المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[توحيد الأسماء والصفات] - مذكرة التوحيد

[عبد الرزاق عفيفي]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة في تعريف التوحيد وبيان الحكم وأقسامه]

- ‌[مسائل المسألة الأولى إثبات أن العالم ممكن]

- ‌[المسألة الثانية الممكن محتاج إلى موجد ومؤثر]

- ‌[المسألة الثالثة في إثبات وجوب الوجود لله سبحانه وتعالى]

- ‌[المسألة الرابعة في أنواع التوحيد]

- ‌[توحيد الربوبية]

- ‌[توحيد الأسماء والصفات]

- ‌[توحيد الإلهية]

- ‌[المسألة الخامسة في الفرق بين النبي والرسول وبيان النسبة بينهما]

- ‌[المسألة السادسة في إمكان الوحي والرسالة]

- ‌[المسألة السابعة في حاجة البشر إلى الرسالة]

- ‌[المسألة الثامنة في المعجزة الفرق بينها وبين السحر]

- ‌[المسألة التاسعة في أنواع المعجزة]

- ‌[قصة يوسف عليه السلام]

- ‌[قصة موسى عليه السلام]

- ‌[خاتمة وتشتمل على أمرين]

- ‌[الأمر الأول الطريقة المثلى للدعوة إلى الله]

- ‌[الأمر الثاني الطريقة المثلى للدعوة إلى الله]

- ‌[الفرق الإسلامية]

- ‌[تمهيد]

- ‌[المقدمة الثانية]

- ‌[كبار الفرق الإسلامية أربع]

- ‌[الفرق وتشعبها]

- ‌[الشيعة]

- ‌[الزيدية]

- ‌[الإمامية]

- ‌[الكيسانية]

- ‌[أسئلة منثورة من سنوات عدة]

الفصل: ‌[توحيد الأسماء والصفات]

بأن يريد أحدهما وجود شيء، ويريد الآخر عدمه، أو يريد أحدهما حركة شيء، ويريد الآخر سكونه. وعند ذلك إما أن يحصل مراد كل منهما، وهو محال. لما يلزمه من اجتماع النقيضين، وإما أن يحصل مراد واحد منهما دون الآخر فيكون الذي نفذ مراده هو الرب دون الآخر لعجزه، والعاجز لا يصلح أن يكون ربا.

[توحيد الأسماء والصفات]

توحيد الأسماء والصفات وأما توحيد الأسماء والصفات: فهو أن يسمى الله ويوصف، بما سمى ووصف به نفسه، أو سماه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف، ولا تأويل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل.

ومن تبصر في العالم، وعرف شئونه وأحواله تبين له كمال تعلقه خلقًا وأمرًا بأسماء الله الحسنى، وصفاته العليا، وارتباطه بها أتم ارتباط، وظهر له أن الوجود كله آيات بينات، وشواهد واضحات على أسماء الله، وصفاته.

وقد ذكر (ابن القيم) في: " مدارج السالكين " طريقين لِإثبات الصفات:

ص: 30

1 -

الوحي الذي جاء من عند الله- تعالى- على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

2 -

الحس الذي شاهد به البصير آثار الصنعة قال- رحمه الله تعالى- في بيان الطريق الأول:

فأما الرسالة فإنها جاءت بإثبات الصفات إثباتًا مفصلا على وجه أزال الشبهة، وكشف الغطاء، وحصل العلم اليقين، ورفع الشكّ المريب، فثلجت له الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر به الإيمان في نصابه. ففصلت الرسالة الصفات، والنعوت، والأفعال، أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير. فما أبلغ لفظه وأبعده من الإجمال، والاحتمال، وأمنعه من قبول التأويل، ولذلك كان التأويل لآيات الصفات، وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد، وأخباره. بل أبعد منه. لوجوه كثيرة ذكرتها في كتاب:" الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ". بل تأويل آيات الصفات بما يخرجها عن حقائقها، كتأويل آيات الأمر والنهي سواء، فالباب كله باب واحد، ومصدره واحد، ومقصده واحد، وهو إثبات حقيقتها، والإيمان بها.

وكذلك سطا على تأويل آيات المعاد قوم. وقالوا: فعلنا فيها،

ص: 31

كفعل المتكلمين في آيات الصفات، بل نحن أعذر. فإن اشتمال الكتب الإلهية على الصفات، والعلوم، وقيام الأفعال أعظم من نصوص المعاد للأبدان بكثير، فإذا ما ساغ لهم تأويلها، فكيف يحرم علينا نحن تأويل آيات المعاد!

وكذلك سطا قوم آخرون على تأويل آيات الأمر، والنهي، وقالوا: فعلنا فيها، كفعل أولئك في آيات الصفات مع كثرتها، وتنوعها، وآيات الأحكام لا تبلغ زيادة على خمسمائة آية. قالوا: وما يظن أنه معارض من العقليات لنصوص الصفات، فعندنا معارض عقلي لنصوص المعاد من جنسه، وأقوى منه.

وقال متأولو آيات الأحكام على خلاف حقائقها، وظواهرها، والذي سوغ لنا هذا التأويل القواعد التي اصطلحتموها لنا، وجعلتموها أصلًا نرجع إليه، فلما طردناها كان طردها أن الله ما تكلم بشيء قط، ولا يتكلم، ولا يأمر، ولا ينهى، ولا له صفة تقوم به، ولا يفعل شيئًا.

وطرد هذا الأصل لزوم تأويل آيات الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، والثواب، والعقاب، وقد ذكرنا في كتاب الصواعق أن تأويل آيات الصفات، وأخبارها بما يخرجها عن حقائقها هو أصل فساد الدنيا والدين، وزوال الممالك، وتسليط

ص: 32

أعداء الإسلام عليه إنما كان بسبب التأويل. ويعرف هذا من له اطلاع، وخبرة بما جرى في العالم.

ولهذا يُحرِّم عقلاء الفلاسفة التأويل مع اعتقادهم بصحته؛ لأنه سبب لفساد العالم، وتعطيل للشرائع. ومن تأمًل كيفية ورود آيات الصفات في القرآن والسنة علم قطعًا بطلان تأويلها بما يخرجها عن حقائقها، فإنها وردت على وجه لا يحتمل التأويل بوجه. فانظر إلى قوله- تعالى-:

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] هل يحتمل هذا التقسيم والتنويع تأويل إتيان الرب- جل جلاله بإتيان ملائكته وآياته؟ وهل يبقى مع هذا السياق شبهة أصلا في أنه إتيانه بنفسه!

وكذلك قوله- تعالى-: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] إلى أن قال: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]

ففرق بين الإيحاء العام، والتكليم الخاص، وجعلهما نوعين، ثم أكد فعل التكليم بالمصدر الرافع لتوهم ما يقوله المحرفون. كذلك قوله:

ص: 33

{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} [الشورى: 51]

فنوع تكليمه إلى تكليم بواسطة، وتكليم بغير واسطة، وكذلك قوله لموسى عليه السلام:

{إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف: 144] ففرق بين الرسالة، والكلام. والرسالة إنما هي بكلامه. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:«إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر في الصحو ليس بينه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوًا ليس دونها سحاب» (1) ومعلوم أن هذا البيان، والكشف، والاحتراز ينافي إرادة التأويل قطعًا، ولا يرتاب في هذا من له عقل ودين.

الطريق الثاني: من طرق إثبات الصفات دلالة الصفة عليها، فإن المخلوق يدل على وجود خالقه، وعلى حياته، وعلى قدرته، وعلى علمه، ومشيئته. فإن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزامًا ضروريا. فما فيه من الإِتقان، والإحكام، ووقوعه على أكمل الوجوه يدل على حكمة فاعله وعنايته، وما فيه من

(1)"مختصر صحيح مسلم"(86) و" صحيح الجامع الصغير "(6905) عن أبي هريرة- رضي الله عنه.

ص: 34

الإحسان، والنفع، ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق يدل على رحمة خالقه، وإحسانه، وجوده، وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحق بالكمال.

وخالق الأسماع، والأبصار، والنطق أحق أن يكون سميعًا بصيرا متكلمًا.

وخالق الحياة، والعلوم، والقدر، والإرادات أحق بأن يكون هو كذلك في نفسه، فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات هو من أدل شيء على إرادة الرب- سبحانه- ومشيئته، وحكمته التي اقتضت التخصيص، وحصول الإجابة عقيب سؤال الطالب على الوجه المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات، وعلى سمعه لسؤال عبيده، وعلى قدرته على قضاء حوائجهم، وعلى رأفته ورحمته بهم، والإحسان إلى المطيعين، والتقرب إليهم، والإكرام لهم، وإعلاء درجاتهم يدل على محبته ورضاه. وعقوبته للعصاة، والظلمة، وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة تدل على صفة الغضب. والسخط، والإبعاد، والطرد، والإقصاء يدل على المقت، والبغض.

فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل، ولهذا دعا - سبحانه - عباده إلى الاستدلال بذلك على صفاته. فهو يثبت

ص: 35

العلم بربوبيته، ووحدانيته، وصفات كماله بآثار صنعته المشهودة، والقرآن مملوء بذلك، فيظهر شاهد اسم الخالق من المخلوق نفسه، وشاهد اسم الرازق من وجود الرزق، والمرزوق، وشاهد اسم الرحيم من شهود الرحمة المبثوثة في العالم، واسم المعطي من وجود العطاء الذي هو مدرار لا ينقطع لحظة واحدة، واسم الحليم من حلمه على الجناة، والعصاة، وعدم معاجلتهم بالجزاء، واسم الغفور، والتواب من مغفرة الذنوب، وقبول التوبة. ويظهر اسم الحكيم من العلم بما في خلقه، وأمره من الحكم، والمصالح، ووجود المنافع.

وهكذا كل اسم من أسمائه الحسنى له شاهد في خلقه وأمره. يعرفه من عرفه، ويجهله من جَهِلَه. فالخلق، والأمر من أعظم شواهد أسمائه وصفاته. وكل سليم العقل، والفطرة يعرف قدر الصانع. وحذقه على غيره، وتفرده بكمال لم يشاركه فيه غيره من مشاهدة صنعته فكيف لا تعرف صفات من هذا العالم العلوي والسفلي، وهذه المخلوقات من بعض صنعه، وإذا اعتبرت المخلوقات، والمأمورات وجدتها بأسرها كلها دالة على النعوت، والصفات، وحقائق الأسماء الحسنى، وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى، ومكابرة، ويكفي ظهور شاهد

ص: 36

الصنع فيك خاصة، كما قال- تعالى-:

{وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب- جل جلاله ونعوته، وأسمائه، هي كلها تشير إلى الأسماء الحسنى، وحقائقها، وتنادي بها وتدل عليها، وتخبر بها بلسان النطق والحال، كما قيل:

تأمل سطور الكائنات فإنها

في الملك الأعلى إليك رسائل

وقد خط فيها لو تأملتها

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

تشير بإثبات الصفات لربها

فصامتها يهدي ومن هو قائل

فلست ترى شيئًا أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها، ونعوت كماله، وحقائق أسمائه. وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها فهي تدل عقلا، وحسا، وفطرة، ونظرًا، واعتبارا. اهـ.

ص: 37