الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة مريم
تمهيد:
هذه السورة التاسعَة عَشرَةَ في ترتيب المصحف.
ووجه مناسبتها لسورة الكهف اشتمالها على نحو ما اشتملت عليه من الأَعاجيب، كقصة ولادة يحيي وقصة ولادة عيسى عليهما السلام. ولذلك ذكرت بعدها، وهي مكية إلا آية السجدة (58). وآية الورود على النار (71) وعدد آياتها ثمان وتسعون وقد حوت طائفة كريمة من قصص الرسل وأَنباءِ الغيب.
افتتحها الله تعالى بقصة زكريا عليه السلام إذ دعا ربه أَن يَهَبَ له وليًّا يرثه في الدعوة إِليه والحفاظ على شريعته. فاستجاب له ربه وبشره بغلام سماه يحيي ولم يجعل له من قبل سميًّا وآتاه الحكم صبيا. ولما تعجب زكريا من خلق الولد من أُم عاقر وأَب بلغ من الكبر عتيًّا - أَوحى إليه ربه أَن هذا الخَلْقَ {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} ثم ذكر تعالى قصة مريم عليها السلام
…
وهي أَعجَب من قصة زكريا!! وفيها أَن جبريل عليه السلام تمثل لها بشرًا سويًّا. ففزعت واستعاذت بالرحمن منه. فطمأنها بأَنه رسول ربها ليهب لها غلامًا زكيًّا. فلما تعجبت من أَن يكون لها غلام ولم يمسسها بشر ولم تَكُ بَغِيًّا - {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} .
وكذلك كان عيسى عليه السلام آية من آيات ربه الكبرى: في حمله وولادته. وقوله في المهد: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ
…
ثم ذكر تعالى قصة إِبراهيم عليه السلام وهو يدعو أباه إِلى الصراط السوىّ، بأرق ما تكون الدعوة من الرفق والحنان، فيقول:{يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} . فيقابل أبوه هذا الرفق والحنان، بأَشق ما يكون من العنف والقسوة والجحود والعصيان، فيقول:{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} . وهنالك لم يجد إبراهيم عليه السلام بُدًّا من أن يعتزل أَباه وقومه وما يعبدون من دون الله. قال تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} .
ثم ذكر تعالى كليمه موسى عليه السلام ومناجاته إياه في الطورِ، وهبة الله له أَخاه هارُونَ نبيًّا. ثم أثنى سبحانه على إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد، وَأَمْرِهِ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة {وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا}. وعلى إدريس عليه السلام بأنه:"رَفَعْهُ مَكَانًا عَلِيًّا". ثم أثنى تبارك وتعالى على المصطفَيْن الأخيار من عباده فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} .
وذم الذين خَلَفُوهم مِنْ بعدهم، فلم يهتدوا بهديهم، بل أَضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فَسَوفَ يَلْقَوْنَ جزاءهم {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا} . ومما ذكره الله تعالى في هذه السورة الكريمة، أَنه يحشر الكافرين يوم القيامة مع قرنائهم من الشياطيين .. وأَن جميع الخلق يَرِدُون جهنم:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} وبعد ذلك يستنكر سبحانه أَشد الاستنكار، ما زعمه الزاعمون من اتخاذه ولدًا، إذ يقول:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} ثم يَعِد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأَنه سيجعل بينهم محبة وَوُدًّا ثم يختم سبحانه السورة الكريمة ببيان
تيسيره القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم وقومه، بإنزاله بلسانه ولسانهم، حيث أنزله {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} . ليسهل عليه تبليغهم كتاب ربهم، ويبشر به المتقين بحسن المثوبة، وينذر به المجادلين المعاندين بشديد العقوبة. إذ يقول:{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} .
وأخيرا يضرب الله المثل بأمثالهم الذين أهلكهم في القرون الماضية فلم يُبقِ منهم أَحدا، فيقول - وقوله الحق -:{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} ذلك. ومما يلاحظ في هذه السورة الكريمة أَنه كثر فيها ذكر الرحمة والرحمن، لما تجلى فيها من رحمة الله على عباده وهم في أشد الحاجة إليها!!
بسم الله الرحمن الرحيم
المفردات:
{نَادَى رَبَّهُ} : أي دعا ربه عز وجل. {وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} : ضعف عظمى ورق لكبر سنى. {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} : وتغلغل الشيب في رأسى وَفَشَا فيه. {الْمَوَالِيَ} : المَوْلَى: هو القريب الذي يلي أَمر الرجل من عصبته، كالأخ والعم وابن العم. {عَاقِرًا}: عقيمًا لا تلد. {وَلِيًّا} : ابنًا من صلبى يلي الأمر بعدي. {رَضِيًّا} : مرضيًّا عندك قولًا وفعلًا.
التفسير
1 -
{كهيعص} :
افتتح الله تبارك وتعالى تسعًا وعشرين سورة بأسماء بعض الحروف الهجائية، وسورة مريم واحدة منها. وقد قال كثير من المفسرين: إن معانى هذه الحروف من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وهو أَعلم بمراده منها. وقال بعضهم: هي أسماءٌ للسور التي افتتحت بها، وقال بعضهم: هي رمز للتحدى، بالإشارة إلى أَن القرآن الكريم، مكون من جنس ما يَنْظِمُ العرب منه كلامهم، فإذا عجزوا جميعًا عن الإتيان بسورة من مثله - وهم أَئمة
الفصاحة والبلاغة - وجب التسليم بأنه من عند الله عز وجل، وبأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أَن يأْتي بسورة منه (1).
2 -
{ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} :
أي هذا الذي نقصه عليك - أَيها الرسول - هو ذكر رحمة ربك لعبده ورسوله زكريا، وهذا إجمال يأتي تفصيله قريبًا. وزكريا عليه السلام نبى ورسول من أنبياء بني إِسرائيل، من ولد سليمان بن داود عليهما السلام. روى الحافظ ابن كثير وغيره أنه كان نجارًا يأكل من عمل يده في النجارة، وهكذا كان الأنبياءُ يأكلون من عملهم. وقوله تعالى:
3 -
{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} : - مرتبط بقوله سبحانه -: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ} :
أَي أَن رحمة ربك أحاطت بعبده زكريا، حين دعا ربه دعاءً مستورًا عن الناس، ولم يسمعه أَحد منهم وإنما أَخفى دعاءه عليه الله السلام، وأَسر به وهو يتضرع إلى ربه؛ لأن الإِسرار بالدعاء أدل على الإِخلاص، وأَبعد عن الرياء، وأَقرب إِلى الخلاص من لائِمةِ الناس على طلب الولد وقت الكبر والشيخوخة.
قال ابن كثير عن بعض السلف: قام من الليل عليه السلام وَقد نام أَصحابه، فجعل يهتف بربه، يقول خفية: يا رب، يا رب، يا رب، فقال الله له: لبيك لبيك.
4 -
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي .... } الآية.
هذا تفصيل وتفسير لكيفية ندائه ربه عليه السلام.
أي: إني ضعف عظمى ورق لكبر سنى. والمراد: ضعُفتُ وخارت قواى. وإِنما أُسند الضعف إلى العظم؛ لأن العظام عماد البدن ودِعَامُ الجسد، فإِذا أَصابها الضعف والرخاوة تداعى ما وراءها وتساقطت قوته!
{وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} : أَي فشا الشيب وتغلغل في رأْسى، وسرى فيه كما تسرى النار في الحطب. {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}: أي ولم أَكن بدعائِى إِياك خائبًا في
(1) راجع ما كتبناه عن هذه الفواتح: أول سورة البقرة، وسورة الأعراف، وسورة يونس.
في وقت من أوقات هذا العمر الطويل، بل كلما دعوتُكَ استجبتَ لي، توسل عليه السلام إلى ربه في استجابة دعائه بما سلف من الاستجابة له عند كل دعوة دعاها - إثر تمهيد ما يستدعى الرحمة به من غير سنه وضعف قوته، فإنه تعالى بعد ما عود عبده الإجابة دهرًا طويلًا لا يكاد يخيبه ابدًا، ولا سيما عند اضطراره وشدة افتقاره، وفي هذا التوسل من الإِشارة إلى عظم كرم الله عز وجل ما فيه .. ويذكر المفسرون هنا ما يروى أن حاتمًا الطائى - أَو معن ابن زائدة - أتاه سائل فسأله وقال: أنا الذي أَحسنتَ إليه وقت كذا، فقال: مَرْحَبًا بمن توسل بنا إلينا، وقضى حاجته .. وأين كَرَمُ الكرماءِ أَجمعين، من كَرَم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم.
5 -
{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا
…
} الآية.
هذا عطف على قوله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
…
} فندرج فيما يستدعى رحمة ربه واستجابة دعائه، أي وإنى خشيت أقاربى الذين يلون الأمر من بعد موتى، ألا يحسنوا الخلافة، فيسيئوا إِلى الناس، ولا يقوموا مقامي في الدعوة إليك والحفاظ على شريعتك وإِنما خافهم لأنهم كانوا من شرار بنى إِسرائيل، وكانت امرأته عاقرًا لا تحمل ولا تلد، من شبابها إِلى شيبها، وهذا مما يزيد أقاربه تلهفا على خلافته وإِن لم يحسنوها.
قدم عليه السلام في ندائه لربه وضراعته إِليه، ضعف قوته وكبر سنه وشيخوخته، وخوفه من مواليه مع عقم امرأته - قدم هذا بين يدي سؤاله ربه هبة طيبة من ذريته (1) وذلك قوله:{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} :
أَي أَعطنى من فيض فضلك الواسع وقدرتك الباهرة، ابنا من صلبى يلي الأَمر من بعدي يقوم مقامي ويحسن خلافتي، وإنى وإن كنت متقدمًا في السن، وكانت امرأَتى عاقرًا - ولا تزال - فإنك قادر على تحقيق مطلبى من غير الأسباب العادية، وأنك إذا أردت، قلت للشىء: كن، فيكون. ثم وصف عليه السلام وليه الذي استوهبه من ربه فقال:
(1) اقتباس من قوله تعالى في سورة آل عمران: "هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء" الآية
6 -
{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ
…
} الآية.
أي يكون وارثًا لِي في العلم والنبوة، ليسوس بني إسرائيل بمقتضى الشريعة والعدل، فقد تعدى حدود الله كثير منهم، وطغوا وبغوا وضلوا عن سواء السبيل، وقوله:{وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} توكيد لهذا الميراث النبوى الذي طلبه لوليه، فإِن زكريا من ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم صلوات الله وسلامه، وكانت النبوة في بيت يعقوب وآله - وآل الرجل هم خاصته الذين يئول إليه أَمرهم للقرابة أَو الصحبة أَو الموافقة في الدين فمراد زكريا عليه السلام بهذا التوكيد أَن يكون ابنه نبيًّا كما كانت آباؤه أنبياء، ولم يرد
عليه السلام وراثته في المال؛ لأن الأَنبياءَ لم يُوَرِّثُوا آلهم دينارًا ولا درهمًا، فقد كانوا أزهد الناس في الدنيا، وإنما وَرَّثُوا العلم والنبوة. على أن زكريا عليه السلام كان نجارًا يأْكل من كسب يده - كما قدمنا عن الحافظ ابن كثير وغيره. قال الحافظ ابن كثير: وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ" وفي رواية عند الترمذي بإِسناد صحيح: "نَحْنُ مَعْشَرَ الأنْبِيَاءَ لَا نُورثُ"(1) وعلى هذا فتعين حمل قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} على ميراث النبوة. انتهى ما قال الحافظ ابن كثير ملخصًا.
{وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} :
أي واجعله يا رب مرضيًا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.
(1) في مشكاة المصابيح للتبريزى - في أحاديث هجرته ووفاته صلي الله عليه وسلم: عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نورث، ما تركناه صدقة" متفق عليه.
المفردات:
{سَمِيًّا} : أي شريكًا في اسمه أو شبيهًا له.
{أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} : كيف يكون لي غلام؟ أَو من أَين؟.
{عَاقِرًا} : عقيمًا لا تلد.
{عِتِيًّا} : العتي - بكسر العين وضمها وفتحها - غاية الكبر والشيخوخة، يقال: عتا الشيخ أي كبر وولَّى. {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} كيف يكون لي غلام أَو من أين؟
{سَوِيًّا} : سوى الخلق، سليم الجوارح ما به شائبة نقص تعيبه.
{الْمِحْرَابِ} : المسجد أو المصلى.
{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} : الإِيحاءُ هنا بعض الإِشارة وهي محتملة لأَن تكون بيده أَو برأسه أَو بالكتابة أو نحو ذلك.
{سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} : نزهوا ربكم دائما، أَو صلُّوا له طرفى النهار.
االتفسير
7 -
{يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى
…
} الآية.
هنا كلام مطوى يشير إِليه السياق على عادة القرآن الكريم.
والمعنى: استجاب الله تعالى دعاء عبده زكريا وقال له على لسان الملائكة: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ .... } كما قال تعالى في سورة آل عمران: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى .... } (1). وقوله تعالى:
{لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} : أَي لم نجعل له شريكا في هذا الاسم، فلم يُسمَّ أحد قبله يحيي، وفي هذا مزيد تشريف وتفخيم له عليه السلام .. وعن مجاهد أن "سميا". معناهُ شبيها، أخذه من قوله تعالى:{فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} (2). أي شبيها أَي لم نجعل له شبيها، حيث إنه لم يعص ولم يهُمَّ بمعصية، فقد أَخرج أَحمد وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما مِنْ أحدٍ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلَاّ وَقدْ أخْطأ أوْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ إِلَاّ يَحْيَى بْنَ زَكَريّا عليهما السلام، لَمَ يَهُمَّ بَخطيئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا". قال الآلوسى:. والأخبار في ذلك متضافرة. أهـ.
ويؤيد ذلك قوله تعالى في شأنه: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} (3).
8 -
أي قال زكريا عليه السلام: يا رب كيف يكون لي غلام وكانت امرأتى - ولا تزال - عاقرا لا تحمل ولا تلد، وقد بلغت سن اليأْس من الولد؟ "وهذا تعجب بحسب العادة"، لا استبعاد منه لقدرة الله - وحاشاه - فقد روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سنه كانت إِذ ذاك مائة وعشرين سنة، وكانت سن امرأته ثمانيًا وتسعين، ولا يولد لمثلهما عادة، ولكن لله تعالى خرق العادة، وما المعجزات التي أَيد الله بها رسله إلا خرق لها
…
(1) من الآية: 39.
(2)
سورة مريم، من الآية: 65
(3)
سورة آل عمران، من الآية:
9 -
{قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ .... } الآية.
أَي قال الله تعالى على لسان الملَك مجيبا زكريا عما تعجب منه: الأمر كما بُشِّرْتَ به، وإيجاد الولد منك ومن زوجك هذه لا مِنْ غيرها سهل يسير على.
ثم ذكر له ما هو أعجب منه فقال: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} :
أي وقد خلقتك من قبل خلق يحيى الذي بشرتك به، ولم تكن شيئًا مذكورا حيث خلقتك من تراب في ضمن خلق أبيك آدم، أو وأنت نطفة لم تكن شيئًا مذكورًا بجانب ما أنت عليه الآن، فمن قدر على خلقك مما يشبه العدم، فهو قادر على تحقيق ما بشرك به.
10 -
{قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً .... } الآية.
أي قال زكريا عليه السلام: يا رب اجعل لي علامة ودليلا على حمل امرأتى، أو على وجود ما وعدتنى به، لتستقر نفسى ويطمئن قلبى، كما قال إِبراهيم عليه السلام:{رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (1).
{قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} :
أي قال الله تعالى: علامتك على تحقيق ما وعدتك أن يحبس لسانك عن كلام الناس وأنت سوى الخلق سليم الجوارح، ليس بك شائبة خرس ولا بكم. فكان عليه السلام يقرأ ويسبح، ولا يستطيع أن يكلم الناس إِلا إِشارة ورمزا. والمراد ثلاث ليال بأيامها، وفقًا لآية آل عمران:{قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} (2).
11 -
{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} :
روى أن قومه كانوا من وراء المسجد ينتظرون أن يفتح لهم الباب فيدخلوه ويصلوا، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم متغيرا لونه، فأنكروه وقالوا: ما لك؟ فأشار إِليهم بيده إشارة خفيفة سريعة: أن نَزِّهُوا ربكم دائمًا أو صَلُّوا له طرفى النهار.
(1) سورة البقرة، من الآية: 260
(2)
الآية: 41
المفردات:
{الْكِتَابَ} : المراد به التوراة. {الْحُكْمَ} : الحكمة، أو الفهم والفقه في الدين .. وقيل النبوة. {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا}: أي رحمة عظيمة في قلب يحيى من عندنا وشفعة منه على الناس ومحبة لهم صادرة منا.
{وَزَكَاةً} : أي طهارة بريئة من الذنوب والآثام. أو بركة عظيمة.
{وَكَانَ تَقِيًّا} : وكان في أعلى درجات التقوى لله عز وجل.
{وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا} ولم يكن متكبرا متعاليًا على الناس.
{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ} : السلام هنا: الأمان من الله تعالى في الأيام الثلاثة، أو التحية منه سبحانه.
التفسير
12 -
{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ
…
} الآية.
هنا كلام مطوى حذف مسارعة إِلى الإنباء بإنجاز الوعد الكريم. أي: ولد الغلام المبشَّر به. وبلغ سنًّا يؤمر مثله فيها، فقلنا له على لسان المَلَك: يا يحيى خذ التوراة بجد وعزم فاستطهرها واعمل بما فيها. {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} : أي وأَعطيناه الحكمة والفقه في الدين والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه، وهو صغير حَدَثٌ. قال الآلوسى: أَخرج أبو نعيم وغيره ضمن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال في ذلك: أُعطى
الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين، وفي رواية أُخرى عن ابن عباس أَيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال الغلمانُ ليحيى بن زكريا عليهما السلام: اذهب بنا نلعب، فقال أللَّعِبِ خلقنا؟ اذهبوا نصلى، فهو قوله تعالى:{وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} . قال الآلوسى، والظاهر أن الحكم على هذا بمعنى الحكمة، وقيل هي: بمعنى العقل .. وقيل النبوة، وعليه كثير، قالوا أُوتيها وهو ابن سبع سنين .... ولم ينبأْ أكثر الأَنبياء عليهم السلام قبل الأَربعين. انتهى كلام الآلوسى مختصرا.
13 -
{وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا} :
أي وآتيناه رحمة عظيمة في قلبه، وشفقة على الناس ومحبة لهم، وآتيناه كذلك بركة عظيمة من عندنا، فجعلناه مباركا نفَّاعًا، معلمًا للخير وداعيا إِليه، وكان عظيم التقوى لله عز وجل، وتقدم أنه ما هم بمعصية، فضلا عن اكتسابها.
14 -
{وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} :
أَي وكان يحيى عليه السلام كثير الِبر والإحسان بوالديه، إِذ هما أقرب الناس إليه، وحقهما في الطاعة يلي حق الله عز وجل، ولم يكن متكبرا على عباد الله متعاليًا عليهم بل كان لين الجانب متواضعًا كريما مطيعًا لربه قدوة في المكارم، وهذه الصفات التي وصف الله بها يحيى عليه السلام، هي صفات المؤمنين الكاملين، الذين بلَّغهم الله تبارك وتعالى أَعلى درجات الصلاح والتقوى. فسبحانه وتعالى أَعطى وأثنى.
وبعد أن أَثنى الله على يحيى بهذه الصفات الكريمة، اتبعها السلامَ عليه فقال عز من قائل:
15 -
{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} :
أَي: وأَمانٌ منا على يحيى يوم ولدَ - من أَن يناله الشيطان بما ينال به بنى آدم؛ ويوم يموت - من وحشة فراق الدنيا وهول القبر؛ ويوم يبعث حيا - من أَهوال يوم القيامة.
وفي قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} إشارة إِلى أَن البعث جسمانى وروحاني معا. لا روحانى فقط كما يزعم بعض الفلاسفة. أو للتنبيه على أَنه عليه السلام من الشهداء (1).
وقيل إن المراد بالسلام هنا التحية المتعارفة. قال ابن عطية: إن هذا هو الأظهر، والتشريف بها لكونها من الله تعالى في المواطن التي يكون فيها الجد في غاية الضعف والحاجة والفقر إلى الله عز وجل.
ذلك. ومما يعد من اللطائف النبوية ما رواه الطبرى وابن كثير عن الحسن قال: إن يحيى وعيسى عليهما السلام الْتَقَيَا - وهما ابنا الخالة - فقال يحيى لعيسى: استغفر لي أَنت خير مني. فقال له عيسى: بل أَنت خير مني. سلمت على نفسى وسلم الله عليك
…
المفردات:
{انْتَبَذَتْ} : اعتزلت وانفردت. {رُوحَنَا} : جبريل عليه السلام، سماه تعالى روحًا، لأَن الدين يحيا بالوحى الذي ينزل به. {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا}: فتصور لها إنسانًا مُسْتَوِىَ الخلق كامل البنية. {أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ} : أتحصن بالرحمن منك وألتجىءُ إليه.
(1) فقد اشتهر أنه هو وأبوه زكريا عليهما السلام ممن قتلهم اليهود. قاتلهم الله. وقد ذكر قتلهم للأنبياء في كثير من أي الذكر الحكيم
…
بل زعموا أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} سورة النساء: 157.
{زَكِيًّا} : طاهرا من الذنوب والآثام، من الزكاة بمعنى الطهارة، أَو ناميا على الخير والبركة، من الزكاة بمعنى النمو.
التفسير
16 -
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} :
لما ذكر الله تبارك وتعالى قصة زكزيا عليه السلام، وأنه تعالى وهب له في حال كبره وعقم زوجته غلامًا زكيا مباركا - عطف على قصته قصة مريم وولدها عيسى عليهما السلام، لِمَا بين القصتين من مناسبة عظيمة ومشابهة قوية - وقد قرن تعالى بين القصتين في هذه السورة، وفي سورة آل عمران وفي سورة الأَنبياء عليهم الصلاة والسلام. والمخاطب هو سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم. والمراد بالكتاب القرآن الكريم، كما هو الظاهر.
وقال العلامة أبو السعود: المراد بالكتاب السورة الكريمة، لا القرآن كُلُّه، إِذ هي التي صدرت بقصة زكريا المستتبعة لذكر قصتها وقصص الأنبياء المذكورين فيها. اهـ.
والمآل واحد، فإن ذكرها في هذه السورة يعتبر ذكْرًا لها في القرآن.
والمعنى: واذكر أيها الرسول - في القرآن قصة مريم حين اعتزلت أهلها وانفردت عنهم، وأَتت مكانا شرقىَّ بيت المقدس (1)، لكي تتفرغ فيه لعبادة ربها، وكانت مستترة من أهلها ومن الناس بساتر يحجبها، أو اتخذت مكانا شرقى دارها بعيدا عن أهلها لئلا يشغلها أحد منهم عن عبادة ربها وذلك قوله تعالى:
7 -
{فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا
…
} الآية.
أي فاتخذت بينها وبينهم ساترا يحجبها عنهم، روى أَنه كان موضعها في المسجد، فبينما هي في خلوتها أَتاها جبريل عليه السلام في صورة إنسان تام الخِلْقَة، كامل البِنية جميل الصورة، وذلك قوله تعالى:
{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} : وإِنما جاءها عليه السلام في صورة إِنسان كامل. لتستأْنس بكلامه، وتتلقى منه ما يلقى إِليها من كلمات ربها إِذ لو بدا لها
(1) أو أنه كان من المسجد الأقصى بناحيته الشرقية.
على حقيقته الملكية لنفرت منه ولم تستطع مفاوضته، ومن عادة الملَك إِذا تصور بصورة إنسان أن يكون جميل الصورة، كما كان جبريل عليه السلام يأتي إِلى النبي صلى الله عليه وسلم في سورة دحية رضي الله عنه، وكان من أجمل الناس. وقد يكون من الحكمة في مجيئه على الصورة الجميلة ابتلاؤها وسبر عفتها، ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه .....
18 -
{قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} :
أي لما تبدى لها جبريل عليه السلام في صورة إنسان، وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب - لَمّا حدث ذلك - خافته، وظنت أنه يريد بها سوءًا، فاستعاذت بالله - وهو أرحم الراحمين - أَن يحفظها برحمته منه. ولعل هذا هو السر في استعاذتها باسمه الرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى. وقولها {إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} أي إن كنت تتقى الله تعالى وتخشى الاستعاذة به، فلا تمسَّنى بسوءٍ - فإني عائذة به ولاجئة إِليه.
19 -
{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} :
أي قال جبريل عليه السلام مجيبًا إِياها، ومزيلا خوفها: إنمَا أَنا رسول ربك الذي استعذتِ به مني، فقد بعثنى إِليك لأكون سببا في هبته لك غلاما طاهرًا مباركا بالنفخ في حبيب درعك (1).
ومن اللطائف ما ذكره الآلوسى عن ابن عباس - رضى الله عنهما -، أَنها لما قالت:{إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} تبسم جيريل عليه السلام وقال: {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} .
(1) جيب الدرع: طوق القميص.
المفردات:
{وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} : المراد؛ ولم أتزوج.
{وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} : أَي ولم أكن زانية تبغى الرجل أو يبغيها الرجال للفاحشة.
{وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} : أَي وكان حمل مريم أمرًا سبق به القضاءُ أزلا فلابد منه.
التفسير
20 -
{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} :
أَي قالت مريم لجبريل عليهما السلام وهي دهشة متعجبة: كيف يكون لي غلام ولست متزوجة ولا زانية، ولا يكون الغلام إلا من إحداهما؟ ..
21 -
{قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
…
} الآية.
أي قال جبريل لمريم مجيبا إياها ومزيلا دهشتها وتعجبها: الأمر كما قال ربك: إِن خلق هذا الغلام منك بلا نكاح ولا سفاح سهل يسير علي. وقوله تعالى:
{وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} : معطوف على مقدر مناسب مفهوم من السياق، والاختصار من الصور البلاغية في القرآن، وتقدير الكلام: لنبين للناس كمال قدرتنا، ولنجعل خلق هذا الغلام من غير أب علامة عظيمة على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوَّع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر وأنثى، وخلق أمهم حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إِلا عيسى، خلقه من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم
سلطانه، فلا إِله غيره، ولا رب سواه، وقوله سبحانه.
{وَرَحْمَةً مِنَّا} : أي ولنجعل هذا الغلام رحمة منا عظيمة، لمن يؤمنون به ويهتدون بهديه، ويسترشدون بإرشاده، وفي ضمنه .. إيمانهم برسول من بعده اسمه أحمد صلي الله عليه وسلم.
وقوله جل شأنه: {وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} :
أي وكان خلق هذا الغلام بلا أب أَمرًا قضيناه وقدرناه أزلا، فهو مقضى كائن لا محالة، كقوله جل سلطانه:{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} (1).
المفردات:
{فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} : أي فاعتزلت به مكانا بعيدًا عن أهلها.
{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ} : فألجأَها أَلم الولادة وشدة أوجاعها. {إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} : الجذع هو الساق ليس عليها سعف ولا أَغصان. {وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} : النِّسْىُ؛ الشيءُ التافه الذي شأنه أن ينسى لحقارته كالحبل والخِرَقِ البالية، والْمَنْسِىُّ المتروك المهمل لتفاهته، وهو تأكيد لما قبله.
(1) سورة الأحزاب، من الآية: 38
{السَرِيُّ} : الجدول الذي يسرى فيه الماءُ، أو السيد العظيم الخصال.
{رُطَبًا جَنِيًّا} : أي صالحا للاجتناء والقطع بعد أَن صار طريا، وقال أَبو عمرو بن العلاء.
{رُطَبًا جَنِيًّا} لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي مجتنيه.
التفسير
22 -
{فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} :
أي فاطمأنت مريم عليها السلام إلى قول جبريل، فدنا منها فنفخ فيها، فحملته بالغلام الذي بشرها به عقب النفخ فيها، فلما قرب وضعها قصدت مكانا بعيدًا عن أَهلها، فرارًا من تعييرهم لها، وقد روى أَنه قرية على بضعة أميال من بيت المقدس يقال لها بيت لحم. حكى ذلك ابن وهب.
23 -
{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ .... } الآية.
أي فألجأها الطلق وشدة الولادة وأَوجاعها، بسبب تحرك الجنين نحو الخروج - ألجأَها ذلك - إِلى جذع النخلة وهو ساقها، لتستند إِليه وتتعلق به ليكون عونا لها على قوة الاحتمال، والتستر به عن أَعين الناس، وكان جذعا لنخلة يابسة على أكمة في الصحراء لا سعف له ولا غصن عليه. فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها عليها السلام لما اشتد عليها الطلق نظرت إِلى أكمة، فصعدت مسرعة فإذا عليها جذع نخلة نخرة ليس عليها سعف. اهـ ولو كانت ذات سعف أخضر وفيها حياة لقال: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى النَّخْلَةِ.
ولعل الله أرشدها إِليه ليريها آية من آياته، كإثماره بدون سعف ومن غير لقاح وفي وقت لم يعهد فيه وجود ذلك الثمر، تسكينا لروعها، وتطمينًا لنفسها بمثل هذه الخوارق، ولكنها عندما أحست أَنها ستتهم في الإِتيان بهذا المولود بعد أن كانت عندهم عابدة ناسكة، وأنها سوف تصبح فيما يظنون عاصية فاجرة، تمنت الموت كما حكى الله عنها ذلك بقوله:
{قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} : يا ليتنى من قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتى المولود بغير بَعْلٍ، فهي مدفوعة إِلى هذا القول مما شعرت به من أَلم النفس استحياءً من الناس، وخوفا من لائمتهم وحذرا من وقوعهم في المعصية بما يتكلمون في عفتها، فقد توقعت فتنة شديدة بين أَهلها وذويها، وقذفا عنيفا يمس شرف أَصلها، وطهارة أَبيها وأُ
فأَثار ذلك أَحزانها وجعلها بعد تمنى الموت تتمني أَن تُنسى فلا تذكر أَبدا حيث قالت:
{وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} : أَي وكنت شيئًا تافها، يطرح فلا يتألم لفقده لتفاهته وعدم الاهتمام به، والمنسى الذي لا يخطر ببال أَحد من الناس، فذكره بعد. {نَسْيًا} لتأكيد إهمال هذا الشيء، وكأنها تريد كما قال أبو زيد: لم أَكن شيئًا قط، أو كما قال قتادة: شيئًا لا يعرف ولا يذكر ولا يدرى من أَنا ..
24 -
{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا
…
} الآية.
المنادى إما جبريل، وإما عيسى عليهما السلام، فعلى الأول يكون المعنى: فناداها جبريل من مكان أَسفل منها في بقعة تنخفض عن البقعة التي كانت عليها، حين فاجأَها المخاض، وقد ذهب إلى أن النداءَ كان من جبريل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
وأما على أن المنادي عيسى فقد أنطقه الله حين الولادة، وروى ذلك عن مجاهد ووهب وابن جبير ونقله الطبرسى عن الحسن.
وقرىءَ {مِنْ تَحْتِهَا} بفتح الميم وكسرها، وعلى كلتا القراءتين يحتمل أَن يكون المنادي جبريل أو عيسى عليهما السلام كما تقدم.
{أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} : هذا تفسير للنداء السابق، أَي أَن المنادِي هتف بها عن قرب منها، ينهاها عن الحزن خوفًا من مقالة الناس بشأن ولادتها من غير زوج قائلا في ندائه: لا تحزنى قد جعل ربك تحتك غلامًا شريفًا سيكون له شأن عظيم.
ثم أَتبع سبحانه الحديث عن شرف وليدها حديثًا آخر عن طعامها في نِفَاسِها تذكيرًا بآلائه، ورضاه عنها، وتخفيفًا لكربها
…
25 -
{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ .... } الآية.
أَمرها بهز جذع النخلة لترى آية أخرى من آيات الله في إحياء مواتِ الجذع، أي حرِّكيه تحريكًا متواليًا بطريق الجذب إلى جهتك.
{تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} : تكفل الله بإطعامها بما لا يتعبها ولا يشقيها، بل بما هو في متناول يدها، حيث أَمرها بهز جذع النخلة إِلى جهتها هزًا متعاقبًا، تُسَاقط أَي تُسْقِط
عليها النخلة تمرًا نضِيجا قد طَرِىَ وأصبح صالحًا للاجتناء؛ والرُّطب - كما قيل - من أطيب الأطعمة للنُّفَساء. فقد ثبت طبيًا أَنه يحتوى علي المواد الغذائية الرئيسية بصورة مركزة سهلة الهضم، محققة الفائدة، ولو علم الله طعامًا يفضله لأطعمه مريم عليها السلام، وعلى الرطب وغيره من أنواع التمر يعتمد كثير من القبائل العربية وغيرها إلى أيامنا هذه، وتجد في تلك الأنواع كل ما تحتاجه مقومات الحياة.
26 -
{فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا .... } الآية.
امتَنّ سبحانه على مريم عليها السلام بما تضمنته الآيتان السابقتان من إخراج الرطب لها في غير وقته خرقًا للعادة، لتسليتها عن حزنها، ولتنزيه ساحتها عما تختلج به صدور المتقيدين بالأحكام العادية، وقد جاءَت هذه الآية تفريعًا على ما ذكر، لتأْمرها بالأَكل من الرطب والشرب مِن الماء حولها، وبأَن تطيب نفسًا إيذانًا بحسن العاقبة.
والمعنى: فكلى من الرطب الجنى، واشربي من الماءِ النقى - وقيل من عصير الرطب - وطيبى نفسا بعيسى وأذْهبِي عنك ما أحزنك، بشأن مولده دون أب. وما يترتب عليه من سوء القالة، فسوف نبرئك مما يشينك، ونجعل لولدك شأْنًا عظيمًا.
هذا: ومما قيل في معنى {وَقَرِّي عَيْنًا} اجعلى عينك تسكن للراحة والنوم، قال أبو عمرو: أقر الله عينها أي أنامها وأذهب سهرها، وقال الشيبانى {وَقَرِّي عَيْنًا} أي نامي، وكل ذلك متقارب المعاني، وقدم الأمر بالأكل في الآية، ليجاور ما يشاكله وهو الرطب. والأمر يحتمل الوجوب والندب. وذلك حسب حالها التي هي عليها، وقيل هو للإباحة.
{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} : كائِنا من كان يريد أن يستنطقك ويتحدث معك، فيسألك عن وليدك {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}: أي قولى هذه الجملة وعبرى عن معناها بلغتك تعبيرًا لفظيًا، وبه قال الجمهور، وقال جماعة: القول هنا بالإِشارة لا بالكلام، وكان صومهم إمساكًا عن الطعام والكلام كما تأمرهم به شريعتهم. قال
ابن زيد والسدى: كانت سنّة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام مطلقًا، وقيل الصوم هنا بمعنى الصمت، ولذا قالت عقبه:{فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} فكان صيامهم الصمت، وقد نذرته، وليس هذا في شرعنا وإن كان قربة في شرع من قبلنا، فإن نذره أَحد لا يلزمه الوفاء به لما فيه من المشقة، وقد دخل أبو بكر رضي الله عنه على امرأة نذرت أَلا تتكلم، فقال لها: إن الإِسلام هدم هذا فتكلمى، وكذلك فعل ابن مسعود (1). وقد تمسكت مريم بصمتها الذي نذرته حيث حكى الله عنها قولها:
{فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} : أي إني أمتنع اليوم امتناعًا قاطعًا عن تكليم أحد من البشر فرارًا من مجادلة السفهاء الذين ينكرون وجود ولد بدون أَب، ويلِحُّون في الجدل وإثارة الشكوك حولى، وهي بهذه الطريقة المثل تقطع أَلسنة الذين يحبون أَن تشيع الفاحشة بالثرثرة والاختلاق والإعراض عن سماع الحجة، وقالت:{فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} لأن صيامها لا يمنعها من مناجاة رَبها أو التحدث مع الملائكة إِن حدثوها، وقيل إن قوله:{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا .... } ، الآية من كلام عيسى: لما قال لها لا تحزنى، قالت له: كيف لا أحزن وأنت معى، لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شيء عذرى عند الناس؟ قال لها: أَنا أكفيك الكلام، {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا
…
} الآية. قال ذلك عبد الرحمن بن زيد ووهب (2).
(1) فقد كان يأمر من نذر الامتناع عن الكلام أن يتكلم، عملا بحديث أخرجه البخاري عن ابن عباس قال:"بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه".
(2)
تفسير الطبري.
المفردات:
{جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} : الفرى الأمر المختلق المصنوع. وقال الأخفش: فَريًّا: أَي عجيبًا.
{امْرَأَ سَوْءٍ} : السوءُ بالفتح والضم، اسم لكل ما ينزل بالإِنسان من كل شيءٍ يسوءُه، وقيل المضموم: الضرر والمفتوح الفساد {بَغِيًّا} : فاجرة. يقال بَغَتِ المرأة تبغى بِغاءً بالكسر فجَرت فهيَ بَغِي. {فِي الْمَهْدِ} : المهد هنا هو الموضع يهيأُ للصبى وَيُوَطأُ في رضاعه كالمِهاد. {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي} : مطيعًا غير عَاقٍّ. {جَبَّارًا} : أي عاتيا يمتلىءُ قلبه بالشدة.
{شَقِيًّا} : بعيدًا عن الخير.
التفسير
27 -
{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ .... } الآية.
لما اطمأنت مريم لما رأَت من الآيات، وعلمت أَن الله سيدفع عنها، سلمت أمرها لله، واستسلمت لقضائه، واستمسكت باصطحاب ولدها، فأتت به قومها تحمله من المكان
القصى الذي انتبذت به، فلما رأوها ومعها الصبى، حزنوا حزنًا شديدًا، وأعظموا أمرها، واستنكروه بقوة، وعلت أصواتهم محزونين.
{قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} : أي ثميئًا مختلقًا مُفْتَرًى، وفي البحر أن الفَرِىَّ يستعمل في العظيم من الأمر شَرًّا أَو خيرًا، قولًا أَو فعلا، ويراد به هنا كونه أمرًا خطيرًا، جديرًا بكل إِنكار
…
28 -
{يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ .. } الآية.
الآية استئناف قصد به تجديد تعييرهم لها، وسخريتهم منها، وتأْكيد توبيخهم إياها لِمَا ضيعته من أمجاد أهلها، وليس المراد هارون أخا موسى بن عمران عليهما السلام لما بينهما من سنين طويلة، وإِنما هو رجل صالح في بني إِسرائيل وكان هذا الاسم يشيع فيهم لأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين فيهم، فكأنهم قالوا لها: يا أُخت هذا الرجل في الصلاح والتقوى في أول أَمرك، كيف انتهيت إلى فعل هذه الخطيئة؟! وقيل: هو رجل فاسد شبهت به شتمًا لها: وقيل المراد به هارون أخو موسى عليهما السلام، أَخرج ذلك ابن أَبي حاتم عن السدى وعلي بن أَبي طلحة، ووصفت بأخوتها له؛ لأنها كانت من نسله، كما يقال يا أخا العرب لمن كان منهم، والتوجيه الأول أصح، ففي مسلم عن المغيرة بن شعبة قال: لما قَدِمْتُ نجران سألوني فقالوا: "إنكم تقرءُون يَا أخْتَ هَارُونَ" وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قَدِمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال:"إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصلحائهم".
ومعنى هاتين الآيتين، كيف تأْتين هذا الأمر العظيم، وقد عُرِفتِ بالصلاح والتقوى كما عُرِفَ بها هارون، وأَبوك لم يكن امرأَ سوء يتصف بِشَرٍّ أو فساد، وما كانت أمك منحرفة فاجرة، بل أنت في ماضيك البعيد والقريب من بيئة لا ينبغي أن تُنْبتَ إِلا الطيبين الطيبات، وفي ذلك إِشارة إلي أَن ارتكاب الفواحش من أَولاد الصالحين أفحش من ارتكابه ممن سواهم وتنبيه على أَن الفروع غالبًا ما تكون زاكية إِذا زكت الأصول، وتكون خبيثة إِذا لم تكن أصولها كذلك.
29 -
{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ
…
} الآية.
أَي فأشارت إِلى عيسى عليه السلام أن كلموه وسلوه عما تريدون، تنفيذًا لما أُمرت به، وحينما فهموا إِشارتها.
{قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} : أي قالُوا منكرين ما فهموه منها حين أشارت إلى عيسى، متعجبين لهذا الأمر، حيث إنه لم يعهد فيما سلف أن صبيا يكلمه عاقل، وهو في فراشه الممهد له وفي سن رضاعه، فكيف نكلم هذا؟ قال السدى لما أشارت إليه غضبوا وقالوا: لَسخْرِيَتُها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبى أَشد علينا من زناها ..
30 -
{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
…
} الآية.
هذا كلام مستأْنف، كأنه قيل: فماذا كان بعد إشارتها إليه أَن يكلمهم بعد أن وقع منهم ما وقع من إنكار وتعجب، فكان الجواب: قال عيسي إني عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نبيًا، فكان أول ما نطق به الاعتراف بعبوديته لله تعالى، وببروبية الله لعيسى ثم ذكر فضل الله عليه حيث يقول:{آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} أي حكم أزلا بإيتائِى الإنجيل، وإِن لم يكن منزلا إذ ذاك، وحكم كذلك بإيتائى النبوة بمعنى أعَدَّنِي لها، وجعلنى ذا قدرة على تحمل أَعبائها.
وفي كل ما قاله تنبيه على براءة أمه، لدلالته على اصطفائه، والله سبحانه أجل من أن يصطفى المطعون في نسبه وذلك من المسلمات عندهم، ففيه من إِجلال أمه بالتلميح ما ليس في التصريح.
31 -
{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ .... } الآية.
أي وجعلنى ذا بركات ومنافع في الدين، فأي مكان وُجدت فيه فأنا مبارك ممتثل أمر ربي. وعن سفيان: جعلني مُعَلِّم الخير، أَمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المنكر.
{وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} : وأَمرني بأدائهما مدة بقائى حيًّا في هذه الدنيا أمرًا مؤكدًا، فلا أَتوانى عنهما منذ يبدأ تكليفى بهما، حتى ينتهى أجلى، وقد اقتصر على الصلاة والزكاة من بين ما سوف يشرعه الله في دينه لأَهميتهما، ويجوز أن يراد بالزكاة تطهير النفس من الرذائل وقد أَوصانى بذلك ....
32 -
{وَبَرًّا بِوَالِدَتِي
…
} الآية.
أَي وجعلنى بارًّا بها امتثالًا لأمره بهذا البر، فهي السبب في وجودى في هذه الدنيا بعد مشيئة الله تبارك وتعالى.
قال ابن عباس: لما قال: وبرًّا بوالدتى ولم يقل وبرًّا بوالدى، علم أن هذا الصغير شىءٌ من جهة الله تعالى. اهـ
وفي ذلك تأكيد لطهارة أُمه، وقرىء وبِرًّا بكسر الباءِ على أنه مصدر وصف به مبالغة كأنه نفس البر.
{وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} : أَي ولم يجعلني في علمه الأزلى مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأكون بذلك شقيًّا عاصيًا لربي عاقًا لوالدتى، وقال بعض السلف لا تجد أَحدًا عاقًا لوالديه إِلَّا وجدته جبارًا شقيًّا.
33 -
{وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ
…
} الآية.
أي وخصني الله بالسلامة والأمن في الدنيا حين ولدت، وفي القبر حين أَموت، وفي الآخرة يوم أُبعث حيًّا، فقد سَلِمَ عليه السلام في أَحواله كلها، من غضب الله تعالى وعقابه، وفي قوله عليه السلام تعريض بما يصيب مُتَّهِمِى مريم وأَعدائها من اليهود، من فزع واضطراب وما ينزل بهم من سوء اله ذاب. ونظيره {وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} (1).
يعني أَن العذاب على من كذب وتولى، حيث كان المقام مقام معارضة وعناد فهو منته إِلى نحو هذا من التعريض.
(1) سورة طه، من الآية: رقم 47
المفردات:
{يَمْتَرُونَ} : يختلفون ويتخاصمون.
{سُبْحَانَهُ} : تنزيهًا له جل وعلا عن النقائص.
{إِذَا قَضَى أَمْرًا} : أراده وحكم به.
التفسير
34 -
{ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ .... } الآية.
ذلك الذي قصصنَا عليك من أمره هو عيسى بن مريم، فليس أمره كما اعتقده اليهود أو النصارى. نقول ذلك {قَوْلَ الْحَقِّ}: أي القول الثابت الذي لا ريب فيه. وقرىء بالرفع على أَنه خبرٌ لمبتدأ محذوف أي هو قول الحق، يعنى ذلك أن الكلام السابق هو قول الحق في عيسى {الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ}: أَي يختلفون ويتنازعون في شأْنه، فيقول اليهود إنه ساحر ويتهمون أمه مما هي بريئة منه، ويقول النصارى إنه إله أو ثالث ثلاثة. وقد كذبهم الله بما سبق من الآيات وبقوله:
35 -
{مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ
…
} الآية.
لما ذكر الله سبحانه أَنه خلق عيسى عبدًا نبيا، نزه ذاته المقدسة عن اتخاذ الولد بتكذيب فرية المفترين ودحض بهتانهم فقال تعالى:{مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ} .
أَي ما ينبغي وما يستقيم في منطق عاقل أَن يصف الله باتخاذ أي ولد لأنه سبحانه ليس من صفته اتخاذ الولد حيث إنه منزه عن الاحتياج إليه ولا إلى أحد من مخلوقاته، {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} .
{إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} : أي إِذا أراد إيجاد أمر من الأُمور تعلقت به إِرادته أوجده بلا توقف بقوله كن فيكون، فمن كان هذا شأنه فكيف يتوهم أن يكون له ولد، وهو من أمارات الاحتياج والنقص، ومع دلالة الآية على تنزيهه تعالى صراحة، فهي تشير ضمنا إلى تكذيب النصارى وتبكيتهم على قبح عقيدتهم.
و {مِنْ} في قوله {مِنْ وَلَدٍ} لإفادة التأكيد وقوله: {كُنْ فَيَكُونُ} على ما ذهب إِليه كثير من أَهل السنة، تمثيل إيجاد ما تتعلق به الإرادة بلا توقف - تمثيله - بالطاعة الفورية من المأمور لآمره، وليس المراد أنه إذا أراد إِحداث شيء أتى بالكاف والنون، ففي الكلام استعارة تمثيلية، ويرى آخرون أن الأمر في {كُنْ} محمول على حقيقته وأنه سبحانه أَجرى سنته في تكوين الأشياء أن يكوّنها بكلمة {كُنْ} أزلا ومن ذلك عيسى عليه السلام خلق بكلمة كن فكان
…
36 -
{وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ .... } الآية.
الظاهر أَن هذا من تمام كلام عيسى عليه السلام وهو في مهده، يخبر به قومه بأن هذا الدين القيم هو دين الله الذي هو ربه وربهم - ويأمرهم بعبادته تعالى وبألا يشركوا به شيئًا. لأنه وحده المستحق للعبادة، والسبيل إِليه لا اعوجاج فيه ولا التواء كما يقول تعالى:{هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} : أي هذا الذي حدثتكم به عن الله من التوحيد طريق قويم، من سلكه رشد وسعد ومن أعرض عنه ضلَّ وشقى.
وروى أن عيسى بعد تبرئته لأُمه بما تقدم، عاد إِلى حالة الأطفال فلم يتكلم إِلا في الوقت المناسب للكلام ولم يصل ولم يصُم وهو ابن يوم أو شهر، ولو دام نطقه وتسبيحه ووعظه وصلاته من وقت الولادة لكان هذا مما يُروَى ولا يكتم، وإنما اقتصر حديثه على وقت اتهام أُمه لتبرئتها ودفع الحد عنها (1).
(1) انظر القرطبي جـ 11 ص 103 طبع دار الكتب المسألة الثالثة بعد قوله: (ولم يجعلني جبارًا شقيّ
المفردات:
{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ} : الأحزاب جمع، مفرده الحزب وهو الطائفة وجماعة الناس، والمراد بالأحزاب هنا من اختلفوا في شأْن عيسى عليه السلام من طوائف أهل الكتاب.
{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} : الويل الهلاك، أو هو تفجيع من هول ما ينزل أَو هو كلمة عذاب.
{فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} : في ضلال ظاهر لا يخفى على أحد.
{إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} : أَي تم الفصل بين أهل الجنة وأهل النار.
التفسير
37 -
{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ .... } الآية.
هذه الآية مرتبة على ما قبلها تنبيها على سوء صنيع أَهل الكتاب حيث جعلوا ما يوجب الاتفاق في شأن عيسى عليه السلام، بعد أن تكلم في المهد مبيّنًا أَنه عبد الله ورسوله، وَكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه جعلوا ذلك منشأ للاختلاف فيه فطعن اليهود في نسبه، وغلت فيه النصارى، فقالت طائفة منهم هو ابن الله، وقالت أُخرى هو ثالث
ثلاثة، وقالت طائفة ثالثة هو الله، وفي تهديد هؤلاء جميعًا ووعيدهم يقول تعالى:
{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} : أَي فالهول المفزع والعذاب الأليم لهؤُلاء الكافرين بعيسى عليه السلام يوم يقع الحساب والجزاءُ العظيم، حين يتضح لهم أنه عبد الله ورسوله، وأمه طاهرة نظيفة العرض، وأن الله تعالى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وإن مصيرهم السعير وبئس المصير، وإنما أخر عقوبتهم إلى يوم الحساب، لأَنه لا يعَجِّل بعقوبة من عصاه، لعله يثوب إِلى رشده، ويتوب إِلى ربه، ويرجع عن غيّه {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} (1).
38 -
{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا
…
} الآية.
أي حين يأْتوننا يوم القيامة للحساب والجزاء، تكون أَبصارهم حادة وأسماعهم قويّة فلا يكون أحد أَسمع منهم ولا أبصر، بعد أَن كانوا في دنياهم عُميًا وصُمّا، فحالهم جدير بأَن يتعجب منه، وقيل هو تهديد وتخويف مما سيسمعون وينظرون يوم الموقف العظيم، مما تنخلع له قلوبهم وتسود برؤْيته وجوههم جزاءَ ما اقترفوا من صدّ وإعراض.
{لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} : أي لكن الذين ظلموا أنفسهم في الدنيا في ضلال واضح بين، حيث أغْفلوا الاستماع والنظر، فاعتقدوا كون عيسى إلها معبودا مع أنه بشر مثلهم حملته أُمه كما حملتهم أُمهاتهم، وأكل وشرب واحتاج، ولكنهم في الآخرة يزولُ ضلالهم حين يسمعون الحق ويبصرون آياته، فيعترفون بأَنهم ظلموا أَنفسهم ظلما بينا باعتقادهم الفاسد في بنوة عيسى لله أو ألوهيته، وهيهات أن ينفعهم ذلك الاعتراف بعد فوات الأوان
…
39 -
{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} :
أَي وأنذر الظَّالمين أَيها النبىّ وخوِّفهم من يوم القيامة الذي يتحسّرون فيه على ما فرطوا في دنياهم، وذلك حين يقضى الله في أَمرهم بسوءِ المصير وخالد العذاب - أنذرهم في دنياهم
(1) سورة إبراهيم، الآية: 42
وخوفهم من ذلك وهم غارقون في غفلة عن سوء مصيرهم في هذا اليوم وحالهم أنهم لا يؤمنون. فلعلهم بهذا الإنذار يفيقون من غفلتهم، ويثوبون إِلى رشدهم، ويؤمنون بربهم وبمحمد نبيهم، فينجون من عذاب يوم الحسرة، إِن عذابه لأليم مقيم.
قال الإمام ابن كثير: قال الإمام أحمد حدثنا محمَّد بن عبيد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أَبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا دَخل أهلُ الجنة الجنة وأهلُ النارِ النار، يجاءُ بالموت كأنه كبش أَملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون ويقولون نعم. هذا الموت. قال: فيقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال فيشرئبون ويقولون نعم هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ويقال يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} وأَشار بيده، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به، ولفظهما قريب من ذلك.
ومجىء الموت في هذه الصورة الحسية التي أبرزت فناءَه بعد أن كان يميت الناس، تبشير لأهل الجنة ببقائهم الدائم في نعيمهم، وتحزينٌ لأهل النار وتيئيسٌ لهم من مفارقة ما هم فيه من شقاء.
وقال أبو حيان: الضمير لجميع الناس - والمعنى: خوِّفهم قاطبة يوم يتحسرون، فالظالمون يتحسَّرون على ما فرطوا في جنب الله، والمحسنون يتحسَّرون على قلَّة إحسانهم وتوهم تقصيرهم في طاعتهم ..
40 -
{إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا
…
} الآية.
يخبر الله تعالى أَنه المالك المتصرف، وأن الخلائق كلها تهلك وتفنى، ولا يبقى غيره سبحانه، فيكون ميراث الأرض ومن عليها له وحده وهو خير الوارثين.
{وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} : أي يردون إلينا يوم القيامة للجزاء والحساب لا إلى غيرنا استقلالًا عنا أَو اشتراكًا معنا ..
المفردات:
{الْكِتَابِ} : القرآن {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} : ملازمًا للصدق.
{صِرَاطًا سَوِيًّا} : أَي طريقا معتدلا لا عوج فيه، والمراد الدين القيم الخالى عن الشرك.
{كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} : أي عاصيا. إذْ العصى والعاصي بمعنى واحد. يقال عصاه فهو عاصى وعصى.
{فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} : أَي نصيرا وقرينًا تصاحبه في النار.
{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} (1): أَي دهرًا طويلًا.
{إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} : بمعنى أحاطنى بكثير من رعايته وإكرامه، يقال حفى به كرضى، حَفاوةً بفتح الحاء. وحِفاية بكسرها فهو حاف وحفى بالغ في إكرامه وأظهر السرور والفرح ....
التفسير
41 -
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ .... } الآية.
العطف في الآية الكريمة على "اذكر" في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} أو على {أَنْذِرْهُمْ} في قوله سبحانه: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} أي اتل أيها النبي على قومك نبأ إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم، وبلغهم قصته. فقَد عرفوا أنهم من ولده وينتمون إِليه، ويدعون أنهم على ملته، فعساهم يقلعون عما هم فيه من القبائح التي من أَشنعها عبادة الأصنام.
{إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} : أي جامعًا بين ملازمة الصدق في كل شئونه ما يأتى منها وما يدع، وبين النبوة، فهما وصفان متأصلان فيه وفق إعداد الله له، وقال الكشاف: الصدِّيق من أَمثلة المبالغة. والمراد أنه غلب كل من عداه في فرط صدقه، وكثرة ما صدق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله وكل ما وصل إليه عن الله تعالى، فكان نبيًا في نفسه بخلقه وسيرته، لأن ملاك أمر النبوة الصدق وقد صدق في قوله وعمله، وصدّق الأنبياءَ والمرسلين قبله. كما يقول تعالى {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} (2). ومن صدقه الله بآيَاته ومعجزاته حرى أَن يكون كذلك. انتهى باختصار.
(1) من الملاوة - مثلثة الميم - وهى مدة العيش.
(2)
سورة الصافات، الآية: 37
وجملة {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} استئناف مسوقٌ لبيان الحكمة في ذكر قصة إبراهيم عليه السلام في الكتاب والتنويه بشأنه، فكأَنه قيل: واذكر في القرآن إبراهيم لأنه كان صدّيقًا نبيًا، فهو جدير بأَن يذكر فيه تنويها بشأنه
…
42 -
{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ
…
} الآية.
سلك إبراهيم عليه السلام في دعوة أَبيه إِلى ترك عبادة الأصنام أقوم منهاج للنصح والإرشاد حيث التزم معه الأَدب الحسن، والتواضع الجم، والحجة الواضحة، لئلا يركب متن المكابرة والعناد، فيعرض عن الاستماع إليه بادىءَ ذى بدءٍ، ويَنْكُبَ عن كل طريق قويم يدعوه إلى سلوكه. فقد تقدم إِليه فناداه بقوله:{يَا أَبَتِ} ليحرّك فيه بهذا النداء الحانى عاطفة الأُبوة، فيستمع إلى استفهامه وهو ينكر عليه عبادة ما لا يستحق أن يعبده، حيث قال:{لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} أي لم تعبد ما لا يسمع ثناءَك عليه عند عبادتك إِياه، وما تلتمسه منه من جلب نفع أو دفع ضرّ، ولا يبصر خضوعك له وخشوعك في حضرته وما تقدمه إليه من صلات وقرابين، أو لا يسمع ولا يبصر شيئًا من المسموعات والمبصرات، فيدخله في ذلك ما ذكر سابقا دخولا أَوليا.
{وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} : أي لا يقدر على أن يجلب لك نفعا أو يدفع عنك ضرا، فهو بهذا التساؤل يطلب من أبيه الجواب عن علة عبادة هذا الذي يستخف به كل عاقل من عالم أو جاهل ويأْبى الركون إليه، فضلا عن عبادته التي هي الغايةُ البالغة من الإكبار والتعظيم، وهي لا تحق إِلا لمن له الاستغناءُ التام، والإنعام العام، والخلق والتكوين، والإِحياءُ والإماتة، وفي هذا تنبيه على أن العاقل يجب أَن يفعل كل ما يفعل لغرض صحيح وإدراك قويم، فكيف يتخذ غير الله معبودًا وإِن علا شأْنه، إذ أَنه مثله في الحاجة والانقياد. فما ظنك بجماد مصنوع ليس له أوصاف الأحياءٍ، وليس فيه غناءٌ، إنه إفك وضلال بعيد ..
وبعد أن بين له في رفق وحكمة ضلاله الكبير بعبادة الأصنام، دعاه إلى الحق المبين والعم الإلهى الذي آتاه الله إِياه، ملتزما معه أسلوب الاستمالة والاستعطاف فق
43 -
{يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي
…
} الآية.
لم يصف أباه بالجهل المفرط، وإن كان قد بلغ فيه الغاية، ولا وصف نفسه بالعلم الفائق الذي منحه الله إياه فهو نبيٌّ مرسل، بل جعل نفسه معه في صورة رفيق يصاحبه ويخلص له، حتى يستميله إِلى ما يدعوه إليه، فيسير إِلى جانبه في طريق الهدى والرشاد، وإلى ذلك يشير قوله تعالى:
{فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} : أي فاتبعنى إلي ما أدعوك إليه، أُرشدك إلى دين قويم يوصلك إلى أسنى المطالب ويبعدك عن الضلال المؤَدى إلى أفدح المعاطب ..
والظاهر أن هذه المحاورة كانت بعد أن نُبِّىءَ، بدليل قوله:{جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} أي جاءَنى العلم بما يجب في حقه تعالى وما يمتنع وما يجوز، على أَتمّ وجهٍ وأكمله. وقيل العلم بأمور الآخرة وثوابها وعقابها، وقيل بما يعم ذلك. وهو الأنسب .... وقد واصل إبراهيم نصحه لأبيه فقال:
44 -
{يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ .... } الآية.
وهنا ثبطه عما كان عليه، بتصوير صنيعه بصورة يستنكرها كل عاقل. وذلك.
ما حكاه الله سبحانه يقوله: {لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} أي لا تطع الشيطان في عبادتك هذه الأصنام التي عكفت عليها، فإِنه هو الداعى إلى ذلك يغريك به، ويدفعك إليه، ومن أطاعه في معصية الله فقد عبده.
{إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} : تعليل للنهى عن عبادة الشيطان وتأكيد له ببيان أنه لا يَعْرف للرحمن حقا، فلهذا كان له عصيّا، أي كثير العصيان حين لم يمتثل أَمر ربه بالسجود لآدم، ثم حرضه على معصية ربه بالأكل من الشجرة التي حرمها الله عليه، حتى تسبب في إخراجه من الجنة، وكل من هو عاصٍ حقيق بأن ينتقم الله منه.
والاقتصار على ذكر عصيانه من بين سائر جناياته، لأنه أكثر قبحا، أو لأنه مترتب على معاداته لآدم عليه السلام وذريته، فتذكير أبيه بذلك داع إلى الاحتراز عن طاعته وموالاته، والتعبير بلفظ الرحمن مشير إلى الإنعام والرحمة منه تعالى والشناعة البالغة من الشيطان لعصيانه للرحمن سبحانه، إِذ أَن رحمته تستوجب طاعته جل وعل
45 -
{يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ
…
} الآية.
لا يزال الحديث متصلًا بين إبراهيم عليه السلام وبين أبيه، فإنه في هذه الآية يحذره عاقبة عبادتة للشيطان من العذاب الفظيع، وهو في تحذيره إياه يبرز له ما يشير إلى مزيد من المجاملة له والاعتناء به. حيث بين أنه مدفوع لذلك النصح بدافع الخوف عليه مما يُبْتلى به، مع مراعاة الأدب معه حيث لم يصرح له بأن العذاب لاصق به، والعقاب واقع عليه بل قال: إني أخشى أن يمسك عذاب من الرحمن.
{فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} : أَي قرينا له ومصاحبا إياه في العذاب الأليم، واللعن الدائم.
ومواجهتُهُ بولاية الشيطان التي يترتب. عليها مَسُّ العذاب الشديد مع أَن المقام معه مقام إظهار الشفقة عليه، لأن القسوة أَحيانا تكون من الرحمة والشفقة كما قال الشاعر:
فَقَسَا لِيزْدَجِرُوا وَمَنْ يكُ حازمًا
…
فَلْيَقْسُ أحيْانًا عَلَى مَنْ يَرْحَمُ
46 -
{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ
…
} الآية.
تمادى أبو إبراهيم في عناده وإصراره على كفره فقال: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ
…
} حيث توجه إلى إبراهيم عليه السلام باستفهام يستنكر به رغبته عن آلهته وانصرافه عنها، مع ضرب من التعجب. كأَن الرغبة عنها في تقديره مما لا ينبغي أن يصدر عن العاقل، فكيف بمن يعمل مع ذلك جاهدا على ترغيب غيره عنها! ثم قال له محذرا ومتوعدا:
{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ} : أَي لئن لم تترك ما أنت عليه من النهي عن عبادتها، والدعوة إلى ما دعوتنى إليه من التوحيد. لأرجمنّك بالحجارة، على ما روى عن الحسن.
وقيل باللسان والمراد لأشتمنّك وروى ذلك عن ابن عباس
…
{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} : أي وابتعد عني بهجر جوارى دهرًا طويلًا، حتى لا يقع بك ما حذرتك منه. وقال علي بن طلحة وغيره عن ابن عباس:{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} - قال: سالما سويا قبل أن تصيبك مني عقوبة، واختاره ابن جرير الطبرى: انظر ابن كثير ..
47 -
{قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي
…
} الآية.
لم يعارضه إبراهيم عليه السلام بما يسىءُ إليه ردعا له، بل أَجابه بما عوّده إِياه من احتمال له، وتلطف به، ومقابلة للسيِّئة بالحسنة، فقال له:{سَلَامٌ عَلَيْكَ} أَي أَمان واطم
فلا أُجيبك بمكروه، ولا أشافهك بما يؤذيك. فهو سلام توديع ومفارقة أَو تقريب وملاطفة، ولذا وعد أَباه في الآية بالاستغفار. ومن قال إن سلامه على أَبيه كان تحية مفارق، فهذا على رأى من يجوز تحية الكافر بدءا أو إجَابَةً. قيل لابن عيينة هل يجوز السلام على الكافر؟ قال نعم، قال الله تعالى:{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ (1)} الآية. {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} بمعنى أَني سأطلب منه متضرعا إليه أَن يغفر لك بأن يوفقك للتوبة، ويهديك إِلى الصراط المستقيم فيكون استغفاره له مرادا منه طلب الهداية له، والاستغفار للكافر بهذا المعنى جائز قبل موته علي الكفر أو تحقق أَنّه لن يؤمن وكان هذا الاستغفار لأبية على هذا النحو ناشئا عن موعدة وعدها آزر إبراهيم عليه السلام بأن يؤمن بما جاءه به فلما تبين لإِبراهيم أن أباه عدوّ لله تبرأ منه كما قال تعالى:{فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} (2). وقد استغفر له مدة طويلة قبل انقطاع رجائه في إيمانه، كما تشير إِلى ذلك هذه الآية وغيرها من الآيات التي تشتمل على قصته كقوله تعالى:{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} (3).
{إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} : أي بليغا في البر بي والإكرام لي، فلهذا أرجو أن يجيبنى إِذا دعوته ..
48 -
{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
…
} الآية.
أَي وأَجتنبكم وأَتبرأُ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله حفاظا على دينى، حيث لم ينفعكم ما قدمته لكم من نصح وإرشاد {وَأَدْعُو رَبِّي}: وأَتجه إليه وحده بعبادتى، كما يفهم من اجتناب غيره من المعبودات، والمراد من الدعاء العبادة. وجوز أَن يراد به الدعاءُ مطلقا، فتدخل فيه العبادة لما فيها من الدعاء، ولا يبعد أن يريد بدعائه ربه أن يطلب منه الولد، كما في قوله تعالى:{رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} .
{عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} : خائبا ضائع السعى عديم الأثر، وفيه تعريض بشقائِهم في عبادة آلهتهم ولفظ عسى يستعمل للترجّى، ولكنها هنا تفيد القطع بعدم
(1) سورة الممتحنة، من الآية: 8
(2)
سورة التوبة، من الآية: 114
(3)
سورة إبراهيم، الآية:
شقائه بدعائه ربه؛ لأنَّ من يدعو الله لا يكون شقيا، ولأن إِبراهيم عليه السلام سيد الأنبياء بعد محمَّد صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون شقيا بدعاء ربه، ويحمل التعبير بها على التواضع وحسن الأدب، والتنبيه على أن الإثابة والإجابة بطريق التفضل منه عز وجل لا بطريق الوجوب، وأن العبرة بالخاتمة، وذلك من الغيوب المختصة بالعليم الخبير. أفاد هذا روح المعانى
…
49 -
{فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
…
} الآية.
أي فلما ترك ديار أبيه وقومه مهاجرًا إلى الشام، أبْدَ لَهُ الله من هو خير منهم، كما قال سبحانه:{وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} : عن ابن عباس وغيره: آنسنا وحشته بولد اهـ.
ونص هنا على أن الموهوب له بعد الهجرة هو إسحاق وابنه يعقوب، لأنهما هما اللذان ولدا بالشام التي اعتزلهم إليها، وكانا من ذرية "سارة" وهذا لا يمنع من أنه وهب له قبل ذلك إِسماعيل، فهو ابنه البكر من جاريته "هاجر"، ويدل لذلك قوله تعالى:{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} (1). كما يدل له التبشير بإِسحاق عقب قصة الذبيح مكافأة له على شروعه في ذبحه بعد أن أُمِرَ به في منامه، قال تعالى في سورة الصافات:{وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} (2).
ولعل ترتب هبة إسحاق ويعقوب فحسب على اعتزاله لقومه لإِبراز كمال النعمة التي أعطاها الله إياه، لما خصهما به من أولاد وحفدة أولِى شأْن خطير وذوى عدد وفير، وهما شجرتا الأنبياء الكثيرين، من عرف منهم ومن لم يعرف {وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا}: أي وكل واحد من إِسحق ويعقوب وهبه الله النبوة في حياة إبراهيم عليه السلام، فأقر الله عينه بنبوة ابنه وحفيده قبل وفاته، بعد أَن حقق له بشارة ملائكته بميلاد إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب في حياته كبر سنه وعقم زوجته.
{وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا} : والمقصود بالرحمة التي وهب لهم كل خير دينىّ ودنيوىّ أوتوه. وقال الحسن: الرحمة النبوة. وذكرت بعد جعلهم أَنبياء للإيذان بأن النبوة
(1) سورة البقرة، من الآية: 133
(2)
سورة الصافات، الآية:
من الرحمة التي يختص بها من يشاءُ. وقال الكلبي: الرحمة المال والولد، والرأي الأول أَشمل وأعم.
{وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} : أي أثنينا عليهم ثناءً حسنًا، وجعلنا جميع الأُمم والملل تطريهم مهما تباعدت الأعصار، وتعاقبت الأزمنة. وإضافة لسان إِلى صدق ووصفه بقوله:{عَلِيًّا} للدلالة على أنّهم حقيقون بالثناء عليهم، وأن محامدهم لا تخفى علي أَحد، صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا.
المفردات:
{الْكِتَابِ} : المراد به هنا القرآن كما تقدم.
{مُخْلَصًا} : مختارا، أَي أَخلصه الله واختاره.
{رَسُولًا نَبِيًّا} : رفيع القدر من النَّبْوَة بمعنى العلو والرفعة أو من النبإ وهو الخبر.
{وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} : مناجيًا من المناجاة وهي المسارَّة بالكلام.
التفسير
51 -
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا
…
} الآية.
لما أمر الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يذكر لقومه قصة إبراهيم عليه السلام في القرآن تعظيمًا لشأنه وبيانًا لجهاده في توحيد ربه، عطف عليها أمره إِياه بذكر نبإ الكليم عليه السلام بيانًا لقدره وثناءً عليه.
والمعنى: واذكر أَيها الرسول في القرآن موسى تعظيمًا لشأنه فإنه كان مُخلصًا من كل ما يشينه، وقرىء بكسر اللام بمعنى أنه أخلص لله عبادته - حتى كانت منزهة عن الشرك والرياء.
{وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} : مرسلًا إِلى الخلق لتبليغ رسالة ربه وأَحكام دينه، كما كان رفيع القدر عظيم المنزلة عند ربه، حيث اصطفاه علي الناس برسالاته وبكلامه، وجعله نبيًّا لقومه، يخبرهم برسالته وما اشتملت عليه من التوحيد والشرائع.
وقد جمع له بين الوصفين: الرسالة والنبوة، وهو تشريف له عظيم.
52 -
{وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} :
أي كان النداءُ مقبلًا من جانب الطور الأيمن لموسى عليه السلام، والطور الذي حصل النداءُ من جانبه، جبل في سيناءَ التابعة للقطر المصرى، ويجوز أَن يكون الأيمن من اليمن والبركة، فيكون وصفًا لجانب، أي من جانبه الميمون المبارك، وكان موسى عائدًا من مدين إلى مصر ومعه زوجته بنت شعيب، ومن تلك الجهة التي على يمينه أو الميمونة ظهر له كلام الله تعالى الذي ناداه به، وقربه بسببه تقريب تكريم وتشريف، حيث اختاره لمناجاته ومسارَّتِه. مثَّل حاله عليه السلام، بحال من قرَّبه الملك لمناجاته، ورفع الوسائط بينه وبينه ثقة به وإِعلاءً لقدره، فالتقريب معنوى لا حسِّي، تعالى الله عن الحلول بمكان وعن الجسدية والقرب المكاني {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (1).
53 -
{وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا
…
}:
المعنى: من أجل رأْفتنا بموسى عليه السلام، ورعايتنا لشأنه، وهبنا له مساعدة أخيه هارون ومؤازرته، استجابة لدعوته التي طلبها بقوله:{وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي} (2). ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أَعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًّا. ذكره ابن كثير.
(1) سورة الشورى، الآية: 11
(2)
سورة طه، الآيتان: 29، 30
التفسير
54 -
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ
…
} الآية.
الذي ذهب إِليه الجمهور، أَنه إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وهو الحق، وفصل ذكره عن ذكر أبيه وأَخيه، بذكر موسى عليهم السلام، لإِبراز، كمال العناية بأمره ثناء عليه بأشرف الخلال التي أَشار إليها قوله سبحانه:{إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} .
وهذه الجملة تعليل لإيجاب الأمر بذكره في الكتاب، ووصف عليه السلام بأنه كان صادق الوعد لكمال شهرته به ببلوغه درجة من الوفاء لم تعهد من غيره، ولا أدلّ على ذلك من أنه وَعَدَ بالصبر على الذبح بقوله:{سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (1). فوفّى وصدق، وقيل لم يَعِدْ ربه موعدًا إلَاّ أَنجزه وإنما خصه الله بالوعد الصادق، وإن كان ذلك موجودًا في غيره من الأنبياء تشريفًا له وإشارة إِلى أَنه بلغ فيه الغاية العظمى.
{وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} : أي كان رسولًا إلى قبيلة جرهم على شريعة أَبيه إِبراهيم عليهما السلام، فإن أولاد إِبراهيم جميعًا كانوا على شريعته. وكان {نَبِيًّا} يخبرهم بتلك الشريعة مع تبشير الطائعين وإنذار المفرطين، والجمع لإسماعيل بين وصفى الرسالة والنبوة إشارة إِلى عظيم مكانته عند الله، وقد دلت الآية على أَنه لا يشترط في الرسول أن يكون صاحب رسالة خاصة وشريعة مستقلة، فقد بعث إسماعيل بشريعة أبيه إبراهيم إِلى جرهم، ولعل ذلك بسبب معاصرته لأبيه إبراهيم، وأن إِبراهيم لم يكن رسولًا مباشرا لجُرْهم والله أعلم.
(1) سورة الصافات، الآية 102.
55 -
{وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ
…
} الآية.
هذا أيضًا من الثناء الجميل على إسماعيل عليه الصلاة والسلام لأنه كان يأْمر عشيرته وذوى قرباه بإِقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والمثابرة وبذل الجهد اشتغالًا منه بالأَهم، وهو أَن يبدأَ بتكميلهم بعد تكميل نفسه، يشير إلى هذا قوله سبحانه لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (1) وقوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (2) ولا شك أن الأَنبياءَ وأَهليهم قدوة لأممهم، فلهذا كان معنيًّا بتكميل نفسه وأسرته، والمراد بالصلاة والزكاة معناهما المعروف، فالصلاة إِشارة إِلى العبادة اليومية والزكاة إشارة إلى العبادة المالية. وقيل: المراد بالزكاة مطلق الصدقة، وقيل تزكية النفس وتطهيرها.
{وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} : لاتصافه بأكمل النعوت وأشرفها، حيث استقامت أَقواله وأفعاله، فكان عند ربه موضع الرضا والتكريم.
المفردات:
{وَاجْتَبَيْنَا} : واصطفينا. {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} : خر الشيءُ سقط وهو من باب ضرب والمراد بخرورهم سجدا: وضع جباههم على الأرض. وسجَّدا، جمع ساجد، {وَبُكِيًّا} ؛ جمع باك.
(1) سورة الشعراء، الآية: 214
(2)
سورة التحريم، الآية: 6
التفسير
56 -
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ .... } الآية.
إدريس عليه السلام اسمه أعجمى وليس مشتقا من الدرس لأن الاشتقاق من غير العربي لم يقل به أحد، وهو أول من نظر في النجوم والحساب وجعل الله ذلك من معجزاته كما في البحر، كما قيل أنه أَول من خط بالقلم، وخاط الثياب، ولبس المخيط، وكانوا قبله يلبسون الجلود، وأَول من اتخذ الموازين والمكاييل والأَسلحة، وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، فكان أَول مرسل من بني آدم.
ولكن هذه التفاصيل لم ترد في السنة النبوية، والله أعلم بصحتها، وحسبنا في أَمره قوله تعالى:{إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} : أي ملازما للصدق في كل أمر من أموره متصفًا بالنبوة تتويجا لصدقه الكامل.
57 -
{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} : هو النبوة والزلفى عند الله تعالى لأَنه كان صوَّاما قوّامًا، يعبد الله ويكثر عبادته، وقيل المكان العلى الجنة كما روى عن الحسن، ولا شىءَ أعلى من الجنة، وقد صح في حديث المعراج أنه صلى الله عليه وسلم رآه في السماءِ الرابعة وأَنه رحب به ودعا له بخير، وعلى هذا يكون المراد من المكان العلى السماءُ الرابعة، وقيل الذكر الجميل في الدنيا وعلو المرتبة.
58 -
{أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ .... } الآية.
إشارة إلى الأَنبياء المذكورين في السورة الكريمة، والإِتيان بإشارة البعيد {أُولَئِكَ} للتنبيه إلى علو مراتبهم. وبعد منازلهم في الفضل والشرف بما أنعم عليهم سبحانه من عظيم النعم الدينية والدنيوية.
أي وممن هديناهم إلى الحق، وشرّفناهم بالنبوة والكرامة.
قال السدى وابن جرير رحمه الله: فالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به ممن حملنا مع نوح إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم، إسحق ويعقوب وإسماعيل والذي من ذرية إسرائيل (1)، موسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم.
قال ابن جرير ولذلك فرق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم، لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إِدريس، فإنه كما قيل كان جَدَّ نوح عليه السلام، وقال القرطبى هذا خطأ.
{إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} : أَي إذا سمعوا كلام الله المشتمل على حججه وبراهينه أَسرعوا ساجدين لربهم خضوعًا وخشوعًا واستكانة - تلهج ألسنتهم بشكره وحمده على ما وهبهم من نعم سابغة. وآلاء عظيمة، تذرف أعينهم دموع المهابة منه.
فلا ترى أحدا منهم إلا باكيًا شعورا منه بالعجز عن تقدير حقه عليه كما ينبغي له، مهما قدم من عمل وبذل من جهد، تلك صفوة مختارة تعلقت نفوسهم بجلاله وامتلأت قلوبهم بهيبته والإذعان له. {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}
…
المفردات:
{خَلْفٌ} : الخلْف، بسكون اللام: الولد الطالح الشرير، والْخَلَف؛ بفتح اللام وسكونها الولد الصالح أو من يأتي بعد مطلقًا، أو البدل. {غَيًّا}: الغى، الضلال والهلاك أو السوءُ.
(1) إسرائيل هو يعقوب.
59 -
{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ
…
} الآية.
أَي فجاءَ من بعد هؤلاء الأنبياء وهم المثل العليا في التقوى والصلاح والمحافظة على أداه الصلاة في أوقاتها تامة الأركان حافلة بالخشوع والخضوع - جاءَ عن بعدهم طائفة مفطورة على الشر مستمسكة به بعيدة عن التقوى والصلاح، متهاونة في أداء الصلاة في أوقاتها أو تاركة لها أو لبعض أركانها، أو مغيرة لصورتها المشروعة، واتبعوا في دينهم وسلوكهم شهواتهم.
{فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} : فسوف يجدون في الآخرة، ضلالًا عن طريق الجنة، وعذابًا سيئًا في جهنم {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} ثم فتح باب الأمل للتائبين فقال سبحانه:
60 -
أي أن الذين خلفوا الأنبياء بما يناقض عقائدهم وأَعمالهم سيلقون جزاء انحرافهم غيًّا أي ضلالًا وسوء عاقبة، لكن من رجع إلى الله وتاب عن غوايته وأَناب إلى ربه وآمن به إيمانًا صادقًا وعمل عملًا صالحًا فأولئك التائبون المؤمنون الصالحون يدخلهم الله الجنة ولا يعاقبهم بما أسرفوا علي أنفسهم فإن الإيمان الصادق يَجُبُّ ما قبله من السيئاتِ، والتوبة تمحو الحوْبة، ورحمة ربي وسعت كل شيء، قال تعالى:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} (1).
(1) سورة الزمر، الآيتين: 53، 54.
المفردات:
{جَنَّاتِ عَدْنٍ} : جنات إِقامة وثبات واستقرار.
{بِالْغَيْبِ} : الغيب ما غاب عن المشاعر.
{مَأْتِيًّا} : يأتيه من وعد به لا محالة، وقبل:{مَأْتِيًّا} مفعول بمعنى فاعل أي آتيا.
{لَغْوًا} : اللغو العبث أو الضلال أو ما لا فائدة فيه من القول والعمل.
{بُكْرَةً وَعَشِيًّا} : البكرة أول النهار إلى طلوع الشمس، والعشى من الزوال إلى غروب الثسمس، والمراد: أن رزقهم دائم؛ لأنه لا بكرة ولا عشى في الجنة.
التفسير
61 -
{جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} :
انتقلت الآيات إِلى وصف الجنة التي وعد الله بها التائبين، وقد جاء في وصفها هنا أَنها جنات عدن، أي جنات إقامة واستقرار وثبات، والله لا يخلف وعده، فإن وعده آت لا محالة، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} (1).
(1) النساء، الآية: 87
62 -
{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} :
ومن صفات هذه الجنات أَنها خالية من العبث والفحش والضلال وما لا فائدة فيه فلا يسمعون فيها ما يعكر عليهم صفاءَهم وإنما يسمعون فيها التحية وأحاديث السلام، ويتمتعون فيها بالرزق الطيب المتاح لهم دائما، جزاءً لما قدموا من تبوبة وإيمان وأعمال صالحات في دنياهم.
63 -
{تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} :
هذا شروع في تعظيم الجنة وبيان من يستحقونها، والمعنى أن هذه الجنة أَعدها الله لمن كان تقيًّا يخشى الله ويبادر بالتوبة إِذا أَذنب ويستمسك بالإيمان والعمل الصالح، والتعبير عن استحقاق الجنة بميراثها للإيذان بكمال استحقاقها، بما يشبه الميراث في القوة والثبوت.
المفردات:
{نَتَنَزَّلُ} : نهبط. {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} : ما نستقبله من الشئون المختلفة.
{وَمَا خَلْفَنَا} : ما تركناه خلفنا منها. {نَسِيًّا} : كثير النسيان. {سَمِيًّا} : شبيهًا ومثيلًا.
التفسير
64 -
هذا القول إِما أن يكون من الأَتقياء الذين ورثوا الجنة، فيكون المعنى أنهم ما يتنزلون إِلى وراثة الجنة إِلَّا بفضل الله الذي له ما بين أَيديهم من شئون الآخرة، تركوه وراءَهم من أُمور الدنيا وما بين ذلك من شئون البرزخ، فهو المهيمن عليهم في الدنيا والآخرة، وإِما أَن يكون من كلام جبريل عليه السلام بأمر ربه، يحكيه عنه القرآن الكريم، فقد أخرج أحمد والبخارى والترمذي والنسائي وجماعة عن ابن عباس في سببه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه الصلاة والسلام: (ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ}). والمعنى على هذا - وما ننزل إليك أو إلى شأْن من شئون الملكوت برغبتنا، وإِنما ننزل بأمر ربك تنفيذًا لمشيخته، فإِن زمام جميع الأمور بيد الله وحده فهو المالك لما بين أَيدينا من أَمر المستقبل وهو المسيطر على ما خلفنا من شئون الماضي وما هو كائن بين الماضي والمستقبل من الحاضر، وهو الذي يصرفنا بما يشاءُ كيف شاءَ مما تقتضيه حكمته الإِلهية، وهو سبحانه منزَّه عن السهو والنسيان فلن يغفل عنك فإنه ربك المنعم المتفضل الذي منَّ عليك برسالته.
65 -
{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} :
أي أنه سبحانه رب الكائنات جميعها من سموات وأَرضين وما بينهما من القوى والعوالم الكونية، فهو سبحانه الخالق المدبر فكيف ينساك أو ينسى سواك {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} . (1)
{فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} : وبما أنه هو الخالق المدبر المسيطر على الزمان والمكان، فتوجه أنت وأُمتك إليه وحده بالعبادة واصبر على ما تقتضيه العبادة من جهود وتكاليف كما قال سبحانه:{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (2).
{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} : أي أَنك يا محمد لا تعلم له سبحانه مشاركًا في اسم الربوبية للسموات والأرض وما بينهما، لأنه سبحانه لا شريك له في ذلك مطلقًا، ومن كان كذلك وجب إفراده بالعبادة والصبر عليها.
(1) سورة الأعراف، الآية: 54
(2)
سورة طه، الآية: 132
المفردات:
{جِثِيًّا} : جمع جاث وهو الجالس على ركبتيه.
{شِيعَةٍ} : جماعة متقاربة مشتركة في الميول.
{عِتِيًّا} : طغيانًا وعصيانًا.
{صِلِيًّا} : احتراقا.
التفسير
66 -
{وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} :
القائل هنا أُبيُّ بن خلف وقيل الوليد بن المغيرة، وسواء صح هذا أَو ذاك سببًا لنزول الآية، فهي عامة في كل منكر للبعث والنشور، أو شاك في أن يعود حيًّا بعد أَن تبلى عظامه فيقول هذا منكرًا أَو متعجبًا - فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
67 -
{أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} :
كرر ذكر الإِنسان في التذكير بالبعث، لأنه يتميز بالعقل وكان عليه أَن يتذكر أَن الله سبحانه خلقه من العدم وأنه برز إلى الحياة بعد أَن لم يكن شيئًا مذكورًا، كما قال سبحانه
لعبده ورسوله زكريا: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} (1). فالذي خلق الإنسان ولم يكن شيئًا يذكر قادر على إعادته بعد الموت وقد أَصبح شيئًا {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} (2).
والمعروف لدى الإنسان أن الإِعادة أهون من البدء كما قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (3).
واعلم أن البدءَ والإِعادة سواءٌ عند الله في اليسر والسهولة، فإِنه سبحانه يقول للشىء كن فيكون، ولكن الله يخاطب عباده بما اعتادوا من أن الإِعادة أهون عليهم من البدء، فكيف يستبعدون البعث على الله، وهو إِعادة بعد بداية.
68 -
{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} :
أَقسم الله سبحانه بربوبيته مؤكدًا بعثهم بعد الموت وحشرهم إِلى موقف الحساب وكل منهم مقرون بشيطانه الذي صرفه عن عبادة الله، وجذبه إلى اتباع أَهوائه وشهواته فينال كل منهما جزاءه العادل.
{ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} : ثم لنحضرنهم بعد الحشر والحساب إِلى جهنم ليشهدوا مصيرهم المحتوم وليرى المؤمنون عاقبة الكفار وجزاءهم الرهيب وهم باركون على ركبهم، كما قال تعالى:{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (4).
69 -
{ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} :
ثم لنخرجن للعذاب أشدهم عتُوًّا وطغيانًا وتمردًا على الرحمن الرحيم، المنعم على الجميع بالخير والفضل العظيم، ويستمر نزع أَعتاهم فأعتاهم، إلى أَن يحاط بهم، فإِذا اجتمعوا
(1) سورة مريم، الآية: 9
(2)
سورة الأعراف، الآية: 29
(3)
سورة الروم، الآية: 27
(4)
سورة الجاثية، الآية: 28
طرحناهم في النار على الترتيب، فنقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، قال ابن مسعود في تفسير الآية: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة أَتاهم جميعًا ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرمًا: اهـ
وذلك قوله تعالى:
70 -
{ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا} :
ثم لنحن نعلم أَكمل العلم، ونعرف أوسع المعرفة من هو أشد استحقاقًا للاحتراق بنار جهنم منهم، ولقد سجلنا عليهم جميع أعمالهم في كتاب:{لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} (1) لتكون حجة عليهم.
المفردات:
{وَارِدُهَا} : داخلها أَو مار عليها.
{حَتْمًا مَقْضِيًّا} : قضاءً نافذًا مبرمًا.
{جِثِيًّا} : جمع جاث وهو الجالس على ركبتيه.
{مَقَامًا} : المراد بالمقام الإقامة أَو موضعها.
(1) سورة الكهف، الآية: 49
{وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} : الندى موضع اجتماع القوم ومكان حديثهم، فإن تفرقوا فليس بندى قاله الجوهرى: وهم يريدون بكونهم أحسن نديًّا، أنهم في الآخرة في أَحسن مكان حيث يجتمعون في الآخرة في نَدِيِّهمْ على فرض البعث والنشور.
التفسير
71 -
{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} .
روى الحاكم وأحمد وابن ماجه بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم بردا وسلاما حتى أَن للنار ضجيجًا من برْدِهِمْ){ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} . وفي هذا المعنى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فيما رواه الشيخان: (لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحِلَّةَ القَسَم) والمراد تقليل زمان المس، والمقصود من القسم ما يفيده قوله سبحانه: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا
…
} الآية. فهو في حكم القسم في التأْكيد، وقد أفادت الآية أن كل إنسان يرد على النار فينجو المؤْمن منها، ويبقى الكفار فيعرف المؤمن منة الله عليه بنجاته من هذا المصير الرهيب.
72 -
{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} :
ثم نكتب النجاة للمتقين وندع الظالمين جاثمين في نار جهنم.
ويذهب بعض المفسرين إِلى أَن الجميع يمرون على الصراط فيجوزه المؤمنون ويتساقط الظالمون في جهنم، معتمدين على ما رواه مسلم في صحيحه: ثم يضرب الجسر على جهنم وهو دحضٌ (1) مَزَلَّة (2)، فيه خطاطيفُ وكلاليبُ وحسك
…
فيمر المؤمنون كطرْف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والرِّكاب فناج مُسلَّم، ومخْدُوشٌ مُرْسلٌ، ومكدوس في نار جهنَّم (3).
(1) الدحض: الزلق.
(2)
والمزلة: موضع الزل وهو السقوط.
(3)
أي ملقى في جهنم مجتمع فيها مع من سبقه.
ويذهب بعض آخر من المفسرين إلى أَن المؤمن يرد على النار في الدنيا، بأن تصيبه الحمى لأنها من فيح جهنم، كما ورد في الحديث الشريف، روى أحمد والحاكم وابن ماجه أَن النبي صلى الله عليه وسلم زار مريضًا بالحمّى فقال له:"أبْشِرْ فإن الله تعالى يقول: هي نارى أَسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار يوم القيامة" وروى البزار عنه صلى الله عليه وسلم: "الحُمى حَظُّ أمَّتِى مِنْ جَهَنم".
73 -
أي أن من أَسباب بقاء الظالمين في جَهَنَّم جثيا، أنهم اغترُّوا بالدنيا وفضلوا أنفسهم على المؤمنين بما نالوه من حظوظها، وانصرفوا عن سماع آيات الله الواضحة البينة القوية المعجزة قائلين: ما بالُنا إِنْ كنا على باطِل - أَكثرُ أموالا وأَعَزُّ نفَرًا {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} (1). {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى
…
} (2).
(1) وغرضهم إدخال الشبهة على المستضعفين، وإبهامهم أن من كثر ماله فهو المحق في دينه.
(2)
سورة سبأ، الآيات: 35 - 37
المفردات:
{مِنْ قَرْنٍ} : القرن؛ مائة سنة وقد يطلق على أهله.
{أَثَاثًا} : الأثاث؛ المتاع الذي تؤثث به المساكن للانتفاع أَو الزينة.
{وَرِئْيًا} : الرئى: المنظر الحسن والمظهر الجميل.
{فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ} : فليمهله وليطل عمره، وليزد في رزقه، استدراجًا له من الله سبحانه إلى حين.
{مَرَدًّا} : عاقبة.
التفسير
74 -
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} :
أي وكثير من أَهل القرون السابقة أهلكناهم، وكانوا أَحسن أَثاثًا ومنظرًا من أَهل مكة، فليست بسطة الرزق وعلو المنزلة ووفرة القوة في الدنيا بالدليل على رضا الله والفوز بمحبته، فقد تكون هذه النعم استدراجًا من الله لهؤلاء المكذبين الضالين قال تعالى:{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} (1). فكونهم أَحسن متاعًا ومنزلة وأجمل مظهرًا، ليس بدليل على أَنَّهم أفضل من المسلمين مكانًا عند الله فَرُبَّ جماعة ضعيفة القوة قليلة الرزق أَقرب إلى الله وأفضل عنده منزلة من سواها من الجماعات الفتية القوية، روى مسلم وأحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم:"رب أشعث مدفُوعٌ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره".
75 -
(1) سورة الأعراف، الآيتان: 182، 183
أي قل يا محمَّد لهؤلاء المشركين المدعين أنهم على الحق بما هم عليه من قوة ومال، وأنكم على الباطل بما أنتم عليه من ضعف وفقر، من كان منكم في الضلالة، فأمهله الله فيما هو فيه حتى يلقى ربه، فسيعلمون حين يرون العذاب أو الساعة من هو شر مكانًا عند الله وأضعف جندًا مِنْ سواه، أَهم هؤلاء المؤمنون الضعفاءُ الفقراءُ أم أولئك المشركون الأقوياءُ الأغنياءُ؟.
76 -
{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى .... } الآية.
لما أخبر الله سبحانه أنه سيمد للظالمين في ضلالهم استدراجًا لهم حتى يبغتهم بالعذاب أو بقيام الساعة، أخبر في مقابل هذا أنه يزيد المهتدين في هدايتهم ويوفقهم ويعينهم على أَداء الأعمال الصالحة الباقية، فهي أفضل من بسطة الرزق وسعة الجاه والقوة والبأْس الذي استدرج الله به الضالين، ليزدادوا إِثْمًا حتى إذا أخذهم لم يفلتهم. {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (1).
{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا} : وإذا كان المال والجاه والقوة فتنة لهؤلاءِ الضَّالِّين، فَإنَّ الأعمال الطيبة أفضل عند الله منزلة وأكرم مكانًا وأعظم أَجرًا، وابقى أَثرًا، فهى الباقيات الصالحات، وقد فسرها ابن عباس بالصلوات الخمس، وقيل الباقيات الصالحات: الأكثار من ذكر الله والثناءِ عليه بما أَلهمنا إيَّاه، روى أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم: (
…
ألا إِنَّ سُبْحانَ اللهِ والْحمْدُ لِلهِ ولَا إله إلَاّ اللهُ والله أكْبر هُنَّ الْباقِياتُ الصالحات) وبالجملة فالإِكثار من الأعمال الصالحات وترطيب اللسان بذكر الله أَفضل عند الله وأدعى إلى قربِهِ وأكرم لديه مما ينغمس فيه الضَّالون من ترف ونعيم وأَحسن عاقبة عنده.
(1) سورة الأنعام، الآية: 44
المفردات:
{أَطَّلَعَ الْغَيْبَ} : أشاهد أمور الآخرة الغائبة عنه.
{عَهْدًا} : ميثاقًا.
التفسير
77 -
{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} :
ذكر الشيخان أن هذه الآية وما بعدها نزلت في العاص بن وائل، روى مسلم في صحيحه بسنده عن خباب بن الأرَتِّ الصحابي الجليل قال: كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته اتقاضاه، فقال لي لن أقضيك حتى تكفر بمحمد، قال: فقلت: لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث، قال: وإِنى لمبعوث بعد الموت؟ فإذا مت ثم بُعثتُ جئتَنى ولى ثَمَّ مالٌ ولى ولد فأُعطيك. فأَنزل الله: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} . إِلى قوله: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا} .
فالعاص يتهكم بعقيدة البعث والنشور ويرجئُ سداد دينه إِلى هذا الموعد.
والاستفهام في الآية للتعجيب والإنكار على العاص الذي يؤكد أَنه سيكون صاحب مال وولد في الآخرة وفي الدنيا.
78 -
{أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} :
أَي هل انكشف الغيب أَمامه فاطلع على حالته في الآخرة، أم أَخذ على الله موثقًا أَن يغمره بفضله في الآخرة كما غمره في الدنيا.
79 -
{كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} :
هذا رد على العاص بأُسلوب الردع والتكذيب له فِإنه لم يطلع على الغيب ولم يتخذ على الله عهدًا، والمعنى أننا سنسجل عليه هذا الضلال في سيِّئاته لنحاسبه عليه حسابًا عسيرًا أو نزيده عذابًا فوق عذاب.
80 -
{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} :
أَي أَنه سيموت ويغادر الدنيا ونرث أَمواله وأولاده، ولن ينال في الآخرة إلَّا العذاب الأليم فإنه سيبعث يوم القيامة فردًا مجردًا من الأموال والأَولاد {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (1).
المفردات:
{ضِدًّا} : أعداءَ متعاونين عليهم في خصومتهم وتكذيبهم.
التفسير
81 -
{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} :
اصطنع هؤلاء الكفار لهم آلِهة غير الله ظانين أن هذه الأَصنام ستكون مصدر عزة وقوة لهم، وقد رد الله عليهم بقوله:
(1) سورة الشعراء، الآيتان: 88، 89
82 -
{كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} :
كلا: كلمة زجر وردع لهم عما توهموه من كونها عزا لهم، وقد أتبعه ببيان أن هذه المعبودات مصدر عداءٍ وتكذيب لهم فيما ادعوه من أُلوهيتهم، وسبب عذاب ونقمة عليهم، كما قال تعالى:{وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} (1).
ويجوز أن يكون الضمير المرفوع في قوله تعالى: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} عائدا على المشركين، أَي أَن المشركين بعد البعث سيدركون أَنهم كانوا على ضلال فيكفرون بعبادة آلهتهم حيث لا يجديهم ذلك نفعًا.
المفردات:
{تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} : تدفعهم دفعا. {وَفْدًا} : جماعة.
{وِرْدًا} : قوما عطاشًا واردين على جهنم، كالبهائم تساق إلي موارد الماء.
التفسير
83 -
{أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} :
ألم تعلم يا محمد أَنا سخرنا الشياطين على الكفار تدفعهم إِلى الكفر دفعا شديدا ابتلاءً منا لهم، فلم يقاوموا هؤلاء الشياطين بل استجابوا لإغرائهم وتحريضهم وانساقوا معهم
(1) سورة الأحقاف، الآية: 6
في الضلال انسياقا، وشبيه بهذا قوله تعالى:{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} (1).
84 -
{فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} :
أي فلا تتعجل عليهم وقوع العذاب جزاء عتوهم وجبروتهم فإننا نعدّ لهم أعمالهم ونحسبها عليهم قبل موتهم لنعذبهم بها يوم القيامة قال تعالى: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} (2).
85 -
{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} :
أي أَنه تعالى سيجازى الكافرين على كفرهم حينما يحشر الأتقياءُ إِلى أرحم الراحمين لينعموا بثواب تقواهم، قال ابن عباس وفدا يعنى ركبانا منعمين غير مجهدين.
86 -
{وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} :
وفي هذا اليوم الرهيب نسوق الكفار إِلى جهنم حيث يذوقون أَلوان العذاب والنكال جزاءَ كفرهم وطغيانهم فيردون عطاشا مسوقين لا إلى الماء ليشربوا منه ويطفئوا عطشهم، بل إلى جهنم لتكون مثوى لهم.
87 -
{لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} :
لا يستحقون الشفاعة فلا يشفع لهم أَحد، ولهذا سوف يقولون ما حكاه الله عنهم بقوله:{فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} (3). لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا، فإنه يستحق الشفاعة، فيؤذن له بشفاعة الشافعين، وفسر ابن عباس العهد بقوله: العهد شهادة ألا إله إِلا الله، والتبرؤ من الحول والقوة، وعدم رجاء أحد إِلا الله تعالى. وفسره ابن كثير بقوله: شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها.
(1) سورة الزخرف، الآية: 36
(2)
سورة هود، الآية: 104
(3)
سورة الشعراء، الآيتان: 100، 101
المفردات:
{إِدًّا} : الإد؛ المنكر العظيم.
{يَتَفَطَّرْنَ} : يتصدَّعن.
{وَلَدًا} : الولد كل ما يولد، ذكرًا كان أو أُنثى، واحدا أَو اثنين أَو جماعة.
{أَحْصَاهُمْ} : علم عددهم.
التفسير
88 -
{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} :
زعموا أَن الله اتخذ ولدا، فقال المشركون إن الملائكة بنات الله، وزعم اليهود أن عزيرًا ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وقد رد الله عليهم بقوله:
89 -
{لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} : أي لقد جئتم بقولكم هذا شيئًا منكرا باطلا عظيم الفرية على الله - سبحانه -.
90 -
{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} :
أي توشك السموات - على تماسكها - أَن تتصدع من افترائه على الله، وأَن تنشق الأرض، وأَن تتحطم الجبال وتسقط أَجزاؤها، فإن الله تعالى مقدس عن نسبة الولد إِليه، وكيف يكون لله ولد، وهو بغير حاجة إليه ليعينه أَو ليرثه كما هو شأن البشر، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، فهو حي لا يموت، قادر لا يعجزه شيءٌ.
91 -
{أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} :
أي تكاد السموات والأرض أَن يحدث لها ما ذكر بسبب ادعائهم ولدًا للرحمن، فإنها فرية على الله لا تتقبلها بل تكذبها بما فيها من الإِبداع، فإنه شاهد بوحدانيته وتمام قدرته وعدم حاجته إلى اتخاذ ولد يعينه {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} .
92 -
{وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} :
ولا يليق بكمال الله وعظمته أن يكون له ولد، فإن الوالد يتخذ الولد ليكون عونا له في شيخوخته وضعفه أو ليكون امتدادًا لحياته حين تنتهى حياته والله سبحانه غنى عن هذا كله {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (1).
93 -
{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} :
أي ليس في السموات والأرض إِلا عبيدًا لله سبحانه، وسيأتون بوصف العبودية يوم القيامة مهما كان شأنهم، وسيحاسبهم علمًا ما قدموه من خير وشر، فكيف يزعم الزاعمون أن له ولدا "تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبيرًا".
94 -
{لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا} :
لقد حصرهم وأحاط بهم علمًا، وعدهم عدًّا، وأحصى عليهم أَعمالهم وأَفكارهم وأَنفاسهم، فلا حاجة به إلى ولد يعينه.
(1) سورة مريم، الآية: 35
95 -
{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} :
وكل منهم سيموت ويبلى ثم يبعثه الله ويحشره إليه منفردا وحيدا، دون معين أَو نصير سواءٌ منهم من كان عابدا أَو معبودا، أو من زعموه لله ولدا.
المفردات:
{وُدًّا} : محبة.
{لُدًّا} : اللد؛ جمع الألد وهو الخصم الشديد الخصومة الْمُلِحُّ في عداوته المجادل بالباطل أَو الظالم أَو الفاجر.
{رِكْزًا} : الركز؛ الصوت الخفى.
التفسير
96 -
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} :
بعد أَن ذكر الله سبحانه أَحوال الطغاة العتاة ومصيرهم الأليم ذكر في مقابلهم هنا المؤْمنين وما أعده لهم من الحب وآثاره في الدنيا والآخرة. والمعنى أَن المؤمنين الذين يحملهم إيمانهم على أداء الأعمال الصالحة سيجعل لهم الرحمن الرحيم مودة في قلوب الناس وعند الملائكة،
ومن أَجلِّ نعم الله على عبده أَن يمنحه حبه وحب عباده في السماوات والأرض. روى الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أحبَّ الله عَبدًا نادَى جِبْرِيلَ إن الله يُحِب فُلَانًا فأحِبَّهُ فَيُحبُّه جِبْريل، فينادى جبريل في أهل السَّمَاءَ أنَّ اللهَ يحب فلانا فأحبوه فيحبه أَهل السماء ثم يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في الأرض". ويجوز أن يكون المقصود من حب الله المؤمن الذي يعمل الصالحات أن يكافئه على هذا بما يستحقه من الثواب.
97 -
{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} :
والمعنى: يا محمد إنا أنزلنا عليك كتابنا بلغتك العربية وجعلناه ميسَّرا للسامعين والقارئين لتبشر به المتقين بما ينالون من ثواب جزيل على إِيمانهم، ولتنذر به قوما يعادونك أَشد العداء، ويجادلونك بالباطل - لتنذرهم بعقاب أَليم على هذه الخصومة والمجادلة في الحق بالباطل. {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} .
98 -
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ} :
أي وأَهلكنا كثيرا من أهل القرون الماضية قبل أهل مكة، لما كذبوا رسلهم.
{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} :
أي فهل تدرك بإحساسك منهم أَحدًا أَو تسمع لهم صوتا، فبعد أن كانت هذه الأُمم تملأُ الأرض، وتتعالى على أنبيائِهم وتعاديهم وتجادلهم بالباطل، أَصبحت قراهم خامدة خاوية على عروشها، بعد أن دمرها الله على أهلها، عقابا لهم على كفرهم ومخاصمتهم لأَنبيائهم، فليحذر أَهل مكة هذا المصير وليعتبروا به وصدق الله إِذ يقول:{فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} (1).
(1) سورة الحج، الآية: 45