المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌سورة المؤمنون مكية وآياتها ثماني عشرة ومائة   ‌ ‌مقاصدها: بدأَت هذه - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٦

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌سورة المؤمنون مكية وآياتها ثماني عشرة ومائة   ‌ ‌مقاصدها: بدأَت هذه

بسم الله الرحمن الرحيم

‌سورة المؤمنون

مكية وآياتها ثماني عشرة ومائة

‌مقاصدها:

بدأَت هذه السورة ببشارة المؤمنين بالفلاح والخلود في الفردوس، إِذا خشعوا في صلاتهم وحافظوا عليها، وأَعرضوا عن اللغو وأَدوا الزكاة، وحفظوا فروجهم من الفاحشة، وراعوا الأَمانة والعهد.

وعقبت هذه البشرى ببيان منشأ الإِنسان ومآله، وأَنه سبحانه خلق من فوقنا سبع سموات طباقا، وأَنه لا يغفل عن خلقه طرفة عين، ولهذا أَنزل من السحاب ماءً أجراه في مجارى فوق سطح الأَرض، وأَسكن بعضه في جوفها، ليستخرجه الناس وقت الحاجة إليه، وأنه أنشأَ لنا بهذا الماء الزروع والثمار لنأْكل ونتعيش منها، وخلق لنا الأَنعام وجعلها عبرة لنا، فمن بطونها نشرب اللبن، ومن لحومها نأكل، وبمنافعها الكثيرة ننتفع، وعلى الإِبل منها نحمل ثقال الأَحمال، كما نحمل على السفن.

وبينت قصص الأَنبياءِ مع أممهم، وقد جاءَ فيها أن هذه الأمم لم تشكر نعم ربها بتوحيده وعبادتها، بل أَشركت معه غيره من مخلوقاته، فبعث إليها رسله ليهدوهم سواء السبيل، فكذبوهم فعاقبهم الله بعذاب الاستئصال، ونجَّى منه عباده المؤمنين.

وذكرت من أنباء المهلكين: قوم نوح أغرقهم الله بالطوفان، وقوم صالح أهلكهم الله بالصيحة، وفرعون وجنوده، كفروا بموسى وهرون فأَغرقهم في اليم.

وعقبت قصة فرعون معهما ببيان أن الله تعالى جعل ابن مريم وأمه آية، لأَنه ولد منها دون أَب، وأنه تعالى آواهما إِلى ربوة ذات قرار ومعين، وسيأْتى بيان ذلك في الشرح، وأنه شرع للرسل وأممهم أَن يأْكلوا من الطيبات، ويتركوا ما حرمه الله عليهم، وأَن جميع الأُمم أمة وديانة واحدة هي توحيد الله، وأصول الشرائع والأحكام - وإِن اختلفت في الفروع -

ص: 1263

وأَنه يجب على الناس جميعا أَن يتقوه دون سواه، ولكن الناس تقطعوا دينهم وابتدعوا في دين الله ما ليس منه، وقد توعدهم الله بالعقاب على هذا التفرق في الدين الحق.

ثم مدحت المؤمنين الذين يخشون ربهم ولا يشركون به، ويسبقون إلى الخيرات، وذكرت أنه تعالى لا يكلف نفسا إِلا وسعها، وإن هؤلاء المترفين الكافرين سيؤخذون بالعذاب فيجأَرون مستغيثين ولا مغيث لهم ولا ناصر، لأن آياته تعالى كانت تتلى عليهم فكانوا يستكبرون ولا يؤمنون.

وبينت أَنه لو اتبع الحق أهواءَ الناس لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، وأنه تعالى بعث محمدا بالقرآن إلى قريش، ومع أنه شرف لهم أعرضوا عنه، في حين أَن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسألهم على تبليغ الرساله أجرًا، أن يريد إلا الإصلاح، وبينت أَنه تعالى عاقبهم عقابا غير شديد في الدنيا على كفرهم، ولكنهم لم يستكينوا لربهم وما يتضرعرن، وأنه إذا فتح عليهم بابا ذا عذاب شديد فسيُبلسون ويتحيرون.

وقد ذكرتهم بنعم السمع والبصر والفؤاد، وأنهم سوف يحشرون إليه بعد الموت، وبدلًا من الإيمان كفروا بالبعث وقالوا:{إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} .

ثم ذكرت أَن الله أَمر النبي صلى الله عليه وسلم أَن يُجرى معهم حوارا: لمن الأَرض ومن فيها؟ مَنْ رب السموات السبع ورب العرش العظم؟ مَنْ بيده ملكوت السموات والأرض وهو يُجِيرُ ولا يُجَار عليه؟ وبينت أَنهم سيقولون في كل ذلك: لله، ولكنهم لا يتذكرون ولا يتعظون، بل يُصِّرُون على الإشراك، وذكرت أن الموت إِذا جاءَهم فسيندمون على تقصيرهم، فيطلبون الرجوع إِلى الحياة الدنيا ليعملوا صالحا، وأنه لا سبيل إِلى إجابة ملتمسهم، ثم بينت أحوال الناس يوم القيامة، فمن ثقلت موازينه بالعمل الصالح فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه بسبب العمل السيء والكفر، فهم {فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} وبينت أَنهم يعترفون ويقولون:

ص: 1264

بسم الله الرحمن الرحيم

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)}

المفردوات:

{أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} : الفلاح، الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، والإفلاح الدخول في الفلاح، كالإِبشار الدخول في البشارة. (خَاشِعُونَ): خاضعون متذللون. (الَّلغْوِ): ما لا يعتد به من الأقوال والأفعال (وَرَآة ذَلِكَ): سوى ذلك. (الْعَادُونَ): المبالغون في العدوان (رَاعُونَ): حافظون، وأصل الرعي: حفظ الحيوان بتغذيته ودفع العدو عنه، ثم استعمل في الحفظ مطلقًا. (الْفِرْدَوْسَ): المراد به هنا، أَعلى درجات الجنان في الآخرة.

التفسير

1، 2 - {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}:

جاءَ في خواتيم سورة الحج قبلها تكليف المؤمنين بالصلاة وعبادة ربهم لكي يفلحوا ويفوزوا بفضله ورحمته، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا

ص: 1266

وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فكان من المناسب أن تبدأَ هذه السورة بما يؤكد فلاح المؤمنين المصلحين العابدين، الخاشعين المتقين، ولفظ (قدْ) يفيد تحقيق المتوقع وتثبيته، وكان المؤمنون يتوقعون البشارة بفلاحهم، لإِيمانهم وتوحيد ربهم فأخبروا بتحقق ما توقعوه وثباته، إذا قرنوا إِيمانهم بالعمل الصالح، والمؤمنون في اللغة: المصدقون مطلقًا، وفي الشرع: المصدقون بما علم ضرورة أَنه من دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من وحدانية الله تعالى وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبجزاء المحسنين والمسيئين فيه، وأن يخلو تصديقهم هذا عن الرياءِ والنفاق والشك.

والخشوع في الصلاة: سكون الجوارح والتذلل وحضور القلب، وجمع الهمة لها والإعراض عما سواها، وأن لا يجاوز البَصَرُ المُصَلَّى، فلا يلتفت المصلى يمْنةً ولا يسرة، ولا يعبث بلحيته ولا بثيابه ونحو ذلك.

وقال أبو الدراء يصف الخشوع: هو إخلاص المقال، وإِعظام المقام، واليقين التام، وجمع الاهتمام.

والخشوع محله القلب، وله السلطان على الجوارح، فإِذا خشع القلب خشعت الجوارح لخشوعه، قال القرطبى: كان الرجل من العلماء إِذا أَقام الصلاة وقام إليها، يهاب الرحمن أَن يحدَّ بصرَه إِلى شىء، وأَن يحدث نفسه بشىء من الدنيا - وأَخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول بسنده إِلى أَبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلًا يعبث بلحيته في صلاته فقال:"لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" كما أخرج بسنده عن أم رومان والدة عائشة - رضى الله عنها - قالت: (رآنى أَبو بكر - رضى الله عنه - أتمَيَّل في صلاتي، فزجرنى زجرة كدت أَنصرف عن صلاتى) ثم قال: واختلف الناس في الخشوع: أَهو من فرائض الصلاة أم من فضائلها، ورجح بعضهم الأول، وأضيفت الصلاة إِلى المصلين في قوله تعالى:{الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} ولم تضف إِلى الله الذي يصلون له؛ لأَنهم المنتفعون بثوابها، فهي عُدَّتهم وذخيرتهم، وأَما المولى - سبحانه - فهو غنى عنهم وعن عبادتهم.

ص: 1267

ولْيَعْلم المؤمن أن العمل الصالح ثمرة الإيمان الصادق، فمن لا عمل له فإيمانه واهن ضعيف بل هو ميت لا أثر للحياة فيه، فهو كالشجرة الجافة، لا ورق لها ولا ثمر، ولهذا مثل الله تعالى كلمة الإيمان الصادق بقوله: " {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (1).

وقد جاءَ في فضل هذه الآيات التي صدرت بها سورة (المؤمنون) وثواب من يعمل بها - جاء في ذلك حديث أَخرجه الإمام أَحمد بسنده عن عمر بن الخطاب قال: "كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحى، يُسْمَعُ عند وجهه دويٌّ كدوى النحل، فمكثنا ساعة فسرِّى عنه، فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: "اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأَكرمنا ولا تهنا، وأَعطنا ولا تحرمنا، وآثِرنا ولا توثر علينا، وارض عنا وأرضِنا" ثم قال:"لقد أُنزِلَتْ على عشر آيات من أَقامهن دخل الجنة "ثم قرأ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)} " حتى ختم العشر، وسئلت عائشة - رضى الله عنها -: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأَت: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)} حتى انتهت إلى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} يُحَافِظونَ قالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم" أخرجه النسائى في تفسيره (2) وقد وعد الله المؤمنين في هذه الآيات ميراث الفردوس والخلود فيه إذا اتصفوا بصفات سِتٍّ (أَولاها) الخشوع في الصلاة، وقد سبق الحديث عنه، وفيما يلى: الحديث عن باقى الصفات:

3، 4 - {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}:

تضمنت هاتان الآيتان صفتين أُخريين للمؤمنين المفلحين بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة، الصفة الأولى منهما: إعراضهم عن اللغو وبعدهم عنه، وفسره ابن عباس بالباطل، وقال الآلوسى: وقد يُسَمى كل كلام قبيح: لغوًا، وعمَّم بعضهم اللغو فجعله يشمل كل ما لا يعتد به من الأَقوال والأَفعال، وشاع في كل كلام يقوله صاحبه لا عن روية وفكر، فهو

(1) سورة إبراهيم، الآيتان: 24، 25

(2)

انظره والحديث الذي قبله في تفسير ابن كثير لأول (المؤمن

ص: 1268

يجرى مجزى اللَّغاء، وهو صوت العصافير ونحوها من الطير، والصفة الثانية منهما أداؤهم الزكاة، والمراد من الزكاة هنا: زكاة أَموالهم، ولا ينافى هذا كون السورة مكية، والزكاة إِنما فرضت بالمدينة، لأن التي فرضت بالمدينة هي ذات النُّصُب والمقادير الخاصة، وهذه غير التي فرضها الله بمكة، فقد كانت غير مشروطة بمقدار، ويشير إلى ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام - وهي مكية -:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (1) ومن العلماء من فسر الزكاة هنا بزكاة النفس مراعاة لمكية الآية، كقوله:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)} .

والمعنى: والذين هم لأجل زكاة نفوسهم يفعلون ما يفعلون من الطاعات.

5،6 - {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}:

تضمنت هاتان الآيتان الكريمتان صفة رابعة للمؤمنين الذين يفوزون بجنة الفردوس، وهي حفظهم لفروجهم من الزنى، والفَرْج يشمل سوءَة الرجل والمرأة، فالمراد به عضو التناسل من كل منهما، ولفظ (عَلَى) في قوله:{إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ} بمعنى: (مِن) كما قاله الفراء وغيره، أي: حافظون لفروجهم إِلا من أزواجهم أَو ما ملكت أيمانهم، والأزواج جمع زوج، وهو يطلق على كل من الرجل والمراد المتزوجين، فكلاهما زَاوَجَ الآخر أي ثاناه، بأن جعله مع نفسه اثنين، والمراد مما ملكت أيمانهم السُّرِّيات (2) وهُنَّ (الإماءُ) المأخوذات في غنائم الحرب، دون المختطفات من آهلهن، فلا يحل بيعهن ولا شراؤهن، ولا الاستمتاع بهن عن طريق ملك اليمين، فهن حرائر مغتصبات فلا سبيل إلى تملكهن، ومن اشتراهن وهو يعلم بحالهن فشراؤه غير صحيح، والاستمتاع بهن زِنى.

وقد أَفادت الآية الكريمة أنه لا لوم ولا إثم على المؤمنين في غشيان زوجاتهم وإمائِهم، ولا على المؤمنات في مباشرة أَزواجهن لهن، أما عبيدهن فلا حَقَّ لهم في الاستمتاع بهن بالإِجماع (3)، لأَنه مملوك لها وليس مالكًا فهى قوَّامة عليه، بخلاف استمتاع السيد بأمته فإِنه مالك لها وقَوَّام عليها.

(1) الآية: 141

(2)

جمع سرية - بضم السين - منسوبة إلى السر بكسرها على غير قياس، كما قالوا في النسبة إلى الدهر دهرى، وإلى الأرض السهلة: سهلى - بضم الأول في كليهما - انظر المادة في القاموس.

(3)

وإن كان ظاهر الآية يخا

ص: 1269

روى معمر عن قتادة قال: تسرَّرَت امرأَة غلامها (1)، فذُكِرَ ذلك لعُمَر فسألها: ما حملك على ذلك؟ قالت: كنت أَراه يحل لي بملك يمينى، كما يحل للرجل المرأَة بملك اليمين، فاستشار عمر في رَجْمِهَا أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تَأَوَّلَتْ كتاب الله على غير تأويله فلا رجم عليها، فقال عمر: لا جرم. والله لا أُحِلّكِ لحُرٍّ بعده أَبدًا، عاقبها بذلك ودرأَ الحد عنها، وأَمر العبد أَن لا يقربها.

وعن أَبي بكر بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: أنا حضرتُ عمر بن عبد العزيز، حين جاءته امرأَة بغلام لها وضيء، فقالت: إِنى استسْرَرتُه فمنعنى بنو عمى من ذلك، وإِنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها، فانْهَ عنى بنى عمى، فقال عمر: أَتزوجت قبله؟ قالت: نعم، فقال: أَما والله لولَا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يَخرج به إِلى غير بلدها. (2)

7 -

{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} :

أَي: فمن طلب سوى الزوجات والإماء لقضاء شهوته، فَأولئِكَ هم الجاوزون الحد في الإِثم والعدوان.

وبهذه الآية حرم إتيان الذكور والبهائم، كما حرم نكاح المتعة، وهو نكاح المرأَة إِلى أَجل بمقابل، وكان مباحًا في الجاهلية، فلما نزلت هذه الآية حرمته، وهذا يقتضي أَن تحريمها كان قبل الهجرة لأنَّ السورة مكية، لكن ورد تحريمها بعد الهجرة ثلات مرات، (إحداها) يوم خيبر (3). (وثانيتها) يوم فتح مكة وهو يوم أَوطاس لاتصالهما، وكان قد أحلها يومئذ ثلاثة أيام ثم حرمها (4). (وثالثتها) كانت في حجة الوداع وكان التحريم فيها أَبديًّا أَخرجه أَبو داود (5).

(1) أي جعلته يجامعها ويستمتع بها، من السر بمعنى: الجماع.

(2)

انظر القرطبى فيها وفي التي قبلها ج 12 ص 107 طبع دار الكتب.

(3)

وقد اتفقت عليه روايتا البخاري ومسلم.

(4)

رواه الإمام مسلم.

(5)

انظره في شرح النووى لمسلم.

ص: 1270

ويرجع تحليلها في بعض الغزوات، إِلى الترخيص لهم بما أَلفوه قبل الإِسلام في سفرهم وحروبهم، تأْليفًا لهم وتدرجًا مهم في التشريع، فلما تشبعت نفوسهم بدينهم، حرمه الله إلى الأَبد. وقد علق الإِمام النووى على الحديث الأَول من أَحاديث المتعة عند مسلم - علَّق عليه - بكلام نفيس، ثم قال: قال القاضى (1): واتفق العلماءُ على أَن هذه المتعة كانت نكاحًا إلى أَجل لا ميراث فيها، وفراقها يحصل بانقضاءِ الأجل من غير طلاق، ووقع الإِجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء إِلَّا الروافض، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول بإباحتها، وروى عنه: أَنه رجع عنه.

قال (2): وأَجمعوا على أَنه متى وقع نكاح المتعة الآن، حكم ببطلانه، سواءٌ كان قبل الدخول أَو بعده إِلى آخر ما قال. فارجع إِن شئت إِلى باب نكاح المتعة في كتاب أَحكام النكاح تعليق الإِمام النووى على الإِمام مسلم، وقد أَسهب الآلوسى في الكتابة على هذه الآية، فمن شاءَ المزيد فليرجع إِليه.

ومما ذكره فيها: أَن الأَئمة اختلفوا في استمناء - الرجل بيده، وأَن جمهور الأَئمة على تحريمه، لدخوله تحت عموم قوله تعالى:{فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)} وذكر أَن الإِمام أَحمد يجيزه، لأَن المنى فضلة في البدن فجاز إِخراجها عند الحاجة، كالفصد والحجامة. وعزز بعض العلماء رأْى الجمهور بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ناكح اليد ملعون"، كما عززه بقوله تعالى:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} ، وهذا الاستمناءُ يقرب صاحبه من الزنى، فلهذا يكون منهيًّا عنه ومحرمًا.

8 -

{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)} :

هذه هي الصفة الخامسة للمؤمنين الموعودين بالفوز وميراث الفردس، وهي رعايتهم لأَماناتهم وعهدهم، والمراد بأَماناتهم: ما ائتُمِنُوا عليه من جهة الله هي التكاليف الشرعية التي كلف الله عباده بها، كالصلاة والصوم والزكاة وترك الخمر والميسر، أو من جهة الناس وهي ودائعهم من الأَموال والأَسرار.

(1) يعنى القاضى عياضا.

(2)

أي: قال القاضى عياض.

ص: 1271

والمراد بعهدهم: ما عاهدوا الله عليه بالأيمان والنذور، وما عاهدوا الناس عليه بالعقود والوعود، وجمعت الأمانة في الآية دون العهد، لكثرة الأمانات من جهة الله ومن جهة الناس، وقد أَثنى الله عليهم ، بأنهم مراعون للأمانات والعهود بأنواعها، حافظون لها قائمون بحقوقها.

9 -

{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9)} :

هذه هي الصفة السادسة للمؤمنين المفلحين، والمراد من الصلوات: الصلوات المفروضة، كما أَخرجه ابن المنذر وغيره عن عكرمة، والمراد من المحافظة عليها: أَداؤها في أوقاتها بأركانها وشروطها، والتعبير بقوله {يُحَافِظُونَ} بدل (محافظون) لما في الصلاة من التجدد والتكرار الذي توافقه صيغة الفعل المضارع.

وقد ذكرت الصلاة في أوصاف المؤمنين مرتين ولا تكرار فيها، فإن ذكرها أولًا للحث على الخشوع فيها لأهميته، وذكرها أَخيرًا للمحافظة عليها في جميع مطالبها.

وكلاهما يدل على فضل الصلاة وعظيم منزلتها عند الله تعالى، ولهذا فرضها الله في السماء ليلة الإسراء والمعراج، وفرض سواها وَحْيًا على محمد صلى الله عليه وسلم في الأرض.

10 -

{أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10)} :

أَي: أولئِكَ الموصوفون بتلك الصفات الجديدة هم الجديرون بأن يسموا وُرَّاثًا دون من عداهم ممن يرثون نفائس الأَموال والحلى وغيرها من متاع الدنيا، فإنه عرض زائل، وما عند الله خيرٌ وأبقى، ثم شرح ميراثهم فقال:

11 -

{الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} :

والفردوس في اللغة - كما قاد صاحب القاموس -: هو البستان يَجْمَعُ كل ما يكون في البساتين وقد يؤنث.

وهو في الآخرة أَعلى درجات الجنان، ففي الحديث:"إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن" أخرجه البخاري ومسلم.

ص: 1272

وعبر عن استحقاقهم الفردوس بالميراث لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنه قال: "ما منكم من أَحد إِلَّا وله منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار ورث أَهل الجنة منزله، فذلك قوله:{أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10)} أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة، وابن جرير عن أَبي معاوية بإِسناده إليه.

وقيل: الإِرث مستعار للاستحاق، لأَنه أَقوى أسباب الملك.

المعنى الإجمالى للآيات السابقة:

1 -

قد فاز المؤمنون بما أَمَّلوه في مولاهم، فقد قضى بنيلهم ما طلبون، ونجاتهم مما يرهبون ويخافون، جزاءَ إيمانهم واتصافهم بالصفات الكريمة التالية:

2 -

الذين هم في صلاتهم متذللون خاضعون، جوارحهم ساكنة، وقلوبهم حاضرة، وعقولهم مجتمعة غير مشتتة، يخلصون المقال، ويعظمون المقام، فهم ماثلون أمام مالك الملكوت، ورب العزة والجبروت.

3 -

والذين هم في سلوكهم مع الناس، بعيدون عن ساقط الكلام وباطله، وردى الفعل وعابثه، فإذا نطقوا فبخير ، وإِذا فعلوا فبرويَّة وفكر.

4 -

والذين هم لزكاة أموالهم مؤدون، ومن أَجل طهارة نفوسهم يفعلون من الطاعات ما يفعلون.

5، 6 - والذين هم لسوءاتهم ومواضع العفة منهم حافظون إِلاّ من زوجاتهم أَو جواريهم فإنهم غير ملومين على مباشرتهن، فهن حلال لهم.

7 -

فمن طلب غير الزوجات والسرارى لقضاء شهوته سفاحًا، فأولئِكَ هُمُ المعتدون ولحدود الله مجاوزرن، ولعقابه في الدنيا والآخرة مستحقون.

8 -

والذين هم لما ائتمنوا عليه من التكاليف الشرعية وودائع الناس وأسرارهم حافظون لها، مؤدون حقوقها، قائمون بواجباتها.

9 -

والذين هم على صلواتهم يحافظون، ففي أوقاتها يؤدون ، وبأركانها وشروطها يلتزمون.

ص: 1273

10، 11 - أولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة، هم الجديرون بأن يوصفوا بالوارثين، فإِنهم يرثون في الآخرة جنة الفردوس أَعلى الجنان، ومن فوقها عرش الرحمن هم فيها خالدون، لَا يَخْرُجون ولا يُخْرَجون، أَما الوارثون في الدنيا للأموال والنفائس، والرباع والقصور، فهم وما ورثوه زائلون وعنه مسئولون.

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} المفردات:

(مِن سُلَالَةٍ من طِين) السلالة: ما سُلَّ من الشيء واستخرج منه، أَي: مِنْ مسُتَخْرج ومستخلص من الطين. (جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً): صيرناه نطفة، أَي: منيًّا، وهي مأْخوذة من النطف: وهو التقاطر، وقال الراغب: النطفة: الماءُ الصافى، ويعبر به عن ماءِ الرجل. اهـ.

وكان عليه أَن يقول: عن ماء الرجل والمرأَة، لأَن الجنين يتخلق من ماءيهما.

(مَكِينٍ): متمكن ثابت (عَلَقَةً): هي ما يعلق بغيره، وسيأْتى بيان المراد منها في الشرح. (مُضْغَةً) أي: قطعة لحم بقدر ما يمضغ.

التفسير

12 -

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12)} :

بين الله في الآيات السابقة صفات السعداء التي استحقوا بها الجنة، وجاءت هذه الآية والآيات التالية لها لبيان ما خلقوا منه هم وغيرهم، وما ينتهون إِليه، حثًّا لهم على استدامة

ص: 1274

ما هم فيه من الصفات الكريمة، وتذكيرًا لغيرهم بمبدئهم ومنتهاهم، ليعملوا لآخرتهم، ويتقوا سوء المصير.

والمراد من الإِنسان في الآية: الجنس، فكل أَفراد هذا الجنس - خلقهم الله من خلاصة مستخرجة من الطين، كما جاءَ في النص الكريم، وذلك باعتبار أَصلهم الأَول آدم عليه السلام فهم مخلوقون من الطين تبعًا لخلقه منه، أَو باعتبار أن النطفة التي خلقوا منها خلاصة مستلة ومأخوذة من أَغذية ناشئة ونابتة من الطين.

13 -

{ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} :

ثم حولنا الإنسان وصيرناه نطفة ومنيًّا في قرار مكين بعد استلاله من طين، ولفظ (ثمَّ) هنا إِما: للترتيب في الخلق والتراخِي في الزمن، أَو للترتيب والبعد في المنزلة والرتبة، فإِن تحويله من خلاصة من طين، إِلى منى مشتمل على حيوانات منوية لا حصر لها في ماءِ الرجل وعلى بويضة وحيدة في ماءِ المرأة، فيه انتقال من مرتبة أَدنى إلى مرتبة أعلى ومنزلة أَبعد وأَسمى، وهذا المعنى هو المناسب لما ختمت به الآيات، وهو قوله تعالى:{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين} ومثل ذلك يقال في الآية التالية.

والمراد من القرار المكين: الرحم، فهو مقر متمكن في موضعه، وحرز حريز للنطفة وما يطرأ عليها من التطورات، فلا يخاف عليها فيه من حركة الأم وتنقلاتها وعملها حتى تضع حملها بسلام.

14 -

{ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين} :

تقدم الكلام مستوفى على مثل ما جاء في هذه الآية في صدر سورة الحج: حيث بيَّنا هناك كيف تتحول النطفة إِلى علقة ثم إِلى مضغة، وأَطوار تكوين الجنين في أَشهر الحمل وأَوزانه، وأَن الحياة موجودة فيه منذ تكوين الخلية الأولى بعد تلقيح البويضة بالحيوان المنوى ، وأَن المقصود من نفخ الروح فيه في نهاية طور المضغة هو إِعطاءُ الجنين دفعة قوية من الحياة تمكنه من الحركة في بطن أمِّه بعد أَن تم تصويرة المبدئي، ولهذا لا نرى داعيًا

ص: 1275

لإِعادة الكلام هنا تفصيلًا فيها، فمن شاء فليرجع إلى ما قلناه في تفسير قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ

} (1).

والمعنى: ثم صيرنا النطفة البيضاء خلايا عالقة بجدار الرحم أجرينا عليها التحويل من حال إِلى حال فصيرناها بهذا التحويل والتصوير مضغة - أَي: قطعة لحم صغيرة قدر ما يمضغ، فيها معالم الانسان الأولية ، فصيرنا بعض هذه المضغة عظاما متطورة ممتدة في ثناياها أَثناءَ تخليقها وتصويرها، فكسونا تلك العظام لحمًا وأَحطناها به، ليتم للجنين تلك الصورة البديعة، ثم حولناه بعد تمام التكوين والتصوير وأَنشأناه مخلوقًا آخر مباينًا لخلقه الأَول، فقد أَصبح إنسانًا سويًّا جميلًا وسيمًا، بعد أن كان منيًّا ثم علقة ثم مضغة.

{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} :

أَي: فتعالى الله أحسن الخالقين خلقًا، وتقدس أعظم المقدرين المبدعين تقديرًا وإبداعًا حيث أنشأ هذا الجمال الإنسانى من تراب ثم من نطفة ثم من علقة فمضغة، وعُدِل عن أسلوب التكلم في نحو قوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا} فأسند الفعل هنا إِلى لفظ الجلالة لتربية المهابة وإدخال الروعة، وللإشعار بأن ما ذكر من الأفاعيل العجيبه، إِنما هو من أَحكام الأُلوهية وأثارها، وللإيذان بأن حق من سمع ما فصِّل من آثار قدرته تعالى أَو تَدَبَّره أَن يقول:"تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" إجلالًا وإعظامًا لشئونه تعالى.

وَالْخَلْق معناه في اللغة: التقدير، وهو لهذا يصح أَن يطلق على غيره تعالى، كما في قوله سبحانه:"وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ" أَي: تقدر من الطين تمثالا وتصوره كهيئة الطير، ولهذا عبر هنا بصيغة أفعل التفضيل (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).

15، 16 - {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}:

ثم إنكم يا بنى الإِنسان بعد ذلك الخلق العجيب لمنتهون إلى الموت لا محالة ثم إنكم يوم القيامة تقومون من قبوركم وتبعثون منها إلى ساحة الحساب على أَعمالكم: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} : ومن كان مصيره إلى الحساب والجزاء ولابد، فعليه أنا يَتَّقيَ سوء الحساب.

(1) سورة الحج: الآية الخا

ص: 1276

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20}

المفردات:

{سَبْعَ طَرَائِقَ} : سبع سماوات طباقًا بعضها فوق بعض، وهي جمع طريقة، والعرب تسمى كل شيء فوق شيء طريقة - انظر القرطبى. {مَاءً بِقَدَرٍ} أي: بتقدير لائق يجلب المصالح ويدفع المضار. {جَنَّاتٍ} : بساتين. {تَنْبُتُ بِالدُّهْن} : تنبت ملتبسة بالدهن ومصاحبة له في تكوينها. {وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} : وما يصبغ بِه الخبز للآكلين أي: يغمس فيه.

التفسير

17 -

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِين} :

بين الله في الآيات السابقة خلق الإنسان ومصيره الذي ينتهى إليه، وبين في هذه الآية وما بعدها خلق ما هو بحاجة إليه في حياته الأولى، استكمالًا لنعمته عليه.

وفي تقديم بيان خلق الإنسان على خلق هذه الكونيات العظيمة، إيذان بعظم خلقه مع صغر حجمه، ففيه انطوى العالم الأكبر، كما قال الشاعر:

أَتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْم صَغِير

وَفِيكَ انْطَوَى الْعَالمُ الأْكْبَرُ

وفي تلك الآيات دلالة على إمكان بعثهم الموعود به قبلها في قوله سبحانه: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} فإن من قدر على خلق السموات، وإخراج الشجر والنبات من التراب،

ص: 1277

فهو على بعثهم قدير، وصدق الله تعالى إذ يقول:{أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ} والطرائق: جمع طريقة ، وتطبق على الطبقة فوق الأخرى، يقال: طارقت الشيء: جعلت بعضه فوق بعض، كما تطلق على الطريق المعروف، وعلى الأسلوب والهيئة.

وأُطلقت الطرائق على السموات السبع إِما لكون بعضها فوق بعض ، أَو لأَنها طرق الملائكة في هبوطهم وعروجهم، أو لأن لكل سماء طريقة وأسلوبا في خلقها ونظامها وهيئتها.

ومعنى الآية: ولقد أنشأْنا فوقكم يا بنى الإنسان سبع سماوات طباقا، يسلكها الملائكة في أَعمالهم التي كلفهم الله بها، ولكل سماءٍ هيئة ونظام يتفق مع ما خلقت لأَجله ، وما كنا عن جميع مخلوقاتنا ساهين مهملين، فكل شيءٍ خلقناه فيها بقدر، دبرناه بحكمة، وهو مشمول برعايتنا وحفظنا، ومحوط بعلمنا {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (1) لا تحجب سماءٌ عن علمه سماءً أخرى، ولا أَرض أرضًا غيرها، ولا جبل إلا هو يعلم سهوله ووديانه وهضابه وكثبانه، ولا ريف إلا وهو يعلم نباته وأَشجاره، وإنسانه وحيوانه {وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (2) ولا بحر إلا وهو يعلم مياهه وركبانه، وأَسماكه وحيتانه، فهو {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} (3).

18 -

{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18)} :

كل ما علاك يطلق عليه في اللغة: سماءٌ، والمراد بالسماء هنا إمَّا السحاب، فمنه ينزل المطر، وإما السماءُ المعروفة، والمقصود من إنزال المطر منها إِنزاله بسببها، فإن المطر أصله أَبخرة صاعدة من البحار، بسبب تسلط حرارة الشمس عليها، والشمس من السماء.

(1) سورة الحديد، من الآية: 4

(2)

سورة الأنعام، من الآية: 59

(3)

سورة البقرة، من الآية: 255

ص: 1278

ومعنى الآية: وأَنزلنا من السحاب ماءً بمقدار ما يكفى مخلوقاتنا في مصالحهم وحاجاتهم، لا كثيرًا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلا فلا يفى بالإنسان والحيوان والزروع والثمار، فأسكناه في الأرض وأَقررناه فيها، حيث أجريناه في الأنهار، وجعلنا الأرض تتشرب بعضه، ليستقر في جوفها، ويخزن تحت طبقاتها، لينتفع به الناس عند الحاجة إليه بحفر الآبار فيها ونبع العيون منها، وإنا على ذهاب بالماء الذي أنزلناه لقادرون، بأن نجعل الأرض تبتلعه فيغور فيها إِلى أماكن بعيدة لا تقدرون على استنباطه منها، كما قال سبحانه في آخر سورة الملك:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)} .

ويصح أن يكون المعنى: وإنا على عدم انتفاعكم بالماء لقادرون، بأن نحبس المطر عنكم أو نحول عذبه الفرات إلى ملح أجاج، أو نجفف أنهاركم وآباركم، ولكنا بلطفنا ورحمتنا نمدكم بالماء العذب من آن لآخر، ونحفظه لكم لتنتفعوا به عند حاجتكم.

19 -

{فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)} : فأوجدنا لكم بسبب هذا الماء الذي أَسكناه في الأرض - أوجدنا لكم - بساتين ذات بهجة من نخيل وأَعناب، لكم في تلك البساتين فواكه كثيرة غير النخيل والأعناب، تتفكهون بها وتتنعمون بحلاوتها وجمالها ولذيذ مذاقها، ومن هذه البساتين تأْكلون وتتغذن بزروعها وثمارها التي تجمع بين التفكه والتغذى.

ويصح أن يكون المراد من الأكل من تلك الجنات التعيش والارتزاق منها ، ببيع ما زاد على طعامهم وفاكهتهم، ومنه قولهم: فلان يأكل من حرفته، أي: يتعيش منها.

وأجاز بعض العلماء عود الضمير في قوله: {لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} على النخيل والأعناب، فثمراتها جامعة بين الفاكهة والغذاء.

20 -

{وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} :

الطُّور في اللغة: اسم لكل جبل، وطور سيناء: هو الجبل الذي كلم الله موسى عليه السلام عنده، هو واقع في إقليم سيناء التابع ل

ص: 1279

وجمهور العرب والقراء على فتح السين مع مد الهمزة، وقرىء بكسرها مع المد أيضًا - وهو لغة بنى كنانة، وفيه لغات وقراءات أخرى: كَطُورِ سينين، ونكتفى بما ذكرنا، والمراد بالشجرة التي تنبت منه الدهن: شجرة الزيتون، وتخصيصها بالذكر من بين سائر الأشجار التي تنبت هناك لما فيها من المنافع الجليلة، ولشهرة طور سيناء بإنباتها أكثر من اشتهاره بإنبات سواها عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وتخصيصها بالوصف بالخروج من الطور مع خروجها من سواه لتعظيمها، وقيل: لأنه هو المنشأُ الأصلى لها بعد الطوفان، والله أعلم بذلك القول.

والمراد من نباتها بالدهن، نباتها ملتبسة به، حيث خلقها الله صالحة لإخراج ثمرها مشتملا على نسبة عالية من الزيت، والمراد من كونه صبغا للآكلين، أنه يغمس فيه الخبز ويصبغ به عند تناوله، كما كانوا يفعلون عندما نزل القرآن عليهم.

ومعنى الآية: وأنشأنا لكم شجرة طيبة بما أنزلناه من السماء من ماء، وهذه الشجرة تخرج من أرض مباركة قريبة منكم يجلب لكم ثمارها، هي سفح طور سيناء الذي كلم الله تعالى موسى عنده، وتلك الشجرة تنبت وفيها خاصيةُ إخراج ثمرٍ يجمع بين نعمتين:(إحداهما) نعمة الدهن، وهو الزيت الذي تستعملونه في سراجكم وسائر أموركم التي تحتاج إليه. (وثانيتهما) أنه أدْمٌ تصبغون به الخبز عندما يتناوله الآكلون منكم.

{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)} .

المفردات:

{الْأَنْعَامِ} : تطلق على الإبل والبقر والغنم، أو كما قال صاحب المختار: هي المال الراعية، وأكثر ما يطلق: على الإبل. اهـ، وسيأتى في التفسير مزيد بيان عنها.

ص: 1280

{الْفُلْكِ} : الفلك السّفُن، وقد يطلق على الواحدة، وقد يُذَكر حينئذ، كما قال تعالى:{فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} وقد يؤنث كما في قوله تعالى: {وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} قال صاحب المختار: كأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المَرْكب فتذكر، وإِلى السفينة فتؤنث. اهـ وهي تحتمل الإفراد والجمع، ومن إطلاقها على الجمع قوله تعالى:{حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} (1). ومن إطلاقها على المفرد قوله تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون} (2).

التفسير

21 -

{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21)}

بين الله في الآيات السابقة نعمة وآياته في خلق الإنسان، وإنزال الماء من السحاب، وإنبات الحدائق والبساتين وأنواع النبات بما أنزله لهم من الماء، وخزنه لهم منه في جوف الأرض، وجاءت هذه الآية لتبين آياته ونعمه في الأنعام.

والأنعام المذكورة هنا، إما أَن يراد بها أصنافها وهي الإبل والبقر والغنم، وإما أن يراد بها الإبل خاصة لقوله تعالى في الآية التالية:{وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} وإرادة العموم هنا أولى، لأن العبرة والمنافع فيها ليست قاصرة على الإبل.

والمعنى: وإِن لكم - أَيها الناس - لعظة عظيمة في أصناف الأنعام، نسقيكم مما في بطون إناثها من بين فرْثٍ ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، ولكم فيها منافع كثيرة في أوبارها وأصوافها وأَشعارها وفي عظامها حيث تطحن وتكون ضمن طعام الداجنة، وفي غِرَائها الذي يلصق به، ومن لحومها تأكلون، ومنها تتعيشون وترتزقون، حيث تتجرون في أنواعها وأَجزائها وفضلاتها، وقد تقدم الكلام وافيًا على مثل تلك الآية في سورة النحل (3). فارجع إليها إن شئت.

(1) سورة يونس، من الآية: 22

(2)

سورة الشعراء، الآية:119.

(3)

الآية رقم 66 منها.

ص: 1281

22 -

{وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} :

الضمير في {عَلَيْهَا} يرجع إِلى الأنعام، ونسبة الحمل فيها إلى جميعها - مع أن التي تحمل هي الإبل - بنسبة ما لبعضها إلى كلها مجازًا (1). وقرْن الإبل بالفلك في الحمل عليها لأَنها سفن البر كما أَن الفلك سفن البحر، وفي ذلك ما فيه من المبالغة في تحملها، وفي هذا المعنى يقول الشاعر ذو الرمة وصف ناقته:

سفينة بَرٍّ تحْت خدِّي زمَامُها

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26)} )

المفردات:

{يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} : يريد أن يتعالى عليكم ويَفْضُلَكُمْ بادعاءِ الرسالة.

{بِهِ جِنَّةٌ} : به جنون، أو جنّ يخيلون له فيقول ما يقول. {فَتَرَبَّصُوا}: فانتظروا.

التفسير

23 -

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} .

(1) ويصح أن يكون في الكلام استخدام، وهو ذكر اللفظ بمعنى وإعادة الضمير عليه بمعنى آخر، كما يقول علماء البلاغة، وعليه يكون الضمير عائدا إلى الأنعام بمعنى الإبل خاصة، بعد إرادة العموم منها فيما يتقدم.

ص: 1282

شروع في بيان ما جناه الناس على أَنفسهم من ترك التبصر والاعتبار والادِّكار بنِعَم الله عليهم، أو بعقاب الله لهم على كفرهم برسله الذين يذكرونهم ويوجهونهم إلى معرفة ربهم بآياته ونعمه.

وقدم الله قصة نوح مع قومه، لأَنه الأَب الثاني للبشرية بعد آدم، ولأنه مكث فيهم أَلف سنة إلَّا خمسين - عامًا يدعوهم، فلما لم يؤمنوا قطع الله دابرهم بالطوفان، فلهذا كانت قصته جديرة بتقديمها، وإيرادها عقب قوله تعالى:{وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)} للصلة القوية بين نوح والسفن فهو أَول من صنعها من البشر.

والمعنى: ولقد بعثا نوحًا رسولًا منا إلى قومه، ومعه آيات ومعجزات تؤَيد رسالته فقال مستميلًا لهم إلى الحق: يا قومي اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به أحدًا. فإنه ليس لكم إله سواه، أَتشاهدون ذلك في آياته ولا تتقون عقابه وأَنتم به كافرون.

24 -

{فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)} :

يطلق لفظ الملإِ على السادة لأَنهم يملئون العين، كما يطلق على الجماعة مطلقًا (1)، والمراد هنا المعنى الأَول، ووصْفُهم بالذين كفروا من قومه ليس لتمييزهم عن فريق آخر منهم بل لذمِّهم بالكفر مع أَنهم من قومه، إِذ لم يؤمن أحد من أَشرافهم، حسبما يُفْصح عنه قولهم له:"مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا".

والمعنى: فقال سادتهم الكافرون لِعوامِّهم تنفيرًا لهم من اتباعه: ما هذا الذي يدَّعى الرسالة عن الله إِلا بشر مماثل لكم في البشرية والأوصاف المختلفة، يريد بدعواه الرسالة أَن يسودكم ويتقدم عليكم، ولو شاء الله أن يرسل إِلينا رسولا لأرسله وأنزله من الملائكة ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إِليه من عبادة إله واحد - ما سمعنا بهذا - في آبائنا الذين مضوا قبلنا حتى نصدقه.

(1) انظر القاموس.

ص: 1283

وهم بهذا الذي قالوه، يرفضون رسالة البشر، ويرضون بربوببة الحجر، فلا عجب أن يمضوا في التنقير منه قائلين:

25 -

{إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25)} :

أِى: ما نوح إِلَاّ رجلٌ به جنون ، أو يغشاه جن يلبسون الأمر عليه، ويخيلون له فيقول ما يقول، فانتظروا به واصبروا لعله يفيق مما أصابه فلا يعود لما يقوله، وهم بهذا ينقضون ما وصفوه به أَولًا من أنه رجل يريد الرياسة والفضل عليهم بدعواه الرسالة فيهم، وهذا يقتضي اعترافهم ضمنًا بأنه رجل عاقل وسياسي ماهر، فاتهامهم له بالجنون بعد ذلك يعتبر تخبطًا منهم في المقال عنه، وإِيغالًا في التنفير منه بدون وجه حق.

26 -

{قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26)} :

قال نوح لربه بعد أَن يئس من إِيمانهم ،حينما أخبره بقوله:{أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} قال نوح بعد يأسه: رب انصرنى على قومى وأهلكهم بسبب تكذيبهم لي، انتقامًا منهم على تماديهم في الضلال، وإصرارهم على الكفر بعد تلك الدهور الطوال.

{فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)}

ص: 1284

المفردات:

{الْفُلْكَ} : السفينه. {بِأَعْيُنِنَا} : المراد من أعينه تعالى؛ مزيد حفظه ورعايته فإنه منزه عن مشابهة الحوادث. {وَفَارَ التَّنُّورُ} : التنور الكانون يخبز فيه، ويطلق عليه الْفُرْنُ أَيضًا، والمراد من فورانه: نبع الماء منه، ويطلق التنور أيضًا على كل مَفْجَرِ ماءِ (1).

{فَاسْلُكْ فِيهَا} : فأدخل فيها. {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} : أي من كل صنف فردين متزاوجين ليكونا بذلك التزاوج اثنين. {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ} : صَعِدت.

{مُنْزَلًا مُبَارَكًا} : مكانًا كثير الخير.

{وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} (2): وإن كنا لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم.

التفسير

27 -

{فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا

} الآية.

أي: أجبنا دعاء نوح على قومه، فأوحينا إليه على لسان جبريل، قائلين له: اصنع السفينة التي سوف نُنجِّيك مع المؤمنين بركوبها، اصنعها تحت رعايتنا وحفظنا وإِرشادنا لك بالوحى عن طريقة صنعها حتى تسلم من الخطإ ومن عدوان قومك عليك وأنت تصنعها.

{فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ} :

فإذا جاء موعد أمرنا بشأنهم، وحان وقت عقابهم على كفرهم، بعد تمام صنع السفينة، وفار الماءُ من الفرن، أمارة لك على مجىء أمرنا وعقابنا لقومك، فأدخل في السفينة من كل نوع يتوالد زوجين اثنيين ذكرا وأنثى، وأدخل فيها نساءك وأولادك فهم أهلك، إلّا من سبق عليه قولنا وقضاؤنا أزلًا بإهلاكه منهم، وهم ابنك وزوجتك الكافران، ولا تسألنى نجاة أحد من أولئك الكافرين، ولا تشفع في هؤلاء الظالمين، فإنهم مُغرقون بالطوفان جميعًا جزاء كفرهم وظلمهم.

ويصح أن يكون المراد من أهله: المؤمنون من أمته، واستثناء ما سبق عليه القول منهم يُعَبَّرُ عنه فنِّيًّا بالاستثاء المنقطع، لأَن من سبق عليه القول بالإهلاك ليس من المؤمنيين.

(1) انظر المادة في القاموس.

(2)

(إن) هنا مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، واللام بعدها الفرق بينهما وبين النافية.

ص: 1285

والأول هو الظاهر، وأما حمله من آمن معه في السفينة من غير أهله فإنه وإن لم يذكر في هذه الآية، فقد صُرِّح به في سورة هود في قوله تعالى:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)} (1) والقرآن يفسر بعضه بعضًا، فما ترك ذكره في آية يعرف أَنه مراد فيها من آية أخرى ذكر فيها.

وتأخير الأمر بحمل أهله في السفينة عن الأَمر بحمل الأزواج وإدخالهم السفينة، لأن إدخال هذه الأَزواج يحتاج إلى معاونة أَهله قبل أَن يصعدوا إلى السفينة، ولأن موضوع إدخال الأهل يتصل به استثناءُ من استثنى منهم وغيره، فتقديم الأَمر بإدخالهم على إدخال الأزواج يخل بتجاوب النظم الكريم.

28 -

{فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)} :

فإذا ركبت السفينة وعلوتها أنت ومن معك من المؤمنين ونجوتهم بذلك من ظلم قومكم الظالمين، ومن عقابهم بالطوفان على ظلمهم وكفرهم - إذا حدث ذلك - فقل: الحمد لله الذي نجانا بفضله - من ظلم الظالمين وعاقبته.

وتوجيه الأمر إلى نوح بالحمد على النجاة من الظالمين، دون إشراك من نجا معه من المؤمنين في ذلك، لأَنه إمامهم، فأَمره بحمد الله أمر لهم بمثله، ولأنه هو الذي دعا ربه أن ينصرة على قومه بسبب تكذيبهم إياه، فاستجاب له ربه فأنجاه ومن معه من المؤمنين، وأغرق مكذبيه بالطوفان، فلهذا طلب منه ربه أن يحمده على إِجابة دعائه في قومه المكذبين، وتكريمه والمؤمنين بالنجاة من ظلمهم.

29 -

{وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} :

أي: وقل يارب أَنزلنى من السفينة مكانا ومنزلًا كثير الخيرات ولمن معى من المؤمنين بعد انتهاء الطوفان، وخراب الدنيا، لكي نستطيع العيش فيه نحن وذرياتنا، أنت يا رب خير من ينزل الضيفان، ويكرم المحتاجين واللاجئين.

(1) سورة هود، الآية رقم:40.

ص: 1286

30 -

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)} :

إن في ما فعله الله بنوح وقومه لعلامات واضحات على نجاة المتقين، وسوءِ مصير الظالمين، ولو بعد حين، يهتدي بها أصحاب البصائر المستنيرة ويعتبر بها أولو العقول الوضيئة، وإن الحال والشأن في قصتهم، هو أننا كنا مبتلين قوم نوح ببلاءٍ عظيم وعقاب شنيع.

{ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35)}

المفردات:

{قَرْنًا آخَرِينَ} : أَي ذوِي قرن آخرين، وهم عاد، وقيل: هم ثمود، والأول أَصح.

{الْمَلَأُ} : الأشراف. {وَأَتْرَفْنَاهُم} : أي نعمناهم ووسعنا عليهم.

التفسير

31 -

{ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} :

بعد أن حكى الله قصة قوم نوح وعاقبتهم لما كفروا بربهم وعصوا رسوله، جاءت هذه الآية وما بعدها لحكاية قصة قوم آخرين جاءوا بعدهم، ففعلوا فعلهم، فأهلكوا جميعًا عقابا لهم.

ص: 1287

وهؤلاء القوم هم عاد قوم هود، فإنهم هم الذين خلفوا قوم نوح وجاءُوا بعدهم ، كما عرف من الترتيب القرآني لقصص الأمم وأنبيائهم، فقد جاءت قصتهم بعد قوم نوح في سورة الأعراف وهودٍ وغيرهما، ولهذا قال لهم رسولهم هود:{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} واختار هذا الرأى ابن عباس، وإليه ذهب أكثر المفسرين.

وقيل: هم ثمود قوم صالح، لأنهم هم الذين جاءَ ذكرهم في القران بأنهم أهلكوا بالصيحة، وهؤلاء الذين جاءُوا هنا بعد نوح أُهلكوا بالصيحة، كما سيجىءُ بآخر قصتهم في قوله تعالى:{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41)} (1).

وقد يكونون أُمة أخرى غيرهما، ولهذا لم يصرح باسمها ولا باسم رسولها.

والمعنى: ثم أَنشأْنا من بعد إهلاك قوم نوح بالطوفان لكفرهم - أنشأنا - قوما آخرين في زمان غير زمانهم.

32 -

{فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ (2) اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32)} :

فأرسلنا في أهل هذا القرن رسولًا من بينهم، قائلين لهم على لسانه: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به أحدا في العبادة، فإنه ليس لكم من إِله سواه حتى تشركوه معه في العبادة، أتعبدون معه غيره، فلا تتقون عقابه، ولا تخشون عذابه.

33 -

{وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا (3) وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} :

وقال أَشراف قومه الذين بالغوا في كفرهم وتكذيبهم بلقاه الآخرة ونعمناهم ووسعنا عليهم في الحياة الدنيا - قالوا لمن دونهم من قومهم مُنَفِّرين من اتباعه -: ما هذا الذي يدعى الرسالة فيكم إِلَّا بشر مماثل لكم، فهو يأْكل مما تأْكلون منه، ويشرب مما تشربون فليست له ميزة فيكم، حتى يدعى أنه رسول الله إليكم، ثم بالغوا في التنفير من اتباعه فقالوا:

(1) واختار هذا الرأى أبو سليمان الدمشقى والطبرى.

(2)

(أن) هنا بمعنى أي، لوقوعها بعد الإرسال الذي يتضمن معنى القول.

(3)

من قومه بيان الملأ، والذين كفروا صفة الملأ، جىيء بها فما لهم ، وتنبيها على غلوهم في ال

ص: 1288

34 -

{وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} (1):

ونقسم لئن أطعتم بشرًا مماثلًا لكم في بشريتكم، واتبعتموه فما يدعوكم إليه، إنكم حينئذ لخاسرون باتباعه، ثم استأنفوا مقرِّرين ما زعموه فقالوا مستنكرين مستبعدين:

35 -

{أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ (2) مُخْرَجُونَ} :

أيعدكم هذا الذي يدعى الرسالة وهو من البشر - أيعدكم - أَنكم إذا هلكتم، وتحولت أجسادكم إلى تراب وعظام نخرة، أنكم مخرجون من قبوركم أحياءً كما كنتم في دنياكم.

{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38)}

المفردات:

{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} : هيهات؛ اسم فعل ماض بمعنى بَعُدَ، واقع موقعه، والتكرار للتأكيد، ولا تقع غالبًا إلا مكررة، وفاعلها ضمير، أَي: بَعُدَ التصديق، أو الوقوع.

{لِمَا تُوعَدُونَ} : اللام لبيان ما استبعدوه وهو البعث الذي وعدهم به رسولهم.

{إِنْ هِيَ} : أَي ما هي، فـ (إنْ) هنا للنفى.

{نَمُوتُ وَنَحْيَا} : أي يموت بعضنا، ويولد بعض آخر.

{افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} : اختلق على الله كذبًا بادعائه النبوة.

(1) جملة "إنكم إذا لخاسرون" جواب القسم، استغنى به عن جواب الشرط، يقول ابن مالك:

واحذف لدى اجتماع شرط وقسم

جواب ما أخرت فهو ملتزم

والمتأخر هنا هو الشرط.

(2)

تأكيد لأنكم الأول لطول الفصل بينه وبين خبره، هو قوله "مخرجون".

ص: 1289

التفسير

36 -

{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} :

هذه الآية وما بعدها تكملة لحكاية ما تحدث به كبراءُ الكافرين من القوم الآخرين (1) مع عامتهم، من إنكارهم البعث؛ لِصدِّهم عن تصديق رسولهم فيما وعدهم به، مستبعدين أَن تكون لهم حياة بعد أن يموتوا، وتتحلل أَجسادهم، فيصبح المتقدم منهم موتًا ترابًا اختلط بتراب الأرض، وامتزج بثراها، وصار جزءًا من أَجزائِها، لا يتميز عنها،، ويصبح المتأخر منهم في الموت عظامًا نَخِرَةً مجردة من اللحوم والأعصاب ،كما يشير إِلى ذلك قوله تعالى:{أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35)} (2).

وقوله سبحانه: {لِمَا تُوعَدُونَ} بيان للمستبعد، كأَنه قيل: لأى شيء هذا الاستبعاد الذي يستبعدونه؟ فقيل: إنه لما يوعَدون من وقوع البعث.

والمقصود من الآية أَن هؤلاء القوم يستبعدون البعث بعد الموت استبعادًا مؤكدًا لا يترددون فيه، ولهذا أَتبعوه بما حكاه الله بقوله:

37 -

{إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} :

أي: لا حياة لنا إِلا حياتنا الدنيا التي نحياها، وليس بعدها حياة أخرى بالبعث بعد الموت، كما يعدنا من يدعى أَنه رسولنا - فنحن في حياتنا هذه (نَمُوتُ ونَحْيَا) فيموت بعضنا، ويولد بعض آخر، وينقرض قرن فيأْتى قرنٌ .. إلى آخر الزمان، فالحياة التي عَنَوْها بعد الموت هي حياة جيل جديد بعد موت الذي قبله، ولذا عقبوه بقولهم:{وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} : أَي وما نحن بمبعوثين من قبورنا أحياء بعد الموت، فكيف نصدقه في دعواه؟ ثم أَوغلوا في تكذيبه والتشنيع عليه، فقالوا:

38 -

{إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} :

أي: ما هو إلا رجل اختلق على الله كذبًا فيما جاءكم به عنه سبحانه، من الرسالة والإخبار بالمعاد والبعث بعد الموت {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ}: أَي لا يقع قوله منا موقع القبول والتصديق بما يدَّعيه ويعِدُ به.

(1) الذين سبق بيان الخلاف فيهم.

(2)

سورة المؤمنون، الآية:35.

ص: 1290

{قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}

المفردات:

{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} : الصيحة؛ العقوبة الهائلة، أَو الصوت المفزع الذي أَهلكهم الله به.

{بِالْحَقِّ} : بالعدل. {فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً} : أَي هَلْكَى هامدين يشبهون غثاءَ السَّيْل، وهو الرميم الذي يحمله من كل يابس بَالٍ مخالطًا لزَبَدِه.

{فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} : أي هلاكًا لهم، وفعله: كقَرُبَ، وَفَرِح.

التفسير

39 -

{قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} :

أي: قال رسول أَهل هذا القرن الآخرين - عند يأْسه من إيمانهم بعد أَن أَفرغ الجَهد في تبليغهم رسالة ربه، وسلك معهم إلى ذلك كل مسلك، قال متضرعًا إلى الله متوجهًا إِليه: يا ربي انصرنى على قومى، فأنزل سخطك بهم، وانتقامك منهم بسبب تكذيبهم إياى، وإصرارهم عليه في عتو وكبرياء، فاستجاب الله دعاءَه ، كما حكاه الله بقوله سبحانه:

40 -

{قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} :

أَي: قال الله تعالى لرسولهم: بعد زمان قليل تالله ليصيرن نادمين حين ننزل بهم العذاب الذي يأْخذهم ويستأْصلهم عن آخرهم.

41 -

{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} :

أي: صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة مقترنة بالعدل الإِلهى، تنفيذًا لوعده الصادق الذي وعده الله رسرلهم عليه السلام مَطْويًّا في قوله سبحانه:{لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} .

ص: 1291

وقد عرفت مما تقدم أن أصحاب القرن الآخرين إمَّا عاد قوم هود، فهؤلاء أهلكوا بصيحة الريح العقيم، وإما ثمود قوم صالح فهؤلاء أهلكوا بصيحة جبريل أَو الصاعقة وإمَّا قوم آخرون لهؤلاء أهْلِكُوا بصيحة أخرى يعلمها الله تعالى.

{فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً} : أي هلكى هامدين لا نفع فيهم ولا غناء، يشبهون غثاء السيل، وهو ما يحمله مما بَلِىَ واسودَّ من ورق الشجر وغيره مخالطًا زبده. {فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}: لفظ: {بُعْدًا} قد يراد به الدعاء، أي: فهلاكًا لهم، بمعنى: أَهلِكْهم يا الله إهلاكا، وقد يراد به: الإخبار، بمعنى: فبعُد بُعْدًا من رحمة الله القريبة من المحسنين - بعدوا بهلاكهم - من كل خير، أو من النجاة. واللام في قوله:{الظَّالِمِينَ} لبيان من قيل له: بُعْدًا، والتعبير بقوله:{فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} بدلًا من أَن يقال: فبعْدًا لهم إيذان بأن إِبعادهم علته وسببه ظلمهم لأنفسهم؛ بتكذيب رسولهم وعدم الاستجابة لدعوته.

{ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)}

المفردات:

{قُرُونًا آخَرِينَ} : أَي أمَمًا خلفت الأمم السابقة. {رُسُلَنَا تَتْرَى} : أي متواترين وترا بعد وتر، والوتْرُ: الفرد. {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} : أي أخبارًا يتحدث بها الناس تلهيًا وتعجبًا، وهو جمع أُحدوثة.

ص: 1292

التفسير

42 -

{ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42)} :

أي: أوجدنا بعد هلاك أمة القرن السابق أمَمًا وخلائق أخرى، ويراد بها عند أكثر المفسرين: أقوام صالح ولوط وشعيب وغيرهم.

43 -

{مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} :

أي: ما تسبق أمة من الأُمم الكافرة التي أهلكها الله - ما تسبق - الوقت المقدر لهلاكها أزلًا، وما تتأخر عنه، فهلاكها مرهون بوقته لا يسبقه ولا يتأَخر عنه، وذلك مثل قوله تعالى:{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)} (1). وضمير الجمع في قوله سبحانه: {يَسْتَأْخِرُونَ} عائد على (أمة) باعتبار المعنى، إذ المراد بها: الأَفراد المجتمعون.

44 -

{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ

} الآية.

أي: ثم أرسلنا رسلنا متتابعين، يتبع بعضهم بعضًا إلى الأمم التي جاءَت بعد هلاك من سبقوهم، فقد أَرسلنا إلى كل أمة رسولا منهم خاصًا بهم.

{كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ} استئناف مبين لما قابلت به كل أمة منهم رسولها من تكذيبهم إياه حين لقائه، مع أنه واحد منهم، عرفوه بالصدق، وصدقه الله بالمعجزة التي أظهرها الله على يديه.

{فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا} : أي جعلنا الأمم في الهلاك يتبع بعضهم بعضًا، بمباشرتهم الأسباب الداعية إليه من الكفر والتكذيب، واقتراف المعاصي.

{وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} : بعد أَن أهلكوا حيث لم يبق بعدهم إلا أخبار وأَحاديث، يتحدث بها الناس، تَلَهِّيًا بها، وتعجبًا مما نزل بهم من تدمير وإبادة، وهذه الجملة إِنما تقال في الشر، ولا تقال في الخير، كما يقال: صار فلان حديثًا، أَي: عبرة، كما قال تعالى:{فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} (2).

(1) سورة الأعراف، الآية: 34

(2)

سورة سبأ، الآية: 19

ص: 1293

{فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} أي: فهلاكًا لهم لإعراضهم عن الإِيمان برسلهم، وظلمهم أَنفسهم بكفرهم.

{ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49)}

المفردات:

{وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} : وبرهان واضح له سلطان على القلوب. {قَوْمًا عَالِينَ} : متجبرين متكبرين، يقال: عَلَا، يعلو، عُلُوّا: تَجَبَّر وَتَكَبَّر. {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ} : يطلق على الواحد مثل: {بَشَرًا سَوِيًّا} وعلى الجمع مثل {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} .

{لَنَا عَابِدُونَ} : منقادون خاضعون، وكل من دان لملك فهو عند العرب عابد له أَي: خاضع ذليل. {فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} أَي: المغرقين، من أَهلكته فهو مهلك.

{الْكِتَابَ} : التوراة.

التفسير

45 -

{ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45)} :

يخبر الله تعالى أنه بعث رسوله موسى وأَخاهُ هرون - عليهماالسلام - بآياته وهي تسع: اليد، والعصا، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان ، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، نقل ذلك ابن كثير، وقال: وهذا القول ظاهر جَلِيٌّ، حسن قوى. اهـ

ص: 1294

وقيل: هي العصا، واليد، والسنون، والطمس (1)، والطوفان، والجراد، والقُمَّلُ والضفادع، والدم، أما فاق البحر الذي عدَّه بعضهم منها، فلا مساغ لعدِّه؛ لأنه عليه السلام لم يبعث به إِلى فرعون وقومه، وإنما كان بعثه بالآيات التي كذبوها، واستكبروا عنها، وهم لم يستطيعوا تكذيبه، حيث أهلكوا فيه.

وعن الحسن: المراد من الآيات التكاليف الدينية التي أُمروا بها، ومن السلطان: كل معجز أَتَيَا به. اهـ، ويمكن أَن يراد بالسلطان: تسلط موسى في المحاورة، ووضوح الدلالة على الصانع - جل وعلا - والقوة والإِقدام.

46 -

{إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ} :

أَي: أَرسلناهما إلى فرعون وأَشراف قومه لغايتين: إحداهما: دعوتهم إِلى الإِيمان، والثانية: إطلاق سراح بني إسرائيل من الأَسر، فلم يكن إِطلاقهم من الأسر هو المقصود وحده من إرسالهما بدليل ما صُرِّح به في سورة النازعات، في قوله سبحانه: " {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} .

وخُصَّ الملأُ - أَي الأَشراف - بالذكر، لأَن إِطلاق سراح بنى إِسرائيل: وكف الأَذى عنهم ، مما أُرْسِلا لأَجله، وذلك منوط بآراء الأَشراف من قوم فرعون، وبموافقتهم، فضلا عن أَنهم قدوة لغيرهم يقتدون بهم في الامتثال والاستجابة لما دعوا إليه.

ويجوز أن يراد بالملإِ: قومه جميعا، فقد ورد استعماله لغة بمعنى: الجماعة مطلقا.

{فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ} أَي: فتمردوا مستكبرين، وأَعرضوا عما دعوا إِليه، وكان فرعون وشيعته قوما متكبرين قاهرين لغيرهم بالظلم والطغيان، والمراد: أّن تلك عادتهم، وما فُطروا عليه.

47 -

{فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} .

الهمزة لإنكار، أَي: أَن فرعون وقومه أَنكروا على موسى وهرون دعوتهما إلى الإِيمان لكونهما بشرين، شأْنهم في ذلك شأْن الأُمم السابقة التي أنكرت بعثة الرسل من البشر،

(1) وهو إذهاب الشيء عن صورته، وقد صير الله أموالهم ودراهمهم حج

ص: 1295

وقد دعاهم إلى هذا الإنكار، قياس حال الأنبياء عليهم السلام على أَحوالهم، بناء على جهلهم بتفاضل شئون الحقيقة البشرية، وتباين طبقات أفرادها بحيث يكون بعضهم في أَعلى علِّيِّين، وبعضهم في أسفل سافلين، ومن العجيب أنهم لم يرضوا بالنبوة للبشر، وقد رضى أَكثرهم بالأُلوهية للحجر، فقاتلهم الله، ما أجهلهم!

{وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} (1) أي: خاضعون منقادون، يعملون في خدمتنا، ويطيعون أَوامرنا كالعبيد، أَرادوا بذلك الحطَّ من قدرهما، والاستهانة بهما، وقصور رتبتهما عن الأهلية للرسالة من وجه آخر غير البشرية، بناء على زعمهم الفاسد في قياس الرياسة الدينية على الرياسات الدنيوية المؤسسة على حظوظ الحياة الفانية من المال والجاه، وجهلهم بأَن مناط الاصطفاء للرسالة هو السبق في حيازة النعوت العَلِيَّة، والملكات السنية، جبِلَّةً، لا اكتسابا.

48 -

{فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} :

أي: فاستمروا على تكذيبهما، وأَصروا عليه، فأهلكهم الله بإغراقهم جميعا في بحر القلزم (البحر الأحمر) أهلكهم جزاءَ تكذيبهم.

49 -

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُون} .

يخبر سبحانه إِخبارا مؤكدا بأَنه آتى موسى عليه السلام التوراة فيها آحكامه وأوامره ونواهيه، وقد كان ذلك بعد إهلاك فرعون وقومه، وإنجاء بنى إسرائيل.

والمعنى: ولقد آتينا موسى التوراة، لعل من أرسل إليهم من قوم فرعون وبنى إِسرائيل - لعلهم - يهدون بها إلى الحق المبين، وخص موسى بالذكر هنا دون هرون؛ لأَن التوراة أنزلت على موسى في الطور، أما هرون فهو وزيره ومُعينه في دعوته، أو روعى الاقتصار على موسى لأنه الأصل في الأنباء، وذلك لا يمنع من إِرادة هرون معه، فقد ذكر في قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} (2).

(1) هذة الجملة حال من فاعل نؤمن في قولهم (أنؤمن) مؤكدة لإنكارهم الإيمان بهما.

(2)

سورة الأنبياء، من الآية رقم: 48

ص: 1296

{وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)}

المفردات:

{آيَةً} : دلالة بينة على كمال قدرته تعالى. {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ} أَي: أنزلناهما إلى مكان مرتفع منبسط، يقال: آويته إلي منزلي: أَنزلته فيه، وأَويت إلى منزلى: نزلت فيه، والربوة - بضم الراء، والفتح -: لغة بنى تميم، والجمع: رُبًى.

{ذَاتِ قَرَارٍ} أَي: يستقر فيها المقيم. {وَمَعِينٍ} أي: ماء جارٍ ظاهر للعيون، من عَانَهُ، إذا أَدركه بعينه، وأَصله: مَعْيُون، فدخله الإعلال، أَو من مَعَنَ الماءُ: إذا جرى. فوزنه. فَعِيلٌ.

التفسير

50 -

{وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ..... } الآية.

أي: جعلنا عيسى بن مريم وأمه دلالة قاطعة على كمال قدرتنا البالغة، حيث حملت به من غير أَن يمسَّها بشر.

والتعبير عن عيسى عليه السلام بأنه ابن مريم، وعنها بأنها أمه، للإيذان من أَول الأمر بحيثية كونهما آية، فإن نسبته عليه السلام إِليها، مع أن النسب إِلى الآباء، تؤذن بأنه لا أَبَ له، وذلك هو آية القدرة العظيمة في إيجاد عيسى عليه السلام وتقديمه عليها في الذكر؛ لأصالته فيما ذكر من كونهما آية.

{وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ} أَي: وأنزلناهما في ربوة، وهي المكان المرتفع المنبسط، قيل: هي إيلياءُ من أرض بيت المقدس، وقيل: هي الرملة من فلسطين، وقيل: دمشق، وقيل: مصر.

ص: 1297

{ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} : أي يستقر المقيم فيها لطيب هوائها، ونقاء تربتها، وقيل: لأَنها ذات زروع وثمار، تُيسِّر الاستقرار لساكنها، وترغبهم فيه.

ولما كان الماء أَصل الحياة وسبيل بقائها، شاءَ الله أَن يكرمهما بالإيواء إلى ربوة ذات ماءٍ ظاهر جار تراه العيون وتتبينه واضحًا، حتى يكون جامعا لفنون المنافع: من الشرب منه، وسقْى ما يُسقى من الحيوان والنبات من غير مشقة ، مع ما في ذلك من الاستمتاع بمنظره المونق، والاستقرار في الربوة التي هو فيها.

{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)}

المفردات:

{كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} : وهي ما لذَّ وطاب من الطعام، وما حَلَّ منه، يقال: طاب الشيءُ، يَطيب طيبا وطيبة، فهو طيِّب.

التفسير

51 -

{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا

} الآية.

المراد بندائهم وخطابهم جميعا: الإِعلام بأَن كل رسول نودى بذلك في زمنه، وَوُصِّيَ به، ليعلم السامعون أَن أمرا أعْلِمَ به جميع الرسل، وطُلب منهم، وهو الأَكل من الطيبات لِيعلموا أَن أَمرا كذلك - حقيق أَن يتلقوه بالقبول والامتثال.

والمراد بالطيبات، إمَّا ما تستلذه النفس وتطيب به من مباحات المأْكل، حسبما ينبىءُ عنه سياق النظم الكريم، وحينئذ يكون الأَمر للإباحة، وفيه ما لا يخفى من الدلالة على بطلان ما عليه الرهابنة من رفض الطيبات، وإما أن يراد بها ما حلَّ منها، فيكون الأَمر للوجوب.

ص: 1298

وفي الآية إشارة إِلى أَن الله تعالى سوى بين النبيين وأَتباعهم في تناول الطيبات بمعنييها، ثم عقب ذللك بقوله:{إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} مبالغة في وجوب امتثال ما أُمِرُوا به من أَكل الحلال الذي دُعيَ إِليه الرسل والأَنبياءُ، وحُذِّروا من تركه، وكذلك جميع أممهم تبعا لهم.

{وَاعْمَلُوا صَالِحًا} : موافقا لما شرع لكم. وقيل: حكاية لما ذكر لعيسى وأمه عند إِيوائهما إِلى الربوة ليقتديا بالرسل في تناول ما رُزقا من كل طيب، فكأَنه قيل: وآويناهما، وقلنا لهما: هذا - أَي: أَعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا، فكُلَا مما رزقناكما، واعملا صالحًا اقتداءً بالرسل، وعلى هذا فالمراد من الجمع في قوله:{وَاعْمَلُوا صَالِحًا} ما فوق الواحد.

{إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} : لا تخفى عليَّ خافية مما تعملون من الأَعمال الظاهرة والأعمال الباطنة فأجازيكم عليه.

{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54)}

المفردات:

{أُمَّةً وَاحِدَةً} : الأُمة هنا هي: الدين. {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا} : أَي فقطعوا أَمر دينهم بينهم قطعًا، فاتخذوا أَديانًا مختلفة، زُبُر: جمع زبور، مثل رُسُل: جمع رسول، وجمع زُبْرة أَيضًا - بضم فسكون - والأَول بمعنى كتاب، من زبر بمعنى كتب، أَما الزَّبْرة فبمعنى القطعة.

{كُلُّ حِزْبٍ} : الحِزْبُ: جند للرجل وأَصحابه الذين على رأيه، والطائفة وجماعة الناس.

ص: 1299

{فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} : الغمرة الانهماك في الباطل، والجمع: غَمَرات، مثل: سجدة وسجَدات:

{حَتَّى حِينٍ} : إلى الوقت المعين لعذابهم.

التفسير

52 -

{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} :

الإشارة في قوله: {وَإِنَّ هَذِهِ} إلى ما تقدم في السورة من العقائد والأحكام، ومنها الأكل من الطيبات وعمل الصالحات، والأمة بمعنى المِلَّة، أَي: وإن هذه العقائد وأصول الأحكام ملتكم أَيها الرسل ملة واحدة، لا تتغير ولا تتبدل، بتبدل الأزمنة والأعصار، أما الفروع فإنها تختلف، لقوله تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (1).

{وَأَنَا رَبُّكُمْ} : بدون شريك لى في الربوبية. {فَاتَّقُونِ} أي: فخافوا عذاب على مخالفة أَمرى، وإخلالكم بواجب طاعتي، مع علمكم باختصاص الربوبية بي للرسل وللأمم جميعًا. والفاءُ في قوله تعالى:{فَاتَّقُونِ} لترتيب وجوب تقوى الله على ما قبله من الاتحاد في الدين، واختصاص الربوبية به تعالى؛ فإن كِلَا الأمرين موجب لاتقائه حتمًا.

53 -

{فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} :

حكاية لما وقع من أمم الرسل، أَي: أنهم قطعوا أمر دينهم فجعلوه زُبُرًا، أي: قطعًا متعددة، وفرقوه فرقا مختلفة، كل جماعة تنتحل نحلة مخالفة للحق، بعد ما أُمروا بالاجتماع والاتحاد على ملة واحدة تجمع العقائد وأصول الأحكام.

وزُبُرًا - على هذا - جمع زُبْرة، وهي: القطعة، ويؤيد هذا قراءَة (زُبَرًا) بفتح الباء جمع زُبْرة، كغُرفة، وهي القطعة، فتلخص من هذا أَن زُبرَة تجمع على زبر بضم الباء وفتحها.

ويجوز أن يكون المعنى: أن أَتباع الأنبياء فرقوا دينهم بعد أنبيائهم، فآمنوا ببعض ما أُنزل عليهم، وكفروا بما سواه، اتباعا لأهوائهم، أَو أَنهم وضعوا كتبًا وألفوها ونسبوا تلك الضلالات إِلى الله - كما قاله ابن زيد - وعلى هذا يكون زُبُرًا جمع زبور بمعنى كتاب.

(1) سورة المائدة، من الآية: 48

ص: 1300

وقيل: أنهم فرقوا بين الكتب المنزلة، فأخذ كل منهم كتابًا آمنَ به، وكفر بما سواه.

{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} : والمعنى كل فريق من هؤلاه المتحزبين الذين قطعوا دينهم فرحون بما عندهم من الدين الذي اختاروه وركنوا إليه؛ لاعتقادهم أنهم على الحق.

وبعد أن عرض القران الكريم على أسماع قريش أن جميع الديانات السماوية مجمعة على عقيدة واحدة هي التوحيد، وأن الله تعالى هو رب الجميع وأن أصول الشرائع واحدة - بعد هذا - أَمر سبحانه رسوله أن يتجاوز إلى أمدٍ عن غفلتهم وإهمالهم لهذه الحقائق، فقال تعالى:

54 -

{فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} :

والمعنى: فاترك - أيها النبي - هؤلاء على حالهم من الغفلة والضلال الذي لا ضلال بعده، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فقد بلَّغت الرسالة التي أمرت بتبليغها حق الأداء {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} (1).

والفاءُ في قوله سبحانه: {فَذَرْهُمْ} لترتيب الأمر بالترك عل ما قبله من كونهم فرحين بما لديهم من الدين الذي اختاروه، أي: اتركهم {حَتَّى حِينٍ} وهو حين قتلهم في يوم بدر، على ما روى عن مقاتل، أَو حين موتهم عل الكفر، وعذابهم في الآخرة، فالآية وعيد بعقابهم في الدارين، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وإرشاد له بترك الاستعجال بعذابهم، والجزع من تأخيره، وذلك نظير قوله تعالى:{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)} (2).

ويجوز أن تكون بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بما تم له من فتح مكة، وهم في غفلتهم عن أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

(1) سورة العنكبوت، من الآية: 18

(2)

سورة الحجر، الآية: 3

ص: 1301

{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)}

المفردات:

{أَيَحْسَبُونَ} : أَيظنون، وفعله من باب فرِحَ عند جميع العرب إلَّا بني كنانة فإنهم يكسرون عين المضارع مع الماضى أَيضًا على غير قياس، والمصدر: حِسْبَانًا، بكسر الحاء.

{نُمِدُّهُمْ} : نزيدهم ونعطيهم، وفعله: أَمَدَّ، ويكون في الخير غالبًا.

{بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} : أَي بل لا يعلمون، والفعل من بَابَيْ (قَعَدَ ،وَكَرُمَ).

التفسير

55 -

{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ} :

أي: أَيظن هؤلاء العصاة المغرورون آننا إِذْ تركناهم يتمتعون وينعمون بما أَعطيناهم إياه، وأمددناهم به من مال وبنين، أَيظنون أَننا بهذا الإِمداد:

56 -

{نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} :

أي: ليس الأمر كما زعموا أنه مسارعة لهم في الخيرات، ومعاجلة في الثواب لإِكرامهم وخيرهم ، وإِنما هو إِملاءٌ واستدراج إِلى المعاصي لزيادة ذنوبهم بسبب إِصرارهم عليها، كما يقول سبحانه:{إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (1).

والهمزة في {أَيَحْسَبُونَ} لإنكار ما ظنوه وحسبوه، واستقباح له، وقوله تعالى:{بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} تجهيل لهم وتخطئة، أَي: بل هم لا يعلمون شيئًا أَصلًا، ولا فِطنَةَ بهم حتى يتأَملوا ويعرفوا أن ما حسبوه خيرًا لهم، إِنما هو شر يؤدى بهم حتمًا إلى أَسوإ العواقب.

(1) سورة آل عمران، من الآية: 178

ص: 1302

{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)}

المفردات:

{مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} : أي من هيبته وحذر عقابه خائفون.

{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} : أَي يعطون ما أَعطوا من الزكاة والصدقات.

{وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} : خائفة، وفعله من باب:(فَرِحَ).

التفسير

57 -

{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} :

استئناف مسوق لبيان من هم المؤمنون المسارعون في الخيرات وما وعدوا به من جزيل الثواب، أَتى بذلك عقب ذكر الكفار وتوعدهم بما يُقنطهم من رحمته، ويبطل حسبانهم الكاذب، وأَملهم الخادع، ذكرهم سبحانه بأَخص صفاتهم وآكملها، فبيَّن أَنهم من أجل خوفهم من ربهم خائفون من التقصير فيما كلفهم به، مع صدق إيمانهم وصالح عملهم، كما قال الحسن البصرى:(إن المؤمن جمع إِحسانًا وإِشفاقًا، وإِن المنافق جمع إِساءَة وأَمنًا).

58 -

{وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} :

أَي: من أَجلِّ أَوصافهم الإِيمانُ بآيات ربهم المنزلة على رسله، فهم يؤمنون بها جميعًا، لا يفرقون بينها، وليسوا كأَهل الكتاب الذين تقطعوا أَمرهم بينهم، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه، وكذلك يؤمنون بآياته الكونية التي نصبها سبحانه للدلالة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه.

ص: 1303

59 -

{وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} :

أَي: لا يشركون بربهم غيره، شركًا جليًّا، ولا شركًا خفيًّا، بل يعبدونه وحده موقنين بأنه لَا إِله إِلَّا هُوَ، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدًا.

والتعبير بكلمة (بِرَبِّهمْ) هنا وفيما سبق للدلالة على أَن اعترافهم بربوبية الله لهم جعلهم يشفقون ويؤمنون به تعالى، ويفردونه بالعبادة، فلا يشركون معه أحدًا، مع ما فيها من إِشارة إِلى ما لربوبيته تعالى لعباده من دخل كبير في وجوب توحيده وعبادته.

60 -

{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} :

أَي: يعطون العطاءَ: زكاة أَو صدقة، وهم خائفون أَلَّا يقبل منهم، أَو لا يقع على الوجه اللائق، لتقصير في الوفاء بحق الإِعطاء قد يكون بدر منهم.

وقرئ بالقصر، بمعنى أَنهم يفعلون ما فعلوا من العبادات، وقلوبهم خائفة من الله جل شأْنه ألَّا تكون على وجهها الكامل لشائبة من التهاون قد يُبعدها عن أن تقبل منهم.

وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشير إلى هذا المعنى، فقد أخرج أحمد والترمذى وابن ماجه والحاكم وصححه ،وابن المنذر وابن جرير وجماعة: عن عائشة - رضى الله تعالى عنها - قالت: قلت: يا رسول الله، قول الله:{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أهو الرجل يسرق ويزنى ويشرب الخمر، وهو مع ذلك يخاف الله تعالى؟ قال:"لا يا بنت الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلى، وهو مع ذلك يخاف الله تعالى أَلَّا يَتَقَبَّل منه".

والتعبير بالمضارع في {يُؤْتُونَ} للدلالة على الاستمرار في العطاء، وبالماضى في:{مَا آتَوْا} للدلالة على تحققه. {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} أَي: وجلت قلوبهم خوفًا من أَن تُرَدَّ عليهم أَعمالهم لعدم الإحسان فيها لأنهم إِلى ربهم عائدون ومبعوثون يوم القيامة، فتنكشف لهم الحقائق، وتظهر حاجة العبد إلى عمل تام مقبول ينجيه يوم لا ينفع المرءَ إلَاّ ما قدمت يداه:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (1).

(1) سورة الزلزلة، الآيتان:

ص: 1304

61 -

{أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)} :

أَي: أُولئك الموصوفون بما سبق تفصيله من الأوصاف الجليلة يبادرون بنيل الخيرات الدنيوية والآخروية، الموعودة على الأعمال الصالحة، كما في قوله تعالى:{فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} (1). وهم لأجلها سابقون إِذ الطاعات.

عن ابن عباس قال: {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} ) سبقتْ لهم من الله السعادة، فسارعوا في الخيرات اهـ.

وقيل: يسارعون في الخيرات ولم يَقُلْ: يُسَارَعُ لهم في الخيرات، إِشارة إِلى أَن ثقتهم بوعد الله بنيلهم الخيرات بمحاسن أَعمالهم، جعلتهم يسارعون إِليها، وإِيثار كلمة (في) في قوله تعالى:{يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} على كلمة (إلَى) للإيذان بأنهم ملازمون لها، مقبلون في فنونها، لا أَنهم خارجون عنها متوجهون إليها على سبيل المسارعة.

ويجوز أَن يكون المعنى: يسارعون إِلى الطاعات ويبادرون إِليها، وهم لأجلها فاعلون السبق إليها، أَو لأجلها سابقون الناس إلى الثواب، أَو إلى الجنات، أَو أَنهم يسبقون إلى أَول أَوقاتها طلبًا لفضل أَدائها.

ويجوز أَن يكون المعنى: وهم أَهل للسبق إِليها بما منحهم الله من التوفيق، كقولك لمن تطلب منه حاجة لا ترجى من غيره: أنت لها، وهو من أَبلغ الكلام وأَدقِّه.

(1) سورة آل عمران، الآية: 148

ص: 1305

{وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65)}

المفردات:

{وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} : الوسع - مثلثة الواو-: الطاقة والقدرة، أَي: لا يحمِّلها الله ما يشق عليها. {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ} : المراد به صحائف أعمالهم، أَو اللوح المحفوظ.

{إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} : المترف؛ هو الجبار الذي أطعته النعمة، وفعله، أُتْرفَ.

{إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} : يضجون ويرفعون أصواتهم دعاءً واستغاثة، يقال: جَأَرَ، يَجْأَر، جَأْرا، وجُؤارا، أَي: صاح أو تضرع.

التفسير

62 -

{وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} :

استئناف قصد به التحريض على ما وصف به السابقون الصالحون من فعل الطاعات المؤدى إلى نيل الخيرات، ببيان سهولته وأَنه غير خارج عن حد الوسع والطاقة، بمعنى أَن الله سبحانه اقتضت حكمته ألَّا يكلف نفسا من النفوس بأَمر من الأمور الشاقة التي تُعْييه وتجهده، وإِنما يكون التكليف بما يتسنَّى أداؤه لكل مكلف في سهولة ويسر وفق طاقته، فإن لم يبلغ المكلفون بعملهم مراتب السابقين فلا حرج عليهم بعد أَن يبذلوا طاقتهم، ويستفرغوا وسعهم. {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ}: تتمة لما قبله ببيان أنهم محاسبون على كل ما يصدر منهم ثوابا أَو عقابا، حيث إِن هذا الكتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة وقعت

ص: 1306

منهم إلا أَحصاها، والمراد بالكتاب: صحائف أعمالهم التي ترفعها الملائكة، وَيُكَلَّفُ أَصحابها بقراءَتها عند الحساب والجزاء. وقيل: المراد بالكتاب صحائف يقرأونها، فيها ما ثبت في اللوح المحفوظ، وهو يُظهر الحق المطابق للواقع على ما هو عليه ذاتا ووصفا وجزاءً ويبينه للناظر واضحا كما يبينه النطق به. {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}: ذكرت هذه الجملة لبيان أَن عدله سبحانه يكون على أتم وجه وأَكمله في الجزاء، وذلك إثر بيان رحمته، ولطفه في التكليف، وأَن كتب أَعمالهم تعرض عليه سبحانه وفق واقعهم.

والمعنى: أنهم يوم القيامة لا يقرأون في كتبهم إلا ما هو صدق وعدل، فلا زيادة فيها ولا نقصان، ولا يُظلم منهم أَحد بزيادة عقاب، أو نقص ثواب.

63 -

{بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} :

في هذه الآية انتقال من بيان حال المؤمنين إِلى بيان حال الكفار.

والمعنى: بل قلوبهم في غفلة غامرة أَعْمتهم عن الذي بُيِّن في القرآن منْ أَن لديه تعالى كتابا ينطق بأعمالهم السيئة على رءُوس الأشهاد، فيجزون بها، ويعاقبون عليها، أَو أَعْمتهُم عما عليه المؤمنون الموصوفون بما سبق من الصفات الكريمة.

وقيل: الإِشارة إِلى القرآن وإِلى ما بُيِّن فيه مطلقا، روى ذلك عن مجاهد.

{وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ} : أَي ولهم أَعمال سيئة كثيرة سوى غفلة قلوبهم عن أَن عند الله كتابا ينطق بالحق.

{هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} : وعليها مقيمون، وبها مستمسكون، لا ينفكون عنها بغيا وطغيانا.

64 -

{حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} :

أَي: لا يزالون يعملون أعمالهم الفاسدة إلى حين أَخْذ مترفيهم بالعذاب، فيضجون ويرفعون أصواتهم فزعين، قال ابن عباس وغيره،: كان ذلك في يوم بدر؛ فقد قتل منهم في ذلك اليوم عدد كثير من صناديد قريش ورؤسائهم الذين أَفاء الله عليهم بكثرة المال والبنين.

وقال الضحاك: يراد بالعذاب: الجوع الذي نزل بهم حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها علبهم سنين كسِنِي يوسف" فابتلاهم الله بالقحط والجوع حتى أَكلوا الميتة والجيَفَ، وهلكت الأموال والأو

ص: 1307

والحق أنه العذاب الأُخروى؛ إذ هو الذي يفاجئون عِنده بالجؤار، فيجابون بالرد والإقناط من النصر والنجدة، وأما عذاب يوم بدر فلم يوجد لهم عنده جؤار حسبما ينبىءُ عنه قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)} (1) فإن المراد بهذا العذاب ما جرى عليهم يوم بدر.

وأَما عذاب الجوع، فإن أَبا سفيان وإن تضرع فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن لم يرد عليه بالإقناط، حيث روى:"أنه عليه الصلاة والسلام قد دعا بكشفه، فكشف عنهم ذلك" اهـ.

{إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} : أي يصرخون ويضجون مستغيثين بربهم من مفاجأة العذاب لهم، وتخصيص مترفيهم بالأخذ بالعذاب مع عموم عذاب الآخرة لهم ولغيرهم، للإشارة إلى أَن ما كانوا فيه من المنعة بحماية الأتباع والحشم لهم في الدنيا، لم ينفعهم يوم القيامة حيث لقوا ما لقوا من الأهوال والشدائد، فلَأن يلقاها سواهم من تابعيهم وحشمهم أحق وأَولى.

65 -

{لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ} :

أي: يقال لهم ذلك لتبكيتهم وإقناطهم من أن يستجاب لصراخهم وضجيجهم من جهته تعالى، وتخصيص اليوم بالذكر لتهويله، والإيذان بتفويتهم وقت الجؤار.

{إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ} : تعليل للنهى عن الجؤار ببيان أنه لا ينفع ولا يفيد، فلا نصر لهم ولا معونة منه تعالى تنجيهم مما حلَّ بهم من هول وعذاب. وقال الحسن: لا تنصرون بقبول التوبة.

(1) سورة المؤمنون، الآية: 76

ص: 1308

{قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)}

المفردات:

{عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} : يقال نكص على عقبه نكوصًا، من باب (قَعَدَ) أَي: رجع، والعقِبُ: مؤخر القدم، وهي مؤنثة، وقال ابن فارس: النكوص عن الشيء: الإِعراض عنه.

{سَامِرًا} أَي: سُمَّارًا؛ لأَن (سَامِرًا) اسم جمع كالحاج، أَو مصدر فيقع على القليل والكثير بلفظ واحد، والمراد منه هنا: الجماعة من الكفار يسمرون بالليل حول الكعبة؛ لسَبِّ النبي صلى الله عليه وسلم وذم القرآن، وأصل السمر: سواد الليل، ثم أُطلق على الحديث فيه، كما قال الراغب.

{تَهْجُرُونَ} أَي: تنطقون بالهجر وهو الفحش، أَو تهذون بما لا يفيد كما يهذى المريض يقال: هجر يِهجُر هَجْرًا وهُجْرًا - بفتح الهاء وضمها مع سكون الجيم - فهو هاجر.

التفسير

66 -

{قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ} :

أي: قد كانت آيات القرآن تقرأ عليكم في الدنيا، فم تُقبلوا على سماعها للانتفاع بهداها الذي يدعوكم إلى طريق الخير والنجاة، بل أَعرضتم عما دعيتم إليه، شأْنكم شأْن من يترك الطريق الواضح أَمامه، ويرجع القهقرى ناكصًا ناحية عقبه، والنكوص أقبح المشي؛ لأَن الناكص لا يرى ما وراءَه.

ص: 1309

67 -

{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} :

الضمير في قوله: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} يعود على البيت الحرام الذي كانوا يسمرُون حوله (1)، أَي: مستكبرين على المسلمين في البيت الحرام، حيث منعتموهم من أَداءِ شعائرهم حوله ، وكنتم مع ذلك تجتمعون للسمر والتآمر ضدهم ، والطعن في القرآن الكريم، وذم النبي صلى الله عليه وسلم مع أَن الله جعل البيت حرمًا آمنًا لجميع خلقه، يُذكر فيه اسمه ، ويُعَظَّم كتابه ، ويُوقر رسوله ، ولا يؤذَى فيه المؤمنون من عباده. وقيل: الضمير عائد على (آيَاتي) في قوله تعالى {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} لأنها في معنى كتابي الذي هو القران الكريم ، واستكبارهم به: تكذيبهم بآياته ، بتضمين {مُسْتَكْبِرِينَ} معنى مكذبين ، فعُدِّيَ تعدِيَتَهُ.

وحاصل المعنى: أَنهم كانوا يجتمعون بالليل حول البيت، ويتحدثون في غالب سمرهم عن القرآن بتسميته سحرًا أو شعرًا أَو أَساطير الأولين، مع تصافهم بأَنهم مع هذا يهجرون ، أي: ينطقون بالفحش من كل قول ، أو يهذون بالسفه البذيء ، والجهل الممقوت في سب القرآن أو النبي أو الحق مطلقًا.

{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)}

المفردات:

{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} أَي: القرآن. {فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} أَي: غير عارفين للنبي حقه بعدم تدبرهم القول الذي جاءَ به، مِن أَنكرته إِنكارًا، ضد: عرفته.

{بِهِ جِنَّةٌ} الجنة: الجنون، كما تطلق على الجن ، وسيأْتي بيان ذلك.

(1) والباء بمعنى: (في).

ص: 1310

التفسير

68 -

{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68)} :

أَي: أفعلوا ما فعلوا من الإِعراض والاستكبار والهجر، فلم يتدبروا القرآن ليعلموا أنه معجز وأَنه دليل علي صدق الرسالة، فيؤمنوا به؟ والهمزة لإِنكار الواقع واستقباحه.

{أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} : إِضراب وانْتقال من التوبيخ بما سبق إِلى توبيخ آخر، أَي: بل أَجاءَهم من الكتاب ما لم يأْت أَسلافهم حتى استبعدوه ، وخاضوا فيه بما خاضوا من الكفر والعناد والإمعان في الضلال؟ فالهمزة هنا لإنكار الوقوع لا لإنكار الواقع ، بمعنى أن مجيءَ الرسل بالكتب من جهته تعالى لينذروا بها الناس سنَّةٌ قديمة له سبحانه لا مساغ لجحودها ، ومجىءَ القرآن وفق هذة السنة ، فلأى سبب ينكرونه ويتركون تدبره؟ إنه لا سبب لذلك إلا التمادى في الظلم والعدوان.

وقيل: المعنى: أغفلوا فلم يتدبروا القرآن ليخافوا عند تدبر آياته وقصصه أن ينزل بهم مثل ما نزل ممن قبلهم من المكذبين؟ أم جاءَهم من أسباب الأمن ما لم يأت آباءهم الأولين الذين خافوا الله وآمنوا بكتبه ورسله ، فأطاعوه حق طاعته ، والهمزة على هذا للإنكار أو للتقرير تهكمًا.

69 -

{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} :

إضراب انتقالي لتوبيخ الكافرين من قريش بوجه آخر ، أي: بل ألم يعرفوا محمدًا صلى الله عليه وسلم متصفًا بالأمانة والصدق ، وحسن الأخلاق ، ورجاجة العقل ، وصحة النسب ، وبكل الكمالات اللائقة بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؟ بل لقد جاءهم من عرفوه بكل ذلك ، فقد كانت كلمتهم قبل مبعثه متفقة على تسميته بالصادق الأَمين، وغير ذلك من كرام السجايا ، ولذلك قال أَبو سفيان بن حرب لملك الروم (هرقل) حين سأَله وأصحابه عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم صدقه وأمانته ، - قال أَبو سفيان ما جربنا عليه كذبا ، وكانوا حينئذ كفارًا لم يسلموا ، ومع هذا ما أمكنهم إلَاّ الصدق ، فاعترفوا بذلك ، وقال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشى ملك الحبشة: أيها الملك ، إن الله بعث إلينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وأَما

ص: 1311

فإِذا كان محمد كذلك فكيف ينكرون نبوته، ويجحدون صفاته بعد أَن اعترفوا بها؟

إن ما وقع منهم كان حسدًا وبغيًا، قال سفيان الثورى: بل قد عرفوه ولكنهم حسدوه.

70 -

{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} :

انتقال إِلى توبيخ آخر، أَي: بل أَيحتجون في ترك الإِيمان به بأَنه مجنون؟ وهذا باطل ينكره الوقع الذي يعرفونه حق المعرفة، حيث إِنه عليه الصلاة والسلام أَرجح الناس عقلًا، وأَضوؤهم ذهنًا، وأَصحهم رأْيًا، وأَوفرهم رزانة. {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ}:

أَي: بل جاءَهم محمد صلى الله عليه وسلم بالحق البيِّن، وهو القرآن والتوحيد والدين القيم الذي لا محيد عنه، فلا صحة لما يقولون.

{وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} : المراد بالحق الذي كرهه أَكثرهم، إِما كل حق، ويدخل فيه دين الإِسلام، وإِما دين الإِسلام خاصة، فقد كرهه أَكثرهم حسدًا وبغيًا، وكان فيهم من لا يكرهه، ولكنه يتابع قومه في الإِعراض عنه والكفر به أَنفةً واستكبارًا، وحذرًا من تعيير قومه، أَو من وقوع أَذى به أَو نحو ذلك من عدم فطنته وقلة تفكره، لا كراهةً للحق من حيث هو حق.

وإيثار الإِظهار في مقام الإِضمار حيث لم يُقَلْ: (وأكثرهم له) لوضوح الإِظهار في ذمهم والتشنيع عليهم، ولدفع ما قد يتوهم من عود الضمير على الرسول صلى الله عليه وسلم بخاصة.

ص: 1312

{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)}

المفردات:

{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُم} : المراد بالحق ، الله سبحانه وتعالى، وقد يراد به الحق المطابق للواقع، أَو النبي، والمراد بأَهوائِهم: ما يهواه الناس ويشتهونه.

{بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} : الذكر هنا بمعنى الشرف، أَي: أَتيناهم بالكتاب الذي فيه عزهم وشرفهم. {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا} : أَي أَجرًا عن التبليغ. {عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} : مائلون منحرفون عن طريق الجنة، وهو الصراط المستقيم، وفِعله من باب (قَعدَ) يقال: نكب عن الطريق، نكوبًا، ونكْبًا: إذا عدل عنه ومال إلى غيره (1).

التفسير

71 -

{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ

} الآية.

أَي: ولو اتبع الحق سبحانه أَهواءَهم الزائفة، فوافقها بتشريع ما يشتهون، لكانت الطامة الكبرى؛ حيث تفسد السموات والأَرض ومن فيهن، وتخرج عن الصلاح والانتظام بالكلية ، لأن رغبات الناس قاصرة، وشهواتهم تختلف وتتضاد بما ينجم عنه أَشد الفساد، وأَقوى التنابذ والخلاف، ولكن الكون تام الصلاحية؛ لأنه جاءَ وفق مراد الحق تبارك وتعالى دون شريك؛ إذ {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (2).

(1) ويأتي (نكب) أيضا من باب: (فرح) فيقال: نكب، ينكب، نكبا.

(2)

سورة الأنبياء، الآية: 32

ص: 1313

وخُصَّ العقلاءُ بالذكر في قوله تعالى: {وَمَنْ فِيهِنَّ} لأن غيرهم تبع لهم في الصلاح والفساد. {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} : انتقال من التشنيع عليهم بما سبق إلى التشنيع عليهم لإعراضهم عما جبلت عليه النفس من الإقبال والرغبة فيما فيه خيرها ونفعها ، أي: بل أتيناهم بالقرآن الذي فيه عزهم وشرفهم ، حسبما ينطق به قوله تعالى:{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} (1) فكان يجب عليهم لهذا أن يسرعوا إليه ، ويقبلوا ما فيه أكمل قبول ، ولكنهم عكسوا الآية {فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} أي: فَهُمْ بما فعلوا من نكوص وإعراض معرضون عما فيه شرفهم وفخرهم ، وبيان ثوابهم وعقابهم ، مسرعون إلى نقيضه مما لا يطلب منهم الإقبال عليه والاهتمام به.

وفي وضع الظاهر موضع المضمر حيث لم يُقَل: {فَهُمْ عَنْهُ} إشارة إلى مزيد من التشنيع عليهم والتقبيح لهم.

وقيل: المراد بذكرهم: ما تمنوه بقولهم: {لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ. لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} (2) والحق أنه قد جاءَهم ذكر خير من ذكر الأولين ، أي: كتاب خير من كتبهم ، فأَعرضوا عنه جهلًا وعنادًا.

72 -

{أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)} :

انتقال لتوبيخ آخر يوبخ به سبحانه الكافرين على عدم إيمانهم بما جاءَهم به الرسول من الحق دون أَن يسأَلهم عليه أجرًا، والمعنى: بل أتسألهم يا محمد أجرًا على الرسالة ، فبسبب ذلك لا يؤمنون بك ، ولأجله يعرضون عن رسالتك؟ {فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ}: الجملة تعليل لنفى السؤال الذي استفيد من الإنكار، أي: لم تسألهم ذلك ، ولا يتأتى منك؛ فإن ما رزقك الله إياه في الدنيا ، وما أعده لإثباتك في الآخرة خير من رزقهم؛ لدوام رزق الخالق واستمراره وعدم تحَمُّل المنة في رزقهم.

والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره عليه الصلاة والسلام إيذان بأعظم التشريف وأكمل التعظيم له صلى الله عليه وسلم والخَرْجُ أقل من الخَرَاجِ ، فهو بمعنى:

(1) سورة الزخرف ، الآية: 44

(2)

سورة الصافات ، الآيتان: 168

ص: 1314

العطاء القليل ، أما الخراج فهو العطاء الكثير ، لأن كثرة المبنى تدل على كثرة المعنى؛ ولذا عُبِّر بالأول في جانب الخلق ، وبالثانى في جانب الخالق ،وقيل: إنهما سواءٌ في المعنى.

{وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} : تأكيد لخيرية عطاءه ورزقه ، فإن مَنْ كان خير الرازقين يكون رزقه خيرًا وأوفى من رزق غيره ، بمعنى أنه لا يقدر أحد أن يرزق مثل رزقه ، ولن يستطيع أن يُنعم قدر إنعامه.

73 -

{وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} :

أي: إلى دين الإسلام الذي تشهد الفِطَرُ السليمة باستقامته وتنزهه عن أَي شائبة تلحقه، أَو اعوجاج يعيب منهجه ، والصراط: الطريق ، وسمى الدين طيقًا لأنه يؤدى إلى الجنة، فهو طريق إليها.

74 -

{وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} :

هم كفار قريش المحدَّث عنهم فيما سبق ، وقيل: المراد ما يعمهم ويعم غيرهم من الكفار المنكرين للبعث ، وتدخل قريش في ذلك دخولًا أوليًّا ، وقد وصفوا بعدم الإيمان بالآخرة ، تشنيعًا عليهم بما يفعلونه من إقبال على الدنيا ، واستمساك بها ، زاعمين: أنه لا حياة لهم بعد هذة الحياة ، ولو كانوا يؤمنون بها لخافوا سوء المصير فيها بكفرهم بالحق الذي جاءهم على لسان رسوله.

المعنى: وإن الذين لا يصدقون بالآخرة وأهوالها لمعرضون عن الصراط السوى ، ومنحرفون عنه ، ولو آمنوا بها لفكروا قبل أن يكفروا بما جئتهم به ، ولهداهم التفكير إلى الصراط السوى الذي يوصلهم إلى رحمة الله.

ص: 1315

{وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77)}

المفردات:

{مِنْ ضُرٍّ} : من شدة وسوء حال. {لَلَجُّوا} : لتمادوا. {فِي طُغْيَانِهِمْ} : في إفراطهم في الكفر بالحق. {يَعْمَهُونَ} : يتحيرون ويترددون بين أَساليب رد الحق، وهو مضارع (عَمِه) بوزن فرح ومنع، ومصدره: العَمَهُ والعُمُوه. {فَمَا اسْتَكَانُوا} . فما خضعوا.

{وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} : وما يتذللون إلى الله ويدعونه مخلصين أَن يرحمهم.

{مُبْلِسُونَ} : متحيرون يائسون من كل خير.

التفسير

75 -

{وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} :

أَي: ولو رحمنا أَهل مكة، وأَزلنا ما لحقهم من ضر وشدة، بسبب القحط الذي حل بهم عقابًا لهم، لتمادوا في الكفر بالحق يترددون بين أَساليب رده، ولم يرتدعوا عن طغيانهم بعد ما رفع الله الضر عنهم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا عليهم، فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف - كما رواه ابن عباس، وقد حقق الله دعاءَه، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة في سَريَّة إلى بنى بكر بن كلاب، فجاءَ بثُمامة بن أثال الحنفى إِلى المدينة، فامتنع عن الإسلام ثلاثة أَيام، ثم أَسلم وخرج معتمرًا، فلما قدم بطن مكة لبَّى، وهو أول من دخلها ملبيًا من المسلمين، ومن هنا قال أَحد بنى حنيفة:

ومنَّا الذي لَبَّى بمكة مُعْلِنًا

برغم أَبي سفيان في الأَشهر الحرم

ص: 1316

فأخذته قريش فقالوا: لقد اجترأت علينا وصَبَوْتَ يا ثمامة، قال: أسلَمت واتبعت خير دين، دين محمد صلى الله عليه وسلم والله لا يصل إليكم حبة من اليمامة - وكانت ريفًا لأهل مكة - حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج ثمامة إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا لمكة شيئًا حتى أضرَّ بهم الجوع، وأكلت قريش العِلْهز (1)، فكتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناءَ بالجوع، إنك تأْمر بصلة الرحم، وأنت قد قطعت أرحامنا، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثُمامة - رضى الله عنه -:"خَلِّ بين بنى قومى وبين مِيرَتهم" ففعل.

وفي رواية أَن أبا سفيان جاءَه صلى الله عليه وسلم، فقال: أَلست تزعم

إِلخ وكان هذا قبل الفتح بقليل (2).

وقد نزلت الآية الكريمة لتبين أن كشف الضر عنهم بسعى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابته إلى ثُمامة لن يؤثر في قلوبهم المريضة، بل سيظلون في طغيانهم يترددون.

76 -

{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} :

هذه الآية تسجل على قريش عنادهم في كفرهم، وأن الآيات والنذر لا تنفعهم، فإذا كانوا لم ينزعوا إِلى الإِيمان بامتحانهم بآية العذاب والضُّر، فكيف يؤمنون برحمتهم وكشف الضر عنهم؟.

والمعنى: ولقد أخذنا قريشًا بعذاب الجوع والقحط، فما خضعوا به إلى الحق، وما يتذللون لربهم ويدعونه بإِيمان وصدق لكي يكشف الضر عنهم، فقلوبهم مع أوثانهم وليست مع خالقهم، ومن كان أمرهم ذلك، فلن يخضعوا برحمته تعالى وكشف ضره عنهم، ولو كانوا يعقلون لعرفوا أَن الأمر كما قاله العليم الخبير:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (3).

(1) العلهز: طعام يؤكل في المجاعة من الدم والوبر، ويطلق أيضا على القراد الضخم.

(2)

انظر الآلوسى.

(3)

سورة الأنبياء ، الآية: 35

ص: 1317

77 -

{حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} :

لفظ: {حَتَّى} يدل على أن الكلام بعدها غاية لما قبلها، والمراد بالعذاب الشديد الذي يفتح عليهم بابه: إِمَّا ما يكون بفتح مكة، وإِمَّا ما يحدث يوم القيامة.

والمعنى: أَنهم مستمرون في عنادهم وكفرهم لا تفيدهم الآيات والنذر، حتى إذا فتحنا عليهم بابًا موصلًا إلى عذاب شديد لا طاقة لهم به، كما حدث لهم يوم فتح مكة، أَو كما سوف يحدث لهم يوم القيامة، إذا هم فيه مُتَحيِّرون آيسون من كل خير.

أما عذابهم يوم فتح مكة، فهو عذاب اليأس والقنوط من الانتصار على محمد والقضاء على دينه، واستسلامهم له أَذلة صاغرين، وأَما عذابهم يوم القيامة فيكون لمن مات منهم على كفره قبل الفتح، أَو كتم كفره ونافق بالإيمان بعد الفتح.

وفي المعنى الثاني يقول الله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12)} (1) ويقول: {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75)} (2).

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80)}

المفردات:

{وَالْأَفْئِدَةَ} : القلوب ، مفردها فؤاد. {ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ}: خلقكم وبثكم فيها (3).

{تُحْشَرُونَ} : تجمعون. {وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} : ولأَمر الله وتدبيره يرجع تعاقب

(1) سورة الروم، الآية: 12

(2)

سورة الزخرف، الآية: 75

(3)

قال صاحب القاموس: ذرأ كجعل: خلق، وذرأ الشيء: كثره، ومنه: الذرية - مثلثة - لنسل الثقلين.

ص: 1318

الليل والنهار، من قولهم: فلان يختلف إلى فلان أَي: يتردد عليه، أَو المراد باختلافهما تفاوتهما زيادة ونقصانًا ، وظلامًا وضياءً.

التفسير

78 -

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78)} :

بعد أَن بين الله إِصرار أَهل مكة على الكفر بعد ما تعاقبت عليهم الضراء والسراءُ، وأنذرهم بسوءِ العاقبة حينما يفتح عليهم بابًا ذا عذاب شديد - بعد أن بين الله ذلك - جاءَت هذه الآية وما بعدها، لتذكرهم بآيات الله ونعمه فيهم، لعلهم يثوبون إِلى رشدهم، ويتجنبون بالإِيمان سوءَ مصيرهم.

والمعنى: والله هو الذي خلق لكم حينما أَنشأكم - خلق لكم - حاسة السمع لتدركوا بها المسموعات من خير أو شر، ضر أَو نفع، كما تدركون بها مختلف العلوم والمعارف في أُمور دنياكم وأُخراكم، وخلق لكم الأَبصار، لتسلكوا السبل في كون الله، وتنظروا بها الصديق والعدو والحسن والقبيح، وتدركوا آيات الجمال والكمال في كون الله ، وتتعرفوا ما يصلح من الأَرزاق وما لا يصلح، وتميزوا بها شتى الأَلوان والأَحجام وغير ذلك من سائر المدركات عن طريقها، مما لا يحيط به العادّون، ولا يستقصيه الحاسبون، وخلق لكم العقول ، لتحكموا بها على ما يصل إليكم عن طريق الأَسماع والأَبصار وسائر الحواس، وتوازنوا بها بين المدركات وتسوسوا بها نفوسكم ناحية الخير، وتبعدوها عن موارد الهلكة، وتبسطوا بها سلطانكم على الأَرض التي جعلكم الله خلفاءَ عليها وعلى ما فيها وما فوقها:{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} .

والله تعالى يخرج الناس من بطون أمهاتهم بحواسهم خالية من الإِدراك ، ولكنها صالحة له، حتى إذا ما تواردت عليها المدركات انتبهت إِليها وتدرجت في النمو شيئا فشيئا حتى تصل كل نفس إلى مستواها من الإِدراك الذي شاءه الله لها، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ

ص: 1319

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (1)، لما كان السمع يسبق الأبصار في الإدراك، والأفئدة تتأَخر فيه عنهما، فلذلك جاءت مرتبة هكذا في آيات القرآن العظيم (2).

ولقد ختم الله الآية هنا بقوله: {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون} والخطاب هنا للكافرين. والقلة إِما بمعنى العدم، أَي: لا تشكرون الله أَصلًا، أَو بمعناها الحقيقى، فهم إن شكروا الله فشكْرهم له قليل بالنسبة لشكرهم لآلهتهم، فهم في معظم أَحوالهم ينسبون إليها النصر والمطر والرزق والشفاء من الأَمراض، ولا يذكرون الله إِلا قليلا، والمقصود من الشكر هنا: صرف تلك الحواس لما خلقت له، وأهم ما خلقت له: العبادة الخالصة لله، قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} .

وقيل: إِن الخطاب في الآية من أَولها لآخرها موجه إِلى الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، والحكم بقلة شكرهم، لأَن الذين يشكرونه تعالى هم المؤمنون ، وهم في الناس قليلون، وما قلناه أَولًا أَظهر وأَوفق بالسياق.

79 -

{وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79)} :

والله هو الذي خلقكم من نفس واحدة خلق منها زوجها، وكثركم ونشركم في الأرض بتناسلها وذرياتهما لتعمروها وتكونوا في عمارتها خلفاءَ عنه تعالى، ولستم بمخلدين فيها، بل تموتون حين تحين آجالكم، وإِليه لا إلى غيره تحشرون وتجمعون بعد أَن يبعثكم أَحياءَ من قبوركم، ليحاسبكم ويجزيكم على أَعمالكم:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} .

80 -

{وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80)} :

والله هو الذي يهب الحياة لكل كائن حى، بعد أَن لم يكن شيئًا مذكورًا، ويسلبها منه حين يميته، وتراه في سلطانه على خلائقه {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ}

(1) سورة النحل، الآية: 78

(2)

علق المختصون من الأطباء بالمجلس الأعلي للشئون الإسلامية على آية (النحل) في كتاب (المنتخب في تفسير القرآن الكريم) بقولهم: أثبت الطب الحديث أن حاسة السمع تبدأ مبكرة جدًا في حياة الطفل في الأسابيع القليلة الأولى، وأما البصر فيبدأ في الشهر الثالث، ولا يتم تركيز الأبصار إلا بعد الشهر السادس: أما الإدراك بالفؤاد فلا يكون إلا بعد ذلك: انتهى بتصرف ي

ص: 1320

وهذا شاهد على أنه تعالى كما بدأَ الخلق يعيده، مصداقًا لقوله تعالى:{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (1).

وكما أَنه يختص بالإِحياء والإِماتة، فأنه تعالى يرجع إليه وحده التدبير في اختلاف الليل والنهار.

والمراد باختلافهما: أن يجىء كلاهما خلف الآخر، أو أَن يتفاوتا طولًا وقصرًا، نورًا وظلامًا، وفي ضوء النهار تتحرك الكائنات الحية إلى معايشها وأرزاقها، وفي الظلام تسكن وتستريح من سعيها ومتاعبها:{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)} وختم الله الآية بقوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أَي: أَترون هذه الآيات فلا تعقلون دلالتها على الخالق سبحانه ووجوب عبادته وحده لا شريك له، وتصديق رسله والاهتداء بهديه، والعمل ليوم البعث والنشور؟:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَار} (2).

{بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)}

المفردات:

{أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} : أباطيلهم التي سطروها للتلهى بها، جمع: أسطورة، كأُحدوثة وأحاديث، وأعجوبة وأعاجيب، وقيل: جمع أسطار جمع سَطْر، فهى جمع جمع، واختيار الزمخشرى الأَول، لأَن جمع المفرد أَولى من جمع الجمع وأَقيس، ولأن وزن أفعولة يأتى لما فيه التلهى، فيكون القرآن - في نظرهم الفاسد - مكتوبات لا طائل تحتها، وإِلى هذا الرأى ذهب المبرد وجماعةٌ من أهل اللغة.

(1) سورة الأنبياء، الآية: 104

(2)

سورة آل عمران، من الآية: 13

ص: 1321

81، 82 - {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}:

بين الله في الآيات السابقة أَنه تعالى هو الذي أَنشأ للكافرين الحواس والأفئدة، وهو الذي خلقهم وأنهم إليه راجعون للحساب والجزاء ، وأَن الإحياءَ والإماتة من شأْنه جل وعلا، كما له اختلاف الليل والنهار، وطلب إليهم عقب هذه الآيات أن يتدبروا ويتعقلوا بقوله:{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} وجاءَت هاتان الآيتان وما بعدهما لتفيد أَنهم لم يعقلوا ولم يتدبروا بل كفروا بالبعث مع وجود هذه البراهين.

والمعنى: لم يعقل هؤلاء المشركون تلك الآيات على إِمكان البعث وقدرة الله عليه، بل قالوا منكرين له مثل ما قاله الكفرة السابقون لرسلهم. قالوا: أئذا متنا وتحولت أجسادنا إلى تراب وعظام بالية نبعث إِلى الحياة مرة أُخرى، ثم أَعادوا الاستبعاد والاستنكار مرة أخرى فقالوا: أَئنا لمبعوثون بعد هذا الفناء، ثم أَكدوا استبعادهم بما حكاه الله عنهم بقوله:

83 -

{لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} :

لقد وعدنا منك يا محمد بالبعث بعد الموت، ووعد آباؤنا من رسلهم بمثله قبلك ، وما هذا البعث الموعود إلا أسطورة من أَكاذيب الأولين نقلتها إِلينا عنهم يا محمد، ونحن نستبعد حصوله ونستنكره بعد أَن يتحول الموتى إِلى عظام نخرة، وقد كانت عقيدتهم في الحياة تتمثل في قولهم: إِن هي إلا أَرحام تدفع وقبور تبلع وما يهلكنا إِلا الدهر، والواقع أَنهم في عقائدهم مضطربون، فبينما هم يقولون ذلك يحكى الله عنهم إيمانهم بعظيم قدرة الله بقوله:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (1). فإذا كانت عقيدتهم كذلك في قدرة الله، فكيف يستبعدون البعث وهو مشاهد لهم كل يوم في إِحياءِ النبات بعد يبسه، وفي اليقظه بعد النوم.

(1) سورة العنكبوت، الآية: 61

ص: 1322

{قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90)}

المفردات:

{أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} : أصله تتذكرون فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، والتذكر:

الاعتبار. {مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} : صيغة الملكوت للمبالغة في الملك، فالمراد به الملك العظيم الشامل. {وَهُوَ يُجِيرُ}: وهو يمنع ويحفظ من يشاءُ ممن يشاءُ.

{وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} : ولا يستطيع أَحد أَن يمنع سواه عن بطش الله.

{فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} : فكيف تصرفون عن الهدى.

التفسير

84 -

{قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} :

قل - أَيها الرسول - لهؤلاء المنكرين للبعث: من هو خالق الأرض ومالكها والمتصرف فيها وفيمن عليها؟ إِن كان لديكم شيء من العلم والعقل، فأجيبونى عن هذا السؤال.

وأسلوب الآية ينم عن فرط الاستهانة بعقول هؤلاء المشركين، حيث شكك الله في وجودها لديهم، بسبب أَنهم لم يحسنوا استخدامها، فجعلها في حكم المشكوك في وجودها بقوله {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

ص: 1323

85 -

{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} :

أي: أنهم مع فرط جهالتهم، وفقدان القدرة على القياس لديهم، فإنهم سيجيبونك أيها الرسول بأن الأرض ومن فيها لله، لأنهم لا يجحدون ذلك، قل لهم حين يجيبونك بذلك: أتقولون هذا، فلا تعتبرون بأن من فطرها وفطر من عليها ابتداء فهو قادر على إعادتها ثانيا؟ فإن الإعادة أسهل من الابتداء في قياس العقول.

86، 87 - {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ}:

قل - أيها الرسول - لهؤلاء الجاهلين: من هو مالك السموات السبع بجزئياتها وبمن عليها من كائنات لا يعلمها غيره، ومن هو مالك العرش العظيم؟ سيقولون في إجابتهم: هي لله، قل لهم: أَتقولون ذلك فلا تتقون الله وأنتم تشركون وتنكرون البعث والنشور، وهما أهون عليه من خلق السموات السبع وخلق العرش العظيم (1)؟

88 -

{قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} :

اليد هنا كناية عن القدرة والمعنى: قل لهم أيضا مبالغا في التقرير والإنكار: مَن بقدرته ملك كل شيء وتدبيره، وهو يمنع من يلوذ به ويحميه من المكاره، ولا يستطيع أحد أن يجير ويحمى من أراده بسوءٍ؟ إن كنتم تعلمون الجواب عن هذا السؤال فأجيبونى، ثم تولى الله الجواب عنهم، لأنهم مقرون به ولا معدل لهم عنه فقال سبحانه:

89 -

{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} :

سيقول هؤلاء المشركون: الملك والملكوت لله، والإجارة والحماية للمستجير لا تكون إلا لله دون سواه، وإذا كان هذا ما سيقولونه جوابا عن سؤالك، فكييف يُصْرفُون عن الرشد والهدى كالذين سُحِروا ففقدوا عقولهم؟

(1) العرش في اللغة: سرير الملك، ويكنى به عن العز والسلطان، وعلى الأول فهو كائن عظيم يحيط بالكون.

ص: 1324

ويلاحظ أَن السؤال الثاني: {مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ

} والثالث: من بيده ملكوت كل شيء جوابهما {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} بلام الجر ، وكان الظاهر أَن يكون الجواب {سيقولون الله} بغير لام مراعاة للسؤال (1). فما وجه العدول عنه؟

والجواب: أن كلا الأَمرين جائز لغة ، فلو قيل: من صاحب هذه الدار فلك أَن تجيب بقولك: (خالد) مثلا ، مراعاة للفظ السؤال المجرد عن اللام ، ولك أن تقول:(لخالد) باللام مراعاة للمعنى ، ومنه قول الشاعر:

إذا قيل من رب المزالف (2) والقُرى

وربُّ الجياد الجُرد (3) قيل لخالد

90 -

{بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} :

في هذه الآية إضراب إبطالي لإنكارهم البعث والتوحيد.

والمعنى: بل جئنا قريشا بالحق في وحدانية المعبود والبعث من القبور ، وإنهم لكاذبون في شركهم وإنكارهم لهما {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} (4).

{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)}

المفردات:

{وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: لغلب بعضهم بعضا.

(1) فإن السؤال مجرد من اللام فيهما حيث لم يقل فيه: لمن السموات السبع ، ولا (لمن ملكوت كل شيء).

(2)

جمع مزلفة ، وهي القرية تكون بين البر والريف.

(3)

الجراد: جمع أجراد ، وهو الجراد الذي يسبق غيره.

(4)

سورة الشعراء ، الآية: 227

ص: 1325

{سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} : تنزيها له تعالى عما يلحقونه به من الولد والشريك.

{الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} : المراد بهما: ما غاب عن خلقه وما أبصروه. {فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} : فتنزه عن إشراكهم.

التفسير

91 -

{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)} .

والمعنى: ما اتخذ الله لنفسه من ولد، لتنزهه عن الاحتياج إليه ليعينه أَو يرثه من بعده كما هو الشأْن في الولد، فهو القادر الذي يقول للشىء: كن، فيكون، وهو الباقى الذي لا يفنى ولا يبيد {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (1).

وكما أنه تعالى لم يتخذ ولدا فإنه لم يكن معه من إله حين أَبدع ملكوته، ولا يصح عقلا أن يكون له فيه شريك كما زعم الزاعمون، فلو اشترك معه في الخلق غيره، لاستقل كل إله بما خلقه، إِن فرض استقلاله بخلقه، ولغالب بعضهم بعضا حتى يغلب قويهم ضعيفهم ويستقل بالكون وحده، إن فرض اشتراكهم في الكون تعاونيا، أَو كان لكل منهم ناحية خلقها، وبما أَننا نرى الكون وحدة متكاملة محكمة الصنع، فلا بد أَن يكون مبدعه إِلها عظيمًا واحدًا في ذاته وصفاته وأفعاله، فإِن التعدد في الإله يؤدى إلى التنافس والتغالب وينتهى إلى الفساد، كما قال سبحانه:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (2) ولهذا ختم الله الآية بقوله: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159)} أَي: تنزيها كاملا لله عما يزعمونه له من الولد والشريك.

92 -

{عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} :

أَي: أَنه تعالى كما تنزه عن الولد وعن الشريك في خلق هذا الكون وتدبيره، فهو عالم بكل ما خفى وغاب عن العيون والعقول، وعالم بكل ما هو مشاهد ومرئى لأولى الأَبصار {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (3) وإذا كان

(1) سورة الرحمن، الآيتان: 26، 27.

(2)

سورة الأنبياء، الآية: 22

(3)

سورة الأنعام، الآية

ص: 1326

أمر الإله عظيمًا هكذا فتعالى الله وتنزه عما يشركون معه من آلهة لا حول لها ولا قوة، ولا تمك لنفسها نفعًا ولا ضرا، ولا تعلم عن نفسها أو غيرها حاضرًا ولا غائبا.

{قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)}

المفردات:

{إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ} : إن كان لا بد من أَن ترينى ما يوعدونه من العذاب، والأصل إِن تُرينى، فزيدت ما وأدغمت في (إن) فصارت: إمَّا، وأكد الفعل (تُرِيَنىِّ) بنون التوكيد بعد إِمَّا، فاصبح الفعل مؤكدًا بلفظ (ما) المدغمة في (إن) وبنون التوكيد، وبهذا يعلم أَن (ما) في لفظ (إمَّا) ليست للنفى بل للتوكيد. {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} أَي: ادفع أثر السيئة بالخصلة التي هي أحسن، وسيأتى شرح ذلك.

{نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} : نحن أَعلم بالذى يصفونك به، أَو بوصفهم إياك بما ليس فيك (1). {أَعُوذُ بِكَ}: ألوذ وأَعتصم بك.

{مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} : جمع همزة، والهمز: النخس والدفع بيد أَو غيرها، ومنه المهاز في رِجْل مَنْ يركب الدابة، ينخسها به لتسرع، والمراد بهمزات الشياطين وساوسهم ، فإنها تدفع إِلى المعاصي.

(1) وبهذا التفسير علم أن لفظ (ما) في قوله تعالى (بما يصفون) إما موصولة أو مصدرية.

ص: 1327

التفسير

93، 94 - {قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}:

ظاهر الآيتين يدل على أن الله تعالى كان قد أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بعذاب يصيب قومه إن أصروا على كفرهم ، ولم يخبره بوقت نزوله ، فلهذا طلب نجاته منه إن حصل لهم في حياته ، وهكذا فهم الحسن ، فقد روى أنه قال: أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن له في أمته نِقْمَةً ، ولم يطلعه على وقتها ، أهو في حياته أم بعدها ، فأمره بهذا الدعاء:

والمعنى: وقل - أيها النبي -: يا رب إن كان لابد أن ترينى ما أوعدت قومى به من العذاب المستأْصل إن بقوا على كفرهم ، يا رب فلا تجعلنى بين هؤلاء الظالمين حين ينزل عقابك.

ونداءُ النبي لله بوصف الربوبية ، للإيذان بأنه تعالى هو المالك النظر في مصالح العباد، الموعود ، وكونه بحيث يستعيذ منه من لا يكاد يمكن أن ينزل به ، وهو متضمن تأكيد وقوع العذاب الموعود الذي أنكروه وسخروا منه واستعجلوه ، وهذا الوعد مشروط ببقائهم على كفرهم.

وقيل: أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذلك هضمًا لنفسه وإظهارًا لكمال العبودية؟ أو لأن شؤم الكفرة قد يحيق بغيرهم، كما قال تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} والتعبير بقوله: {فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} بدلًا من أن يقول: فلا تجعلنى فيهم ، للإيذان بأن ظلمهم هو السبب في وعيدهم بالعذاب ، وتكرار لفظ (رب) لمزيد الضراعة والاستنجاد بمن بيدة الأمر كله.

95 -

{وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} :

أي: وإنا على تمكينك من رؤية عذابهم الموعود لقادرون ، كما قدرنا على مثله فيمن سبقهم من المعاندين لرسلهم.

وهذة الآية تشير إلى أن التعجيل بالعذاب ليس من الحكمة التي تقترن بها أفعال الله تعالى فلقد علم سبحانه أزلًا أن معظمهم سوف يؤمن ، فلهذا تأنى بهم ولم يتعجل بعقوبتهم.

ص: 1328

والظهر أن الآية واللتين قبلها نزلتا قبل أن يخير الله تعالى نبيه بقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)} (1).

96 -

{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96)} :

أي: قابل السيئة التي تأتيك من قومك وامنع أثرها عن نفسك بالخصلة التي هي أحسن من مقابلة السيئة بمثلها ، والدفع بالتي هي أحسن على ثلاث درجات ، أدناها أن تصفح عن سيئته ، وما فوقها أن تحسن إليه إحسانًا ما ، وأعلاها أن تجزل الإحسان إليه.

وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك توكيدٌ لما هو ملتزم به من هذا الخلق الكريم مع المؤمنين فقد كان يقابل السيئة بالحسنة ، وكان يقول: الله أغفر لقومى فإنهم لا يعلمون.

والخطاب في الآية وإن كان موجهًا إلى الرسول حسبما يؤذن به السياق ، فإن الحكم فيه يعم كل مسلم ، فينبغى أَن لا يقابل السيئه بمثلها ، حتى لا يتمادى المسىء في إساءته ، فيعظم البلاءُ وتحدث الفتن ، فإن معظم النار من أعظم السرور ، وفي عموم معناها أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن أنس أنه قال:(يقول الرجل لأَخيه ما ليس فيه فيقول: إن كنت كاذبًا فأنا أسأَل الله أن يغفر لك ، وإن كنت صادقًا فأنا أسأل الله أن يغفر لى) والدفع المذكور مطلوب ما لم يؤد إلى ثلم الدين أو خدش المروءة.

وفي ختام الآية يقول سبحانه: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي: نحن أكثر علما منك بما يصفونك به في السر والعلانية ، من الأوصاف التي يُكَذِّبُهَا ما أنت عليه من الكمال الخلقى والصدق في تبليغهم أحكام ربهم ، وفي هذه الجملة وعيد لهؤلاء المتقولين على الرسول بالعقوبة ، وتسلية له صلى الله عليه وسلم وإرشاد له إلى تفويض الأمر له عز وجل ، والآية من قبيل الموادعة والمهادنة ، حتى يشتد جانب النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقاتلهم حتى يهتدوا إلى سواء السبيل.

(1) سورة الأنفال ، الآية: 33

ص: 1329

97، 98 - {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ}:

بعد أن أمر الله نبيه بدفع السيئة بالحسنة، أَمره أن يعوذ به من وساوس الشياطين، ليكون ذلك معينًا له على دفع السيئة بالحسنة، ونحن في كلا الأَمرين مكلفون بالعمل بما أمر الله به رسوله فيهما.

والاستعاذة بالله والاعتصام به من الشياطين أَمر ينبغي الحرص عليه عند الشروع في كل عمل صالح للفرد أَو للمجتمع، فإن الشياطين من الجن والأنس أَعداءٌ للخير، فهم لذلك يحرصرن على الصد عنه بوساوسهم وإِغراءَاتهم المضللة للنفس البشرية، فهم يزينون لها الباطل، وينفرونها من الحق بأَساليب مزوقة وملفقة قد تخفى على التقى الورع، ولا عاصم من خداعهم إلَاّ الله رب العالمين، فلهذا أَمرنا سبحانه بالاستعاذة به من وساوسهم.

والمعنى: وقل - أيها المسلم - عند الشروع في أَمر نافع لك أَو لمجتمعك: يا رب أَعوذ بك وأَعتصم بربوبيتك من وساوس الشياطين الصارفة عن البر والخير، وأعوذ بك وأَعتصم بحمايتك من حضورهم حولى في أَي حال من أَحوالى الدنيوية أَو الأخروية، لأَسلم من شرورها ومغرياتهم الكاذبة:{فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (1).

ومِنْ أَجدر الأَحوال بالاستعاذة بالله من الشياطين حالُ الصلاة وقراءة القرآن وحلول الأجل، وعند النوم، لأَنهم ينشطون فيها أكثر من سواها.

وفي الاستعاذة عند النوم: أخرج الإأمام أحمد بسنده عن جَدِّ عَمْرو بن شعيب قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم - من الفزع -: بسم الله أَعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأَن يحضرون" ورواه كذلك أَبو داود والنسائى والترمذى وحسنه.

وفي الأَمر بالتعوذ من حضور الشياطين بعد الأَمر بالتعوذ من همزاتهم مبالغة في التحذير من ملابستهم.

(1) سورة يوسف، من الآية: 64

ص: 1330

{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)} .

المفردات:

{فِيمَا تَرَكْتُ} : في دنياى التي تركتها أو في مالى أَو في إِيمانى. {كَلَّا} : كلمة تستعمل للردع والزجر. {وَمِنْ وَرَائِهِمْ} أَي: أمامهم، ومثله قوله تعالى:{وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} أَي: أَمامهم، وقد يستعمل بمعنى الخلف، فهو كما قال صاحب المختار: من الأَضداد، ويبنى على الضم إذا لم تضفه، كقولك: جئتك من وراءُ، كقولك: من قبلُ ومن بعد (1)، {بَرْزَخٌ}: حاجز.

التفسير

99، 100 - {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}:

{حَتَّى} هنا ابتدائية، وما بعدها غاية لما قبلها، ولهذا يقول النحاة عنها: إنها لابتداء الغاية، وقد مضى أن المشركين أَنكروا البعث وتوحيد الله حتى قالوا فيهما: أَساطير الأَولين، ثم احتج الله عليهم وذكرهم قدرته على كل شيء، وأنه:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} وأمر نبيه أن يستعيذ به من عذابهم الموعود على كفرهم، وطلب إِليه أَن يدفع سيئتهم بالحسنة، وجاءَت هذه الآية لتبين أَن من أَصَرَّ منهم على الكفر حتى يحضره الموت، طلب الرجوع إلى الحياة ليصلح ما أفسده.

(1) انظر المختار.

ص: 1331

والمعنى: أن المشركين لا يزدادون بالوعظ التذكير إلَاّ إصرارًا على الكفر حتى إذا جاء أحدهم الموت تيقن ضلاله حين يرى الملائكة تقبض روحه بعنف وشدة وأدرك حينئذ سوءَ عاقبته، فيقول فيما بينه وبين الله تعالى:{رَبِّ ارْجِعُونِ} ثانية إلى الحياة الدنيا لكي أعمل صالحًا في دنياى التي تركتها وليس لى فيها عمل صالح ينفعنى في أُخراي ، فيقال له: كلًا لا سبيل إلى الرجوع إليها بعد أن حانت منيتك ، ثم يقول الله مؤكدًا تمنيه الرجوع إلى الدنيا ، واستحالة رجوعه بقوله:{إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي: إن قوله: {رَبِّ ارْجِعُونِ} كلمة هو قائلها لا محالة حين يعاين الموت وسوءَ المنقلب ، لاستيلاء الحسرة والندم عليه ، وأمامهم حاجز بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا حيث يبقون في قبورهم إلى يوم القيامة ، حين يبعثونمنها للحساب والجزاء ، والمقصود من حضور الموت حضور أماراته ، ومنها حضور الملائكة لقبض روحه بشدة كما قال تعالى في وصف هذة الحالة:{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} (1). وكلامهم مع الله تعالى بصيغة الجمع في قولهم: {رَبِّ ارْجِعُونِ} للتعظيم ، وهو أسلوب المسترحمين كما قال الشاعر:

فقلت ارحمونى يا إله محمد

فإن لم أكن أَهلًا فأَنت له أهل

ولفظ (لعل) يستعمل للتعليل وللرجاء ، وكلاهما تصح إرادته في قول الكافر المحتضر {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} أي: لكي أعمل صالحًا ، أو رجاء أن أعمل صالحًا ، والمراد من البرزخ هنا: الحاجز ، وهو إرادة الله أن لا عودة للحياة إلَاّ يوم القيامة ، ثم بين الله أحوال القيامة فقال:

(1) سورة الأنفال ، من الآية: 50

ص: 1332

{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105)}

المفردات:

{الصُّورِ} : يطلق على البوق فيكون مفردًا، ويطلق على الصُّور - بفتح الواو- فيكون جمعًا لصورة، مثل بُسْر وبُسْرَة، وسيأْتى مزيد بيان لذلك في التفسير.

{فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} : أي فلا تنفعهم الأنساب وهي القرابات.

{وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} : ولا يسأل بعضهم بعضًا عن حاله.

{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} : أَي فمن رجحت موزوناته من الأَعمال الصالحة

{تَلْفَحُ} : تحرق. {كَالِحُونَ} : شفاهُهُم متقلصة عن أسنانهم.

التفسير

101 -

{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} :

المراد من النفخ في الصور هنا النفخة الثانية التي يبعث عندها الخلائق للحساب والجزاء، والصور: إما البوق، والنافخ فيه إسرافيل عليه السلام، وإما الأجساد جمع صورة كبُسْر جمع بسرة، والنفخ فيها كناية عن إِطلاق الأَرواح لتلحق بأجسادها، ويؤيد المعنى الثاني قراءَة ابن عباس وغيره {فِى الصوَرْ} بواو مفتوحة، وهي بلا شك جمع صُورَة، والتوفيق

ص: 1333

بين القراءتين بهذا المعنى أَولى من حمله على البوق، قال الآلوسى: ولا تنافى بين النفخ في الصور بمعنى القَرْنِ الذي جاءَ به الخبر ودلت عليه آيات أُخَر، وبين النفخ في الصُّوَر جمع صورة، فقد جاءَ أن هذا النفخ عند ذاك: اهـ.

ومعنى الآية: فإِذا نفخ في صُوَر الخلائق، بأن ألحقت كل روح بجسدها عند قيام الساعة، فبعث الخلائق وحشروا من قبورهم إلى ساحة القضاء الإِلهى، ليقضى لهم أَو عليهم تبعًا لعقائدهم وأَعمالهم، فلا تنفعهم قراباتهم حينئذ كما كانت تنفعهم في دنياهم، ففي ذلك اليوم:{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} (1).

وحكى عن الجُبَّائي: أن المراد من الآية أنه لا يفتخر يومئذ بالأنساب كما يفتخر بها في الدنيا، وإنما يفتخر هناك بالأَعمال والنجاة من الأهوال (2)، وكما أنهم لا تنفعهم أنسابهم ولا يفتخرون بها، فكذلك هم لا يتساءَلون عن أَحوالهم، فلا ترى أَحدًا منهم يهتم بغيره فيسأَله عن حاله، لأَن حال كل منهم واضح لغيره، ولأَن الخطب جسيم يشغل كل امرئ عن سواه، وقد صور الله هول ذلك اليوم أَوضح تصوير بقوله في صدر سورة الحج:{يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)} .

فإِن قيل: إنه جاءَ في القرآن أن الكفار يتساءَلون يوم القيامة، كما جاءَ عنهم في سورة الصافات في قوله سبحانه وتعالى:{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ. وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ. مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ. بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ. وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} (3) والجواب: أَنهم لا يتساءَلون في بعض المواطن، ويتساءَلون في بعض آخر ولعله عند جهنم، وقد يقال: إِن المنفى هنا هو سؤال التعارف ونحوه، مما عليه دفع مضرة أَو جلب منفعة، أَما المثبت فهو تساؤلهم

(1) سورة عبس، الآيات: 24 - 27

(2)

نقله الآلوسى عنه، وأصله لابن عباس: انظر القرطبى.

(3)

الآيات: 22 - 27

ص: 1334

مع خصمائهم الذين دفعوهم إِلى الكفر، وقد بينه الله تعالى بقوله:{قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ} الآيات (1).

ثم بين الله دستوره في القضاء بين عباده يوم القيامة فقال:

102 -

{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (2) فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} :

أَي: فمن رجحت أعماله القلبية والظاهرة، وكان لها وزن وقدر عند الله تعالى، بأن كانت عقيدته صالحة، وأَعماله مستقيمة، فأُولئك هم الفائزون بكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب.

103 -

{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} :

ومن لم يكن لعقائده وأَعماله وزن من الكفار، فهؤلاء هم الذين خسروا أنفسهم وضيعوها بكفرهم، فهم بسبب ذلك خالدون في جهنم لا يبرحونها أَبدًا، وفي مثل معنى الآية يقول سبحانه:{أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)} (3).

104 -

{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)} :

تحرق النار وجوههم، وهم فيها متقلصو الشفاه عن الأَسنان، من أَثر احتراق الوجوه، وتخصيص الوجوه بالذكر مع أَن العذاب بالنار عام لأَجسادهم ، لأنها أَشرف الأَعضاء، فبيان سوء حالها أدل على بيان سوء سواها، وأَزجر عن المعاصي المؤدية إِلى النار.

105 -

{أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} :

يقال لهم حينما يعذبون بالنار - يقال لهم - على سبيل التوبيخ والتحسير: أَلم تكن آياتى يتلوها عليكم رسولى في دنياكم، فكنتم بها تكذبون فور تبليغها إِليكم، من غير تدبر في عاقبة تكذيبم؟.

(1) سورة الصافات، الآيات من: 28 - 30

(2)

موازين: جمع موزون، والمراد بها أعمال العبد.

(3)

سورة الكهف، الآية: 105

ص: 1335

{قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)}

المفردات:

{شِقْوَتُنَا} : الشقوة والشقاوة، ضد السعادة، والمراد أَسبابها من الأهواء وسوء الاختيار.

{اخْسَئُوا فِيهَا} : أي انزجروا واسكتوا عن هذا المطلب سكوت ذلة وهوان وقنوط.

{سِخْرِيًّا} : السِّخْريّ والسُّخرية؛ الاستهزاءُ.

التفسير

106 -

{قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} :

في الآية السابقة يوبخ الله أَهل النار على تكذيبهم بآياته، ويلومهم على تسببهم بذلك فيما هم فيه تحسيرًا لهم، وفي هذه الآية يحكي الله جوابهم الذي سوف يجيبون به ربهم، وعُبِّر عنه بصيغة الماضى لتحقق وقوعه.

والمعنى: قال الكفار مجيبين الله تعالى: يا ربنا غلبت علينا أَهواؤنا ونزعاتنا وسوءُ اختيارنا، وسوءُ الظن برسلنا فكذبنا بآياتك في دنيانا، فشقينا بذلك في أُخرانا، وكنا بما فعلناه قومًا ضالين عن سبيل السعادة التي حصل عليها المؤمنون، ثم تمنوا العودة إلى الدنيا لإصلاح ما أفسدوا فقالوا:

ص: 1336

107 -

{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} :

ربنا أَخرجنا من النار وارجعنا إلى الدنيا، فإن عدنا إلى تكذيب آياتك والكفر برسلك وارتكاب المعاصي فإنا متجاوزون الحد في الظلم.

108 -

{قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} :

قال الله إِقناطًا لهم وإِذلالًا: انزجروا في النار مطرودين من رحمتنا طرد الكلاب، ولا تكلمون بعد في شأن خروجكم منها، فأنتم فيها خالدون.

وقد جاء في الأثر أنهم بعد أَن يقول الله لهم ذلك لا ينبسون بكلمة، وما هو إلّا الزفير والشهيق في نار جهنم، ثم عقب الله زجرهم عن الكلام ببيان سببه بقوله:

109 -

{إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِين} :

هذه الآية مستأنفة لتعليل نهيهم عن التماسهم الرجعة إلى الدنيا.

والمعنى: اسكتوا عن دعائى ملتمسين الرجعة إلى الدنيا، لأنه كان جماعة من عبادى المؤمنين يقولون: ربنا آمنا بما أنزلته على رسلك، فاغفر لنا سيئاتنا، وارحمنا بغفرانك وحسن ثوابك ، فأنت أَرحم الراحمين وخيرهم أجمعين، فلم يرضكم ذلك منهم.

110 -

{فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} :

أي: أنكم لم تكتفوا بكفركم، فاتخذتم هؤلاء المؤمنين المستغفرين المسترحمين هدفًا لسخريتكم، تشفيًا منهم واستهزاء بهم، وواظبتم على ذلك حتى أنسوكم تذكرى والخوف من عقابى ، فاشتغلتم بإهانتهم عن النظر في عاقبتها وسوء جزائها عندى، وكنتم منهم تضحكون مبالغة في السخرية بهم.

111 -

{إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} :

في هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى أَجر المؤمنين الصابرين، وانتقامهم بإيذاء الكافرين لهم.

ص: 1337

والمعنى: إني جزيت المؤمنين اليوم في الآخرة، بسبب صبرهم على إيذاء الكافرين وسخريتهم - جزيتُهم - بأَنهم هم الفائزون بنعيم الجنة دون المستهزئين، الذين أذللتهم في نار الجحيم، ولنعم عقبى الصابرين.

وقد بين الله في سورة المطففين، أن المؤمنين يثأرون لأنفسهم في الجنة، فقال سبحانه:

{فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (1):

أي: هل جوزى الكفار على استهزائهم بالمؤمنين في الدنيا، بِضحِك المؤمنين استهزاءً بهم وهم على الأرائك في الجنة ينظرونهم يتقلبون في نار جهنم.

{قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)}

المفردات:

{إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا} : ما لبثتم في الأَرض إلا زمنًا قليلًا.

{عَبَثًا} العبث: ما لا فائدة فيه أصلًا، أَوْ له فائدة لا يعتد بها.

التفسير

112 -

{قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} :

هذه الآية تحكى أَنَّ الله تعالى يسأل أَهلَ النار عما لبثوه في الدنيا، بعد أَن طلبوا منه العودة إِليها ليصلحوا ما أَفسدوه، وأَنه زجرهم عن هذا الطلب ونهاهم عن الكلام فيه، فقد فات أَوان العمل وحان وقت الجزاء، والسؤال موجه من الله إلى أَهل النار، إما مباشرة، وإمَّا على لسان ملك كلفه الله به.

(1) الآيات: 34 - 36

ص: 1338

والمقصود منه: توبيخهم على طول أَملهم في الدنيا، واغترارهم بنعيمها وهم فيها، مع أَنها إِلى زوال، واللبث فيها قليل، وتحسيرُهم وتنديمُهمْ على كفرهم بالآخرة، مع أنها - دار الخلود.

والمعنى: قال الله للكافرين: كم عدد السنين التي لبثتموها في الأرض، واغتررتم بنعيمها وتوهمتم البقاءَ فيها وعدم العودة إلينا لحسابكم وجزائكم على ما كان منكم؟ ولما كانت مواعيد الرسل لهم بالآخرة وبقائها قد تحققت لهم معاينة بعد البعث، فقد عرفوا أَن لبثهم في الدنيا كان قليلًا بالنسبة إليه في الآخرة، فلهذا أَجابوا ربهم قائلين:

113 -

{قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113)} :

أي: لبثنا زمنًا قليلًا نَتَخَيَّلُه يومًا واحدًا أو بعض يوم، فاسأل القادرين على العدِّ من الملائكة الحاسبين لأعمال العباد وأَعمارهم، فهم أعلم منا بذلك، وأَقدر منا على الإِجابة، فلقد دهتنا الدواهى التي نراها في الآخرة، فأنستنا الزمن الذي مكثناه في نعيم الدنيا، وأَصبحثا لا نراه أَكثر من يوم أو بعض يوم، بالنسبة لما نحن مقبلون عليه من خلود في شقاءٍ وعذاب، ولقد صدقهم الله فيما أجابوا به عن قلة مكثهم في الدنيا فيما حكاه بقوله:

114 -

{قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (1):

قال الله ردًّا على أَهل النار: ما لبثتم في الدنيا ونعيمها إِلَّا زمنًا قليلًا كما قلتم اليوم، لو أَنكم في دنياكم كنتم من أَهل العلم والتَّدبُّر، لأدركتم فيها ما أدركتموه اليوم، من أَن زمن الدنيا قصير ونهايته قريبة، وزمن الآخرة طويل بغير نهاية، ولعملتم بمقتضى هذا العلم، ولم يصدر منكم ما أَوجب خلودكم في النار.

أَخرج ابن أَبي حاتم بسنده إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنه قال: "إن الله إذا أَدخل أَهل الجنة الجنة وأَهل النار النار قال: يا أهل الجنة، كم لبثتم في الأَرض عدد سنين قالوا: لبثنا يومًا أَو بعض يوم، قال: لَنعْمَ ما أَنجزتم في يوم أَو بعض يوم،

(1) في مثل معنى هذه الآية في استقلالهم لمدة لبثهم في الدنيا، قوله تعالى في آخر سورة النازعات: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (4

ص: 1339

رحمتى ورضوانى وجنتي امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول: يا أَهل النار، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يومًا أَو بعض يوم، فيقول: بئس ما أَنجزتم في يوم أو بعض يوم، نارى وسخطى، امكثوا فيها خالدين مخلدين".

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)}

المفردات:

{فَتَعَالَى اللَّهُ} : تَرَفَّع الله بذاته وتنزه. {الْمَلِكُ الْحَقُّ} : المالك الثابت الملك دون سواه. (الْعَرْشِ) العرش في اللغة: سرير الملك، ويكنى به عن العز والسلطان، وعلى الأول فهو كائن عظيم يحيط بالكون، وتصدر من جهته أَوامر الله تعالى إِلى ملائكته، دون أَن يكون الله فيه لاستحالة أَن يكون لله مكان، انظر تفسيرنا لقوله تعالى:{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} في سورة الأعراف. {الْكَرِيمِ} : الشريف.

التفسير

115 -

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)} :

هذه الآية من تمام ردّ الله على أهل النار، والمعنى: أَجهلتم فظننتم أنما خلقناكم عبثا دون حكمة في خلقكم، فلم تفكروا في خالقكم، ولا في حكمة خلقكم، ولا فيما يكون بعد موتكم، فلهذا أَشركتم بنا وكذبتم برسلنا، واعتقدتم أَنكم لا تبعثون بعد الموت لترجعوا إلى حسابنا وجزائنا، كلا ليس الأمر كما زعمتم، فإن خلقكم عبثا لا يليق بربوبيتنا.

ص: 1340

116 -

{فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} :

أي: فتنزه الله بذاته عن خُلُوِّ أفعاله عن الحكم والمصالح الحميدة، فهو الملك الحق الثابت له الملك عن جدارة واستحقاق، الواحد الذي لا معبود بحق إلا هو مالك العرش العظيم في مكانته وشرفه، ومن كان كذلك فلا يصح عقلا أَن يخلقكم عبثا، ولا أَنكم إِليه لا ترجعون للحساب والجزاء كما زعمتم.

والمراد من وصف العرش بالكريم أَنه عظيم الشرف، وكل ما شرف وعظم في بابه يوصف بالكريم، ومنه قوله تعالى:{كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} (1) وقوله: {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} (2).

117 -

{وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)} :

بين لله تعالى في الآية السابقة أَنه سبحانه هو الملك الحق دون سواه فكل الملوك عبيده المسخَّرون منه لخدمة شعوبهم، ولا مُلْكَ لهم في الحقيقة فيما مكَّنهم الله منه، كما بين أَنه لا معبود بحق سواه، وأَنه رب العرش العظيم، ومن هذا شأْنه فلا يصح أَن يعبد سواه وجاءَت هذه الآية لتؤكد ما أَفادته التي قبلها ضِمْنا من فساد عبادة سواه، ولتبين سوءَ عاقبة من يعبد غيره تعالى.

والمعنى: من يعبد مخلوقا من مخلوقات الله يزعمه إِلَها آخر، لا يمكن أَن يكون له أَي دليل على ربوبيته وصحة عبادته - من يعبده مع الله أَو يفرده بالعبادة - فما حسابه وعقابه الشديد إِلا عند الله ربه وخالقه ومالكه، إِنه لا يفوز ولا ينجو من عقابه الكافرون العابدون لسواه، أَو المشركون له مع الله.

نقل الإِمام ابن كثير عن قتادة قال: ذُكِرَ لنا أَن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: ما تعبد؟ قال: أَعبد الله وكذا وكذا - حتى عَدَّ أَصناما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) سورة الدخان، الآيتان: 25، 26

(2)

سورة الإسراء، من الآية: 23

ص: 1341

فأَيُّهم إذا أصابك ضُرُّ فدعوته كشفه عنك، قال: اللهُ عز وجل، قال: فأَيّهم إِذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها؟ قال: الله عز وجل، قال: فما يحملك على أَن تعبد هؤلاء معه؟ قال: أَردت شكره بعبادة هؤلاء معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(تعلمون ولا يعلمون) قال الرجل بعد ما أسلم: (لقيت رجُلا خَصَمَني)(1) أَي: غلبنى في الخصومة والمقصود من قوله صلى الله عليه وسلم (تعلمون ولا يعلمون) أَن هذه المعبودات لا عقل لها ولا علم وأَنتم أيها العابدون أَفضل منها بالعقل والعلم، فكيف تعبدون مَنْ دونكم.

118 -

{وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} :

الأَمر هنا موجه إِلى النبي صلى الله عليه وسلم وإِلى أمته تبعًا له، فهو إمامهم، وطَلَبُ النبي صلى الله عليه وسلم الغفران من ربه لنفسه، إِنما هو من باب هضم النفس، واتهامها بالتقصير في الطاعة مع الله، وليس المقصود أن يسغفر له ذنبًا حدث منه، فإنه صلى الله عليه وسلم معصوم من الذنوب.

والمعنى: وقل - أيها النبي أَنت وأُمتك -: يارب اغفر لنا تقصيرنا. في طاعتك، واشملنا برحمتك الدنيوية والأُخروية، وأَنت خير الراحمين، لأن رحمتك وسعت كل شىءٍ.

وقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم أَبا بكر الصديق - رضى الله عنه - أن يقول نحوه في صلاته، فقد أَخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أَبي بكر رضي الله عنه أَنه قال: يا رسول الله علمنى دعاءً أدعو به في صلاتي؟ قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسى ظلمًا كثيرًا، وإِنه لا يغفر الذنوب إلَّا أَنت، فاغفر لى مغفرة من عندك، وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم".

(1) انظر تفسير ابن كثير آخر سورة (المؤمنون).

ص: 1342