الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأَما إثباته بحمل البكر أَو الثيب التي لا زوج لها، فهو نادر، بل ربما كان بعيد الاحتمال في عصر ابتكرت فيه وسائل منع الحمل.
وقد بلغت سماحة الإسلام في تجنيب الزانى حد الزنى، وتركه لربه لعله يتوب فيما بينه وبينه، أَنه ينبغي للقاضى أَن لا يتعقب اعترافه، فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاءَ رجل فقال: إني أصبت حدا فأقمْ فيَّ كتاب الله، قال:"أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك - أو قال - حدك".
وإذا أصر الزاني على اعترافه بأَنه زنى، رغبة في إقامة الحد، ينبغي للقاضى أَن يصرفه عن اعترافه هذا بالتعريض له بتركه؛ فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس قال:(لما أتى ماعز النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "لعلك قبلت أو غمزت أَو نظرت" قال لا يا رسول الله) أي: أنه صلى الله عليه وسلم يريد أَن يقول له: لعلك اعتبرت واحدًا من هذه الثلاثة زنى، فقلت إِنك زنيت، وليس في مثل ذلك حد فانصَرِفْ، ولكنه أصر على أَنه زنى حقيقة، ولقد مضى أَن النبي كان يعرض بوجهه عنه لينصَرِفَ، فيعود فيواجه النبي باعترافه أَربِع مرات، فأمر برجمه.
ويروى البخاري في هذا حديثا في صحيحه بسنده عن جابر (أن رجلا من أسلم جاءً النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنى فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أَبك جنون؟ " قال: لا، قال: آحْصنت (1)؟ قال: نعم، فرُجِمَ بالمصلى
…
) الحديث، فمن هذا التفصيل نعلم أن إقامة الحد على الزانى محوطة بحصانة وضمانات تجعلها شبه متعذرة لحرص الشارع على الستر على الأعراض، وترك الباب مفتوحا للمذنب ليتوب إلى ربه فيما بينه وبينه.
لا يشترط في الرجم أن يكون بالحجارة
أخرج الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد (أَن رجلا من أسلم يقال له ماعز ابن مالك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أَصبت فاحشة فأَقمه عليّ، فردّه
(1) أي: هل تز
النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا، قال: ثم سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأسا، إلا أَنه أصاب شيئًا يرى أَنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد، قال: فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرنا أن نرجمه، قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغَرْقَد - قال - فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظم والمدر والخزف، قال: فاشتد واشتَددْنا خَلْفَه حتى أتى عُرْض الحرة فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد الحرة
…
" الحديث (1).
فأنت ترى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رجموا الزانى المحصن في عهده صلى الله عليه وسلم بالعظم وبالمدر؟ وهو قطع الطين اليابس - كما في القاموس، جمع مدرة بفتحات - ورجموه بالخزف - وهو قطع الفخار المكسور - كما رموه بجلاميد الحجارة حتى مات، فهذا يدل على أن المقصود برجمه قتله بشيءٍ جامد يفضي إِلى موته، فهل لنا أن نرجمه في عصرنا هذا بالرصاص، قياسا على ما فعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهده، حيث لم يقتصروا في قتلهم ماعزا على جلاميد الحجارة، بل استعملوا العظم وسواه من كل جامد يفضى إلى القتل، والرصاص كذلك؟
وإِذا كان الرجم بالحجارة والعظم والخزف ونحوها أمرًا اقتضته الضرورة في عهده صلى الله عليه وسلم قبل أن يخترع الرصاص، فهو اليوم ليس ضروريا بعد اختراعه، وقد يسىء إِلينا استعماله في العصر الذي نعيش فيه، حيث يحمل أَعداء الإسلام على التشهير بنا بسببه، هذه مسألة جديرة بالنظر ومحتاجة إِلى رأى المجتهدين للبت فيها والله الموفق. فإن قيل: إن الرمى بالحجارة يعطى المرجوم فرصة للهرب، لأنه يرمى واقفا من غير توثيق كما فعل بماعز،، والهرب من الحد مرغوب فيه، أَما الرمى بالرصاص فإِنه يستلزم توثيقه وربطه ليصيبه، فالجواب أَن ماعزا لم يكن بحاجة إلى توثيقه وإمساكه فهو الذي أصر على إِقامة الحد عليه (2)، على أن تركه بلا إِمساك ليس بواجب، فقد جاءَ في حديث الغامدية الذي مرت روايته عن مسلم، أن النبي لما أَمر برجمها بعد فطمها صبيها، حفروا لها حفرة إلى صدرها فرجمت، مع أنها جاءته معترفة طالبة إقامة الحد عليها، وأَمهلها النبي حتى
(1) انظره في ج 4 شرح النووي على مسلم ص 273 حديث رقم: 18 من باب حد الزنى.
(2)
بل لقد جاء عند مسلم في إحدى رواياته، أن ماعزا لما أقر أربع مرات حفر له ثم أمر به ف
ومعنى الآية على هذا: الزانى لا يليق به أَن يتزوج إلا زانية أو مشركة لقبحه مثلهما، والزانية لا يليق أَن يتزوج بها إلاّ زان أَو مشرك كذلك، فالخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، فالآية تُزهِّد في نكاح البغايا والزناة، وليس الغرض منها إباحة زواجهن أَو زواج المشركات للزناة من المؤمنين، كما أنها تحث المؤمنين والمؤمنات على التصوّن من نكاح هذا النمط من الفساق، وأَن يكون الطيبات منهم للطيبين، والطيبون للطيبات:
وعلى هذا التأْويل يفسر قوله تعالى: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} بمعنى: حُرِّم نكاح البغايا والزناة على المؤمنين (1)، لما فيه من التسبب في سوء القالة، والتعرض للإقدم على مثل فعلهم، فإن مجالسة الفساق والخطائين تحمل على مثل فعلهم ، فكيف بمزاوجة الزوانى والزناة، وبخاصة إذا كان بقصد التكسب بالفاحشة، وفي الآية آراءٌ مختلفة، وما ذكرنا أفضلُها، ولو تزوج المؤمن بزانية فمع حرمة الزواج بها للأسباب المذكورة يصح العقد عليها فقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأَة وأَراد أَن يتزوجها فقال:"الحرام لا يحرم الحلال" أخرجه الطبرانى وغيره عن عائشة وبه أَخذ أَبو بكر وابن عباس وابن عمر وجابر وغيرهم.
المفردات:
{يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} : يقذفون العفيفات بتهمة الزنى.
{الْفَاسِقُونَ} : الخارجون عن طاعة الله.
(1) فاسم الإشارة على هذا راجع إلى نكاح البغايا، وعلى الوجه السابق راجع إلى المعتبر عنه بالنكاح. انظر ما قاله النسفى وغيره في مرجع الإشارة.
3 -
بيَّن الله في الآية السابقة أَن مرتكب جريمة الزنى إذا كان حُرًّا يجلد مائة جلدة، سواءٌ أَكان من الرجال أَم من النساءِ، وأنه لا يحل للمسلمين أَن يتساهلوا في تنفيذ هذا الحد رأْفة بالزناة، وأَن يشَهَّر بهم عند تنفيذه بأَن يشهد إِقامة الحد عليهم طائفة من المؤمنين.
وجاءَ بهذه الآية عقبها، لبيان حقارة الزانى والزانية، وأَن كليهما لا يرضى بالاستجابة إِلى فاحشته إلا مثله أَو أَخس منه، والنكاح في هذه الآية بمعنى الجماع كما صح عن ابن عباس (1).
والمعنى على هذا: الزانى لخِسَّتِهِ وقبحه ، لا يطأُ سفاحًا إلا زانية تماثله في فحشه وخبثه، أَو امرأَة مشركة لا ترى فيه ما يشينها، فكلتاهما تطاوعه لفقد الوازع الدينى والخلقى لديهما، أما العفيفة المؤمنة فلا سبيل له إلى الفسق بها، لحصانتها بعفتها ودينها المتين، والزانية لخستها وفحشها لا يطؤها سفاحًا إلا زانٍ يماثلها في فحشها أو مشرك يحاكيها في خبثها، وحرم ذلك على المؤمنين، لأنه لا يليق بإيمانهم التلوث بمثله، ولو كان لدى الزناة إِيمان لبعدوا عنه، قال صلى الله عليه وسلم:"لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن" وأَجاز بعض الأَئمة تفسير النكاح هنا بالتزوج، على ما هو معروف في نصوص القرآن الكريم، ويؤيده ما أَخرجه ابن أبي حاتم في سبب نزول الآية عن مقاتل أنه قال:(لما قدم المهاجرون المدينة قدموها وهم بِجَهْدٍ إلَّا قليلًا منهم، والمدينة غالية السعر، شديدة الجَهْد (2)، وفي السوق زوانٍ ُمتَعَالِنَاتٌ من أَهل الكتاب، وإماءٌ لبعض الأنصار، قد رفعت كلُّ امرأَة منهن على بابها علامةً لتُعرفَ آنها زانية، وكنّ مِنْ أَخصب أَهل المدينة وأكثرهم خيرًا، فرغب أُناس من مهاجرى المسلمين فيما يكتسبن للذي فيهم من الجهْد، فأشار بعضهم على بعض: لو تزوجنا بعض هؤلاء الزوانى، فنصيب من فضول ما يكتسبن، فإِذا وجدنا عنهن غِنًى تركناهن، فأَنزل الله تعالى هذه الآية.
(1) أخرج أبو داود في ناسخه، والبيهقى في سننه، والضياء في المختارة، وجماعة من طريق ابن جبر عن ابن عباس أن النكاح هنا بمعنى الوطء.
(2)
الجهد هنا: بمعنى الطاقة، أي: أن المدينة شديدة الطاقة عليهم لغلاء أسعارها، والجهد فيما تقدم: بمعنى الشدة، يكنى بها عن الفقر بسبب الهجرة.
ناطقًا غير مكره، عالمًا بالحرمة ولو حكمًا، بأن نشأَ في دار الإسلام، ويشترط في الاتهام المقذوف به، أَن يكون بوطءٍ يلزمه فيه الحد، وهو الزنى أَو اللواط أَو بنفى ولد عن أَبيه، فلا يكفى أَن يقول للمقذوف: يا فاسق أَو يا فاجر فإن في ذلك التعزير لا الحد إذا ثبت بإقرار أَو بشهادة رجلين، ويشترط في المقذوف: الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمى بها.
قال القرطبى في المسأَلة الرابعة: وإِنما شرطنا في المقذوف العقل والبلوغ كما شرطناهما في القاذف وإِن لم يكونا من معانى الإِحصان، لأَجل أَن الحد إنما وضع للزجر عن الإذاية بالمضرة الداخلة على المقذوف، ولا مضرة على من عدم العقل والبلوغ - كذا قال.
فإذا قذف المسلم رجلًا أَو امرأَة من أهل الكتاب فلا حد على المسلم القاذف ولكنه يعزر ما لم تكن المقذوفة كتابية متزوجة بمسلم، فقد قيل بجلد من يقذفها، كما نقله القرطبى في المسألة السادسة، ومن رمى صبية بالزنى قبل البلوغ، وكان يمكن وطؤها، فإن ذلك يعتبر قذفًا يستوجب الحد عند الإمام مالك.
وقال الإمام أحمد في الجارية بنت تسع: يجلد قاذفها، وكذا الصبى إذا بلغ عشرًا، وقال الإمام مالك: إِذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قذفا يُحَدُّ عليه، وقال أَبو حنيفة والشافعى وأَبو ثور: ليس بقذفٍ يُحَدُّ عليه، لأنها لو فعلته هي فلا يعتبر زنى في حقها، لأنها لم تبلغ حتى تدخل دائرة التكليف، ولهذا لا يقام عليها الحد، ولكن يعزر من سبها، ويقول ابن العربى تعقيبًا على هذا الخلاف: المسألة محتملة مشكلة، لكن مالكًا راعى حماية عرض المقذوف (1) وغيره راعى حماية ظهر القاذف، وحماية عرض المقذوف أَولى، لأن القاذف كشف ستره، فلزمه الحد (2).
وقد بينت الآية أَن الحد إنما يقام على القاذف إِذا لم يأْت بأَربعة شهداءَ على واقعة الزنى، فإن جاءَ بهم فلا يقام عليه حد، ومثله ما إِذا اعترف المقذوف بالزنى أَو اللواط، فإنه يسقط الحد عن القاذف، ولابد في شهادتهم أن تكون رواية مفصلة لواقعة عاينوها بحقائقها، فإن امتنع أَحدهم عن الشهادة، وشهد غيره، جلد هؤلاء الثلاثة كما يجلد القاذف تمامًا،
(1) وكذلك فصل الإمام أحمد.
(2)
انظر القرطبى في المسألة الحادية عشرة
التفسير
4 -
هذه الآية مبينة حكم من نسب الزنى إِلى غيره، بعد بيان حكم من فعله، والآية كما في صحيح البخاري نزلت في عويمر بن أمية بعد ما قذف زوجته خولة بنت عاصم بشريك ابن سمحاء، وقيل: نزلت بسبب قصة الإفك.
والرمى في أَصل اللغة: يستعمل في قذف الشيء باليد ونحوها، تقول: رمى الحجر أَو السَّهم، أي: قذفه، ثم استعمل مجازًا في السب والشتم، والمراد منه هنا السب بالزنى بقرينة اشتراط شهود أَربعة، وذلك خاص بالزنى، والمراد بالمحصنات هنا النساءُ العفيفات، وقد قرئت بفتح الصاد وبكسرها، فقراءَة الفتح على معنى اللاتى أحصنهن أَهلهن، وقراءَة الكسر على معنى اللاتي نشأْن في حصانة وعفة، يقال: أحصنت المرأة أَي: عفت، وأحصنها أهلها أَي: ربَّوها على العفة، فالفعل لازم ومتعد، واقتصار الآية على النساء العفيفات لا يمنع من إيجاب حد القذف على من يقذف الرجال الأعفاءَ باللواط فيما بينهم أَو بالزنى وهذا أمر داخل في الآية بالمعنى، وحكم مجمع عليه، فإنه لا وجه لتخصيص النساء بهذا الحكم دون الرجال، فالإِسلام حريص على كرامة الإنسان بنوعيه، والحكمة في التصريح بالنساء في الآية أَن رميهن بالفاحشة أَكثر وأشنع (1)، وأَن النفوس تسرع إلى تصديق القذف فيهن أَكثر، فلهذا خصمهن بالذكر في الآية مبالغة في حماية أعراضهن، ومثل ذلك أَن الله تعالى نص على حرمة لحم الخنزير، وقد دخل في حكمه الشحم والغضاريف، لأَنه لا وجه لتخصيص لحمه بالحرمة دون شحمه وغضاريفه.
ويقول ابن كثير: إِذا كان المقذوف رجلًا فكذلك يجلد قاذفه، وليس في هذا نزاع بين العلماء.
ويثبت الإحصان، أَي: العفة في المقذوت، بإقرار القاذف بها، أو بشهادة رجلين أَو رجل وامرأتين، ويشترط فيمن قذفه لكي يقام عليه حد القذف أن يكون بالغًا عاقلًا
(1) ولخصوص الواقعة.
بأَنه زَنَى أَو فُعِلَ به اللواط ، حماية للمسلمين من سوءِ القالة، وكفا لأَلسنة الناس عن الخوض في الباطل.
5 -
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :
اختلف العلماءُ في هذا الاستثناء، فقال بعضهم: إنه يعود إِلى الجملة الأخيرة:
{وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} دون ما قبلها، فإذا تاب القاذف وأَصلح ارتفع عنه وصف الفسق ويبقى مردود الشهادة طول حياته بعد جلده، فردُّ الشهادة عند هؤلاء العلماء من الحد فلا يسقط بالتوبة، وممن قال بذلك: القاضى شريح وسعيد بن جبير ومكحول وأَبو حنيفة، ومنهم من قال: يرجع إِلى الجملتين الثانية والثالثة: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ، وهذا يقتضي أَن من تاب وأَصلح تقبل شهادته ويزول فسقه، فالحد عندهم قاصر على الجلد، وممن قال بذلك: سعيد بن المسيب سيد التابعين، والأَئمة مالك والشافعى وأحمد وجماعة من السلف.
وقال الشعبى والضحاك: لا تقبل شهادته وإِن تاب إلَاّ أَن يعترف على نفسه بأَنه كان مُفْتَريًا، فحينئذ تقبل شهادته (1).
ولما بين الله حكم قذف الأَجنبيات عقبه بحكم قذف الزوجات فقال سبحانه:
(1) راجع ابن كثير في الآية.
وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب بثلاثة شهدوا بالزني على المغيرة بن شعبة، وتوقف الرابع عن الشهادة عليه (1) فإِن تمت الشهادة. ولم تثبت عدالة الشهود، فلا حد على الشهود ولا على المشهود عند بعضهم، وعلى الشهود الحد عند آخرين. (2)
وحدُّ القذف كما بينته الآية ثمانون جلدة، على نحو ما تقدم بيانه في جلد الزانية والزانى في كيفية الجلد، فإن كان القاذف عبدًا والقذف للحر، جلد العبد أَربعين، لأَنه في الحدود على النصف من الحر، وهذا هو رأْى الجمهور، وروى ابن مسعود وعمر ابن عبد العزيز وغيرهما: أَنه يجلد ثمانين جلدة، واحتج الجمهور بقوله تعالى:{فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} ولا يقتصر عقاب القاذفين على إِقامة الحد عليهم، بل ترد شهادتهم دائمًا في أَي أمر شهدوا عليه، ويحكم بأنهم فاسقون عند الله وعند الناس، وإِنما شدد الله العقاب على القاذفين لغيرهم بالزنى، وأَوجب عليهم أَن يأْتوا بأَربعة شهود عدول إن أَرادوا الإِفلات من عقابهم حماية لأَعراض العباد، وستْرًا على الخَطَّائين لعلهم يتوبون.
وترد شهادة القاذف عند الشافعية إِذا ثبت عليه القذف - وإِن لم يقم عليه الحد بعد وأَما عند الحنفية فلا ترد شهادته إِلَاّ بعد تمام جلده، أَو بعد البدء فيه ولو بسوط واحد - كما قال بعض آخر منهم، أو بعد إقامة أَكثره عند فريق ثالث منهم، أَمَّا قبل ذلك فتقبل شهادته.
والمعنى الإِجمالي للآية: والذين يقذفون النساء العفائف من المسلمات الحرائر، ثم لم يأْتوا بأَربعة من الرجال العدول، يشهدون تفصيلًا على واقعة الزنى وقد رأَوها بأَعينهم، فعاقبوا هؤلاء القاذفين ثلاث عقوبات، أَولاها: أن تجلدوهم ثمانين جلدة، وثانيتها: أَن تَردُّوا شهادتهم ما دامو أَحياء، وثالثتها: أَن تصفوهم بالفسق والخروج عن طاعة الله، وذلك حماية لأَعراض المسلمات والمسلمين من أَلسنة الكاذبين، وستْرًا للخاطئين منهم لعلهم يتوبون ويرجون إِلى ربهم فيما بينهم وبينه، ومثل ذلك في العقوبة من يقذف مسلمًا حرًّا عفيفًا
(1) انظر المسألة التاسعة عشرة من القرطبى.
(2)
قال بنفي الحد عنهم: الحسن البصرى والشعبى وأحمد، وقال مالك بوجوب الحد على الشهود والقاذف في هذه الحالة.
انظر المسألة الخامسة عشرة من القرطبي
التفسير
6، 7 - {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)}:
كان المسلمون قبل نزول هذه الآية وما بعدها، يفهمون من عموم الآيات السابقة، أَن مَنْ يرى المحصنة - أَي: العفيفة - بالزني وإِن كانت زوجته، ولم يستطع الإتيان بأَربعة شهود، يعاقب بالجلد ثمانين جلدة ولا تقبل له شهادة أَبدًا، ويكون من الفاسقين، لأَن ظاهر أَمرها على الإحصان، أَي: العفة، فنزلت هذه الآية لتخصيص عمومها بغير الأَزواج، إِذْ بينت أَن للأَزواج مخرجًا من الحد عند فقد الشهود الأَربعة.
روى الإِمام البخاري في سبب نزول آيات اللعان بسنده عن سهل بن سعد أَخى بنى ساعدة أَن رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أَرأيت رجلًا وجد مع امرأَته رجلًا أَيقتله أَم كيف يفعل؟ فأَنزل الله في شأنه مما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"قد قضى الله فيك وفي امرأَتك" قال: فتلاعنا في المسجد وأَنا شاهد، فلما فرغا قال: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أَمسكتها (1)، فطلقها ثلاثًا قبل أَن يأْمره رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذاك تفريق بين كل متلاعنين، قال ابن جُرَيْج: قال ابن شهاب: فكانت السُّنَّة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا، وكان ابنها يُدْعى لأمِّه، قال: ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله له، قال ابن جُرَيْج عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدى في هذا الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِن جاءَت به أَحمر قصيرًا كأَنه وَحَرَة (2) فلا أراها إِلَاّ قد صدقت وكذب عليها، وإِن جاءَت به أَسود العينين ذا أَلْيَتَييْن فلا أراه إلَاّ قد صدق" فجاءَت به على المكروه من ذلك.
(1) يعنى أنه إن لم يطلقها يعتبره الناس كاذبا عليها، فلهذا طلقها.
(2)
الوحرة بفتح الحاء المهملة: القصير من الإبل
المفردات:
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} : أَي يقذفوق زوجاتهم بالزنى. {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} : ولم يكن لهم شهود على الزنى سوى أَنفسهم. {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ (1) شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} : أَي فشهادة أَي واحد منهم على زنى زوجته أَربع شهادات بالله.
{إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} : جواب القسم المفهوم من الشهادة، فهى بمعناه كما قال الراغب.
{الْخَامِسَةُ} : أَي والشهادة الخامسة للشهادات الأَربع، أَي: الجاعلة لها خمسًا بانضمامها إليهن.
{أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} : اللعنة واللعن، الطرد من الرحمة والإبعاد من الخير. {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ}: ويدفعَ عنها عقاب الزنى، وسيأتى بيانه في شرح الآيات.
{وَالْخَامِسَةَ (2) أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا} : الغضب؛ أَشد من اللعن، ولذا خص بلعان المرأة تغليظًا عليها، بعد أَن لاعنها زوجها وشهد عليها.
(1) قرىء لفظ: أربع هنا بالرفع على أنها خبر لشهادة، وقرئ بالنصب على أنه مفعول مطلق للشهادة، وعلى هذه القراءة تكون كلمة (شهادة) خبر مبتدأ محذوف، أي: فالواجب شهادة أحدهم أربع شهادات.
(2)
الخامسة هنا منصوبة عطفا على أربع الثانية.
وطريقة التقاضى في هذه المُلِمَّة: أَن يتهم الزوج زوجته بالزنى، فيقول له القاضى بعد أَن تبرئ المرأَة نفسها: البينة أَو حَدٌّ في ظهرك، فقول الزوج: لا بينة عندى وقد رأَيتهما بعينى مثلًا، فيدعوه القاضى إلى اللعان، وهو كما فهم من الآية أَن يقول: أشهد بالله إننى لمن الصادقين فيما رميت به زوجتى فلانة من الزانى ويرفع نسبها بما يميزها إن كانت غائبة ويشير إِليها إن كانت حاضرة، وينفى الولد إِن كانت حاملًا به أَو ولدته فيقول: وإن هذا الحمل أَو الولد من الزنى وليس منى، ويكرر هذه الشهادة أَربع مرات، وكل ذلك بتلقين القاضي كما هو شأْن اليمين (1) في سائر الخصومات، ثم يقول في المرة الخامسة بعد أَن يعظه القاضى ويلقنه: وعليَّ لعانة الله إن كنت من الكاذبين، وتشترط الموالاة بين الكلمات الخمس، ويترتب على لعانه عدة أَحكام: منها سقوط الحد عنه، ووجوب الحد عليها ولو كانت ذمية تحت مسلم، أو تحت ذمي احتكم إِلينا، وزوال الفراش - أَي النكاح - إِلى الأبد، وانتفاءُ الولد إِن نفاه في لعانه، لخبر الصحيحين أَن النبي صلى الله عليه وسلم:"فرق بينهما وأَلحق الولد بالمرأة" وقوله صلى الله عليه وسلم: "المتلاعنان لا يجتمعان أَبدًا" أَخرجه الدارقطنى والبيهقى وغيرهما من حديث ابن عمر، كما يترتب عليه سقوط حد القذف بالنسبة للزانى إِن سماه الزوج في قذفه لزوجته، وتشطير الصداق قبل الدخول كالطلاق قبله، واستباحة نكاح أختها وأَربع سواها وإن لم تنقض عدتها، كما في الطلاق البائن، وعدم نَفَقَتِها وإن كانت حاملًا بمن نفاه - وهذه الأحكام منقولة عن الشافعية ومن يرى رأيهم، وللموضوع صور وتفصيلات ومذاهب للفقهاء، تطلب من مطولات كتب الفقه والتفسير.
وقد شرع الله للمرأَة حق الدفاع عن نفسها لتَدْرأَ عنها الحد وسوءَ القالة، فربما كان الزوج كاذبًا يبغى تشويه سمعتها لخلاف بينهما، حيث قال سبحانه منصفًا لها:
8، 9 - {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ}:
(1) فشهادات اللعان أيمان مؤكدة عند الشافعية والمالكية والحنابلة، أما عند الحنفية فهى شهادات مؤكدة بالأيمان، ولذا يشترطون فيها العدالة كسائر الشهادات
والزوج المذكور في هذا الحديث هو عويمر العجلانى، ففي رواية أخرى للبخارى عن ابن شهاب أَن سهل بن سعد الساعدى - الذي روى الحديث السابق - أخبره أن عويمر العَجْلَانى جاءَ إلى عاصم بن عدى الأَنصارى فقال له: يا عاصم أَرأَيت رجلًا وجد على امرأَته رجلًا أَيقتله فتقتلونه، أَم كيف يفعل؟ سَلْ لى يا عاصم عن ذلك، فسأَل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فكره رسول الله المَسَائِلَ وعابها حتى كَبُرَ على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال عاصم لعويمر: لمْ تأْتنى بخير، قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسأَلة التي سأَلتُهُ عنها، فأَقبل عويمر حتى جاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأَيت رجلًا وجد مع امرأَته رجلًا أَيقتله فتقتلونه أَم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أَنزل الله فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائت بها" قال سهل: فتلاعنا وأَنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبْتُ عليها يا رسول الله إِن أَمسكتُها، فطلَّقَها ثلاثًا قبل أَن يأْمره رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن شهاب: فكانت سُنَّة المتلاعنين.
وقد حدثت هذه النازلة مع امرأَة هلال بن أمية - روى أَبو داود وغيره عن ابن عباس ما يفيد أَن هلالًا قذفها ولم يكن له شهود على زناها. فكان ذلك سببًا في نزول آيات اللعان، وجمعا بين الروايات نقول: لعلهما حدثا متقاربين فنزلت الآيات بشأْنهما، وليس مهما أَن يعرف السابق منهما.
ويستوى في حكم اللعان الزوجات المدخول بهن وغيرهن، وكذلك المعتدات عن طلاق رجعي، وقد عرفوا اللِّعان شرعًا: بأَنه كلمات معلومة، جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لَطَّخت فراشهُ وألحقت به العار، أَو إلى نفى الولد عن نفسه، وسُمِّي لعانًا لاشتماله على كلمة اللعن ولأن كُلاًّ من الزوجين يبعد به عن الآخر بعدًا أَبديًّا فلا يتناكحان أَبدًا.
وقد شرع اللعان لتخليص الزوج من حد القذف إذا قذف زوجته بالزنى ولم يجد له شهودًا أَربعة عدولًا على قذفها، وهى مصرة على تبرئة نفسها مما اتهمها