المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌آراء العلماء في الفلسفة - مصطلح فلسفة التربية في ضوء المنهج الإسلامي (دراسة نقدية)

[خالد بن حامد الحازمي]

الفصل: ‌آراء العلماء في الفلسفة

ويأتي الشرع بتفصيله.... فالفعل يكون مشتملاً على مصلحة، ومفسدة، ولا تعلم العقول مفسدته أرجح من مصلحته أو العكس، فيتوقف العقل في ذلك، فتأتي الشرائع ببيانه، وتأتي براجح المصلحة، وتنهى عن راجح المفسدة، وكذلك الفعل يكون مصلحة لشخص مفسدة لغيره، والعقل لا يدرك ذلك. فتأتي الشرائع ببيانه فتأمر به لمن هو مصلحة له، وتنهى عنه لمن هو مفسدة في حقه 1.

وهذا لا يعني إنكاراً وتعطيلاً للعقل، ولكن إنكاراً لهذا المنهج من حيث إنه يستمد شيئاً من الكتاب والسنة ثم يخضع ذلك للمنهج العقلي للحكم عليه، فهذا الذي يؤاخذ عليه؛ لأن في الاحتكام للمنهج العقلي البحت والمنهج العلماني مخالفة للشرع؛ لأنهما يأخذان بما يثبته العقل والتجربة فقط دون المسلمات الشرعية.

والعقل أحياناً يرى في بعض الأمور أنها عين الصواب، ثم يتضح بعد ذلك أن باطنها هو الخطأ، فحقيقة مثل هذه لا يدركها العقل في معزل عن الشرع. قال الشاطبي رحمه الله “إن الله جعل للعقول في إدراكها حداً تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبلاً إلى الإدراك في كل مطلوب”2.

1 عبد الله محمد جار النبي، ابن قيم الجوزية وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف، الطبعة الأولى، مؤسسة مكة للطباعة والإسلام، 1986، ص (455) .

2 الشاطبي، الموافقات (2/326) .

ص: 343

‌آراء العلماء في الفلسفة

ثالثاً: آراء بعض العلماء في الفلسفة:

لقد واجه عدد من علماء المسلمين النداءات والافتراءات الفلسفية على الإسلام بالتصدي لها قولاً وعملاً، موضحين بأن لا أساس لها في الإسلام، وأنها يونانية المولد، غربية المنشأ، وعقيدة من رضي بغير الإسلام ديناً ومنهاجاً، وكشفوا مغازيها وعوارها بعد فحص وتمحيص، ولم يقتنعوا بقشورها، ومن

ص: 343

أولئك الذين عرفوا حقيقة الفلسفة:

شيخ الإسلام ابن تيمية: فلقد تصدى ابن تيمية للمتفلسفين الذين تكلموا في النبوة واعتقدوا أنها مكتسبة بالتعلم وخاضوا في مواضيع إلهية وتعبدية كثيرة، فخاض شيخ الإسلام معركة ضارية بما تعلمه من الكتاب والسنة، فرد عليهم وأدحض حججهم “وأن العدول عن منهج الأنبياء إلى منهج الفلاسفة عمل مخالف للفطرة ومناقض لمقتضيات المعرفة العقلية، والحقائق العلمية والفكرية والذوقية والنفسية. ثم إنهم (أي الفلاسفة) بمثل هذه الطرق الفاسدة يريدون خروج الناس عما فطروا عليه من المعارف اليقينية والبراهين العقلية، وما جاءت به من الأخبار الإلهية عن الله تعالى واليوم الآخر؛ وذلك أن طرق الفلاسفة تقضي في النهاية إلى التحلل من الالتزام الخلقي؛ لأنهم يذكرون أن العبادات هدفها إصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي به يتحقق كمال النفس أو الإصلاح المدني والسياسي، فإذا ما تحقق ذلك فلا تكون ثمة حاجة إليها، وهذه النتيجة تعتبر مخالفة صريحة لمقتضيات الفطرة والعقل فضلاً عن الحقائق الدينية والشرعية 1.

يقول ابن تيمية “إن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشواً وقولاً للباطل، وتكذيباً للحق في مسائلهم ودلائلهم، لا يكاد ـ والله أعلم ـ تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك” 2.

ابن قيم الجوزية: لقد تصدى ابن قيم الجوزية للانحرافات الفلسفية التي منها: أن كل إنسان يمكن أن يصل إلى النبوة عن طريق الرياضة والمجاهدة، ومحاولتهم التوفيق بين الدين والفلسفة “فيرى ابن قيم الجوزية أن الفلاسفة مهما تعللوا بالألفاظ التي توهم خلاف ما يعتقدون فإن أمرهم مكشوف، وفي حقيقة

1 محمد عبد الله عفيفي، النظرية الخلقية عند ابن تيمية، ط (1) ، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 1988، ص (166) .

2 ابن تيمية، نقض المنطق، ص (24) .

ص: 344

الأمر لا مبدأ عندهم ولا معاد ولا صانع ولا نبوة ولا كتب نزلت من السماء، ولا ملائكته نزلت بالوحي من الله”1.

“ويكفيك دليلاً على أن هذا الذي عندهم ليس من عند الله ما نرى فيه من التناقص والاختلاف ومصادمة بعضه لبعض. قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} 2. وهذا يدل على أن ما كان من عنده سبحانه لا يختلف، وأن المختلف فيه والمتناقض ليس من عنده وكيف تكون الآراء والخيالات وسوانح الأفكار ديناً يداين به ويحكم به على الله ورسوله، سبحانك هذا بهتان عظيم! ”3.

الإمام الشافعي: يقول الإمام الشافعي رحمه الله: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام 4. فإذا كان هذا لمن ترك الكتاب والسنة واتبع الكلام فما بالك بمن أدخل الفلسفة على الإسلام!؟.

الإمام الغزالي: انتهى آخر أمر الغزالي رحمه الله إلى الوقوف والحيرة في المسائل الكلامية، ثم عرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فمات وصحيح الإمام البخاري على صدره 5. وألف كتاباً يبين فيه سقوط منهج الفلاسفة وبطلانه، وأسماه كتاب (تهافت الفلاسفة) .

أنور الجندي: يقول أنور الجندي: إن جميع النظريات والفروض والاستجابات

1 عبد الله محمد جار النبي، ابن قيم الجوزية وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف، ص (468) .

2 سورة النساء، آية رقم (82) .

3 ابن القيم الجوزية، الفوائد، تحقيق عبد السلام شاهين، ط (1) ، دار الكتب العلمية، بيروت، 1983، ص (105) .

4 ابن أبي العز الحنفي، شرح العقيدة الطحاوية، مرجع سابق، ص (209) .

5 المرجع السابق، ص (208) .

ص: 345

التي تصدر عن هذه الفلسفة هي باطلة تماماً، وهي في تقدير الإسلام اجتهادات قابلة للصواب والخطأ، وليست لها صفة الحقائق الثابتة أو العمومية، ومن ثم فيجب عدم تطويع الإسلام لأي مذهب فلسفي باسم التحديث، وأن محاولة التوفيق بين العقيدة الإسلامية والفلسفات هي محاولة فاشلة، وقد فشلت في التجربة الأولى (العصر العباسي) وانهارت وتصدعت؛ لأنها حاولت الجمع بين متناقضين 1.

الدكتور عبد الرحمن صالح عبد الله يقول: إذا كنا ندعوا إلى بناء التربية على المبادئ القرآنية فإننا نقترح عدم إطلاق فلسفة التربية على نشاط من هذا النوع، ولعل الفرق بين هذا الموقف وبين الموقف الذي يمثله أنصار التيار الثالث الذي يؤمن بفلسفة تربية مشتقة من مصادر إسلامية فرق متصل بقبول الفلسفة كاصطلاح، والواقع أنه يصعب الفصل بين الاصطلاح والمعاني التي يدل عليها، فكل اصطلاح له تاريخ معين وله دلالات معينة 2.

ويقول أيضاً عبد الرحمن صالح عبد الله: “لا مكان لفلسفة التربية في الإسلام حتى ولو في مجال الاصطلاحات”3.

دي. جي. أكونور يقول: والحقيقة أننا ننظر نظرة نقدية لاستعمالات عبارات، مثل:(فلسفة التربية) أو (الأساس الفلسفي للتربية) أو (المسلمات الفلسفية للنظرية التربوية) أو غيرها من العبارات المتشابهة، فإنه يتضح لنا أن مثل هذه العبارات ليست أكثر من عناوين غامضة ورنانة، لكلام كثير ومتنوع، ومن الممكن عدم استخدام مثل هذه العبارات دون ضرر إذا أردنا الصراحة والوضوح في الحديث”4.

1 أنور الجندي، أسلمت المناهج والعلوم، دار الاعتصام، القاهرة، 1986، ص (162) .

2 عبد الرحمن صالح عبد الله، المنهاج المدرسي، مرجع سابق، ص (58) .

3 المرجع السابق، ص (60) .

4 دي. جي. أكونور، مقدمة في فلسفة التربية، الدينة، ص (9) .

ص: 346

ومن خلال تلك الآراء نستنتج أن إضافة الفلسفة أو مصطلح الفلسفة إلى الإسلام أو إضفاء الإسلام عليها غير مقبول، بل حتى في مجال الاصطلاح لا ينبغي للمسلمين استخدامها لمخالفتها للمنهج الإسلامي، ولما نتج عنها من أخطاء عندما ربط بعض المسلمين علومهم بالفلسفة، إما بقصد التوفيق بينهما، أو اختيارها كمدرسة فكرية.

يضاف إلى ما سبق كثرة الأفكار الهدامة في العصر الحاضر التي تؤدي إلى التشكيك على المدى البعيد في أن القرآن والسنة ما هي إلا فلسفة مثلها مثل الفلسفة اليونانية. وعلينا نحن المسلمين أن نعي ذلك ونحرص على حفظ ديننا من الأفكار والتيارات الوافدة أو ممن انخدع بها من المسلمين. ولابد من الاعتزاز بالإسلام ومصدريه: الكتاب والسنة، والحرص على تعلم العلم الصحيح السليم من الشوائب أولاً، ثم بالعمل والتطبيق ثانياً، وبتعليمه ونشره ثالثاً.

وبذلك تجني الأمة ثمار علمها وعملها، والحذر من أسلمت الأفكار الغربية الوثنية؛ لأنها صادرة ممن لم يُقِمْ للشريعة وزناً، وعلى الأمة بمعين الذين أنعم الله عليهم كما علمنا الله تعالى أن نقول في سورة الفاتحة:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} .

ص: 347