الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المسألة التاسعة في أنواع المعجزة]
المسألة التاسعة
في أنواع المعجزة إن آيات المعجزات التي أيد الله بها رسله قد اختلفت أنواعها، وتباينت مظاهرها وأشكالها، إلا أنها تجتمع في أن كلا منها قد عجز البشر عن أن يأتوا بمثله، منفردين أو مجتمعين، فكانت بذلك شاهد صدق على الرّسالة، وحجًة قاطعة تخرس الألسنة، وينقطع عندها الخصوم، ويجب لها التّسليم والقبول.
ويغلب أن تكون معجزة كل رسول مناسبة لما انتشر في عصره، وبرز فيه قومه، وعُرفوا بالمهارة فيه، ليكون ذلك أدعى لفهمها، وأعظم لدلالتها على المطلوب، وأمكن في الالتزام بمقتضاها، ففي عهد موسى، عليه السلام، انتشر السحر، ومهر فيه قومه، حتى أثروا به على النفوس، وسحروا به أعينَ الناظرين، وأوجس في نفسه خيفة منه من شهده، وإن كان عالي الهمّة، قوي العزيمة، فكان ما آتاه اللهّ نبيه موسى فوق ما تبلغه القوى والقدر، وما لا يدرك بالأسباب والوسائل، وقد أوضح الله
ذلك في كثير من الآيات، منها قوله- تعالى-:{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى - قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى - قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى - فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى - قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى - وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى - لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} [طه: 17 - 23]
ولهذا بُهت السحرة، وبطل ما جاءوا به من التمويه والتضليل، وامتاز الحق عن الباطل.
قال- تعالى-: {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ - قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الأعراف: 120 - 122]
وفي عهد المسيح عيسى ابن مريم، عليه السلام، برع بنو إسرائيل في الطب فكان مما آتاه الله أن يصوّر من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيرًا بإذن الله، وإبراءُ الأكمه والأبرص بإذن الله، وإحياء الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الآيات التي ثبتت بها رسالته، وقامت بها الحجة على قومه.
وفي عهد محمد، صلى الله عليه وسلم، كان العرب قد بلغوا الغاية في فصاحة اللسان، وقوة البيان، وجرت الحكمة على ألسنتهم حتى
اتخذوا ذلك ميدانًا للسباق والمباراة، فأنزل الله القرآن على رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم، فكانت بلاغته، وبيانه، وما تضمنه من الحِكم والأمثال جانبًا من جوانب إعجازه، قال، صلى الله عليه وسلم:«ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وَحْيًا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (1) .
وليست معجزات موسى، وعيسى، ومحمد، عليهم السلام، مقصورة على ما ذُكِرَ، وإنما ذلك بيان لما تحدى به كل منهم قومه، وجعله قاعدة يَبْني عليها دعوته، وتثبت بها رسالته، وإلا فلهؤلاء وغيرهم من الأنبياء كثير من الآيات البيّنات، والعلامات الواضحات التي دلّت على صدقه سوى ما تحدّى به كل نبي قومه.
ومنها ما يرجع إلى سيرتهم قبل الرسالة، فإن الله - تعالى- قد أعدّهم لتحمل أعباء رسالته، ومنها ما يرجع إلى ثبات جأشهم، وقوة بأسهم في مقام الدعوة، والجهاد في سبيل نصرتها، ونشرها بنفسه، وبمن آمن معه، وما أقلهم عددًا،
(1)"مختصر صحيح مسلم "(19) عن أبي هريرة- رضي الله عنه.
وأضعفهم شوكة، مع غنى عدوهم، وكثرة عَدَدهم، وعُددهم، وقوة سلطانهم، إلى غير ذلك ممَا يدل على صدق الدّاعي في دعوته، وكمال يقينه بها.
ومنها: ما يرجع إلى سلامة الشريعة التي يدعون إليها، وحكمتهم في حمل الناس عليها، وقوة حجاجهم في الدفاع عنها، وما شوهد من آثارها في صلاح من اهتدى بها من الأمم في الدولة، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والحرب، والسلم، وغير ذلك من أحوال الشعوب، حتى إذا حرّفوها عن مواضعها، فأولوها على غير وجهها، أو أعرضوا عنها، وتركوا العمل بها دالت دولتهم، وساءت حالتهم، فإن العاقبة للمتقين، والخيبة والخزي على المفسدين.
ومنها ما يرجع إلى آيات حسية أكرم بها رسله، ومن آمن بهم من: تفريج كربة، وإزالة شدّة، أو خوارق عادات طلبتها الأمة بغيًا وعنادًا، فأجيبت إليها دفعًا للحرج عن الرسل، وزيادة في التثبيت لهم، والإِعذار إلى من كفر بهم.
ومنها: ما يرجع إلى تعليم الصناعات، وتيسير طرقها: كإسالة عين القطر، وإلانة الحديد لداود، عليه السلام، على خلاف سنة الكون، ليكون ذلك آية له وكرامة، وليكون سعة