الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المسألة الثالثة في إثبات وجوب الوجود لله سبحانه وتعالى]
المسألة الثالثة
في إثبات وجوب الوجود لله
سبحانه وتعالى إن لفظ الوجود، ومعناه المطلق، يشترك فيهما كل من الممكن والواجب، والحادث والقديم الأزلي. فالله يُوصف بأنه موجود، والحادث يُقال له- أيضًا-: إنه موجود، ولكن للممكن وجود يخصّه، فإنه حادث سبق وجوده عدم، ويلحقه الفناء، وهو في حاجة دائمة ابتداءً، ودوامًا، إلى من يكسبه، ويعطيه الوجود، بل يحفظه عليه. ولله- تعالى- وجود يخصّه، فهو- سبحانه- واجب الوجود لم يسبق وجوده عدم، ولا يلحقه فناء، ووجوده من ذاته لم يكسبه من غيره.
وذلك لأنه- تعالى- الغني عن كل ما سواه، وبذلك جاء السمع، وشهد العقل. أما السمع: فمنه قوله- تعالى-: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3]
وأما العقل: فبيانه أنه- تعالى- لو كان مستحيل الوجود لم يصح أن يستند إليه الممكن في حدوثه بداهة؛ لأن المستحيل ما
لا يتصور في العقل وجوده، وفاقد الشيء لا يُعطيه.
ولو كان ممكنًا لافتقر في حدوثه إلى من يرجّح وجوده على عدمه لما تقدم، فإن استمرت الحاجة، فاستند كل في وجوده إلى نظير له من الممكنات لزم إما الدور القبلي (1) وإما التسلسل في
(1) الدور السبقي، ويقال له القبلي: هو توقف الشيء على ما توقف عليه، وهو قسمان: مصرح، ومضمر.
فالمصرح ما كانت الواسطة فيه واحدة، مثاله كأن يقال مثلا: خالد أوجد بكرًا، وبكر أوجد خالدا، فبكر متوقف في وجوده على خالد ثم خالد توقف في وجوده على بكر والواسطة واحدة وهي بكر.
ويقال له: هذا دور بمرتبة. فإن تعددت المراتب كانت بحسبها، وهذا الدور باطل لما يلزمه من التناقض، إذ يلزمه أن يكون الشيء سابقًا لا سابقًا مؤثرًا لا مؤثرًا إلخ. بل يلزم أن يكون الشيء نقيض نفسه ضرورة المغايرة بين المتقدم والمتأخر، والأثر والمؤثر.
أما الدور المعي مثل توقف الأبوة على البنوة، والبنوة على الأبوة، فجائز. لأنه من باب الإضافات، وهي اعتبارية لا وجود لها، والتسلسل هو ترتب أمور بعضها على بعض بحيث يكون كل متأخر منها يتوقف في وجوده على سابق عليه. يكون علة له في وجوده إلى غير نهاية. ويسمى هذا النوع التسلسل في العلل، وفي المؤثرات، وهو باطل باتفاق العقلاء لما يلزمه من عدم وجود شيء من الحوادث، وهذا باطل بالمشاهدة.
وقد عرف السعد [هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، سعد الدين، من أئمة العربية، والبيان، والمنطق، ولد بتفتازان عام 712 هـ، وأقام بسرخس وأبعده تيمورلنك إلى سمرقند وتوفي فيها عام 793 هـ. له مصنفات عديدة] . في "شرح المقاصد" الدور، والتسلسل بعبارة جامعة لهما فقال: هما أن يتوالى عروض العلية والمعلولية لا إلى نهاية، بأن يكون كل ما هو معروض للعلية معروضا للمعلولية، ولا ينتهي إلى حالة تعرض له العلية دون المعلولية، فإن كانت المعروضات متناهية، فهو الدور بمرتبة إن كان اثنين، وبمراتب إن كانت المعروضات فوق اثنين، وإلا فهو التسلسل.
المؤثرات إلى ما لا نهاية، وكلاهما محال. وإذا انتفى عنه الإمكان. والاستحالة ثبت له الوجوب ضرورة. لأن أقسام الحكم العقلي ثلاثة، وقد انتفى اثنان، فتعين الثالث، وهو الوجوب فالله- تعالى- واجب الوجود.
وقد أرشدنا الله إلى ذلك في كثير من الآيات.
منها قوله- تعالى-:
وهذه الآية، وإن سيقت للاستدلال على توحيد الألوهية الذي تقدم قبلها في قوله تعالى:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] إلا أنها تدلّ دلالة قاطعة على توحيد الربوبية، فإن استحقاقه- تعالى- للعبادة، واختصاصه بها فرع عن وجوده، وانفراده بالخلق، والتدبير، والتصريف، والتقدير.
ومنها قوله- تعالى-: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ - أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ - نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ - عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ - وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ - أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ - أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ - لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} [الواقعة: 58 - 65] إلخ الآيات من سورة الواقعة.
فهذه الآيات، وإن ذكرت لتنزيه الله- تعالى- وتقديسه عما
ظنه به منكرو البعث، وسيقت لِإثبات قدرته على المعاد. كما يرشد إليه ما قبلها من الآيات، فهي دليل- أيضًا- على وجوب وجوده- تعالى- لاستناد ما ذكر في الآيات من المخلوقات إليه. وحدوثه بقدرته، ولا يعقل ذلك إلا إذا كان واجب الوجود.
فمن نظر إلى ما ترشد إليه هذه الآيات، ونحوها من سنن الله في العالم نظرًا ثاقبًا، وفكر في عجائب خلقها، وحسن تنسيقها، وشدة أسرِها تفكيرًا عميَقَا، وبحث في أحكامها، وبديع صنعها بحثًا بريئَا من الهوى، والحمية الجاهلية، وأنصف مناظره من نفسه، فلم يمنعه من فهم ما عرض عليه من الحق، والإذعان له كبر يرديه، ولا عناد يطغيه، اتضح له طريق الهدى.
واضطره ذلك أن يستيقن النتيجة، ويؤمن من أعماق قلبه، بأن للعالم ربّا خلَاقًا فاعلًا مختارًا حكيمًا في تقديره، وتدبيره أحاط بكل شيء علمًا، وهو على كل شيء قدير.
ومع قيام الدليل، ووضوح السبيل، تعامى فرعون موسى عن الحق، وتجاهل ما استيقنته نفسه، وأنكر بلسانه ما شهدت به الفطرة، ودل عليه العقل من وجود واجب الوجود، فأقام موسى عليه الحجة، بدلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع، ووجود العالم، وعظم خلقه على وجود الخالق، وعظيم
قدرته، وسعة علمه، وكمال حكمته، فغلبه بحجته.
وذلك بيّن واضح فيما حكاه اللهّ عنهما من الحوار، والسؤال، والجواب:
فانظر كيف وقف موسى موقف من يصدع بالحق، ويقيم عليه البرهان؟
وكيف وقف فرعون من موسى موقف السفهاء، لا يملك إلا الشتم، والسباب، والسخرية، والاستهزاء، والتهديد بأليم العذاب؟!! .
وقال- تعالى-: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا - قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 101 - 102]
وقال- تعالى-: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ - وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 13 - 14]
وإن فرعون حينما أخذته الحجة، وانتصر عليه موسى، لم يبق بيده سلاح إلا التمويه على قومه، وإنذار موسى، ومن آمن به أن يذلهم، ويذيقهم العذاب الأليم.
وأنى له ذلك! والله من ورائهم محيط؟! وقد كتب على نفسه أن يجعل العاقبة للمتقين.
وقال- تعالى-: {فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا} [الإسراء: 103]
وقد ورث ذلك الزيغ، والإلحاد أناس ظهروا في عصور متعاقبة بأسماء مختلفة، واشتهروا بألقاب متنوعة.
فتارة يسمون بالدهريين: وأخرى برجال الحقيقة، ووحدة الوجود. وأحيانًا بالشيوعيين، وأخرى بالوجوديين. (اللقب الجديد) وآونة بالبهائيين.
إلى غير ذلك من العبارات التي اختلفت حروفها ومبانيها،
وائتلفت مقاصدها، واتحدت معانيها، فكلها ترمي إلى غرض واحد، وتدور حول محور واحد، هو أنه ليس للعالم رب يخلق ويدبر، وليس له إله يُعبد ويقصد.
وبما تقدم من دليل حاجة الممكن إلى موجد، ودليل وجوب وجوده- تعالى- يظهر لك فساد مذهبهم، وخروجه عن مقتضى النظر، وموجب العقل، وما يصدَق ذلك، ويؤيده من أدلة السمع.
فإن زعم زاعم منهم بعد ذلك، أن وجود العالم وليد الصدفة والاتفاق.
أو أنه نشأت أطواره عن تفاعل بين عناصر المادة، فتفرقت إلى وحدات بعد اجتماع، أو اجتمعت، وائتلفت بعد تفرق، واختلاف.
وصار لتلك الوحدات، أو المركبات من الخواص ما لم يكن لها قبل هذا التفاعل، وبذلك تجدّدت الظواهر، وحدث ما نشاهده من تغيير وآثار مع جريانها على سنة لا تتبدل، وناموس لا يختلف، ولا يتغير.
قيل له: من الذي أودع تلك المادة طبيعتها، وأكسبها خواصها، فإنها إن كانت لها من ذاتها، ومقتضى حقيقتها لم تقبل
التغير والزوال لأن ما بالذات لا يتخلف ولا يزول، وقد رأيناها تتبدل، فلا بدّ لها من واهب يهبها، وفاعل مختار حكيم عليم يدبّرها، ويضعها في محالّها، وليس ذلك من المادة وحدها، ولا من خواصها، أو طبيعتها القائمة بها، فإنها ليس لها من سعة العلم، وكمال الحكمة، وشمول المشيئة، وعظيم القدرة ما ينتظم معه الكون على ما نشاهد من إحكام تبهر العقول دقَّته وجماله، ومن إبداع يأخذ بمجامع القلوب ما فيه من شدة الأسر، وقوة الربط بين وحداته، وكمال التناسب، والتكافؤ بين أجزائه، وقيام كل من الآخر مقام الخادم من سيده، والراعي من رعيته.
ألا إن الطبيعة صمَّاء لا تسمع، بكماء لا تنطق، عمياء لا تبصر، جاهلة لا تعلم، مسخَّرة لمن أودعها المادة، خاضعة لتصريفه وتقديره، سائرة على ما رُسِمَ لها من سُنن لا تعدوها، ونواميس لا تخرج عنها، فأنى يكون لها خلق وإبداع أو إليها تنظيم وتدبير أو منها وحي وتشريع؟! إنَّما ذلك إلى الله وحده، تعالى الله عمَّا يقول الملحدون:{نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} [الإنسان: 28]
ولا يعيب الحق بعد ذلك أن يتنكب طريقه من مسخت فطرته، واتَّخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، وختم على سمعه، وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، ولا يضير الدعاة إلى الحق أن عدل عن طريقه المستقيم من انحرف مزاجه، أو غلبته شهوته، فخشي أن تحدّ الشريعة من نزعاته الخبيثة، وتحول دون وصوله إلى نزواته الدنيئة، أو أطغاه كبره وسلطانه، وخاف أن تذهب الشريعة بزعامته الكاذبة، وسلطانه الجائر، فوقف في سبيلها، ولج في خصامها بغيًا وعدوانًا. فإن الله ناصر دينه، ومؤًيد رسله، وأوليائه.
{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]
{إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]