الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
التمهيد
ويشتمل على ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: بيان بعض المصطلحات العقدية، وتعريفها
.
ونبدأ هذه المصطلحات بذكر تعريف العقيدة نفسها.
1 -
فالعقيدة في اللغة: مأخوذة من العقد، وهو الشد والربط والإيثاق والثبوت والإحكام.
وفي الاصطلاح: الإيمان الجازم بالله تعالى، وبما يجب له من التوحيد، والإيمان بملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرِّه، وبما يتفرع عن هذه الأصول ويلحق بها مما هو من أصول الدين.
وقد أطلق كثير من السلف على العقيدة الصحيحة اسم (السُّنَّة)، وذلك لتمييزها عن عقائد ومقولات الفرق الضالة، لأن العقيدة الصحيحة - وهي عقيدة أهل السنة والجماعة - مستمدة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، التي هي مبينة للقرآن.
وقد ألَّف بعض السلف كتبًا في العقيدة أسموها (السنة)، ومنها كتاب (السنة) للإمام أحمد بن حنبل، وكتاب (السنة) لابن أبي عاصم، وغيرهما.
كما أطلق بعض العلماء على العقيدة اسم (أصول الدين)، وذلك أن ملة
النبي صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى اعتقاديات وعمليات، والمراد بالعمليات علم الشرائع والأحكام المتعلقة بكيفية العمل، كأحكام الصلاة والزكاة والبيوع وغيرها، وتسمى (فرعية)، أو (فروع)، فهي كالفرع لعلم العقيدة، لأن العقيدة أشرف الطاعات، ولأن صحتها شرط في قبول العبادات العملية، فإذا فسدت العقيدة لم تقبل العبادة، وبطل أجرها، كما قال تعالى:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)} [الزمر: 65].
هذا وقد أطلق بعض العلماء على العقيدة اسم (الفقه الأكبر)، وذلك لأن العقيدة هي أصل الدين، والفقه العملي - الذي يسمى (الفقه الأصغر) - فروعه، كما سبق.
وقد ألّف الإمام أبو حنيفة رسالة في العقيدة أسماها (الفقه الأكبر).
2 -
أهل السنة والجماعة:
هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة.
وهم: المتمسكون بالعقيدة الصحيحة الخالية من شوائب البدع والخرافات وهي العقيدة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفق عليها أصحابه رضي الله عنهم.
وقد سُمُّوا (أهل السنة) لعملهم بمقتضى سنة النبي صلى الله عليه وسلم المبينة للقرآن، عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ"، فهم يعلمون أن هدي
النبي صلى الله عليه وسلم خير الهدي، فقدموه على هدي من سواه.
وسُمُّوا (الجماعة) لأنهم اجتمعوا على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه سلف هذه الأمة، فهم قد اجتمعوا على الحق، وعلى عقيدة الإسلام الخالية من الشوائب.
وأيضًا فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الفرقة الناجية المتبعة لسنته وطريقة أصحابه - وهم أهل السنة والجماعة - سماهم (الجماعة)، فقد ثبت عن معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ
(1)
بصاحبه .. ".
وهذه التسمية (أهل السنة والجماعة) وصف صادق يميز أهل العقيدة الصحيحة وأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم عن الفرق الأخرى التي تسير على غير طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن هذه الفرق من يأخذ عقيدته من عقول البشر وعلم الكلام الذي ورثوه عن فلاسفة اليونان، فيقدمونها على كلام الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيردون النصوص الشرعية الثابتة أو يؤولونها لمجود أن بعض العقول البشرية لم تقبل أو لم تستسغ ما دلت عليه هذه النصوص. ومن هذه الفرق: الفلاسفة، والقدرية، والماتوريدية، والجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة الذين
(1)
الكَلَب بفتح اللام مرض يصيب الكلب، فيصيبه شبه الجنون، فإذا عض إنسانًا أصيب الإنسان بهذا المرض، وأصيب بالعطش الشديد، ولا يشرب، حتى يموت. ينظر النهاية 4/ 195، لسان العرب 1/ 723.
قلَّدوا الجهميَّة في بعض آرائهم.
ومن هذه الفرق من يأخذ عقيدته من آراء مشايخهم وأئمتهم المبنية في كثير من الأحيان على الهوى، كالصوفية والرافضة وغيرهم، فيقدمون كلامهم على كلام الله وكلام رسوله خير البشر محمد صلى الله عليه وسلم.
كما أن هذه الفرق منها من تنتسب إلى من أسسها وأنشأ أصولها العقديَّة، كالجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان، والأشاعرة نسبة إلى أبي الحسن الأشعري - وإن كان الأشعري رجع عن هذه العقيدة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، لكن مقلِّدوه استمروا على عقيدته المخالفة لطريقة النبي صلى الله عليه وسلم التي رجع عنها -، والأباضية نسبة إلى عبد الله بن أباض، وغيرهم.
ومن هذه الفرق من تنتسب إلى بعض آرائها العقدية المخالفة للهدي النبوي، أو إلى بعض أفعالها السيئة، كالروافض نسبة إلى رفضهم إمامة أبي بكر وعمر وتبرئهم منهما، والقدرية نسبة إلى نفي القدر، والخوارج نسبة إلى الخروج على الولاة، وغيرهم.
فعصم الله أهل السنة من الانتساب والاتباع لغير سنة المعصوم من الخطأ والزلل رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، المؤيد بالوحي من السماء، والذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فليس لهم اسم ينتسبون إليه سوى (السنة).
وقد أطلق بعض العلماء على أهل السنة اسم (أصحاب الحديث) أو (أهل الحديث)، وذلك لأنهم اهتموا بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم رواية ودراية، واتبعوا ما جاءت به من العقائد والأحكام.
و (الحديث) و (السنة) لفظان معناهما متقارب.
وأهل السنة كذلك هم الفرقة المنصورة
(1)
إلى قيام الساعة، الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"لن تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" رواه البخاري ومسلم، وغيرهما.
وهم الفرقة الناجية المذكورة في حديث معاوية الذي سبق ذكره قريبًا، وغيره.
3 -
السلف:
السلف في اللغة: الجماعة المتقدمون: يقال: سلَف يسلُف أي مضى، وسلَفُ الإنسان: آباؤه المتقدمون.
وفي الاصطلاح: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم وسار على طريقتهم من أئمة الدين من آهل القرون الثلاثة المفضلة.
4 -
الخَلَف:
الخلف في اللغة: المتأخر، وكل من يجيء بعد من مضى.
وفي الاصطلاح: من خالف طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في باب العقائد كالخوارج والرافضة، وكأهل الكلام الذين قدموا العقل البشري على النصوص الشرعية: كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة والقدرية والمرجئة وغيرهم.
(1)
أي التي أيدها الله تعالى وقواها على من خالفها وعاداها، وجعل الغلبة لها.