أحاديث الأنبياء "3409"، ومسلم: القدر "2652"، والترمذي: القدر "2134"، وأبو داود: السنة "4701"، وابن ماجه: المقدمة "80" ، وأحمد "2/248 ،2/264 ،2/268 ،2/287 ،2/314 ،2/392 ،2/398 ،2/448 ،2/464"، ومالك: الجامع "1660".

ص: 689

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كتب ربكم تبارك وتعالى على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي"1.

وعن ابن عمر قال: "خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش وجنات عدن وآدم والقلم، واحتجب من الخلق بأربعة: بنار وظلمة ونور فظلمة".

وقد تكون اليد في غير هذه المواضع بمعنى القوة، قال الله –تعالى-:{اذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ} 2 أي: ذا القوة، وقد تكون بمعنى النعمة، تقول العرب: كم يد لي عند فلان، أي: كم من نعمة لي قد أسديتها إليه، وقال –تعالى-:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} 3وقال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} 4.

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " 5 رواه البخاري. وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور، على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين"6.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لمَّا خلق الله آدم، ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد لله. فحمد الله بإذن الله، فقال له ربه: رحمك ربك يا آدم، وقال له: يا آدم: اذهب إلى أولئك الملائكة، إلى ملأ منهم جلوس فقل: السلام عليكم. فذهب وسلَّم، قالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم رجع إلى ربه، فقال: هذه تحيتك وتحية بنيك. فقال الله تبارك وتعالى له، ويداه مقبوضتان-: أيهما شئت؟ فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته"وذكر الحديث.

وسُئِلَ عمر بن الخطاب عن قوله –تعالى-:

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ

1 مسلم: التوبة "2751"، وابن ماجه: المقدمة "189" ، وأحمد "2/259 ،2/381 ،2/397".

2سورة ص آية: 17.

3سورة الزمر آية 67.

4سورة الحاقة آية 44: 46.

5 البخاري: الرقاق "6519"، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار "2787"، وابن ماجه: المقدمة "192" ، وأحمد "2/374"، والدارمي: الرقاق "2799".

6 مسلم: الإمارة "1827"، والنسائي: آداب القضاة "5379" ، وأحمد "2/159 ،2/160 ،2/203".

ص: 690

ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} 1 الآية.

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خلق الله آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، واستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله: فَفِيمَ العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله إذا خلق الرجل للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة؛ فيدخله به الجنة، وإذا خلق الرجل للنار استعمله بعمل أهل النار؛ فيدخله به النار".

وعن هشام بن حكيم أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله: أنبتدأ الأعمال أم قد قضى القضاء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أخذ ذرية بني آدم من ظهورهم، وأشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، فقال: هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار".

صفة اليمنى والأصبع لله تعالى

وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تصدَّق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه -وإن كانت تمرة - فتربو في كفِّ الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يُرَبِّي أحدكم فَلُوَّهُ أو فَصِيلَهُ" 2 وقال صلى الله عليه وسلم "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا طيب، فإن الله رضي الله عنه يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل أحد" 3 أخرجه البخاري.

وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سَحَّاءُ الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم ينقص مما في يمينه –قال:- وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض"4.

1سورة الأعراف آية 172.

2 مسلم: الزكاة "1014"، والترمذي: الزكاة "661"، والنسائي: الزكاة "2525"، وابن ماجه: الزكاة "1842" ، وأحمد "2/418".

3 البخاري: الزكاة "1410"، ومسلم: الزكاة "1014"، والترمذي: الزكاة "661"، والنسائي: الزكاة "2525"، وابن ماجه: الزكاة "1842" ، وأحمد "2/331"، ومالك: الجامع "1874"، والدارمي: الزكاة "1675".

4 البخاري: التوحيد "7419"، ومسلم: الزكاة "993"، والترمذي: تفسير القرآن "3045"، وابن ماجه: المقدمة "197" ، وأحمد "2/242 ،2/313 ،2/500".

ص: 691

وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم: أَبَلَغَكَ أن الله عز وجل يجعل السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، والخلائق على أصبع؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فأنزل عز وجل "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه""1.

وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال: "جاء حبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد: -أو يا رسول الله- إن الله جعل السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيهزهنَّ، ويقول: أنا الملك. قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} " 2 إلخ.

وروى الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: "جاء حبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد: إن الله يضع السماء على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يقول: أنا

1 البخاري: تفسير القرآن "4811"، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار "2786"، والترمذي: تفسير القرآن "3238" ، وأحمد "1/378 ،1/429 ،1/457".

2 البخاري: تفسير القرآن "4811"، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار "2786"، والترمذي: تفسير القرآن "3238" ، وأحمد "1/378".

ص: 692

الملك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: {ما قدروا الله حق قدره} 1 وفي رواية: "والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، يهزهنَّ" 2 وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "ضحك حتى بدت نواجذه عجبا وتصديقا له، ثم قرأ:{ما قدروا الله حق قدره} 3 الآية.

وروى الشيخان عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيمينه، ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المستكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ "4 وفي رواية يقول: "إن الله يقبض أصابعه ويبسطها، ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ "5 وفي رواية يقول: "أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها، ثم يقول: أنا الملك. حتى نظرت إلى المنبر يتحرَّك من أسفله حتى إني أقول: أَسَاقِطٌ هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ " 6 هذا لفظ مسلم والبخاري: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماوات بيمينه، ويقول: أنا الملك"7.

وروى البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك. أين ملوك الأرض؟ " 8 وقال صلى الله عليه وسلم "قلوب الخلائق بين أصبعين من أصابع الرحمن، يُقَلِّبُهَا كيف يشاء"9.

صفة القدم لله وإتيانه في ظلل من الغمام

وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فتقول: قَطْ قَطْ وعزتك، وينزوي بعضها إلى بعض"10.

وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تحاجَّت الجنة والنار، فقالت النار: أُوثِرْتُ بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله عز وجل للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله فيها رجله، فتقول: قَطْ قَطْ قَطْ، فهنالك تمتلئ، وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا" 11 وقال –تعالى-: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} 12 وقال –تعالى-: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} 13 وقال –تعالى-: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} 14.

وقد ذكر الإمام أبو جعفر ابن جرير هنا حديث الصور بطوله عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث مشهور، وساقه غير واحد من أصحاب الأسانيد وغيرهم، وفيه: "إن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العَرَصَات تشفَّعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدا بعد واحد، من آدم عليه السلام فمن بعده، فكلهم يحيدون حتى ينتهوا إلى

1 البخاري: التوحيد "7451"، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار "2786"، والترمذي: تفسير القرآن "3238" ، وأحمد "1/378 ،1/429 ،1/457".

2 البخاري: التوحيد "7513"، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار "2786"، والترمذي: تفسير القرآن "3238" ، وأحمد "1/378 ،1/429 ،1/457".

3 البخاري: التوحيد "7415"، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار "2786"، والترمذي: تفسير القرآن "3238" ، وأحمد "1/378 ،1/429 ،1/457".

4 البخاري: التوحيد "7413"، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار "2788"، وابن ماجه: المقدمة "198" والزهد "4275" ، وأحمد "2/87".

5 مسلم: صفة القيامة والجنة والنار "2788"، وابن ماجه: المقدمة "198" والزهد "4275".

6 مسلم: صفة القيامة والجنة والنار "2788"، وابن ماجه: المقدمة "198" والزهد "4275" ، وأحمد "2/87".

7 البخاري: التوحيد "7413"، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار "2787 ،2788" ، وأحمد "2/374"، والدارمي: الرقاق "2799".

8 البخاري: الرقاق "6519"، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار "2787"، وابن ماجه: المقدمة "192" ، وأحمد "2/374"، والدارمي: الرقاق "2799".

9 الترمذي: القدر "2140"، وابن ماجه: الدعاء "3834".

10 البخاري: الأيمان والنذور "6661"، ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها "2848"، والترمذي: تفسير القرآن "3272" ، وأحمد "3/134 ،3/141 ،3/229 ،3/234".

11 البخاري: تفسير القرآن "4850" والتوحيد "7449"، ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها "2846"، والترمذي: صفة الجنة "2561" ، وأحمد "2/276 ،2/314 ،2/507".

12 سورة البقرة آية: 210.

13 سورة الفجر آية: 22.

14 سورة الأنعام آية: 158.

ص: 693

محمد صلى الله عليه وسلم فإذا جاءوا إليه قال: أنا لها أنا لها، فيذهب ويسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد، فيشفعه الله، ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تشقق السماء الدنيا، وينزل ما فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة إلى السابعة، وتنزل حملة العرش والكروبيون، وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة، لهم زجل في تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العرش والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه أبدا أبدا".

وعن عبد الله بن عمرو في قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} 1 الآية قال: "يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها: النور والظلمة والماء، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتا تنخلع منه القلوب".

وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، قياما شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي"وعن مجاهد: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} قال: "هو السحاب، ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم".

وقال أبو العالية: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} فالملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله –تعالى- يجيء فيما شاء، وهي في بعض القراءة:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} وهي كقوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً} 2.

نزول الرب سبحانه وكلماته

وقال صلى الله عليه وسلم "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا"3 الحديث. وقال الله –تعالى-: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} 4 وقال: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ

1 سورة البقرة آية: 210.

2 سورة الفرقان آية: 25.

3 البخاري: الجمعة "1145"، ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها "758"، والترمذي: الصلاة "446" والدعوات "3498"، وأبو داود: الصلاة "1315" والسنة "4733"، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها "1366" ، وأحمد "2/258 ،2/264 ،2/267 ،2/282 ،2/419 ،2/487 ،2/504 ،2/521"، ومالك: النداء للصلاة "496"، والدارمي: الصلاة "1478 ،1479".

4 سورة الكهف آية: 109.

ص: 694

مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} 1.

وقال: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} 2 ولم يقل: حتى يرى خلق الله. وقال: {يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} 3 وقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} 4 وقال: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} 5 وقال: {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} 6 قال: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} 7.

وقال: {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} 8 وقال: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} 9 وقال: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} 10 وقال: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا} 11.

وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تكفَّل الله عز وجل لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة "12.

وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تكفَّل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله، وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة"13.

وعن أبي موسى الأشعري قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" 14 رواه مسلم.

وروى البخاري عن ابن عباس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين، أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، ثم يقول: كان أبوكما يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق"15.

1 سورة لقمان آية: 27.

2 سورة التوبة آية: 6.

3 سورة البقرة آية: 75.

4 سورة الفتح آية: 15.

5 سورة الكهف آية: 27.

6 سورة الزمر آية: 71.

7 سورة الأنفال آية: 7، 8.

8 سورة يونس آية: 82.

9 سورة هود آية: 119.

10 سورة يونس آية: 96 97

11 سورة الأعراف آية: 137.

12 البخاري: فرض الخمس "3123"، ومسلم: الإمارة "1876"، والنسائي: الجهاد "3122 ،3123" والإيمان وشرائعه "5029 ،5030"، وابن ماجه: الجهاد "2753" ، وأحمد "2/231 ،2/384 ،2/399 ،2/494"، ومالك: الجهاد "974"، والدارمي: الجهاد "2391".

13 البخاري: فرض الخمس "3123" والتوحيد "7457 ،7463"، ومسلم: الإمارة "1876"، والنسائي: الجهاد "3122"، ومالك: الجهاد "974"، والدارمي: الجهاد "2391".

14 البخاري: التوحيد "7458"، ومسلم: الإمارة "1904"، والترمذي: فضائل الجهاد "1646"، والنسائي: الجهاد "3136"، وأبو داود: الجهاد "2517"، وابن ماجه: الجهاد "2783" ، وأحمد "4/392 ،4/397 ،4/401 ،4/405 ،4/417".

15 البخاري: أحاديث الأنبياء "3371"، والترمذي: الطب "2060"، وأبو داود: السنة "4737"، وابن ماجه: الطب "3525" ، وأحمد "1/236 ،1/270".

ص: 695

وعن خولة بنت حكيم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا نزل أحدكم منزلا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه"1.

قال يعقوب بن عبد الله عن القعقاع بن حكيم عن ذكوان عن أبي هريرة أنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: ما لقيت من عقرب لدغني البارحة، قال: أما أنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك" رواه مسلم ومالك والترمذي.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون" 2 فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ كتبها وعلقها عليه.

فاستعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أن يستعاذ في هذه الأخبار بكلمات الله –تعالى- كما أمره الله -جل ثناؤه- أن يستعيذ به فقال: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} 3 وقال: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} 4 ولا يصح أن يستعيذ المخلوق بالمخلوق، فدَّل أنه استعاذ بصفة من صفات ذاته، وهي غير مخلوقة كما أمره الله أن يستعيذ بذاته، وذاته غير مخلوقة.

قال البيهقي: روى ميسرة عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند مضجعه: "اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وبكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المغرم والمأثم، لا يُهْزَمُ جندُك، ولا يُخْلفُ وعدُك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك".

فاستعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمات الله كما استعاذ بوجهه الكريم، فكما أن وجهه الذي استعاذ به غير مخلوق، فكذلك كلماته التي استعاذ بها غير

1 مسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار "2708"، والترمذي: الدعوات "3437"، وابن ماجه: الطب "3547" ، وأحمد "6/377 ،6/378 ،6/409"، والدارمي: الاستئذان "2680".

2 الترمذي: الدعوات "3528".

3 سورة المؤمنون آية: 97، 98.

4 سورة النحل آية: 98.

ص: 696

مخلوقة، وكلام الله –تعالى- واحد، وإنما جاء بلفظ الجمع على معنى التفخيم والتعظيم.

وهذه الآيات والأحاديث صريحة في أن المسموع كلام الله، وأنه قديم، والقول هو الكلام، قال الله عز وجل {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} 1 وقال:{مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} 2 وقال: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} 3 وقال: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} 4 وقال: {سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} 5 وقال: {قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ} 6 فأثبت الله -جل ثناؤه- لنفسه صفة القول في هذه الآيات.

وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تهجَّد من الليل قال: اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت"7.

وقد قال –تعالى-: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} 8 فوصف نفسه بالتكليم، ووكده بالتكرار فقال:{تكليما} . وقال –تعالى-: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} 9 وذكر في غير آية من كتابه ما كلَّم به موسى عليه السلام فقال: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} 10 إلى قوله: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} 11 وقال: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} 12 فهذا كلام سمعه موسى من ربه بلا ترجمان كان بينه وبينه، فدعاه إلى وحدانيته، وأمره بعبادته، وإقامة الصلاة لذكره، وأخبر أنه اصطنعه لنفسه، واصطفاه برسالاته وبكلامه.

وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم "احتجَّ آدم وموسى،

1 سورة يس آية: 7.

2 سورة ق آية: 29.

3 سورة النساء آية: 122.

4 سورة النساء آية: 87.

5 سورة يس آية: 58.

6 سورة ص آية: 84.

7 البخاري: الجمعة "1120"، ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها "769"، والترمذي: الدعوات "3418"، والنسائي: قيام الليل وتطوع النهار "1619"، وأبو داود: الصلاة "771"، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها "1355" ، وأحمد "1/298 ،1/308 ،1/358"، ومالك: النداء للصلاة "500"، والدارمي: الصلاة "1486".

8 سورة النساء آية: 164.

9 سورة الأعراف آية: 143.

10 سورة البقرة آية: 253.

11 سورة طه آية: 41.

12 سورة الأعراف آية: 144.

ص: 697

فقال موسى: يا آدم: أنت أبونا خَيَّبْتَنَا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: يا موسى: اصطفاك الله بكلامه، وخطَّ لك التوراة أتلومني على أمر قدَّره عليَّ قبل أن يخلقني؟! قال فحجَّ آدم موسى"1.

وفي هذا أن موسى كلَّمه الله تكليما، وسمع كلامه بلا واسطة.

وأما قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} 2 فالوحي أول ما أرى الله الأنبياء في منامهم.

قال الشافعي رحمه الله وغيره من العلماء: "رؤيا الأنبياء وحي لقول ابن إبراهيم لما أُمِرَ أبوه في المنام بذبحه: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} 3 ".

أنواع تكليم الله تعالى لأنبيائه

وأما الكلام من وراء حجاب: فهو كما كلَّم الله موسى من وراء حجاب، وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن موسى عليه السلام قال: يا رب: أرنا الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله عز وجل آدم عليه السلام، فقال: أنت أبونا آدم؟ فقال له أبونا آدم: نعم، فقال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلَّمك الأسماء كلها، وأمر الملائكة فسجدوا لك؟ قال: نعم، قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال له آدم: فمن أنت؟ قال: أنا موسى، قال: أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب، لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ قال: نعم" 4 إلخ الحديث.

وأما الكلام بالرسالة: فهو إرسال الروح الأمين إلى من شاء من عباده، قال الله –تعالى-:{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} 5 والأحاديث في ذلك كثيرة.

قال البيهقي: وقد كان لنبينا صلى الله عليه وسلم هذه الأنواع الثلاثة:

أما الرسالة: فقد كان جبريل يأتيه بها من عند الله عز وجل.

وأما الرؤيا في المنام: فقد قال الله –تعالى-: {قَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ} 6.

وأما التكليم: فقد قال الله عز وجل {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} 7 ثم كان فيما أوحى

1 البخاري: أحاديث الأنبياء "3409" وتفسير القرآن "4738"، ومسلم: القدر "2652"، والترمذي: القدر "2134"، وأبو داود: السنة "4701"، وابن ماجه: المقدمة "80" ، وأحمد "2/248 ،2/264 ،2/268 ،2/287 ،2/314 ،2/398 ،2/448 ،2/464"، ومالك: الجامع "1660".

2 سورة الشورى آية: 51.

3 سورة الصافات آية: 102: 104.

4 أبو داود: السنة "4702".

5 سورة الشعراء آية: 192.

6 سورة الفتح آية: 27.

7 سورة النجم آية: 10.

ص: 698

إليه ليلة المعراج خمسين صلاة، فلم يزل يسأل ربه التخفيف لأمته حتى صارت إلى خمس صلوات، وقال له ربه:"ما يبدل القول لدي " وهي بخمسين صلاة" 1.

مذاهب الفرق في رؤية الله تعالى وعلوه

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا -جل ذكره-؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس إذا كان صحو؟ قلنا: لا. قال: فتضارون في رؤية القمر ليلة البدر إذا كان صحو؟ قلنا: لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهما، ثم ينادي منادٍ: ليذهب كل قوم مع من كانوا يعبدون" 2 فذكر الحديث، قال فيه:"فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه؛ فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا"3.

وقال صلى الله عليه وسلم "إنكم سترون ربكم عز وجل يوم القيامة كما ترون الشمس لا تُضَامُّون في رؤيتها"4.

فأما أهل الحديث والسنة المحضة فإنهم متفقون على إثبات العلو والمباينة والرؤية، والمعتزلة ينفونها، واختلف الأشعرية في العلو واتفقوا على الرؤية بلا مقابلة.

قال ابن القيم: من أثبت أحدهما، ونفى الآخر فهو أقرب إلى الشرع والعقل ممن نفاهما؛ لأن الآيات والأحاديث والآثار المنقولة عن الصحابة في دلالتها على العلو والرؤية أعظم من أن تنحصر، وليس مع نفاة الرؤية والعلو ما يصلح أن يذكر من الأدلة الشرعية، وإنما يزعمون أن عندهم أدلة عقلية.

فقول الأشعرية المتناقضين في العلو خير من قول المعتزلة النافين للرؤية والعلو، وذلك أنا إذا عرضنا على العقل وجود موجود لا يشار إليه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، ولا هو داخل العالم، ولا هو خارجه، ولا ترفع الأيدي إليه، ولا هو فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا خلف ولا إمام، كانت الفِطَرُ تنكر ذلك، والعقول الصحيحة؛ لأنه لو قيل لك: صف شيئا بالعدم لما قلت أكثر من ذلك كما قاله الحافظ الذهبي.

1 البخاري: الصلاة "349"، والترمذي: الصلاة "213"، والنسائي: الصلاة "449 ،450" ، وأحمد "3/161".

2 ابن ماجه: المقدمة "179" ، وأحمد "3/16".

3 البخاري: التوحيد "7440".

4 البخاري: التوحيد "7436"، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة "633"، والترمذي: صفة الجنة "2551"، وأبو داود: السنة "4729"، وابن ماجه: المقدمة "177" ، وأحمد "4/360 ،4/362 ،4/365".

ص: 699

الأدلة على رؤية الله تعالى

قوله تعالى لن تراني

وقد تمسَّك مَنْ نفى الرؤية من أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة بقوله: {لَنْ تَرَانِي} 1 وقال: "لن" تكون لتأييد النفي ودوامه، والمعتزلة لا يشهد لهم بذلك كتاب ولا سنة، وما قالوه في أن "لن" للتأبيد خطأ بيِّن، وليس يشهد لما قالوه نص عن أهل اللغة والعربية.

ويدل على ذلك قوله –تعالى- في اليهود: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} 2 مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة، ويدل عليه قوله –تعالى-:{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} 3. وقوله {ياليتها كانت القاضية}

وقد اتفق على الرؤية الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعين، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون والجهمية المهوكون والفرعونيون المعطلون والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، وعن حبل الله منقطعون، ولكل عدو لله ورسوله ولأمته مسالمون، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون، أولئك أحزاب الضلال شيعة اللعين، وقد قال –تعالى-:{لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً} 4.

فبيان الدلالة من هذه الآية على الرؤية من وجوه عديدة:

"أحدها": أنه لا يظن بكليم الرحمن أن يسأل ربه ما لا يجوز عليه، بل ذلك من أبطل الباطل، وأعظم المحال، فيالله العجب كيف صار اتباع الصابئة والمجوس والمشركين وفروخ الجهمية والفرعونية أعلم بما يجب لله، ويستحيل عليه، وأشد تنزيها له من رسوله وكليمه؟!

"الوجه الثاني": أن الله –سبحانه- لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالا لأنكره عليه؛ ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه أن ينزل مائدة من السماء لم ينكر سؤاله، ولما سأل

1 سورة الأعراف آية: 143.

2 سورة البقرة آية: 95.

3 سورة الحاقة آية: 27.

4 سورة الأعراف آية: 143.

ص: 700

نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 1.

"الوجه الثالث" أنه أجابه بقوله: {لَنْ تَرَانِي} 2 ولم يقل: إني لا أرى، ولا: إني لست بمرئي، أو: لا تجوز رؤيتي، والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله، وهذا يدل على أنه –سبحانه- مرئي، ولكن موسى لا تحمل قواه رؤيته في هذا الدار، لضعف قوة البشر عن رؤيته –تعالى-. يوضحه:

{الوجه الرابع" وهو قوله: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} 3 فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت، لتجليه له في هذه الدار، فكيف بالبشر الضعيف، الذي خلق من ضعف؟

"الوجه الخامس" أن الله -سبحانه- قادر على أن يجعل الجبل مستقرا مكانه، وليس هذا بممتنع في مقدوره، بل هو ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته.

"الوجه السادس" قوله: {لَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} 4 وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته تبارك وتعالى فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل، الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته، ويريهم نفسه؟ فأعلم –سبحانه- موسى –عليه السلام أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف.

"الوجه السابع" أن الله -سبحانه- قد كلمه منه إليه، وخاطبه وناجاه وناداه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم، وسمع كلامه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم.

وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين فأنكروا أن يكلم الله أحدا أو يراه

1 سورة هود آية: 46، 47.

2 سورة الأعراف آية: 143.

3 سورة الأعراف آية: 143.

4 سورة الأعراف آية: 143.

ص: 701

أحد، ولهذا سأله موسى النظر إليه لما أسمعه كلامه، وعلم نبي الله جواز رؤيته من وقوع خطابه وتكليمه، ولم يخبر -سبحانه- باستحالة ذلك عليه، ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله، كما لم يثبت الجبل لتجليه.

وأما قوله: {لَنْ تَرَانِي} 1 فإنما يدل على النفي في المستقبل، ولا يدل على دوامه، ولو قيد بالتأبيد فكيف إذا أطلق كما قال تعالى:{وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} 2 مع قوله: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} 3.

قوله تعالى واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه

والدليل الثاني قوله -تعالى -: {اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ} 4 وقوله -تعالى-: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ} 5 وقوله -تعالى-: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} 6 وقوله -تعالى-: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} 7.

وأجمع أهل اللسان أن اللقاء متى نُسِب إلى الحي السليم من العَمى والمانع اقتضى المعاينةَ والرؤيةَ، ولا ينتقض هذا بقوله -تعالى-:{فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} 8.

فقد دلت الأحاديث الصحيحة والصريحة على أن المنافقين يرونه في عرصات القيامة، بل والكفار أيضا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة.

وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل السنة:

"أحدها": أنه لا يراه إلا المؤمنون.

"والثاني": يراه المؤمن والمنافق.

"والثالث": يراه جميع أهل الموقف، مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار، فلا يرونه بعد ذلك، والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وهي لأصحابه، وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها في تكلمه لهم، ولشيخ الإسلام في ذلك مصنف مفرد، حكى فيه الأقوال الثلاثة، وحجج أصحابها.

وكذلك قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ} 9 إن عاد الضمير على العمل فهو رؤيته في الكتاب مسطورا، وإن عاد على الرب –تعالى- فهو لقاؤه الذي وعد به.

1 سورة الأعراف آية: 143.

2 سورة البقرة آية: 95.

3 سورة الزخرف آية: 77.

4 سورة البقرة آية: 223.

5 سورة الأحزاب آية: 44.

6 سورة الكهف آية: 110.

7 سورة البقرة آية: 46.

8 سورة التوبة آية: 77.

9 سورة النشقاق آية: 6.

ص: 702

قوله تعالى والله يدعوا إلى دار السلام

"والدليل الثالث" قوله -تعالى-: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 1 فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجهه الكريم، وكذلك فسرها الذي أنزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده.

كما رواه مسلم في صحيحه، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب رضي الله عنه قال: قرأ صلى الله عليه وسلم {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} 2 ثم قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة: إن لكم عند الله موعدا، يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويخرجنا من النار؟! فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة"3.

وروى الحسن عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: " {للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى} وهي: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله -تعالى-".

وروى محمد بن جرير، عن كعب بن عجرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله -تعالى-:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: "الزيادة النظر إلى وجه الرحمن" وروى أبو العالية عن أبي بن كعب قال "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله -تعالى-: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى الله عز وجل"4 وقال أبو بكر رضي الله عنه الزيادة هي النظر إلى وجه الله. وقال حذيفة رضي الله عنه هي النظر إلى وجه ربهم.

وقال أبو موسى الأشعري: هي النظر إلى وجه الرحمن، وقال وهو يخطب الناس في جامع البصرة: إن الله عز وجل يبعث ملكا إلى أهل الجنة فيقول: يا أهل الجنة هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون إلى الحلي والحلل والأنهار والأزواج

1 سورة يونس آية: 25، 26.

2 سورة يونس آية: 26.

3 الترمذي: صفة الجنة "2552" وتفسير القرآن "3105"، وابن ماجه: المقدمة "187" ، وأحمد "4/332 ،4/333 ،6/15".

4 الترمذي: صفة الجنة "2552" ، وأحمد "6/15".

ص: 703

المطهرة فيقولون: نعم قد أنجز الله ما وعدنا، ثم يقول الملك: هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ ثلاث مرات، فيقولون: نعم، فيقول: قد بقي لكم شيء؟ إن الله يقول {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم.

وقال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، والقتر السواد.

وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعامر بن سعد، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي، والضحاك، وعبد الرحمن بن سابط، وأبو إسحاق السبيعي، وقتادة، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد:"الحسنى" الجنة، "والزيادة": النظر إلى وجه الله.

ولما عطف –سبحانه وتعالى الزيادة على الحسنى التي هي الجنة، دل على أنها أمر آخر وراء الجنة، وقدر زائد عليها، ومن فسر الزيادة بالمغفرة والرضوان فهو من لوازم رؤية الرب تبارك وتعالى.

قوله تعالى كلا بل ران على قلوبهم

والدليل الرابع: قوله -تعالى-: {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} 1.

ووجه الاستدلال بها أنه -سبحانه- جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤيته وسماع كلامه، فلو لم يره المؤمنون، ويسمعوا كلامه كانوا أيضا محجوبين عنه، وقد احتج بهذه الحجة الإمام الشافعي وغيره من الأئمة، فذكره الطبراني وغيره عن المزني قال: سمعت الشافعي يقول في قول الله عز وجل {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} 2 قال: فيها دليل على أن أولياء الله يرون ربهم يوم القيامة.

وقال الحاكم: حدثنا الأصم، حدثنا الربيع، قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قوله: {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ

1 سورة المطففين آية:14، 15.

2 سورة المطففين آية: 15.

ص: 704

يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} 1

قال: لما حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضاء.

قوله تعالى {لهم ما يشاءون فيها}

"والدليل الخامس": قوله عز وجل {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} 2 قال الطبراني: قال علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله عز وجل.

قوله تعالى لا تدركه الأبصار

"والدليل السادس": قوله عز وجل {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} 3 والاستدلال بهذه الآية عجيب فإنه من أدلة نفاة الرؤية، وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية وجه الاستدلال بها أحسن تقرير، وقال: لا يحتج مبطل بآية، أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله.

فمنها هذه الآية، وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها، فإنه -سبحانه- ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال، ولا يتمدح به.

وإنما يمدح الرب -تعالى- بالعدم إذا تضمن أمرا وجوديا، كتمدحه –سبحانه وتعالى بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته، وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغنائه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن كمال ذاته وصفاته.

ولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمرا ثبوتيا، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فلو كان المراد بقوله:{لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} 4 أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدحا ولا كمالا لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن العدم الصرف الذي لا يرى، ولا

1 سورة المطففين آية: 15.

2 سورة ق آية: 35.

3 سورة الأنعام آية: 103.

4 سورة الأنعام آية: 103.

ص: 705

تدركه الأبصار. والرب جل جلاله يتعالى أن يمدح بأمر يشاركه فيه العدم المحض، فالمعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، كما كان المعنى في قوله:{وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ} 1 أنه يعلم كل شيء، وفي قوله:{وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} 2 أنه كامل القدرة. وفي قوله: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} 3 أنه كامل العدل، وفي قوله:{لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} 4 أنه كامل القيومية.

وقوله: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} 5 يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك بحيث لا يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية كما قال تعالى:{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا} 6 فلم ينف موسى الرؤية، ولم يريدوا بقولهم إنا لمدركون: لمرئيون.

فإن موسى –عليه السلام نفى إدراكهم إياهم بقوله: "كلا" فأخبر الله -سبحانه- أنه لا يخاف دركهم بقوله: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى} 7 فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب -تعالى- يرى ولا يدرك، كما يعلم، ولا يحاط به، وهذا الذي فهمه الصحابة والأئمة.

قال ابن عباس: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} 8 لا تحيط به الأبصار، فالمؤمنون يرون ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم عيانا، ولا تدركه أبصارهم بمعنى أنها لا تحيط به، وهكذا يسمع كلامه من يشاء من خلقه، ولا يحيطون بكلامه، وكذلك يعلم الخلق ما علمهم، ولا يحيطون بعلمه.

ونظير هذا استدلالهم على نفي الصفات بقوله -تعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 9 وهذا من أعظم الأدلة على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله، وأنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مثل فيها، وهكذا جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل: فلان لا مثل له، وليس له نظير ولا شبيه، أنه قد تميز عن الناس بأوصاف

1 سورة يونس آية: 61.

2 سورة ق آية: 38.

3 سورة الكهف آية: 49.

4 سورة البقرة آية: 255.

5 سورة الأنعام آية: 103.

6 سورة الشعراء آية:61، 62.

7 سورة طه آية: 77.

8 سورة الأنعام آية: 103.

9 سورة الشورى آية: 11.

ص: 706

ونعوت لا يشاركونه فيها، وكلما كثرت أوصافه ونعوته فات، وبعد عن مشابهة أضرابه، فكيف بالحي القيوم الذي لا مثل له في ذاته وصفاته؟ فقوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 1 من أدل شيء على كثرة نعوته وصفاته. وقوله: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} 2 من أدل شيء على أنه يرى، ولا يدرك.

قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة

"والدليل السابع": قوله عز وجل {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 3 فأنت إذا أخرجت هذه الآية عن تحريفها عن موضوعها، والكذب على المتكلم بها -سبحانه- فيما أراد منها، وجدتها منادية نداء صريحا أن الله -سبحانه- يُرَى عيانا بالأبصار يوم القيامة، وإن أبيت إلا تحريفها الذي يسميه المحرفون: تأويلا، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والحساب أسهل على أربابه من تأويلها، وتأويل كل نص تضمنه القرآن والسنة كذلك.

ولا يشاء مبطل على وجه الأرض أن يتأول النصوص، ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجد متأول مثل هذه النصوص، وهذا الذي أفسد الدين والدنيا.

وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة "إلى" الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدى بإلى، خلاف حقيقته وموضوعه -صريح في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب جل جلاله.

فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته، وتعديه بنفسه، فإن عدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار، كقوله:{انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} 4 وإن عدي ب في فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله:{أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} 5 وإن عدي ب "إلى" فمعناه المعاينة بالأبصار، كقوله:{انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} 6 فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل النظر؟.

وكيف وقد قال صلى الله عليه وسلم في قوله -تعالى-: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} 7 قال "من البهاء والحسن"{إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 8 قال "في وجه الله عز وجل".

1 سورة الشورى آية: 11.

2 سورة الأنعام آية: 103.

3 سورة القيامة آية:22، 23.

4 سورة الحديد آية: 13.

5 سورة الأعراف آية: 185.

6 سورة الأنعام آية: 99.

7 سورة القيامة آية: 22.

8 سورة القيامة آية: 23.

ص: 707

فاسمع أيها الإنسان تفسير النبي صلى الله عليه وسلم والأحاديث الدالة على الرؤية متواترة رواها عنه صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وجرير بن عبد الله، وصهيب، وعبد الله بن مسعود، وعلي ابن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبو رزين وجابر بن عبد الله، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثه موقوف، وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيد، وحديثه موقوف، فمن أراد الاطلاع عليها فليراجعها في مظانها.

قوله تعالى وهو معكم

وقوله -تعالى-: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} 1 وهذه الآية من أدل شيء على مباينة الرب لخلقه باستوائه على عرشه، وهو يعلم ما هم فاعلون، ويراهم وينفذهم بصره، ويحيط بهم علما وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا، فهذا معنى كونه -سبحانه- معهم أينما كانوا. انتهى كلام ابن القيم.

قال الحافظ الذهبي في قوله -تعالى-: {وَهُوَ مَعَكُمْ} 2 هو كما إذا كتبت إلى رجل: إني معك، وأنت غائب عنه. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في ربيعة وحبيب ابني عمر، وصفوان بن أمية؛ كانوا يوما يتحدثون، فقال أحدهم: هل يعلم الله ما نقول؟ وقال الثاني: يعلم البعض دون البعض، وقال الثالث: إن كان يعلم البعض فيعلم الكل.

والمراد من قوله -تعالى-: {مَعَكُمْ} 3 كونه -تعالى- عالما بكلامهم وضميرهم وسرهم وإعلانهم، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه"العرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم".

1 سورة الحديد آية: 4.

2 سورة الحديد آية: 4.

3 سورة الحديد آية: 4.

ص: 708

وعن زر عن عبد الله قال: ما بين السماء القصوى وبين الكرسي خمسمائة سنة، وما بين الكرسي والماء خمسمائة سنة، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم".

وقال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة رحمه الله فيما نفى عن الله عز وجل من الكون في الأرض، وأصاب فيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع بأن الله -تعالى- في السماء.

وبلغنا عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي صاحب الفقه الأكبر قال: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء، أو في الأرض فقال: قد كفر؛ لأن الله يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1 وعرشه فوق سماواته، فقلت: إنه يقول: أقول {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 2 ولكن قال: لا يدري العرش في السماء، أو في الأرض؟ فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. رواها صاحب الفاروق بإسناد عن أبي بكر بن يحيى عن الحكم.

وسمعت الفاسي الإمام تاج الدين عبد الخالق بن علوان، قال سمعت الإمام أبا محمد عبد الله بن أحمد المقدسي مؤلف المقنع يقول: بلغني عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: من أنكر أن الله عز وجل في السماء فقد كفر، وقال محمد بن كثير: سمعت الأوزاعي يقول: كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن الله عز وجل فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. أخرجه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات.

وروى أبو إسحاق المفسر قال: سئل الأوزاعي عن قوله -تعالى-: {ثم اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} 3 قال هو على العرش كما وصف نفسه، وقد سأل الوليد بن مسلم الإمام أبا عمرو الأوزاعي عن أحاديث الصفات، فقال: أمروها كما جاءت

1 سورة طه آية: 5.

2 سورة طه آية: 5.

3 سورة الحديد آية: 4.

ص: 709

ومن كلام هذا الإمام عليك بآثار من سلف، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول.

وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة عن مقاتل بن حيان في قوله -تعالى-: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} 1 قال: هو على عرشه وعلمه معهم.

وروى البيهقي بإسناده عن مقاتل بن حيان قال: بلغنا- والله أعلم- في قوله -تعالى-: {هُوَ الأَوَّلُ} 2 قبل كل شيء {وَالآخِرُ} بعد كل شيء {وَالظَّاهِرُ} فوق كل شيء، {وَالْبَاطِنُ} أقرب من كل شيء، وأنه قريب بعلمه، وهو فوق عرشه، وسئل سفيان الثوري عن قوله عز وجل {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} 3 قال علمه.

الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية: حدثني أبي، حدثنا شريح بن النعمان عن عبد الله بن نافع، قال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه" ولهذا افتتح سبحانه وتعالى الآية بالعلم، واختتمها بالعلم بقوله:{أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ} 4 وقوله: {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 5 كما قاله الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وقال تعالى:{َيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} 6 وقال: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} 7 وقال: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} 8 وقال فيما أخبر به عن عيسى عليه السلام: {عْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} 9.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهقال: لا أحد أغير من الله؛ ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها؛ وما بطن، ولا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه. رواه البخاري في الصحيح عن حفص بن عمر، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن سعد، وعنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " ما أحد أحب إليه المدح من الله ومن أجل ذلك مدح نفسه، وما أحد أغير من الله، ومن أجل ذلك حرم الفواحش"10.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب كتبه على نفسه، وهو مرفوع فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي" 11 رواه مسلم

1 سورة المجادلة آية: 7.

2 سورة الحديد آية: 3.

3 سورة الحديد آية: 4.

4 سورة البقرة آية: 77.

5 سورة البقرة آية: 29.

6 سورة آل عمران آية: 28.

7 سورة الأنعام آية: 54.

8 سورة طه آية: 41.

9 سورة المائدة آية: 116.

10 البخاري: تفسير القرآن "4634"، ومسلم: التوبة "2760"، والترمذي: الدعوات "3530" ، وأحمد "1/381 ،1/425 ،1/436"، والدارمي: النكاح "2225".

11 البخاري: بدء الخلق "3194"، ومسلم: التوبة "2751"، والترمذي: الدعوات "3543"، وابن ماجه: المقدمة "189" والزهد "4295" ، وأحمد "2/358".

ص: 710

في الصحيح. وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله -سبحانه- لما خلق الخلق كتب بيده على نفسه: إن رحمتي سبقت غضبي"1.

وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التقى آدم وموسى فقال موسى لآدم: أنت آدم الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ قال: فقال آدم لموسى: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته، واصطنعك لنفسه" 2 الحديث رواه البخاري في الصحيح.

وعن الصلت بن محمد، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة" 3 أخرجاه في الصحيح من وجه عن الأعمش.

وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله: "ابن آدم اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي فإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة، أو قال: في ملأ خير منه"4.

وعن أبي ذر الغفاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال: "إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا" 5 رواه مسلم في الصحيح.

وعن ابن عباس عن جويرية "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بها حين صلى الغداة، أو بعد ما صلى الغداة، وهي تذكر الله، ثم مر بها بعد ما ارتفع النهار، أو بعد ما انتصف النهار، وهي كذلك فقال لها: لقد قلت منذ وقفت عليك كلمات ثلاث مرات هن أكثر أو أرجح، أو أوزن مما كنت فيه منذ الغداة: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته" رواه مسلم في الصحيح.

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} 6 فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

"كذا

1 البخاري: بدء الخلق "3194"، ومسلم: التوبة "2751"، والترمذي: الدعوات "3543"، وابن ماجه: المقدمة "189" ، وأحمد "2/257 ،2/259 ،2/313 ،2/358 ،2/381 ،2/397 ،2/433".

2 البخاري: تفسير القرآن "4736"، ومسلم: القدر "2652"، والترمذي: القدر "2134"، وأبو داود: السنة "4701"، وابن ماجه: المقدمة "80" ، وأحمد "2/248 ،2/264 ،2/268 ،2/287 ،2/314 ،2/392 ،2/398 ،2/448 ،2/464"، ومالك: الجامع "1660".

3 البخاري: التوحيد "7405 ،7505"، ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار "2675"، والترمذي: الزهد "2388" والدعوات "3603"، وابن ماجه: الأدب "3822" ، وأحمد "2/251 ،2/413 ،2/435 ،2/445 ،2/480 ،2/482 ،2/515 ،2/517 ،2/524 ،2/534".

4 أحمد "3/138".

5 مسلم: البر والصلة والآداب "2577".

6 سورة الزمر آية: 67.

ص: 711

يمجد نفسه -جل وعز-: أنا الجبار أنا العزيز أنا المتكبر" 1 فرجف به المنبر حتى قلنا: ليخر به إلى الأرض.

وقال تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} 2 وقال: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} 3 وقال: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} 4 عن نافع أن عبد الله بن عمر أخبره أن المسيح الدجال ذكر بين ظهراني الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور عينه اليمنى، كأن عينه عنبة طافية" 5 رواه البخاري في الصحيح.

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما بعث نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر" 6 وعن ابن عباس: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} 7 قال: بعين الله تبارك وتعالى.

ساق الله وذات الله وما ورد في ذلك

وقال -تعالى-: {وْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} 8 عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "قلنا يا رسول الله: أنرى ربنا -تعالى ذكره-؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس إذا كان صحو؟ قلنا: لا. قال: فتضارون في رؤية القمر ليلة البدر إذا كان صحو؟ قلنا: لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهما، ثم ينادي مناد: ليذهب كل قوم مع من كانوا يعبدون"9.

فذكر الحديث، وقال فيه:"فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: الساق. فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا "10.

قال وذكر الحديث رواه البخاري في الصحيح عن ابن بكير، ورواه عن آدم بن إياس عن الليث مختصرا. وقال في الحديث:"يكشف ربنا عن ساقه" 11 ورواه مسلم عن عيسى بن حماد الليثي، كما رواه ابن بكير.

وروي ذلك أيضا عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال -تعالى-:

1 أحمد "2/72".

2 سورة طه آية: 39.

3 سورة الطور آية: 48.

4 سورة هود آية: 37.

5 البخاري: أحاديث الأنبياء "3440"، ومسلم: الإيمان "169" ، وأحمد "2/27 ،2/126".

6 البخاري: الفتن "7131"، ومسلم: الفتن وأشراط الساعة "2933"، والترمذي: الفتن "2245"، وأبو داود: الملاحم "4316" ، وأحمد "3/103".

7 سورة هود آية: 37.

8 سورة القلم آية: 42، 43.

9 ابن ماجه: المقدمة "179" ، وأحمد "3/16".

10 البخاري: التوحيد "7440".

11 البخاري: تفسير القرآن "4919".

ص: 712

{عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} 1 وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 2.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره: "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، التقوى ههنا، وأشار إلى صدره" 3 رواه مسلم في الصحيح عن أبي الطاهر عن ابن وهب، وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله عز وجل لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"4.

وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" 5 هذا هو الصحيح المحفوظ فيما بين الحفاظ، فأما الجاري على ألسنة جماعة من أهل العلم وغيرهم: إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم. فهو مخالف للحديث الصحيح، ولقوله -تعالى-:{فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} 6.

وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لم يكذب إبراهيم قط إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله قوله: {إني سقيم} ، وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا} ، وواحدة في شأن سارة: إنها أختي" 7 رواه البخاري في الصحيح عن معبد بن تليد عن ابن وهب، ورواه مسلم عن أبي الطاهر.

وعن ابن عباس قال: "تفكر في كل شيء ولا تفكر في ذات الله"، وعن أبي الدرداء: لا تفقه كل التفقه حتى تمقت الناس في ذات الله، ثم تقبل على نفسك فتكون لها أشد مقتا منك للناس، إلى غير هذا من الآيات الصريحة، والأحاديث الصحيحة التي يجب الإيمان بها، والعمل بمقتضاها من غير تحريف وتبديل وتشبيه وتعطيل، بل نثبت ما أثبت الله لنفسه، ونكل علمه إليه، ونقول:

1 سورة الأعراف آية: 129.

2 سورة آل عمران آية: 77.

3 مسلم: البر والصلة والآداب "2564"، وابن ماجه: الزهد "4143" ، وأحمد "2/284".

4 مسلم: البر والصلة والآداب "2564" ، وأحمد "2/539".

5 مسلم: البر والصلة والآداب "2564"، وابن ماجه: الزهد "4143".

6سورة التوبة آية: 105.

7 البخاري: أحاديث الأنبياء "3358"، ومسلم: الفضائل "2371"، والترمذي: تفسير القرآن "3166"، وأبو داود: الطلاق "2212" ، وأحمد "2/403".

ص: 713

آمنا بالله على مراد الله، كما قاله خير القرون الذين هم بالله وصفاته عارفون من الخلفاء الراشدين، والصحابة، والتابعين، ومن على سننهم من أئمة المسلمين.

كما قال أبو المعالي الجويني إمام الحرمين: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، بل هم بين مشبه ومعطل، والطريق المخلص منهما طريق القرآن، اقرأ في الإثبات:{الرحمن على العرش استوى} 1 {لَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} 2 واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 3 {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} 4 ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.

تأويل صفات الله وأفعاله يستلزم ظن السوء به

قال ابن القيم: من ظن أن الله سبحانه وتعالى أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل، وتشبيه وتمثيل، وترك الحقائق المقصودة من كلامه –سبحانه وتعالى، ورمز إليهم رموزا بعيدة، وأشار إليهم إشارة ملغزة، وصرح بالتشبيه والتمثيل والأمور الباطلة التي لا تجوز عليه، ولا تليق به.

وأراد من خلقه أن يبعثوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله المفهوم من ظاهره، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة شرعا وعقلا، والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفته، وأسمائه، وصفاته على عقولهم وآرائهم، لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينفي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في الاعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدي والبيان- فقد ظن به ظن السوء.

فإنه إن قيل: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه فقد ظن العجز بقدرته، وإن قيل: إنه قادر، ولم يبين، وعدل عن البيان والتصريح بالحق إلى ما يوهم

1 سورة طه آية: 5.

2 سورة فاطر آية: 10.

3 سورة الشورى آية: 11.

4سورة طه آية: 110.

ص: 714

بل يوقع في الباطل المحال، والاعتقاد الفاسد، فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء، وظن أنه وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم وعبارتهم، وأما كلام الله، فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام االمتهوكين الحائرين هو الهدى والحق، هذا من سوء الظن بالله، فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء، ومن الظانين بالله غير الحق ظن الجاهلية.

أنواع المبتدعين الظانين بالله ظن السوء

ومن ظن به أنه ليس فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وأن نسبة ذاته -تعالى- إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل السافلين، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه أسفل كما هو أعلى، وأن من قال: سبحان ربي الأسفل، كمن قال: سبحان ربي الأعلى، فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه.

ومن ظن به خلاف ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، أو عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، فقد ظن به ظن السوء.

ومن ظن به أن أحدا يشفع عنده بغير إذنه، وأن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، وأنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويتوسلون بهم عليه، ويجعلونهم وسائط بينه وبينهم، فيدعونهم في حاجتهم إليه –سبحانه وتعالى، فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه اهـ.

وقال الحافظ الذهبي: وما أدركنا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازا، وعراقا، وشاما، ويمنا يقولون: إن الله على عرشه بائن من خلقه، كما وصف نفسه بلا كيف، وأحاط بكل شيء علما، وهكذا يقولون في جميع الصفات القدسية.

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: مذهبنا واختيارنا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين من بعدهم، والتمسك بمذاهب أهل الأثر مثل الشافعي وأحمد وغيرهم رحمهم الله، ونعتقد أن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه {كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1.

1 سورة الشورى آية: 11.

ص: 715

القرآن كلام الله غير مخلوق

وقال محمد بن أسلم الطوسي: القرآن كلام الله غير مخلوق أينما تلي، وحيثما كان لا يتغير، ولا يتبدل، ينقل من المصحف مائة مصحف، وذاك الأول لا يتحول في نفسه، ولا يتغير، وتلقن القرآن ألف نفس، وما في صدرك باق بهيئته، وذاك أن المكتوب والكتابة تعددت، والذي في صدرك واحد، وما في صدور المؤمنين هو عين ما في صدرك، والمتلو واحد، وإن تعدد التالون له، وهو كلام الله ووحيه وتنزيله ليس هو كلامنا أصلا، وتكلمنا به، وتلاوتنا له من أفعالنا، وكذلك كتابتنا له، وأصواتنا به من أعمالنا {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} 1.

فالقرآن المتلو مع قطع النظر عن أعمالنا كلام الله ليس بمخلوق، فإذا سمعه المؤمنون في الآخرة من رب العالمين، فالتلاوة إذ ذاك والمتلو ليسا بمخلوقين.

وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي ما تقول في الرجل يقول التلاوة مخلوقة، وألفاظنا بالقرآن مخلوقة، والقرآن كلام الله ليس بمخلوق؟.

وكان أبي يكره أن يتكلم في اللفظ بشيء، أو يقال مخلوق، أو غير مخلوق كلام حسن، وإلا فالملفوظ كلام الله، والتلفظ به فمن كسبنا.

وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتابه مختلف الحديث: نحن نقول في قول الله -تعالى-: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} 2 يعلم ما هم عليه كما إذا وجهت رجلا إلى بلد، وقلت له: احذر التقصير فإني معك، تريد أنه لا يخفى علي تقصيرك، ولا يسوغ لأحد أن يقول: إنه -سبحانه- بكل مكان على الحلول فيه مع قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 3 ومع قوله: {إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} 4 فكيف يصعد إليه شيء هو معه، وكيف تعرج الملائكة والروح إليه وهي معه؟.

ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم، وما ركبت عليه ذواتهم في معرفة الخالق لعلموا أن الله عز وجل هو العلي الأعلى، وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه، والأمم كلها أعجميها وعربيها تقول: إن الله في السماء ما تركت على فطرها.

1 سورة الصافات آية: 96.

2 سورة المجادلة آية: 7.

3 سورة طه آية: 5.

4 سورة فاطر آية: 10.

ص: 716

أقوال الأئمة في أخذ الصفات بلا تأويل ولا تمثيل

وقال ابن خزيمة: من لم يقر بأن الله على عرشه، استوى فوق سبع سماواته بائن من خلقه، فهو كافر يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، وكان إماما في الحديث، وإماما في الفقه.

وقال ابن سريج: حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الألباب أن تصفه بغير ما وصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صح عند جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآيات، والأخبار الصادقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب على المسلمين الإيمان بكل واحد منها كما ورد، وأن السؤال عن معانيها بدعة وكفر وزندقة مثل قوله:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1 وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} 2.

وقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} 3 ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية والنفس، واليدين والوجه، والسمع والبصر والضحك والتعجب، والنزول إلى السماء الدنيا: اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن أن نقبلها، ولا نردها، ولا نتناولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية.

وسئل أبو جعفر الترمذي عن حديث نزول الرب فقال: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

فالنزول والكلام، والسمع والبصر، والاستواء عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف.

وقال الطحاوي في العقيدة التي ألفها: " ذكر بيان السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رضي الله عنهم" نقول: في توحيد الله معتقدين أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ما زال بصفاته قبل خلقه، وأن القرآن كلام الله يتلى، وأنزله على نبيه وحيا، وصدقه المؤمنون حقا، وأيقنوا أنه كلام

1 سورة طه آية: 5.

2 سورة البقرة آية: 210.

3 سورة الفجر آية: 22.

ص: 717

الله بالحقيقة ليس بمخلوق، فمن سمعه وزعم أنه كلام البشر فقد كفر، والرؤية لأهل الجنة حق بغير إحاطة ولا كيفية.

وكل ما في ذلك من الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد سبحانه وتعالى، ولا تثبت قدم الإسلام، إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام ما حظر عليه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصحيح الإيمان، ومن لم يَتَوَقَّ النفي والتشبيه زل، ولم يصب التنزيه، إلى أن قال: والعرش والكرسي حق كما بين في كتابه، وهو مُسْتَغْنٍ عن العرش، وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه.

حكاية الأشعري لعقائد أهل السنة

وقال أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه: " اختلاف المصلين، ومقالات الإسلاميين" فذكر فِرَق الخوارج والروافض والجهمية وغيرهم، إلى أن ذكر مقالات أهل السنة، وأصحاب الحديث.

قال: قولهم الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الله -تعالى- على عرشه كما قال:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1 وأن له يَدَيْن بلا كيف كما قال: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} 2 {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} 3 وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك كما نفته المعتزلة.

وقالوا: لا يكون في الأرض من خير وشر إلا ما شاء الله، كما قال -تعالى-:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ} 4 ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، ويؤمنون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر" 5 الحديث.

ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} وأن الله -تعالى- يقرب من خلقه كيف شاء قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} 6.

1 سورة طه آية: 5.

2 سورة النساء آية: 166.

3 سورة فاطر آية: 11.

4 سورة الإنسان آية: 30.

5 البخاري: الجمعة "1145" والدعوات "6321" والتوحيد "7494"، ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها "758"، والترمذي: الصلاة "446" والدعوات "3498"، وأبو داود: الصلاة "1315" والسنة "4733"، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها "1366" ، وأحمد "2/258 ،2/264 ،2/267 ،2/282 ،2/383 ،2/419 ،2/433 ،2/487 ،2/504 ،2/521 ،3/94"، ومالك: النداء للصلاة "496"، والدارمي: الصلاة "1478 ،1479 ،1484".

6 سورة ق آية: 16.

ص: 718

إلى أن قال: فهذا جملة ما يأمرون به، ويعتقدونه، ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب.

كلام الأشعري في علو الله تعالى

وذكر الأشعري في كتابه المذكور في "باب هل الباري -تعالى- في مكان دون مكان، أم ليس في مكان، أم في كل مكان؟ " فقال: اختلفوا في ذلك على سبع عشرة مقالة:

"منها": قول أهل السنة وأصحاب الحديث: إنه ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وإنه على العرش كما قال:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1 ولا نتقدم بين يدي الله بالقول، بل نقول: استوى بلا كيف، وإن له يدين كما قال:{خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَ} 2 وإنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث، ثم قال: وقالت المعتزلة: استوى على عرشه بمعنى استولى، وتأولوا اليد بمعنى النعمة، وقوله:{تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} 3 أي بعلمنا.

وقال فيه أيضا في باب الاستواء فإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل نقول: إن الله مستو على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} 4 وقال: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} 5.

وقال حكاية عن فرعون: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً} 6 أكذب فرعون موسى في قوله: إن الله فوق سماواته.

وقال عز وجل {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} 7 فالسماوات فوقها العرش، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات، فلولا أن الله -تعالى- فوق عرشه ما قال في حق ملائكته:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} 8 ولما فطر الخلق عند سؤاله على رفع الأيدي إلى السماء.

وقال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرووية: إن معنى "استوى" استولى وملك وقهر، بما يفيد التجدد والحدوث في الملك، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا،

1 سورة طه آية: 5.

2 سورة ص آية: 75.

3 سورة القمر آية: 14.

4 سورة فاطر آية: 10.

5 سورة النساء آية: 158.

6 سورة غافر آية: 36، 37.

7 سورة الملك آية: 16.

8 سورة النحل آية: 50.

ص: 719

بل هو مستو ومالك وقاهر على العرش، وعلى جميع مخلوقاته من حين خلقهم.

وقالوا: إنه في كل مكان، وجحدوا أن يكون على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين العرش، وبين الأرض السابعة؛ لأنه قادر على كل شيء، وكيف يكون في كل مكان؟ ومنه الحشوش والحانات، والمزابل، وما أشبه ذلك من الأماكن المستقذرة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يكون الله في شيء من ذلك، فبطل ما يقولونه بالنقل والعقل.

وذكر أدلة من الكتاب والسنة والعقل سوى ذلك فلا نطيل بذكرها فلتراجع في مظانها.

قول الإمام أحمد في عقيدة أهل السنة

وقال أحمد: جملة ما نقول أن نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الله إله واحد في ذاته وصفاته، لا إله غيره، وإن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله -تعالى- مستو على عرشه كما قال:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1 وأن له وجها كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} 2 وأن له يدين كما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} 3 وأن له عينا بلا كيف كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} 4. وأن من زعم أن اسم الله غيره كان جاهلا، وأن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، وأنه يقلب القلوب بين إصبعين من أصابعه، وأنه يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، وأنه ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا كما جاءت الأحاديث، وأنه يقرب من خلقه كيف يشاء، كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} 5 وكما قال: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} 6 إلى أن قال: ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة ومجانبة أهل الأهواء.

وقد أخذ أبو الحسن"الأشعري" عن الجبائي، ثم نابذه، ورد عليه، وصار متكلما بالسنة،

1 سورة طه آية: 5.

2 سورة الرحمن آية: 27.

3 سورة المائدة آية: 64.

4 سورة القمر آية: 14.

5 سورة ق آية: 16.

6 سورة النجم آية:8، 9.

ص: 720

ووافق أئمة الحديث في جمهور ما يقولونه، وقد نقل إجماعهم على ذلك وموافقتهم عليه، وكان يتوقد ذكاء، وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وله أربع وستون سنة رحمه الله.

وقال علي بن خلف شيخ الحنابلة ببغداد: الكلام في الرب محدث وبدعة وضلالة، فلا يتكلم في الله إلا بما وصف به نفسه، ولا يقال في صفاته: لم؟ ولا كيف على عرشه استوى؟ وعلمه بكل مكان، والقرآن كلام الله وتنزيله، ونوره ليس بمخلوق.

اعتقاد أهل السنة في صفات الله

وقال الحافظ أبو بكر محمد بن الحسين الآجري في "كتاب الشريعة في السنة" في باب التحذير من مذهب الحلولية: فالذي ذهب إليه أهل العلم أن الله -تعالى- على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء، ويرفع إليه أعمال العباد، فإن قيل: ما معنى قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} 1 قيل: علمه والله على عرشه، وعلمه محيط بهم، والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم، وهو على عرشه، هذا قول المسلمين.

وقال مالك رحمه الله: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان، وقال أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي في كتابه:"المسمى اعتقاد أهل السنة" قال: اعلموا رحمكم الله أن مذهب أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما نطق به كتاب الله، وما صحت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نعدل عما وردا به، ويعتقدون أن الله -تعالى- مدعو بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي وصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه، خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان بلا كيف، واستوى على عرشه، وأحاط بكل شيء علما.

وقال الإمام محمد الهروي 2 صاحب التهذيب: الله -تعالى-على العرش، ويجوز

1 سورة المجادلة آية: 7.

2 كذا في الأصل ولعله أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي.

ص: 721

أن يقال في المجاز: هو في السماء لقوله: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} 1.

وقال الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب "مشكل الآثار" له في باب قوله -تعالى-: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} 2: اعلم أن الله في السماء فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول العرب، استويت على ظهر الدابة، واستويت على سطح الدار، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي.

فالقديم جل جلاله وتعالت عظمته- عال على عرشه بذاته، بائن من مخلوقاته؛ لقوله:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} 3 وقوله: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} 4 وقوله: {عْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} 5.

الرد على من أول الاستواء بالاستيلاء

وزعم البلخي أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من قول العرب استوى بشر على العراق إذا استولى عليها.

"فالجواب": أن الاستواء هنا ليس بمعنى الاستيلاء، لأن الله مستول على العرش، وعلى جميع مخلوقاته من حين أوجدهم كما هو المعلوم من الدين بالضرورة، فلا معنى حينئذ لتخصيص العرش بالاستيلاء عليه من دون سائر خلقه، فبان بذلك بطلان قوله، وكذلك أيضا الاستواء هنا ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان على كذا، أي استولى إذا تمكن من بعد أن لم يكن متمكنا، والبارىء عز وجل لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكنا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث والآثار، وما عليه الصحابة والتابعون، وتابعوهم وأئمة المسلمين من المجتهدين والمقلدين، وبالله المستعان، وعليه التكلان.

وفيما ذكر كفاية لمن له أدنى دراية، وبالله التوفيق إلى سواء الطريق، وحسبنا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

1 سورة الملك آية: 16.

2 سورة طه آية: 5.

3 سورة الملك آية: 16.

4 سورة آل عمران آية: 55.

5 سورة المعارج آية: 4.

ص: 722