المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الأنبياء من السور المكية، وعدد آياتها اثنتا عشرة ومائة، وسميت - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٦

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌ ‌سورة الأنبياء من السور المكية، وعدد آياتها اثنتا عشرة ومائة، وسميت

‌سورة الأنبياء

من السور المكية، وعدد آياتها اثنتا عشرة ومائة، وسميت بذلك لاشتمالها على كثير من قصص الأنبياءِ، وبيان أَحوالهم مع أُممهم، وما لاقوا منهم من عنت وتكذيب، جاءَت في إطار المنهج المكى العام من الدعوة إلى عقيدة التوحيد، وذم عقيدة الشرك، وتوبيخ المشركين على إعراضهم عن الذكر، وعلى دعواهم تنافى النبوة والبشرية، والإخبار بأن الله أهلك كثيرًا من الأمم المكذبة لرسلها عقابًا لهم.

وقد اشتملت على آيات الله في السماوات والأرض، وبيان أنه:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} . وأَن المشركين ليس لديهم برهان على مشروعية شركهم ولا على صحته، وأَن التوحيد عقيدة جميع المرسلين، وأن من اتخذوهم أَولادًا لله ليسوا كذلك، بل هم عباد مكرمون، كما بينت أَن السموات والأرض كانتا شيئًا واحدًا ففصل الله بينهما، وسيأتى بيان ذلك في موضعه، كما بينت أنه تعالى حفظ الأرض من الاضطراب بالجبال، وأنه جعل السماءَ فوقنا كالسقف، وحفظها من السقوط ومن العيوب، وخلق الليل والنهار والشمس والقمر، فكيف يعبدون غيره، وأَن الخلائق جميعًا سوف يموتون، وإِلى الله يرجعون، وعابت على المشركين استهزائهم بالرسول لِنَهْيِهِ إياهم عن عبادة آلهتهم، وتوعدتهم على تكذيبهم بيوم القيامة الذي سيأْتى الناسَ بغتة، ثم بيَّنت أنه تعالى سيضع الموازين يوم القيامة، فيقضى بين الناس بالحق، ولا يظلمهم مثقال حبة من خردل، ثم تحدثت عن أَنه تعالى آتى موسى وهارون التوراة ضياءً وذكرًا للمتقين، وآتى محمدًا ذكرًا مباركًا فكيف ينكرونه، ثم حكت قصة إبراهيم مع قومه وأنه حطم أصنامهم، وسفَّه أحلامهم فرجعوا إِلى الحق، ثم لم يلبثوا أن عادوا إلى وثنيتهم ونصرة آلهتهم، وأَنهم حكموا بقتله إحراقا بالنار، فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، فهاجر مع لوط إلى الأرض المباركة، ووهب الله له حال حياته إسحق ويعقوب بن إِسحق عليهم السلام، ثم عقَّبتْ قصته بقصة لوط فنوح فداود وسليمان، فأَيوب فإسماعيل فذى النون فزكريا ويحيى فمريم وعيسى عليهم السلام، لعلَّ المشركين يعتبرون بما جاء فيها من عظات، ويرجعون عن شركهم وعنادهم،

ص: 1085

وبعد أن حكت السورة قصص الأنبياء وبينت أنهم جميعًا على ملة واحدة، وهى ملة التوحيد، وأنه تعالى ربهم جميعًا، فلا يحل لهم أن يعبدوا سواه، ونعت على الأمم تفرقهم في الدين، ما بين موحد ومشرك، وبينت أنهم راجعون إليه للجزاء ثم وصفت أَهوال القيامة، وسوء جزاء الكافرين، وحسن جزاء المؤمنين، وبينت أَنه تعالى كتب في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون، وأَنه أرسل محمدًا رحمة للعالمين، وتوعدتهم على الكفر به، وانتهت بقوله تعالى حكاية عن رسوله:{قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} .

وفي شأنها أخرج البخاري عن ابن مسعود أنه قال: "بَنُو إِسْرَائيلَ والكهفُ ومريمُ وطه، والأنبياء هُنَّ من العتاق الأُول، ومن تلادى" يريد من قديم ما كتب وحفظ من القرآن، كالمال التِّلاد - أي القديم، يعنى أَنها من أوائل ما نزل من القرآن، حيث نزلت بمكة.

ص: 1086

بسم الله الرحمن الرحيم

{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ

وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ

وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ

أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا

أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ}

المفردات:

{حِسَابُهُمْ} : أي زمن حسابهم وهو يوم القيامة.

{مُعْرِضُونَ} : منصرفون عن التفكير في عاقبتهم.

{ذِكْرٍ} : ما يذكرهم من القرآن بواجبات ربهم.

{مُحْدَثٍ} : جديد حديث النزول.

{يَلْعَبُونَ} : يسخرون ويستهزئون.

{لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} : متغافلة بما يلهيها.

{النَّجْوَى} : المسارَّاة في الحديث وإخفاؤه.

{أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ} : تخاليط في رؤى المنام.

ص: 1087

{افْتَرَاهُ} : اختلقه من عند نفسه.

{مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} : المراد من القرية المُهلَكة أهلُها.

التفسير

1 -

{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} :

المراد من الناس هنا: المشركون، فهم الموصوفون بأَنهم في غفلة وإِعراض عن يوم الحساب وبأَنهم يستمعون الذكر وهم معرضون لاهية قلوبهم، وبقولهم عن الرسول والقرآن:{هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} .

والمعنى: قَرُبَ ودنا للمشركين يوم حسابهم - يوم القيامة - وحالهم أَنهم في غفلة عنه، معرضون عن القرآن الذي يذكرهم به، فهم بدنياهم مغرورن، وبأُخراهم مكذبون، ولسوف يندمون حين يرون أَنهم في العذاب محضرون.

والتعبير عن وقت حساب الناس في الآخرة بأَنه قريب لهم، لأن ما بقى من عمر الدنيا بالنسبة إِلى ما مضى منها قليل، ولهذا كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمة الرسالات ونُبُوَّتُهُ خاتمة النبوات، ومن أجل ذلك قال صلى الله عليه وسلم:"بعثت أنا والساعة كهاتين"(1) وأشار إِلى أصبعيه الوسطى والإبهام التي تليها، أي أَن بعثته قريبة من الساعة قرب نهاية الإبهام من نهاية الإصبع الوسطى، وقد ظهر من أَمارات قربها أَنك:(تَرَى الْحُفَاةَ العُرَاة العَالة رِعَاء الشاء يتطاولون في البنيان) كما جاء في الحديث النبوى الصحيح، وأن الأرض تزينت وظن أهلها أَنهم قادرون عليها، كما قال تعالى:{حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} (2) على أن الموت هو القيامة الصغرى، وهو منهم قريب، وحينئذ يعرفون حالهم ومآلهم.

2 -

{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} (3):

هذه الآية مبينة لمدى إِعراضهم عن يوم الحساب الذي هو قريب منهم، وعن الحق الذي قامت به الحجة عليهم.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه بسنده عن سهل - كتاب التفسير - باب (أيان مرساها).

(2)

سروة يونس، من الآية: 24

(3)

جملة "وهم يلعبون" حال من الواو في قوله: {إِلَّا اسْتَمَعُو

ص: 1088

والمعنى: ما يأتى هؤلاءِ المشركين شىءٌ من القرآن مُذكِّرٌ لهم من ربهم، حديث النزول مع جبريل، إلَّا في حال لهوهم ولعبهم بعباراته، حيث يقدحون فيه ويعترضون عليه، وينكرون ما جاءَ به، جهلًا منهم بمكانته من الحق، ومنزلته من الصدق، ولو أن هؤلاء تذكروا بمواعظ القرآن، لتحققوا من الآخرة وقربها، ولطابت نفوسهم بالتوبة والعمل لأُخراهم، ولم يركنوا إِلى زخارف دنياهم، ولكنهم كما قال الحسن: كلما جُدِّد لهم الذكر، استمروا على الجهل.

3 -

{لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ (1) وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} :

أي أَن مشركى مكة كلما أُنزل إِليهم شىءٌ من القرآن حَدِيث النزول، يذكرهم بما يجب لله من صفات الكمال، وبأنهم سوف يحاسبون على أعمالهم، لا يستمعون إِلَاّ وهم عابثون مستهزئون، ساهية قلوبهم معرضة عن ذكر الله متشاغلة عن التأمل والتعقل فيما تنتهى إِليه دنياهم، وما هم منتهون إليه من عذاب السعير، وفي معنى ذلك قوله تعالى:{وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} (2). ثم أطلع الله نبيه على مؤامرتهم فقال: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} (3): أَي وبعد أن غمرتهم الغفلة وأعرضوا مستكبرين لاهين مكذبين بالبعث والحساب، أَخفى هؤلاءِ الطاغُون تناجيهم ومسارتهم حين يثبطون المؤمنين ويَصُدُّون الناس عن الإِسلام، بِتنْقِيص الرسول وتكذيبه، وإثارة النفوس عليه، حتى ينفروا منه، ويعرضوا عن دعوته، يقولون لهم:

{هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} : الاستفهام للنفى المشوب بالتعجب، أي ما هذا إلَاّ بشر مثلكم، فهو واحد منكم، وليس من الملائكة، فكيف تسمعون له وتطيعونه، إِنه يريد أن يتميز عليكم ويتزعمكم، فليس بنبى ولا رسول كما يقول لكم، ومثلهم في هذا مثلُ قوم نوح، حين قال بعضهم لبعض:{مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} (4).

(1) لاهية حال ثانية من الواو في قوله {اسْتَمَعُوهُ} مؤكدة للعبهم، وقلوبهم فاعل لاهية، لأن الوصف يعمل عمل الفعل.

(2)

سورة الصافات الآيتان: 13، 14

(3)

(الذين ظلموا) بدل من الواو في قوله (وأسروا) أو أن الواو في (أسروا) حرف للدلالة على الجمعية، و (الذين ظلموا) فاعل، وهذه لغة أزد شنوءة، قال شاعرهم: يلوموننى في اشتراء النخيل أهل وكلهمو ألوم. قال أبو حيان: وهى لغة حسنة وليست شاذة كما قال بعضهم، وبه قال أبو عبيدة والأخفش وغيرهما، حيث قالوا: إن الواو في (أسروا) مثلها في (قائمون) ومثل التاء في قامت حرف للدلالة عل جمع المذكر في الأولى وعلى المؤنثة في الثانية.

(4)

سورة المؤمنون: من الآية: 24

ص: 1089

ثم زادت قريش في غلوها، فزعمت أَن القرآن سحر، وأن محمدًا يسحر به عقول الناس فقالوا منكرين على المؤمنين اتباعه:

{أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} : والاستفهام في الآية لاستنكار مجىءِ الناس لسماعه، وتسْفيه المؤمنين وتوبيخهم على إيمانهم به.

والمعنى: ما لكم تتوجهون إلى السحر وتطيعون صاحبه؟ وأنتم ترون بأعينكم أَنه بشر وتدركون بعقولكم ما يوثِّر بسحره على الضعفاءِ من قريش، فيفرق به بين الوالد وولده، وبين الرجل وأَهله، وغاب عنهم أن الحق أَقوى من السحر، وأَنه هو الذي فرق بين أَهل الهدى وأهل الضلال خوفًا من عدْواهم أو من ظلمهم وعدوانهم، وما محمد بساحر ولا عرف السحر، وما القرآن إلَّا رحمة للعالمين.

4 -

{قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} :

قرئ {قَالَ} بصيغة الماضى و (قُلْ) بصيغة الأمر، وقد أفاد مجموع القراءَتين، أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَمره ربه أن يقول هذا القول ردا على مزاعمهم في نجواهم، وأَنه امتثل فقاله لهم.

والمعنى: قال محمد لمن تناجوا واستَخْفَوْا بأحاديثهم طعنًا في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، قال محمد لهم: ربي يعلم قول كل قائل في السماوات والأرض، وهو عظيم السمع محيط العلم، فكيف لا يعلم سركم ونجواكم؟ ويعاقبكم على صدكم عن سبيله، وكفركم بكتابه ورسوله، وما أنتم في ملكه وملكوته وفي دائرة علمه وانتقامه إِلَّا شىءٌ قليل.

ولم يكتف هؤلاء الظالمون بما زعموه في حق القرآن من كونه سحرًا، بل تخبطوا في وصفه ووصف رسوله، كما حكاه الله بقوله سبحانه:

5 -

{بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} :

الأضغاث في الأَصل: الحشائش والأعشاب اختلط يابسها برطبها، أَي: أن رسالة محمد في نظرهم أَحلام مختلطة رآها في نومه، حملته على أَن يتوهم ما توهم، ويقول ما قال ولا حقيقة في الواقع لما ادعاه، ولا تأْويل له كما لا تُؤَوَّل الأَحلام المختلطة، ومن كان كذلك فلا ينبغي أن يصدق أَو يتبع، ثم أضْربُوا عن هذه الفرية، حين رأَوها هـ

ص: 1090

أمام عظمة القرآن وبلاغته، فزعموا أَنه افتراه بفصاحته، ونسبه وحيًا إلى الله، ثم اشتد تخبطهم فعدلوا إلى وصفه بأنه شاعر يجيد صوغ الشعر، ويحسن سبكه ويسحر ببلاغته من يسمعه، حتى يحمله على اتباعه، متجاهلين أَن محمدًا الذي نشأَ بين أظهرهم لا يعرف الشعر ولم يزاوله في حياته:{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} (1).

وفي الطبرى أن هذه الدعاوى المفتراة، والمزاعم المختلفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لطوائف من المشركين لكل طائفة فريتها التي كفرت بها. يقول رحمه الله في تفسير الآية:"ما صدقوا بحكمة القرآن ولا أَنه من عند الله، ولا أقروا بأَنه وحى أَوحاه الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم بل قال بعضهم: هو أهاويل رؤيا رآها في النوم، وقال بعضهم: هو فرية واختلاق افتراه على الله، واختلقه من قِبَل نفسه، وقال بعضهم: بل محمد شاعر وهذا الذي جاء به شعر" اهـ.

وهذا التنقل في أَباطيلهم ومفترياتهم مع علمهم أَنه على الحق، ناشئ عن استكبارهم وعنادهم، حتى قالوا:{لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (2). وصدق الله العظيم إِذ يقول: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (3).

{فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} : أَي إن كان محمد صادقًا فيما ادعاه من أن الله بعثه للناس رسولًا، وأَنزل معه كتابًا، وأن الذي يتلوه وحى يوحى إليه من الله، ويريدنا على تصديقه فليؤيد قوله بمعجزة كونية تدعم دعواه، كمن سبقه من المرسلين، مثل إِحياء الموتى وإِبراء الأكمه والأَبرص على يد عيسى، وكعصا موسى، وناقة صالح وغيرها، فإن فعل ذلك آمنا به وصدقناه، ودعونا الناس لدعوته، وأعناه على تبليغ رسالته.

6 -

{مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} :

لما اقترحوا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتى بآية تثبت لهم نبوته كمعجزة صالح وموسى وعيسى وغيرهم من المرسلين نزل قوله تعالى: {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} : أَي أَن أي قرية أَهلكناها كانت غير مؤمنة فاقترح أَهلها آيات كالتى تريدها

(1) سورة يس، آية: 69

(2)

الزخرف، الآية: 31

(3)

الأنعام، من الآية:

ص: 1091

قريش فلما جاءتهم لم يؤمنوا، وسنة الله أَنه إِذا أَجاب أُمة إِلى ما اقترحت من آيات ثم لم تؤمن أخذها أَخذ عزيز مقتدر.

{أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} : الاستفهام فيه للإِنكار والاستبعاد، فمعنى:{أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} أَن قريشًا لا يؤمنون إِن جئناهم بالآيات التي أَرادوها، وحينئذ يحق عليهم من العذاب والهلاك ما حق على الأَولين، فلهذا لم نجبهم إِلى ما طلبوا، لأنهم سيؤمنون بدونها، وينتشر بهم الإسلام وفقًا لمشيئتنا.

{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ}

المفردات:

{رِجَالًا} : أَي بشَرًا لا ملائكة. {أَهْلَ الذِّكْرِ} : المراد بهم هنا: أهل الكتاب.

ص: 1092

{جَسَدًا} الجسد: جسمُ الإنسان خاصة كما قاله الخليل، وعممه صاحب القاموس في الإنس والجن والملَك، وهو المناسب للآية. {صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْد}: بنصرهم على أعدائهم. {الْمُسْرِفِينَ} : الكافرين. {ذِكْرُكُمْ} : وعظكم أو شرفكم. {تَعْقِلُونَ} : تتدبرون وتتعظون. {وَكَمْ} : كم خبرية تفيد الكثرة. {قَصَمْنَا} : القصم الكسر مع تفريق الأجزاء أَي: أهلكنا. {أَحَسُّوا بَأْسَنَا} : أدركوه بالحاسة أي: عاينوا العذاب الشديد الذي يوشك أن ننزله بهم. {يَرْكُضُونَ} : يفرون هاربين، وأَصل الركض: استحثاث الفرس برجلي الراكب ليسرع في جريه. {مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} : ما وسع الله عليكم فيه من مختلف النعم. {دَعْوَاهُمْ} : دعوتهم. {جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا} : أَهلكناهم جميعًا فكانوا كالزرع المحصود. {خَامِدِينَ} : ميتين، والخمود أصلًا للنار، يقال: خَمَدَتِ النَّارُ أَي: - هَمَدَت وَطُفِئَتْ، شبه ذهاب أَرواحهم بخمود النار.

التفسير

7 -

{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} :

هذه الآية رد على ما زعموه من أنه لا يصح أن يكون الرسول بشرًا؛ حسبما يقتضيه قولهم السابق: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} .

المعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمد إِلى الأُمم التي سبقت أُمتك، إِلا رجالًا من البشر مثلك، نوحى إِليهم على لسان الملك ما نوحيه من العقائد الحقة والشرائع اللائقة بحالهم وزمنهم وبقصص الأَنبياء الذين سبقوهم مع أُممهم، كما نوحى إِليك، فما بالهم ينكرون عليك الرسالة لأنك بشر، ولست في ذلك بدعًا من الرسل، فكلهم من البشر.

والواقع أَنهم يجادلون بالباطل، فهم على علم بأَن الرسول لا يكون إِلَّا بشرًا، إِذ أَنهم يقرون برسالة إبراهيم وإسماعيل، ولهذا يحجون البيت الحرام الذي بنياه، ويزعمون أنهم على شريعتهما، ولقد عاملهم الله بجهالتهم ومغالطتهم، فقال لهم:

{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} : أَي فاسأَلوا أَيها الجاهلون المفترون على رسالة محمد، اسأَلوا أَهل الكتاب عن الرسل: أَبشرًا كانوا أَم ملائكة، إن كنتم لا تع

ص: 1093

حال الرسل السابقين؟ فالمراد بأَهل الذكر: أَهل الكتاب، فإِنهم مع عداوتهم للرسول لا يستطيعون إنكار بشرية الرسل، فإِن موسى صاحب التوراة من البشر، وهذا شىءٌ لا يستطيع اليهود المجاورون للمشركين إِنكاره، وقيل: أَهل الذكر: هم أَهل القرآن، ورد ابن عطية هذا الرأْى بأنهم كانوا خصومهم فكيف يسألونهم.

8 -

{وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} :

بعد أن بيَّنَ القرآن أَن سنة الله في الرسل أن يكونوا بشرًا، بيَّن ما فيهم من بقية صفات البشر فقال:{وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} : أي وما جعلنا الرسل الذين أَرسلناهم إِلى الأُمم الماضية جسدًا لا يأْكلون الطعام كما هو شأْن الملائكة الذين تريدون رسولكم منهم، ولكن جعلناهم بشرًا مثله، يأكلون الطعام كما يأكل، وما كانوا باقين أَبدًا في الحياة الدنيا، بل هم إلينا راجعون كسائر البشر.

ومع كون الآية مقررة لما قبلها فهى رد على قولهم: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} ويقول الآلوسى في تفسيرها: (والظاهر أَنهم يعتقدون في الملائكة الحياة الأبدية كاعتقاد الفلاسفة فيهم، وحاصل المعنى على هذا جعلناهم أجسادًا متغذية صائرة إلى الموت حسب آجالهم، ولم نجعلهم ملائكة لا يتغذون ولا يموتون حسبما تزعمون) انتهى بتصرف يسير.

9 -

{ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} :

ثم وفينا بوعدنا لرسلنا السابقين بالنصر على عدوهم، وحقت كلمتنا لهم، فأخذنا الأُمم الذين عصوهم وعتوا عن أَمر ربهم بالعذاب بعد أَن أجبناهم إلى الآيات التي طلبوها فكفروا بها، فأَنجينا رسلنا ومن أَردنا نجاته من المؤمنين - أَنجيناهم مما أخذنا به أممهم الكافرة، وفي ذلك يقول الله تعالى:{ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} (1). وأَهلكنا الذين أَسرفوا على أنفسهم بالكفر والتمادى في الضلال، هذه أنباءُ من قبلكم وتلك عاقبتهم فما لكم تعرِّضون أنفسكم لمثل ما نزل بهم بانتهاجكم نهجهم، وسيركم في طريقهم.

(1) سورة يونس، آية:

ص: 1094

10 -

{لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ..... } الآية.

التنوين في {كِتَابًا} للتعظيم، والمعنى: لقد أنزلنا على رسولنا كتابًا عظيمًا، فيه تذكير وموعظة لكم، كما أن فيه عزكم وشرفكم، إن آمنتم به، وصدقتم من بلَّغه، كما قال سبحانه:{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} (1): أَي شرف لمن اتبعه، وعمل بما جاءَ به.

{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} : الاستفهام للإنكار والتوبيخ، أَي ألا تتفكرون فلا تعقلون، وفيه معنى الأمر، أَي تَفَكَّروا لكي تدركوا فيم يكون خيركم؟ وفيه الإشارة إلى أَن من أعرض عما جاء به الرسول فلم يُعْمِلْ عقله فيه، ولم يتدبر أمره، موسوم بعدم التعقل وقلة التبصر، وهو ما لا يليق بعاقل، ومثله في المعنى قوله تعالى:{بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} (2). وهل يعرض عن داعية الشرف والاتعاظ عاقل؟

11 -

{وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} :

هذه الآية وما بعدها لتفصيل ما أُجمل في قوله تعالى: {وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} وبيان لكيفية إهلاكهم.

والمعنى: إن سنتنا التي لا تتغير هي أَن نأْخذ الجاحدين بالآيات إِذا ما لجُّوا في ضلالهم وكثيرًا من الأُمم قصمنا أي: أَهلكناها إهلاكًا تامًا، ودمرناها تدميرًا كاملًا. فالمراد بالقرية أَهلها على حد:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ، وتلك القرى التي أَهلكناها كانت ظالمة لنفسها بكفرها ومعاصيها، ظالمة للرسل والمؤمنين بالتكذيب والاضطهاد، وملاحقتهم بالكيد والإيذاء، وأنشأْنا بعد إهلاك هذه القرى الظالمة قومًا آخرين ليسوا منهم، حلوا في أَماكنهم، وسكنوا قراهم، والظاهر أَن هذه القرى المهلكة لا يراد بها قرى معينة، وقيل: إِن المراد بها قرية باليمن تسمى "حضور" قتل أَهلُها نبيَّهم، فانتقم الله منهم أَبلغ انتقام لبلوغهم في الكفر أبشع ما يكون وهو قتل الأَنبياء، والرأى الأول هو الظاهر، فإن لفظ:{كَمْ} يدل على كثرة القرى المهلكة فكيف يُرَادُ به قريةٌ واحدة بعينها؟.

(1) الزخرف، من الآية: 44 والذكر بمعنى الوعظ أو الشرف والعز.

(2)

المؤمنون، من الآية:

ص: 1095

12 -

{فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} :

وهذا بيان لحالهم حين حلول العذاب بهم. أي: فلما أدركوا عذابنا الشديد وشعروا بوقوعه بهم، وأحسوه بحواسهم {إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ}: وأصل الركض؛ ضرب الراكب دابته برجله لتسرع، أَي: أَنهم ركبوا دوابهم وركضوها - ظنا منهم أنها تنجيهم من أخذ الله وعذابه (1)، أَو هو على تشبيههم في فرارهم بالراكض يسرع طلبًا للنجاة، فجعلوا كأَنهم يستنهضون أَنفسهم حثّا لها على السرعة والتماسًا للنجاة من عذاب لا مفر منه أبدًا" (2).

13 -

{لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} :

أَي: قيل لهم هذا، والقائل إما من الملائكة، وإما من المؤمنين، أَو أَن من يراهم يقول بلسان الحال هذا المقال: لا تسرعوا في عَدْوِكم، وعودوا إِلى مقر نعمتكم ومواطن ترفكم الذي أَبطركم حتى جحدتم وكفرتم، وأَقيموا في مساكنكم ووطئوا مجالسكم، كما اعتدتم، لعل أتباعكم يَمثُلُون بين أَيديكم، ويسألونكم عما تأمرونهم به لينفذوه، أَو لعلكم تُسْألون عن باعث هذا العذاب عليكم، وسبب نزوله بكم، أو لعلكم تسأَلون أَن تؤمنوا كما كنتم تسألون قبل نزول البأْس بكم، فتسارعون إلى الإيمان طلبًا للنجاة، وكل ذلك على سبيل التهكم والسخرية بهم، وفي الآية آراءٌ أخرى، وحسب القارئ ما تقدم.

وهذا الفرار منهم أبْلَغ في الجهل وأَبعد عن السداد، إِذ أنهم يقيسون أخذ الله القادر القاهر بأَخذ الناس للناس فظنوا الهرب منجيًا، فهربوا فلاحقهم عذاب الله.

14 -

{قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} :

أي أن أهل هذه القرى الظالمة لما أَحسوا بأْسنا وعذابنا، ركضوا وأسرعوا طلبًا للنجاة وقالوا - نادمين - يندبون نهايتهم: يا هلاكنا إنا كنا ظالمين لرسلنا ولآيات ربنا ولأنفسنا، فحق علينا قول ربنا، وهكذا يندم الظالمون بعد فوات الأوان، ويتحسرون ويعترفون بخطاياهم حين وقوع العقاب، وسوف ينتهون بعده إلى عذاب دائم:{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار} (3).

(1) وهو على هذا فعل متعد لمفعول.

(2)

وهو على هذا استعارة مكنية، وقال أبو زيد: ركض تستعمل لازمة بمعنى جرى وعلى هذا لا يكون في الكلام تجوز.

(3)

سورة غافر، آية

ص: 1096

15 -

{فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} :

الدعوى هنا بمعنى الدعاء والنداء، والمقصود بها قولهم:{يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} : أي أَنهم ظلوا يولولون مرددين هذه الدعوة، قائلين: يا هلاكنا قد جاء أَوانك؛ فقد كنا ظالمين لأنفسنا بما أَشركنا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وما زالوا يرددون دعوتهم هذه حتى أتم الله إهلاكهم وإفناءَهم وكانوا كالزرع المحصود الذي انقطعت صلته بالحياة، وأَصل الخمود: انطفاءُ النار بعد اشتعالها، فشبه موتهم بعقاب الله بعد حياتهم ونشاطهم - شبه - بخمود النار بعد اشتعالها فتصبح لا ضوء لها ولا دخان ولا حرارة بعد أن تحولت إلى رماد.

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}

المفردات:

{لَاعِبِينَ} : أَي عابثين بدون حكمة. {لَهْوًا} : اللهو كل ما يتلهى ويتسلى به.

ص: 1097

{نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ} : نرمى به عليه. {فَيَدْمَغُهُ} : فيصيبه ويقهره.

{زَاهِقٌ} : هالك فانٍ. {الْوَيْلُ} : الهلاك والعذاب. {مِمَّا تَصِفُونَ} : بسبب وصفكم لربكم.

{وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} : وَلا يَمَلُّونَ وَلا يَتعبون. {يَفْتُرُونَ} : يَعيَوْنَ ويضعفون.

{أَمِ اتَّخَذُوا} : بل اتَّخذوا؟. {يُنْشِرُونَ} : يُحْيُون الموتى.

{لَفَسَدَتَا} : لخربتا واختلَّ نظامهما.

التفسير

16 -

{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} :

عقب الله - سبحانه - إخماد الظالمين وإِهلاكهم، واستخلاف قوم آخرين مكانهم بهذه الآية ليشير بها إلى أَن أفعاله تعالى لا تَخلو عن الحكمة، وأن إهلاك الظالمين عين الحكمة، لكفرهم وظلمهم، وقد أَفادت الآية الكريمة أن ما بين السماوات والأرض شىءٌ عظيم يقتضى الإشارة إِليه، وإن لم يصل العلماءُ بعد إلى تفصيله، وإن عرفوا بعضه كالأشعة الكونية والجاذبية والهواء.

والمعنى: وما خلقنا السماوات والأَرض وما فيهما وما بينهما من الكائنات والعناصر والعوالم التي لا يعرفها بحقائقها وأوصافها إلا نحن - ما خلقنا ذلك عابثين لمجرد التلهى بل خلقناها مشحونة بالآيات والعجائب، ليتعرف علينا عبادنا بآياتنا، ولمصالح دنيوية وأُخروية، وحكم علوية ظاهرة وخفية، وسيتجلى ذلك يوم يقوم الناس لرب العالمين.

17 -

{لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} :

هذه الآية مقررة لما قبلها من انتفاء اللهو واللعب في خلق السماوات والأرض وما بينهما، كما أَنها منزهة له تعالى عما زعمه المشركون من أن الأصنام بنات الله، وما زعمه النصارى من أن لله زوجة وولدًا هما مريم وعيسى عليه السلام، وما زعمه اليهود من أن عزيرا ابن الله، تَعَالىَ اللهُ عَمَّا يقُولُونَ عُلُوًا كَبِيرًا.

ص: 1098

يقول الإمام الواحدى: اللهو: طلب الترويح عن النفس. ثم المرأة تسمى لهوا وكذا الولد، لأنه يُسْترْوَحُ بكل منهما، ولهذا يقال لامرأة الرجل وولده: رَيْحَانَتَاه.

والمعنى: لو أَردنا أن نتخذ لهوا من النساء أو الأولاد، لاتخذناه من عندنا مما نصطفيه ونختاره (1)، لا كالذين زعمتموهم، لأَن ولد الوالد وزوجته يكونان عنده لا عند غيره. انتهى بتصرف.

وتفسير اللهو بالولد مَرْوِيٌ عن ابن عباس والسدى، وتفسيره بالمرأة مروى عن قتادة، وفسر الجبائى الآية بقوله: لو أَردنا اتخاذ اللهو لاتخذناه من عندنا، بحيث لا يطلع عليه أَحد، لأنه نقص فَسَترُهُ أَولى، انتهى.

وقد أَفادت هذه الجملة أَنه تعالى يستحيل عليه اتخاذ زوجة أو ولد بأَى صورة في السماءِ أَو في الأَرض، لأَنه تعالى يستحيل عليه أَن يشتغل باللهو، فكل أَفعاله تتسم بالجد والحكمة، ولذا ختم الآية بقوله سبحانه:{إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} أَي أننا لا نفعل ذلك لكونه مستحيلا في حقنا.

18 -

{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ

} الآية.

ليس من شأْننا التلهى والعبثُ بل شأْننا الحق والجد، ولهذا نقذف الباطل بالحق فيدمغه، ويذهب به، ويقضى عليه ويدمره.

{فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} : هالك زائل، وفي التعبير بالقذف الذي لا يكون إلا في الأجسام الصلبة - عادة - من حجر ونحوه، وبالدمغ الذي أَصله إصابة الدماغ وهو مقتل، وبالزهوق الذي هو خروج الروح من الجسد إِبراز للمعنوى في صورة المُحَسِّ المشاهد، وفي ذلك أبلغ تصوير لغلبة الحق على الباطل حتى يمحقه ويمحوه.

قال الزمخشرى في كشافه: "بل" للإِضراب عن اتخاذ اللهو واللعب، وتنزيه منه تعالى لذاته كأَنه قال: تنزيهًا لنا أَن نتخذ اللهو واللعب من عادتنا، فموجب حكمتنا واستغنائنا عن القبيح أن نَغْلِبَ اللهو بالجد، وندحض الباطل بالحق. اهـ.

(1) كما في قوله تعالى في سورة الزمر: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} وحرف "لو" في كلتا الآيتين يفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط.

ص: 1099

{وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} : المخاطبون بذلك ابتداءً هم الكفار من أهل مكة، ولأَمثالهم في كل حين مالهم من الويل الشديد، و"مِنْ" في قوله {مِمَّا تَصِفُونَ} تعليلية، و"ما" مصدرية أي بسبب وصفكم الله تعالى بما لا يليق بجلاله سبحان، ويجوز أَن تكون "ما" اسما موصولا، والمعنى: ولكم الويل من الذي تَصفون الله به مما يجب تنزيههُ عنه من اتخاذ الصاحبة والولد كما قال سبحانه: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} (1).

19 -

{وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} :

بينت الآيات السابقة فساد الأديان التي تزعم أن لله ولدا، كما توعَّدت أولئك الزاعمين بإِبطال مزاعمهم، ونَصْرِ الحق على باطلهم حتى يزهق، وأَن الله تعالى سوف يعاقبهم على افترائهم، وجاءَت هذه الآية لبيان كمال استغنائه عن الولد المزعوم وعن طاعتهم، فإنه سبحانه يملك من في السماوات والأرض، وكل من عنده خاضعون لربوبيته.

والمعنى: ولله من في السماوات والارض من سكانهما، وما فيهما من سائر المخلوقات، له تعالى كل ذلك خلقًا وملكًا وتصرفًا وتدبيرًا، وإحياءً وإماتة وتعذيبًا وإثابة، دون شريك له فيه، ومَنْ عنده في مكانة الشرف والكرامة من الملائكة، لا يستكبرون عن عبادته وطاعته في كل ما يأْمرهم به، ولا يَمَلُّون ولا يتعبون، فأى حاجة لله تعالى في أن يتخذ ولدًا وهو تام الاستغناءِ عن الولدية، وأَى ضرر أَصابه بعبادتكم لغيره؟ والتعبير عن الملائكة بأَنهم عنده سبحانه، على سبيل التمثيل بِجَعْلِ منزلتهم في الشرف ورفعة الجاه كمنزلة المقربين مكانًا من الملوك، ونَفْيُ استكبارهم عن العبادة، مشعِرٌ بالتعريض بمن كفر من الناس واستكبر على عبادته.

ولما بين الله في هذه الآية أَن الملائكة لا يستكبرون عن عبادته الشاملة لكل أَنواع الخضوع لأوامره وتعظيمه وتنزيهه، عقبها بالتنويه بحال من أحوال عبادتهم فقال سبحانه:

20 -

{يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} :

فقد بين سبحانه في هذه الآية حالا من أَحوال خضوع الملائكة لله، وأَنهم لا تشغلهم عبادته والخضوع له فيما يأْمرهم به من شئون الكون عن دوام تسبيحه.

(1) سورة الجن، آية: 3 ومعنى (تعالى جد ربنا

الخ) تنزه استغناؤه ومجده عن اتخاذ زوجة أو

ص: 1100

والمعنى: ومَنْ عند الله من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته والخضوع لأَوامره، فهم يسبحونه ليلا ونهارًا لا ينقطعون، والمقصود من ذكر الليل والنهار الدوام، سواءٌ كان عندهم ليل ونهار أَو لم يكن، ولا يمنعهم هذا التسبيح الدائم من قيامهم بما يكلفهم الله به، قال تعالى:{لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} . فالتسبيح لهم بمنزلة التنفس لا يشغلهم عنه شاغل.

21 -

{أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ} :

بهذه الآية بدأَ التقريع والتوبيخ لمن اتخذوا آلهة لهم غير الله تعالى، وحرف (أَمْ) هنا إِما بمعنى (هل) الاستفهامية الإنكارية - كما جنح إِليه بعض المفسرين - والإنشار بمعنى الإحياءِ.

والمعنى على هذا: هل اتخذ المشركون آلهة من الأرض همْ يُنْشِرون الموتى، ويعيدونهم أَحياءً، كلا فإِنهم لا يقدرون أَن يدفعوا الفناءَ عن أنفسهم، فكيفْ ينْشِرُون غيرهم ويحيونهم، فلماذا عبدوهم؟

وإِما أَن تكون (أمْ) بمعنى بل والهمزة، فكأنه قيل: بل اتَّخَذُوا، وتكون (بل) للإضراب الانتقالى عن النقاش السابق، إلى تقريع الكفار وتوبيخهم على اتخاذ آلهة عاجزين.

والمعنى على هذا: بل أتَّخَذَ المشركون آلهة من هذه الأرض هم يعيدون الموتى إلى الحياة، كلَاّ فهم أَعجز ما يكونون عن ذلك.

وعلى أَي التقديرين في تفسير حرف (أَمْ) فمآل المعنى واحد كما هو واضح مما قدرنا ووصف آلهتهم التي اتخذوها بكونها من الأرض لتحقيرها، وتوبيخ عابديها على تركهم رب السماوات والأرض الذي هو يحيى ويميت إلى آلهة حقيرة لا قدرة لها على إحياء الموتى.

22 -

{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} :

بعد أَن بين الله فيما تقدم هوان آلهتهم وعجزها، ووبخهم على عبادتها معه سبحانه جاءَت هذه الآية الكريمة، لكي تقيم الدليل العقلى على وحدانيته تعالى.

ص: 1101

والمعنى: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله تدبر شئونهما وتصرف أَمرهما لفسدتا؛ وذلك لأن شأن التعدد الاختلاف والتغالب، وأَن يفسد كل من الآلهة عمل الآخر، وبما أن المشاهد هو صلاح السماوات والأرض وبقاؤهما منذ بدء الخليقة على هذا النظام البديع والتدبير المحكم، فإن ذلك يدل أَوضح دلالة على أن خالقهما ومدبرهما هو إِله واحد.

والآية الكريمة تشير إلى برهان عقلى يسمى برهان التمانع والتعارض بين إِرادات الآلهة المتعددين، وشاهد صحة هذا البرهان في الحياة، أَن الأمة لا يصلح أَمرها إلا بملك واحد، فإن تعددت ملوكها فسد الأمر فيها، والجسد الواحد لا يصلح أَمره إِلا بقلب واحد، فإِنْ تعددت القلوب فسد الجسم، ولهذا قال تعالى:{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} كما أن الأسرة لا يصلح أمرها إِلا برئيس واحد، فإن تعدد الرؤساءُ فيها فسد، والمصنع لا يديره إِلا رئيس واحد، فإن تعدد رؤساؤه تعارضوا وفسد الأمر فيه، وهكذا كل أَمر في الحياة لا يصلح إِلا بإرادة واحدة رشيدة فعالة مسيطرة، ليس لها معارض يفسد عليها تدبيرها، ولهذا نزه الله تعالى نفسه عما يقوله المشركون عن شركائهم بقوله في نهاية الآية:

{فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} : أي فيترتب على هذا البرهان الواضح تنزه الله صاحب العرش والسلطان المطلق عن وصف هؤلاءِ المشركين إِياه بأَن له شركاءَ تستحق العبادة معه، إذ أَنهم جميعا في ظل سلطانه وتحت عرشه وفي قبضة ملكه، وكرم ربوبيته.

وهذه الجملة مع إفادتها تنزيه الله تعالى عما يدَّعيه المشركون، فقد أَفادت التعجب من عبادتهم هذه المعبودات الخسيسة، وفي عدها شريكة لرب العرش العظيم.

ولعلماء العقيدة براهين أُخرى، وحسب القارئ ما قدمناه.

23 -

{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} :

استئناف مبين لما يقتضيه تفرده سبحانه بالألوهية وعظمة الربوبية، وهو أَن يكون سائلا لعباده عما يفعلون لا مسئولا منهم عما يفعله فيهم، يقول العلامة الزمخشرى في

ص: 1102

تفسير هذه الآية: "وإذا كانت عادة الملوك أَلا يسالهم مَنْ في مملكتهم عن أفعالهم، وعما يُورِدُون ويُصْدِرُون من تدبير ملكهم تهيبا وإِجلالا مع جواز الخطأ والزلل وأنواع الفساد عليهم، كان مَلِك الملوك ورب الأرباب خالقهم ورأزقهم أَولى بألا يُسْأل عن أفعاله، مع ما علم واستقر في العقول من أن ما يفعله كله معقول، ومرتبط بدواعى الحكمة، ولا يجوز عليه الخطأُ ولا فعل القبيح" انتهى بتصرف يسير.

أَما العباد فإنهم يُسألون بمقتضى عبوديتهم وتكليفهم بطاعته سبحانه، والعمل بشرائعه التي شرعها لهم على ألسنة رسله، وبمقتضى ما منحهم من عقول صالحة لتمييز الحق من الباطل، والخير من الشر والنفع من الضر، وفي جملة من يسأَلهم الله من عباده من أشركوهم معه كالمسيح والملائكة، فكيف تصلح معبوداتهم للعبادة وهم مسئولون للإِله الواحد سبحانه وتعالى.

{أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} المفردات:

{أَمِ اتَّخَذُوا} : بل أتخَذُوا. {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} : أَحضروا دليلكم.

ص: 1103

{هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ} : أَي ما في القرآن من التوحيد ونفى الشريك ذكرُ من اتبعنى. {وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي} : ممن تقدمنى من أهل الأديان السماوية.

{وَلَدًا} أَي: من الملائكة على ما يزعمون.

{لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} : لا يتكلمون إلا بأَمره.

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} : يعلم ما عملوا وما سيعملون.

{لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} : لا يشفعون إلا لمن يأذن الله لهم فيه.

{مُشْفِقُونَ} : خائفون على أنفسهم مراقبون لربهم.

التفسير

24 -

{أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ...... } الآية.

"أَم" هي المنقطعة المفيدة معنى (بل والهمزة) جاءَت للانتقال من إظهار بطلان ما اتخذوه آلهة في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا .... } الآيتين، إلى تأكيد بطلان ذلك الاتخاذ، والهمزة التي تضمنتها أَم لإِنكار الاتخاذ المذكور واستقباحه، وتكرار هذا مع ما سبق، لتأْكيد استقباح حالهم، واستنكار كفرهم باتخاذ الشريك لله سبحانه، ومزيد توبيخهم على ذلك، فكأَنه قال: ما أَشد قبح ما فعلتموه من اتخاذ آلهة لا حول لها ولا قوة، بل هي في حكم العدم.

{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} :

أَي قل لهم - يا محمد - ردًا عليهم وتفنيدًا لمزاعمهم: أحضروا برهانكم ودليل صدقكم على مُدَّعاكم، عقليا كان أَو نقليا.

والمقصود من طلب البرهان على صحة شركهم تعجيزهم وتحديهم والسخرية بمزاعمهم، إِذ لا يوجد برهان عليه عقلا، كما أَشار إليه قوله تعالى:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} ولوضوح عجز هؤلاء الشركاءِ عن حماية أَنفسهم مما يضرهم أو أن يجلبوا لأنفسهم ما ينفعهم، فكلهم تحت سلطانه تعالى.

ص: 1104

كما أَنه لا يوجد دليل نقلى على جواز شركهم، وإِليه يشير قوله تعالى:

{هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي} : أَي هذا التوحيد الذي دعوتكم إِليه، هو ذكر مَن معى من أُمتى، وذكر من قبلى من الرسل وأُممهم، فهو شريعة الله في جميع الرسالات، ولم يختص به الأُمة المحمدية.

ويصح أن يكون المعنى: هذا القرآن تضمن وَعْظ الله لأُمتى، ووعظه سبحانه لأُمم الأنبياء والمرسلين قبلى، فاقرءُوا الكتب السماوية كلها، وانظروا هل تجدون في أَحدها ما يخالف الآخر في عدم مشروعية الشرك؟ ثم انتقل الأُسلوب القرآنى من الخطاب إلى الغيبة بطريق الإِضراب الانتقالى، في ختم الآية بقوله تعالى:{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} : أَن هؤلاءِ المشركين لا يجدى تبكيتهم على عقيدة الشرك التي لا يوجد لأحد عليها دليل عقلى ولا نقلى، فدَعْ مطالبتهم بالبرهان، فإنهم لا يعقلون أَن الشرك لا برهان له، فلهذا لا يفرقون بين الحق والباطل ولا يميزون بينهما، فتراهم يعرضون عن الحق دون تأمل.

والتعبير بأكثرهم لأن فيهم من اهتدى إِلى معرفة الحق، ثم آمن به مقبلا عليه متفانيًا في سبيل الدفاع عنه.

25 -

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} :

بيَّن الله في الآيات السابقة بطلان عقيدة الشرك عقلا ونقلا، وجاءَت هذه الآية لتؤكد ذلك ولتبين أن عقيدة التوحيد، كانت عقيدة الرسل التي أَوحاها الله إِليهم، قال قتادة: لم يرسل الله نبيا إِلا بالتوحيد، وإن اختلفت الشرائع. انتهى بتصرف يسير.

والمعنى: وما بعثنا قبلك يا محمد رسولا إِلى أمته بشريعة من شرائعنا إلا أَوحينا إليه فيها أَنه لا إِله لهم سواى، فاعبدوني أَنتم وجميع أُممكم ولا تعبدوا أَحدًا غيرى.

26 -

{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} :

تحكى هذه الآية جناية فريق من المشركين لإظهار بطلانها، بعد بيان تنزهه عن الشريك مطلقا، وسبب نزول هذه الآية أن حيا من خزاعة قالوا: الملائكة بنات الله،

ص: 1105

ونقل الواحدى: أن هذه العقيدة ليست قاصرة عليهم، بل قالها معهم قريش وجهينة وبنو سلامة وبنو مليح، وأَخرج ابن المنذر وابن أَبي حاتم عن قتادة قال: قالت اليهود إن الله تعالى صاهر الجن فكانت بينهم الملائكة، فنزلت. وأيا كان سبب النزول فالآية الكريمة تظهر شناعة هذا القول وقائليه من هؤلاءِ وغيرهم كالنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، واليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، وجميع من قالوا: الملائكة بنات الله، وكما تشنع هذه الآية على عقائدهم فيهم، تبين صفة هؤلاء عند الله وهى العبودية دون النبوة.

والمعنى: وقال فريق من الناس: اتخذ الرحمن له ولدًا يشاركه في الأُلوهية، وليس الأمر كما زعم هؤلاءِ الزاعمون، بل هؤلاء الذين زعموهم له أَولادا ما هم إلا عباد مقربون عند الله، مكرمون منه، لصفاءِ عبادتهم لربهم، وإخلاصهم لربهم، ولفظ الولد يطلق على الواحد وكذا المتعدد كما هنا، ولهذا جاءَت بعده صيغة الجمع في قوله:{بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} أي: بل الولد الذين زعموهم لله هم عباد مكرمون عنده.

27 -

{لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} :

أي أن من زعموهم أَولادًا لله لا يسبق قولهم قوله تعالى، ولا يعملون إلا بأمره كما هو شأن العبيد المطيعين لسيدهم المنقادين له، فهم تابعون لمولاهم في أَقوالهم وأَفعالهم دائِما، ثم بيَّن السر في أَدبهم هذا بقوله:

28 -

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} :

أي أن هؤلاءِ الذين زعموهم أَولادًا، في غاية الطاعة له، لأَنه سبحانه يعلم جميع أحوالهم المستقبلة والماضية، فلهذا يراقبونه تعالى ويخشونه، ويطيعونه في أمرهم كله ولا يتقدمون للشفاعة لأحد إِلا لمن ارتضى أَن يُشْفَعَ له من المؤمنين العصاة دون الكافرين لقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .

أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقى في البعث، وابن أَبي حاتم عن ابن عباس في بيان من يرتضى الله الشفاعة لهم:"مَن قَالَ لَا إلهَ إلَاّ الله" فهو يرى أَن الشفاعة

ص: 1106

لعصاة المؤمنين ولو كانوا من أَهل الكبائر، وشفاعتهم تكون بطلب الغفران لهم من ربهم في الدنيا أَو في الآخرة.

ومعنى وقوله تعالى: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} : أنهم مع كرامتهم على الله خائفون من وقوع أَي تقصير منهم في طاعته، مشفقون من تبعاته، وما ذلك الإشفاق والخوف إِلا من شدة خوفهم منه وإِجلالهم لمقام الله تعالى.

{وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ

كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)

وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ

سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ

فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}

المفردات:

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا} : أَي مرتوقتين ومتصلتين ليس بينهما انفضال، والرتق في الأصل: الضم والسَّدُّ، يقال: رتق الفتق من باب نَصَرَ، رَتقًا ورُتوقًا إذا سده.

ص: 1107

{فَفَتَقْنَاهُمَا} : الفتق، الشق، وهو ضد الرَّتْق، يقال: فَتَق الشيءَ (1) أي: شَقَّه وفصل بعضه عن بعض.

{فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} : أي فيها جبال ثوابت.

{أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} : لئلا تضطرب اضطرابًا يختل به توازنها.

{وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا} : الفَجُّ، الطريق الواسع، والجمع فجاج، مثل: سَهْم وسهام، وسُبُلٌ: جمع سبيل وهو الطريق، يذكر ويؤنث.

{وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ} : المراد بها هنا المُظلة للأَرض. قال ابن الأَنبارى: تذكر وتؤنث، وقال الفراءُ: التذكير قليل.

{كُلٌّ فِي فَلَكٍ} : الفَلَكُ محركةً: مدار النجوم والكواكب.

والجمع: أَفلاكٌ وفُلُكٌ بضمتين.

{يَسْبَحُونَ} : أي يسرع كل منهما في مداره كالسابح في الماء، وجمع الضمير مع أَنه راجع إلى الشمس والقمر، لأن الجمع قد يستعمل فيما فوق الواحد (2).

التفسير

29 -

{وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ .... } الآية.

أَي ومن يقل من الملائكة على نفسه إني إِله أعْبَدُ من دون الله تعالى {فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} : أَي فذلك القائل الذي يُفْرَضُ صدور هذا القول منه، نجزيه أشد العذاب، وننزل به أَقسى النكال لا تغنى عنه صفاته السنيَّة، ولا أعماله المرضية، وهذا فرض غير واقع لعصمة الملائكة.

{كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} : أَي مثل هذا الجزاءِ الفظيع نجزى الظالمين الواضعين للأُلوهية والعبادة في غير موضعهما، أَو نجزى الذين يتجاوزون الحد، فيضعون الأشياءَ في غير مواضعها، ويتعدون أَطوارهم في شئونهم الدينية.

(1) وهو من باب "قعد".

(2)

واستعمال ضمير جماعة العقلاء تنزيلا لهما منزلهتم لدقة سيرهما وانتظامه كما يفعل العقلاء.

ص: 1108

30 -

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا ..... } الآية.

تشير الآية إلى تجهيل الكفار بتقصيرهم في التفكر والتدبر في الآيات الكونية الدالة على قدرة الله الباهرة، واستقلاله بالألوهية، وقهره لجميع المخلوقات، وأنها جميعًا تحت سلطانه العظيم.

والمعنى: أَعميت بصائر الذين كفروا ولم يعلموا من الشواهد والآيات أَو من الكتب السماوية أَن السماوات والأرض كانتا قبل فصلهما كيانًا واحدا لا انفصال فيه بينهما، حيث كانتا دخانًا في بدءِ خلق الله لهما فشقه وفصل بينهما.

روى عكرمة والحسن وقتادة وابن جبير عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: إن السموات والأَوض كانتا شيئًا واحدًا ملتزقتين، ففصل الله تعالى بينهما، ورفع السماءَ إلى حيث هي، وأقر الأَرض (1).

ويقول ابن كثير في تفسيرها: أي كان الجميع متصلا بعضه ببعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه، وجعل السماوات سبعًا والأَرض سبعًا. انتهى بتصرف يسير واختصار.

وتقول لجنة الخبراء في تعليقها على هذه الآية بالتفسير المنتخب، ما خلاصته: إِن هذه الآية تقرر معانى علمية، أيدتها النظريات الحديثة في تكوين الكواكب والأَرض، وهى أَن السماوات والأَرض كانتا في الأَصل متصلا بعضها ببعض على شكل كتلة متصلة متماسكة ثم انفصلتا، واستُدل على ذلك بأدلة علمية عديدة. اهـ.

{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} : تلك آية أخرى من آيات القدرة العظيمة، أي: وخلقنا من الماء الميت كل ما فيه حياة، كما أنه محتاج إِلى الماءِ في استمرار حياته وبقائها، إذ هو عنصر هام في إِبداع وغذاء وتنمية كل شيء حى - إنسانًا كان أَو حيوانًا أَو نباتًا - أَي: أن كل ما في الكون مما يتصف بالنمو لا يستغنى عن الماءِ، وإِلا لحقه الفناءُ والدمار، ولذلك كان جديرًا أَن يَمُنَّ به سبحانه على خلقه، لأنه من أَفضل النعم على الخلق وأَولاها بالتقدير والاعتبار.

(1) نقله الآلوسى في تفسير الآية.

ص: 1109

{أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} : إنكار عليهم لعدم التصديق بما يشاهدون من الآيات التي تتصل بالآفاق والأَنفس، مع دلالتها على تفرده - جل شأْنه - بالأُلوهية.

بمعنى: أيرَوْنَ ذلك مشاهدة ومتكررا في كل شيء حى فلا يؤمنون بمبدعه، وكان عليهم أن يسارعوا إِلى الإيمان به، وقد شاهدوا آياته {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} .

31 -

{وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ..... } الآية.

أَي: وجعلنا بقدرتنا في الأرض جبالا ثوابت تحفظ توازنها لئلا تضطرب بهم اضطرابا لا يعقبه ثبات، فلا يكون للناس عليها قرار بسبب ذلك، أَما الميْدُ بسبب الزلازل ونحوها فإن الآية لا تأبى وقوعه، لأنه مَيْدٌ يعقبه ثبات واستقرار.

{وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} : أَي وجعلنا في الأرض جميعها، سهولها وجبالها وهضابها طرقا واسعة، لكي يهتدوا بها إلى مصالحهم ومهماتهم، وذكرت الآية {سُبُلًا} بعد أَن ذكرت قبلها فجاجًا، بيانًا للفجاج ودفعا للإبهام عنها، لأن الفج قد يكون مَسلُوكا وقد لا يكون، ولتدلَّ ضمنا على أَن الله خلق الفجاج ووسعها رعاية للسَّابلة الذين يسلكونها ورحمة بهم.

وقيل: إن المعني وجعلنا في الجبال طرقا واسعة ليسلك الناس فيها ويعبروا من قطر إِلى قطر، ومن إقليم إلى إقليم، فقد يكون الجبل حائلا بين هذه البلاد وتلك البلاد، فيجعل الله فيه فجوة واسعة ليسلك الناس فيها من هنا إلى هناك.

ويصح أَن يكون المراد من قوله {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أَن يهتدوا بذلك إِلى الاستدلال على التوحيد وكمال القدرة والرحمة، أَو ما يعم الاهتداءَ إلى ذلك والاهتداءَ إِلى البَصَر بفضل الله عليهم، وبما يسره لهم من تبادل المنافع التي فيها صلاح أَمرهم، وتقويم شأْنهم.

32 -

{وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} :

هذه آية أُخرى من آيات الألوهية الدالة على وجود الصانع، وكمال قدرته، أي: وجعلنا السماء المُظلة للارض كأَنها قبة عليها، جعلناها سقفا محفوظًا بقدرتنا من أن يقع على

ص: 1110

الأرض، مرفوعا عنها بدون عَمَد ظاهرة يرتكز عليها، ودعائم يستند إِليها، وذلك كقوله تعالى:{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} (1). فقد أمسكها الله تعالى بقوانين تقتضى حفظها مرفوعة في الفضاء بقدرته، إلى أن يشاء الله انفطارها، وانتثار كواكبها {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (2).

وقيل: وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا بالملائكة أَو بالنجوم من أَن يسترق الشياطين السمع، ودليله:{وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} (3).

وقيل: سقفًا محفوظًا من الفساد والانحلال إِلى الوقت المعلوم الذي تطوى فيه السماءُ كَطَيِّ السجلِّ للكتب، وقد روى ذلك عن قتادة.

{وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} : أَي وهم عن آيات السماء الدالة على الوحدانية وكمال القدرة ذاهلون لا يتدبرون في ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، ونجومها وكواكبها، ورياحها وسحابها وغيرها، ولو تأملوها أدنى تأمل لهداهم التأمل إِلى الإيمان واليقين، ولكنهم آثروا الإعراض عنها والبقاء على ما هم عليه من كفر وضلال.

33 -

{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ .... } الآية.

هذا بيان لبعض تلك الآيات التي هم عنها معرضون، جاء على طريق الالتفات من التكلم فيما سبق إِلى الغيبة هنا، لتأكيد الاعتناء بفحوى الكلام الذي يُذَكِّرهم الله فيه بأنه جل شأنه هو الذي خلقهن وحده، لخيرهم ومنفعتهم، فخلق الليل ليسكنوا فيه، حتى يستريحوا من مشاق العمل ومتاعبه، وخلق النهار لينصرفوا مع إشراقته إلى الدأب والسعى لتحصيل أَرزاقهم التي يسرها الله لهم، وجعل الشمس آية النهار ليستضيئوا بها وينعموا بدفئها، وجعل القمر آية الليل ليهتدوا بنوره المستمَدِّ من ضوء الشمس، ولهما أثرهما النافع في حياة النبات ونموه وخُضرته وإيتاء أُكُلهِ، وبهما يعلم عدد السنين والحساب.

(1) سورة الرعد، من الآية: 2

(2)

سورة إبراهيم، الآية: 48

(3)

سورة الحجر، الآية: 17

ص: 1111

{كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} : أَي كل واحد من الشمس والقمر يدور في مداره في الفضاء لا يرتكز على شيء، ولا يهوى في الفضاء، كالسابح الماهر، يشق الماء، ولا يسقط في قاعه وكذلك شأن سائر النجوم والكواكب {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} .

وأسند دورانهما إلى ضمير جماعة العقلاءِ، تنزيلا لهما منزلتهم، في انتظامهما فيما سخرهما الله من أَجله، والمراد بالجمع ما فوق الواحد، واسْتُحسن ليناسب فواصل الآيات، والتعبير عن دورانهما بالسباحة لشبهه بها، من حيث إِن دورانهما في الفضاء دون أَن يسقطا، يشبه سباحة السابح الماهر في الماءِ دون أَن يسقط في القاع.

{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}

المفردات:

{الْخُلْدَ} : البقاءُ الدائم. {وَنَبْلُوكُمْ} : ونعاملكم معاملة المختَبر.

{فِتْنَةً} : محنة وابتلاءً.

التفسير

34 -

{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ..... } الآية.

نزلت الآية حين قال المشركون: نحن نتربص بمحمد ريب المنون ضيقا بدعوته، وكانوا يدفعون نبوته وينكرونها، ويقولون: إنه شاعر، وسيموت كما مات شاعر بنى فلان.

ص: 1112

وكان نزولها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وبيان أن ما تمنوه له لَاحِق بهم.

والمعنى: وما كان من سنتنا أن يخلد أَخد من قبلك، لا من الأنبياء ولا من المرسلين، ولا من سائر البشر، لكون ذلك مخالفا للحكمة التكوينية التي قدر الله فيها أن يكون لكل حَيٍّ أَجل ينتهى عنده، ثم يبعث الله الموتى ليحاسبهم على ما كانوا يعملون، فلا شماتة في الموت فهو ضريبة القهار على جميع عباده، ولهذا قال سبحانه:

{أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} : أَي أفإن مت بمقتضى حكمتنا فَهُمُ الخالدون حتى يشمتوا بعدك في موتك، كلا، فليسوا بمنجاة من الموت، فإن الموت واقع بهم لا محالة.

وفي معنى ذلك قال الإِمام الشافعى رحمه الله:

تمنَّى رجال أن أَموت وإن أَمُتْ

فتلك سبيل لست فيها بأَوحدِ

فَقُلْ للذى يبغى خلاف الذي مضى

تزود لأُخرى مِثْلِهَا فكأن قد

35 -

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ........... } لآية.

هذه الآية تؤكد المقصود من الآية السابقة {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} .

والمعنى: كل نفس يحدث لها الموت، وتذوق مرارة مفارقة الروح للجسد، وهى تختلف شدة وضعْفًا حسب تفاوت الناس إِيمانا وجحودًا، ولعل في التعبير بالذوق إِشارة إلى ذلك.

{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} : أَي نعاملكم معاملة المختبر لإظهار ما في نفوسكم من خير أَو شر وذلك بما نختبركم به من الشدة والرخاء، والصحة والمرض وغيرها، مما تحبون أَو تكرهون، فننظر هل تصبرون عند البلاء، وتشكرون عند النعماء، أو تقنطون وتكفرون؟

{وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} : للحساب والجزاء لا إلى غيرنا، لا استقلالا ولا اشتراكا، فنجازيكم حسبما يظهر منكم من عمل {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (1).

(1) من الآية رقم 49 من سورة الكهف.

ص: 1113

{وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}

المفردات:

{إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} : أَي ما يتخذونك إِلا مهزوءًا بك ومسخورًا منك، يقال: هزأ منه وبه كَمَنَع وسَمِعَ، هُزْءًا وهُزُءًا بإِسكان الزاى وضمها أي: سَخِر.

{يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} : يذمها ويعيبها بقرينة المقام. {مِنْ عَجَلٍ} : العَجل والعجلة؛ طلب الشيء وتحريه قبل أَوانهِ وقد يكون ضارا، وفِعْله من باب عَلِمَ.

{مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} : المراد بالوعد مجىءُ الساعة. {لَا يَكُفُّونَ} : لا يمنعون.

{بَغْتَةً} : فجاة. {فَتَبْهَتُهُمْ} : تدهشهم وتحيرهم.

{وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} : يُؤخَّرُونَ، يقال: نظره: أي تأَنى عليه. وأَنظره: أَخره.

التفسير

36 -

{وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ..... } الآية.

المعنى: وإذا لقيك الذين كفروا من مشركى مكة كأَبى جهل والنضر بن الحارث وأضرابهما ما يتخذونك إلا مهزوءًا بك، مسخورا منك، مع علمهم بشرف أَصلك

ص: 1114

وعلو قدرك، وكرم خلُقك، وصدق قولك، ويقولون مستنكرين محقرين:

{أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} : بالسوءِ والعيب. {وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} : أَي يعيبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذِكْر آلهتهم بالسوءِ من ضعف وعجز، وحالهم أَنهم يكفرون بذكر الرحمن المنعم بجلائل النعم وسوابغ الرحمة على عباده، فهم لا يعترفون باسمه ولا يذكرونه، فأى الفريقين أحق بالاستنكار والتحقير؟ إِنهم بما اقترفوه من كفر وطغيان وسفه هم الأَحقاءُ بذلك، وبأَن يُذْكر صنيعهم بالتسفيه والتقبيح.

37 -

{خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ .... } الآية.

في هذه الآية صورة بلاغية، حيث جُعل الإنسان الذي خلقه الله من الطين - جُعلَ - كأَنه مخلوق من عَجَل، وذلك لفرطِ عجلته وقلة صبره، ولهذا تراه قد يبادر إِلى الكفر دون نظر إلى عواقبه، ويندفع في طلب أُمور دون النظر في مآلها، وقد يكون فيها ضرره وهلاكه، ومن ذلك ما صنعه النضر بن الحرث حين استعجل العذاب بما حكاه الله سبحانه وتعالى عنه بقوله جل شأْنه:{قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (1). وكان في ذلك يعبر عن قومه لأنه كان من زعمائهم، ولهذا أُسند القول إليهم وإن كان هو قائله، والعجلة وإِن كانت من طبع الإِنسان، لكن الله جعل لكل غريزة ضوابط من العقل والحكمة، توجهها نحو الخير ومكارم الأخلاق، وتهديها سواءَ السبيل.

{سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} : خطاب للكفار المستعجلين لنزول العذاب والمعنى: سأُريكم آياتى في عذابى الذي أُنزله بكم في حينه، فلا تستعجلون بإنزاله قبل الأجل الذي ضربته له، فإن لكل شيءٍ أَجلا مضروبا. وقد حدث ذلك في غزوة بدر الكبرى، وما تلاها من الانتصارات الساحقة، التي أتمها الله بالقضاء على عبادة الأَوثان وعابديها بالجزيرة العربية.

وقيل: المعنى سأجعلكم تدركون آياتى التي تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات الباهرة، وما له من العاقبة المحمودة، وسيتحقق وعدى لا محالة، فاتركوا العجلة، لعل الله يشرح صدوركم فتهتدوا.

(1) سورة الأنفال، الآية:

ص: 1115

38 -

{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} :

المعنى: ويقول الذين كفروا: متى وعد الله؟ قصدًا إِلى استبطاء مجىءِ الساعة، واستعجال إتيانها بطريق الإنكار والاستهزاء، لا قصدًا إِلى تعيين وقت المجىء، بدليل قولهم للنبي والمؤمنين:{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في الإخبار عن مجىء الساعة مع ما فيها من هول وعذاب.

وقيل: المراد بالوعد العذاب الذي طلبوه، واستعجلوا وقوعه، والرأى الأول أَولى لأنه هو المناسب للآية التالية، وهى قوله تعالى:

39 -

{لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} :

أَي: لو يعلم الذين كفروا ما ينتظرهم يوم القيامة من الشدائد بسبب كفرهم، كما استعجلوه مستهزئين، فإن نار جهنم تحيط بهم من جميع جهاتهم، فلا يستطيعون دَفْعَها عن وجوههم ولا عن ظهورهم، فَضْلًا عن أطرافهم، وسائر بدنهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، فإن حالهم في الآخرة كما قال الله تعالى:{لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} (1). وكقوله سبحانه: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} (2).

وقيل: لو يعلمون ذلك لما أقاموا على الكفر، ولآمنوا بالله ورسوله، ثم بيَّن الله تعالى أَن وقت الساعة مما لا سبيل إلى علمه فقال:

40 -

{بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ ....... } الآية.

أي: لا يعلم أحد وقت مجيئها غير الله تعالى، بل تَفْجَؤُهُمْ وتبغتهم من غير شعور بوقت مجيئها، فتحيرهم وتدهشم، بما يكون معها من شدائد وأهوال تغلبهم على أَمرهم {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا}: فلا يقدرون على رد الساعة عن وقتها الموعود مهما بذلوا من جهد. {وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} : أي ولا هُم يُمهلون ولا يُؤَخرون طَرفَةَ عين، لتوبة أَو اعتذار، بل يُؤخذون بالنواصى والأقدام.

(1) سورة الزمر، الآية: 16

(2)

سورة الأعراف، من الآية: 41

ص: 1116

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}

المفردات:

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} : سخر منهم أَقوامهم - يقال: هزأ منه وبه، كَمَنَعَ وسَمعَ، وَتَهَزَّأَ واستهزأ أَي: سَخِرَ.

{حَاقَ بِهِم} : أحاط بهم ولزمهم، وفِعْله حَاقَ يحيق كباع، حَيْقًا وحُيُوقًا.

التفسير

41 -

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} :

نزلت الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتعْزية له ببيان أَن ما حدث له من سخرية المشركين، حتى قالوا له:{مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} - ما حدث له من ذلك - قد حدث مثله لإِخوانه المرسلين من قبله، وهى مع ذلك وعْد ضمنى من الله بأنه سيصيب المستهزئين به مثل ما أَصاب من سبقوهم من الساخرين برسلهم، لِمَا بَيْنَ جُرْمَيْهِمَا من تشابه وتقارب.

وتصدير الآية بالقَسَم للإيذان بالاهتمام بتحقيق مضمونها، أَي: وبالله لقد استهزئ في زمان قبل زمانك برسل ذوى شأْن خطير، وعدد كثبر، فأَحاط بهم الذي كانوا به يستهزئون، حيث أُهلكوا من أجله، فإذا كان هذا حال إخوانك الرسل مع أُممهم، فليس بِدْعًا ما تراه من هؤلاء المعاصرين من كفار قريش ومن وَالَاهُمْ من سخرية واستهزاءٍ، فاصبر كما صبروا، ولسوف ينصرك الله على قومك يا محمد، كما نصر المرسلين من قبلك على أقوامهم، والعاقبة للصابرين.

ص: 1117

{قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}

المفردات:

{يَكْلَؤُكُمْ} : يرعاكم ويحفظكم، وفِعله كَلأَ، كَمَنَعَ. {مِنَ الرَّحْمَنِ} أي: من سخطه وغضبه. {مُعْرِضُونَ} : لاهون غافلون. {وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} : يُجارون ويُمنعون، تقول العرب: أنا لك صاحب من فلان، بمعنى: مجيرك ومانعك منه، وأَصْحَبَ فلان فلانًا أَجاره ومنعه. {إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ}: أي أحذِّركم وأُخوفكم بالقرآن. {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ} : أَصابهم قدر ضئيل من العذاب.

{لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا} : يا هلاكنا ودمارنا.

التفسير

42 -

{قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ ..... } الآية.

أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يسأل أُولئك المشركين

ص: 1118

المستهزئين بما جاءَهم به من الحق - أن يسألهم - سؤال تقريع وتنبيه إلى نعمه التي أَسبغها وتفضل بها عليهم، حتى لا يغتروا بما يتقلبون فيه من أمن واستقرار، وإِمهال ومطاولة، فقال - جل شأْنه -:

{قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} : أَي قل أَيها النبي لهؤلاء الكافرين: من يحفظكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إِذا تصرفتم - من يحفظكم - من عذاب الله الذي رحمكم بإمهالكم؟ لا أَحد يستطيع أَن يحميكم من نقمته بكم.

ويجوز أن يكون المعنى: من هذا الذي يحفظكم ويحرسكم من نوازل الليل والنهار بدل الرحمن؟ فَمَنْ هم الذين تركنون إليهم، وتتوهمون حفظهم وحراستهم لكم فيهما؟.

وقدم الليل على النهار في الآية، لأن كوارثه أَشد من كوارث النهار، والحفظ منها أَهم، وفي لفظ (الرحمن) تنبيه على أَنه لا يحميهم من عذابه إلَّا رحمته العامة، ولولاها لكانوا أَحقاءَ بتركهم للكوارث تحصدهم حصدًا، وكان عليهم أن يعرفوا ذلك ويشكروه لله ويذكروه، ولكنهم أعرضوا عن آياته، واستهانوا بآلائه، وتمسكوا بما هم عليه من الإِشراك به، كما يقول - جل شأْنه -:

{بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} : أي لا يُخْطِرونه ببالهم فهو بعيد عن مجال تفكيرهم ولهذا لا يخافون بأْسه ولا يعتبرون ما هم عليه من الأمن والدَّعَةِ حفظًا وكلاءَة لهم منه.

وإِيراد اسم الرب المضاف إلى ضميرهم المنبئ عن كونهم تحت ملكوته وتدبيره وتربيته للإِيذان بأَنهم بلغوا الغاية القصوى في الغى والضلال حين أعرضوا عن شكره وذكره سبحانه وتعالى.

فإِن قيل: إنما اتخذوا الآلهة وعبدوها لتُقَربهم إليه زلفى، فهم يعرفون أَنه ربهم، فالجواب: أَن من عرف الله لا يصح أَن يعبد سواه، ولا أن يلجأ إلى ذكر غيره ويعرض عن ذكره، كما فعل هؤلاء، فكانوا بإشراكهم وإعراضهم عنه جاهلين بجنابه - سبحانه.

43 -

{أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا .... } الآية.

انتقال من بيان جهلهم بكلاءَة الله وحفظه إياهم، وإعراضهم عن ذكره - جل شأْنه - إعراضًا تاما - انتقال من ذلك - إلى توبيخهم لاعتمادهم على آلهتهم وإسنادهم الحفظ إل

ص: 1119

والمعنى: بل أللمشركينِ آلهة تحفظهم وتحميهم من عذاب يأْتيهم من جهتنا، فهم مُعوِّلُون عليها واثقون بها، كلاّ فهم كما قال الله:

{لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} : وهو استئناف مؤكد لما قبله من الإنكار، وموضح لبطلان اعتقادهم في أَن تستطيع تلك الآلهة أَن تدفع عنهم ما ينزل بهم من شدائد وويلات، حيث إن آلهتهم لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم، ولا يجدون من يجيرهم ويدفع عنهم قضاءً من جهتنا، بل هم في غاية العجز، فكيف يتوهم أن ينصروا عابديهم، ويستجيبوا لمن يدعونهم من دوننا.

وقيل: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} : أُريد به الكفرة، وروى ذلك عن قتادة وابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - على معنى لا يستطيع الكفار نصر أنفسهم بآلهتهم، ولا يصحبهم نصر من جهتنا.

44 -

{بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ........ } الآية.

إِضراب انتقالى عما تدل عليه الآية السابقة من بطلان توهم نصر آلهتهم - إلى الإخبار بأنهم إِنما وقعوا في هذا التوهم الباطل بسبب أَننا متعناهم وآباءَهم بما يشتهون من النعمة وطال عليهم العمر فيها، حتى ظنوا أنها لا تزول عنهم، فافتروا وأَعرضوا عن التدبر والتفكر في آيات ربهم، وبعدوا عن الحق واتبعوا ما سولته لهم أَنفسهم.

{أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} : يذكر الله قريشًا في هذه الآية الكريمة بعاقبة الكفرة من حولهم، وأَنهم لما بطروا نعمة الله عليهم وكفروا بها أهلكهم وأزال دولهم، وانتقص الأَرض من حولهم، بتخريبها بعد عمرانها، وكذلك يجزى الله الكافرين.

والمعنى: أَعَمِىَ هؤلاءِ المشركون بمكة فلم يروا أَنا نأتى أرض الكفرة من حولهم، فننقصها من جوانبها، بتخريب مدنها، والقضاء على عمرانها، وإِهلاك أهلها عقابًا لهم على كفرهم بنعم ربهم وآياته، كما حدث لقرى عاد وثمود وقوم لوط وسبإٍ وغيرهم.

{أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} : أَي أَبَعْدَ خراب مدنهم، وإهلاك أَهلها لكفرهم يعتبرون الغالبين؟ كلَاّ، بل هم المغلوبون، ومصيركم يا معشر قريش سوف يكون كمصيرهم:{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (1).

(1) سورة الأحزاب، الآية:

ص: 1120

45 -

{قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ..... } الآية.

بعد أن بينت الآيات السابقة غاية الهول لأولئك الذين يستعجلون إتيان الساعة، وما يصاحبها من عذاب، ونَعت عليهم جهلهم وإِعراضهم عن ذكر ربهم الذي يحفظهم من نوازل الليل وكوارث النهار - بعد ذلك - جاءت هذه الآية لتعلمهم أن الرسول ليس عليه إلا البلاغ.

والمعنى: ما أَنا إلا مبلِّغ عن الله ما أُنذركم به من مجىءِ الساعة وعذابها بما أَوحاه الله إليّ في هذا القرآن المنزل عليَّ من لدن حكيم عليم، وليس من شأْنى أن آتيكم بما تطلبونه مما ينافى الحكمة التكوينية والتشريعية، وما على الرسول إلَاّ البلاغ.

{وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ} : من تتمة الكلام الذي أُمر عليه الصلاة والسلام أَن يقوله لهم، توبيخًا وتقريعًا، أي أَنهم لطول إعراضهم عن سبيل الحق، صاروا كالصم الذين أفقدهم الصَّمَمُ حاسة السمع، فجعلهم بمعزل عن سماع صوت الداعى إِذا أَنذرهم وحذرهم، وتقييد نفى السماع بإنذارهم مع أن الصم لا يسمعون الكلام إنذارًا أو تبشيرًا، للإشارة إلى شدة الصم فيهم، لأن الإنذار عادة يكون بأصوات مرتفعة مكررة مقارنة لهيئات دالة عليه، فإذا لم يسمعوها يكون صَمَمُهُمْ في درجة لا غاية بعدها.

ويجوز أن يكون قوله سبحانه: {وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ} كلامًا مستأنفًا من جهته تعالى تسلية لنبيه عما يُنْتَظَر من إِعراضهم، كأنه قيل له: قل لهم أيها الرسول: إنما أُنذركم بالوحى، واعلم أَنهم دائبون على إِعراضهم، فهم بمعزل عن السماع حينما ينذرون، لطول إعراضهم، فلا يَكُنْ في صدرك حرج منه، فما عليك إلَّا البلاغ.

46 -

{وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} :

تبين هذه الآية فداحة العذاب الذي أُنذروه فأَعرضوا عن الاستماع إلى نذيره.

والمعنى: وبالله لئن أصاب هؤلاءِ المكذبين أدنى إِصابة من عذابه تعالى الذي يَسخَرون منه لَيَدْعَنَّ على أنفسهم بالويل والثبور والهلاك، وليعترفُنَّ بذنوبهم وأَنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدنيا، فيعترفون حين لا ينفعهم الاعتراف، ويندمون حين لا يجديهم الند

ص: 1121

وإذا كان هذا حالهم عندما تمسهم نفحة من عذاب الله، فكيف يكون حالهم حينما يغشاهم {مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} .

{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}

المفردات:

{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ} : أَي نقيم لكل مكلف ميزانًا لوزن أَعماله، ثقلًا وخفة، وسيأْتى بيان المراد من ذلك.

{الْقِسْطَ} : العدل، وهو من المصادر التي يوصف بها الواحد والمثنى والجمع كلفظ (العدل).

{وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ} : مثقال الشيءِ ميزانه.

{خَرْدَلٍ} : شجر معروف، حَبُّه من أَصغر الحبوب وأدقها. ويُضرب مثلًا للصغر.

{مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} : أَي محاذرون وجلون من أَهوالها.

التفسير

47 -

{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ .... } الآية.

هذه الآية مُستأْنَفة لبيان عدل الله بين عباده عند مجىءِ الساعة التي أَنذرهم بها. وأَن أَعمالهم معلومة لديه، فلا تخفى منهم خافية، ولا تُظلم نفس شيئًا.

ص: 1122

ويرى جماعة من السلف أَن هذه الموازين حسية وأن الله تعالى يحول أعمال عباده إلى أجسام، لتكون صالحة للميزان الحسي، حتى يرى كل عامل عمله ماثلًا أمامه، إظهارًا للمعدلة وقطعًا للمعذرة:{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} (1). ويستشهدون على رأيهم هذا ببعض الآثار.

وقال مجاهد وقتادة والضحاك: الميزان تمثيل لعدل الله وليس ثمة ميزان حسى، إذ أنه سبحانه ليس بحاجة إِليه، فهو يعلم السر وأَخفى، في حين أَن أعمال العباد يجدونها مسطرة في كتبهم كما حدثت في دنياهم، وحكْمَ الله مقرونًا بها، وفي ذلك يقول الله تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} (2).

وبهذا الرأى أَخذ المعتزلة، وينبغى عدم الجدل في حقيقة الميزان وترك أَمرها إِلى الله تعالى. واللام في قوله تعالى:{لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} بمعنى في، أَو للتعليل - أَي لأجل يوم القيامة.

{فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} : أي فلا يقع على أَي نفس مؤمنة أَو كافرة ظلم في جزائها الذي تستحقه على أَعمالها، فلا ينقص ثوابها ولا يزاد عقابها:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} ولهذا قال سبحانه:

{وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} : حبة الخردل تضرب مثلًا في القلة والحقارة، أَي: وإِن كان العمل الذي أَتى به المكلف في غاية الدقة والصغر جئنا به في صحيفته فيتعرف عليه ويجزى به، وعاد الضمير بالتأْنيث على مثقال، لاكتسابه التأْنيث من الحبة التي أُضيف إِليها، وهى مؤنثة.

وقرأَ مجاهد وعكرمة: {أَتَيْنَا بِهَا} أي: جازينا بها، من الإتياءِ بمعنى المجازاة والمكافأَة.

(1) سورة آل عمران، من الآية: 30

(2)

سورة الحاقة، الآيات: من 19 - 29

ص: 1123

{وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} : أي لا أحد أَسرع وأدق حسابًا منا، فنحن نحصى على كل عامل ما قدمه من خير وشر، أَسَرَّ به أَو جهر، صَغُر أَو عَظُم، ثم نجزيه بالعدل والقسطاس المستقيم، كما قال سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} (1). قال أحمد بسنده عن عائشة رضى الله عنها: "إن رجلًا من أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس بين يديه فقال: يا رسول الله إِن لى مملوكَيْن يَكْذِبُونَنِى ويخونوننى ويعصوننى، وأَشتمهم وأَضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:(بحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم، إن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك عليهم، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كَفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم أقتص لهم منك الفضل الذي يبقى قِبلَك) فجعل الرجل يبكى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهتف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا لَهُ؟ أَما يقرأْ كتاب الله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} ؟ فقال الرجل: ما أَجد خيرًا لى من مفارقة هؤلاءِ، إني أُشْهدك أنهم أحرار كلهم. أَخرجه الإمام أَحمد بسنده عن عائشة رضى الله عنها.

48 -

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} :

لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أَن يقول لقومه: ما أنذركم إلَاّ بالوحى الذي يوحيه إليه، أردف ذلك ببيان أن تلك سنة الله في الأنبياء والمرسلين، فكلهم تأْتيهم شرائعهم بوحى من ربهم لتبليغ أُممهم بما أوحى إليهم.

والمعنى: ولقد أوحينا إِلى موسى وهارون - كما أَوحينا إليك يا محمد - كتابًا جامعًا بين كونه فارقًا بين الحق والباطل وكونه ضياءً يستضاءُ به في ظلمات الجهل، ودياجير الغواية وغياهب الضلال، وتذكيرًا للمتقين ووعظًا لهم، وتخصيص المتقين بذلك الشرف؛ لأنهم المنتفعون به المستضيئون بأنواره.

(1) سورة النساء، الآية:

ص: 1124

وفسر ابن زيد الفرقان الذي أُوتيه موسى وهارون بالنصر على الأعداءِ كما في قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1).

قال الثعلبى: هذا القول أَشبه بظاهر الآية، فيكون المعنى: ولقد آتينا موسى وهارون النصر والتوراة التي هي الضياءُ والذكر. انتهى بتصرف يسير.

49 -

{الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} :

الآية تصف المتقين الذين ينتفعون بالتوراة ويستضيئون بنورها، ويتعظون بذكر آياتها البينات قبل نسخها، فتذكر أَخص صفاتهم وهى أَنهم يخشون ربهم، ويخافون عذابه غائبين عن أَعين الناس، وذلك بما وقر في سرائرهم لعمق الإيمان، وقوة اليقين، وهم خائفون من مجىءِ الساعة، وما وراء ذلك من حساب وجزاءٍ، فلهذا تَعظُم خشيتهم من ربهم في سرائرهم غائبين عن أَعين الناس.

أَو المراد يخشون ربهم وهو غير مرئى لهم، فقد عرفوا بالنظر والاستدلال أَن لهم ربًّا قادرًا على أَن يجازى على الأَعمال فهم يخشونه - جل شأْنه -، ويخافون عذابه وهو غير مشاهَدٍ لهم، ووصف المتقين بالإِيمان بالغيب، شهادةٌ بصدق إِيمانهم، ومدحٌ لهم، كما في قوله تعالى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} (2). وقوله: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (3). وقوله: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} (4). إِلى غير ذلك من الآيات، وإنما وصف المتقون بالخشية من الساعة بعد أَن وُصفوا بعموم خشيتهم من الله، لتهويل أَمرها، ووصفهم بضد ما اتصف به المستعجلون الذين لجُّوا في عُتُوِّهم، وأَعرضوا عن ذكر ربهم، والثناء على المتقين من أَهل التوراة قبل أَن ينسخها بالإِنجيل ثم بالقرآن العظيم، الذي أَوجب الله الإِيمان به على اليهود والنصارى وسائر البشر، ولهذا قال سبحانه:

50 -

{وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} :

أي: وهذا القرآن ذكْر يتعظ به أُولو الأَلباب، كثير البركة موفور النفع، أَنزلناه

(1) سورة الأنفال، من الآية: 41

(2)

سورة البقرة، الآية 3

(3)

سورة الملك، الآية: 12

(4)

سورة ق، الآية: 33

ص: 1125

تأييدًا لرسولنا محمد وآيةً على نبوَّته، أَفأَنتم له منكرون وقد عجزتم عن الإِتيان بمثله، أفَلَيس ذلك آية على أَنه منزل من عند الله كالتوراة التي آمن بها غيركم، لقد ضللتم عن الهدى، وتجاوزتم الحد يا معشر قريش، وكنتم بإنكاركم له من الخاسرين.

{وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}

المفردات:

{رُشْدَهُ} : الرُّشد الاهتداء؛ إلى وجوه البر والصلاح. {التَّمَاثِيلُ} : جمع تمثال وهو الصورة المصنوعة على شبه ما خلق الله، والمراد: الأصنام. {عَاكِفُونَ} : ملازمون ومقيمون على عبادتها. {ضَلَالٍ مُبِينٍ} : انحرافٍ وبُعْدٍ واضح عن النهج القويم.

{اللَّاعِبِينَ} : اللاهين العابثين. {فَطَرَهُنَّ} : خلقهن وأَوجدهن من عدم على غير مثال سبق. {الشَّاهِدِينَ} : المصدقين له المؤمنين به.

التفسير

51 -

{وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ ....... } الآية.

ذكر - سبحانه - فيما سبق مِن الآيات رسالة موسى وكتابَهُ، والقرآن وما حوى من ذكر وبركة، وجاءَت هذه الآية وما بعدها من الآيات، لنعرف منها قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه.

ص: 1126

والرشد هو: الاهتداء لوجوه البر والخير والصلاح، قال الفراءُ: أَعطينا. هداه من قبل النبوة والبلوغ اهـ.

فالله سبحانه يخبر عن خليله إِبراهيم أَنه آتاه الهداية إِلى الحق في صغره، وأَلهمه الحجة على قومه قبل النبوة، كما قال سبحانه:{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} (1).

{وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} : أي وكنا به وبما يتحلى به من الصفات الجميلة، والسجايا الحميدة التي تجعله من أَهل الاجتباءِ والاصطفاءِ، كنا بذلك كله عالمين.

ومعنى الآية إجمالا: ولقد أعطينا إِبراهيم رشده وهديناه إلى وجوه الصلاح والخير فيما يفعل وما يدع، وكنا بجدارته وأَهليته لذلك عالمين، فقد صنعناه على أعيننا، وأَعددناه ليحمل رسالتنا، فزودناه بالشمائل الطيبة، والسجايا الكريمة؛ ليكون ذلك عونًا له على أَدائها، وعصمة له من أن يناله أَحد، أو يحط من قدره حَسُودٌ أَو حاقد.

وهذا هو شأْن الله جل جلاله في اختيار رسله يحيطهم بكريم عنايته ويطهرهم من كل نقص أو عيب.

52 -

{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} :

هذا هو الرشد الذي أوتيه إِبراهيم في صغره، حيث أَنكر على قومه عبادة الأَصنام قبل أن تأْتيه النبوة، وكلمة (إِذْ) ظرف لقوله:(آتَيْنَا) في الآية السابقة.

والمعنى على هذا: ولقد منحنا إبراهيم هداه وأَرشدناه إلى الطريق المستقيم وقت أَن قال لقومه - ساخرًا منهم ومن آلهتهم -: ما هذه التماثيل التي أَنتم عليها عاكفون، وعلى عبادتها مقيمون، وهى لا تستحق شيئًا مما تصنعون، فليس لها من الصفات ما يقتضي تعظيمها فضلًا على عبادتها، فكيف عكفتم على عبادتها؟

ويجوز أَن يكون لفظ (إِذْ) مفعولًا به لفعل محذوف تقديره (اذكر).

والمعنى على هذا: اذكر أَيها الرسول لقومك ما كان من أَمر إبراهيم مع قومه.

(1) سورة الأنعام، الآية: 83

ص: 1127

والمراد من ذكر هذه القصة: بيان مخالفتهم لجدهم إبراهيم في عقيدته، فقد كان عدوًّا للأَصنام التي يعبدونها، كما أَن فيها حث النبي على أَن يحتذى مع عَبَدَةِ الأصنام من قومه حذو أبيه إبراهيم عليه السلام مع قومه، فيبين لهم فساد عبادة غير الله، ويصبر على أَذاهم.

53 -

{قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} :

أي قال قوم إبراهبم - لمَّا لم يجدوا حجة مقنعة ولا برهانًا يعتمدون عليه - قالوا -: إِنا وجدنا آباءَنا مقيمين على عبادة هذه الأصنام فاقتفينا أثرهم، وسرنا على نهجهم، وفي هذا الرد غاية الامتهان لعقولهم، ونهاية الاستخفات بعقيدتهم؛ لأَن الاحتجاج بالتقليد مُسْتَنَدُ العاجز المفحَم، وكأنهم قالوا: لا دليل لنا على ما نفعل ولا حجة لدينا في عبادتنا تلك إِلَّا تقليد الآباءِ والنسج على منوالهم.

والتعلل بتقليد الآباءِ في عبادة غير الله داء استشرى في أُمم كثيرة، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (1).

54 -

{قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} :

وهكذا جاء رد إِبراهيم عليه السلام مسفهًا لعقولهم وعقول آبائهم من قبلهم؛ إذ أَقسم لهم أنهم وآباءَهم في ضلال وَغَيٍّ واضح، بعُدوا به عن طريق الحق، وانحرفوا عن النهج القويم.

55 -

{قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} :

أي أَن إبراهيم عليه السلام، لمَّا سفه أَحلامهم، وضلل آباءَهم، واحتقر آلهتهم، قالوا له: أهذا الكلام الذي صدر منك تعيب فيه آلهتنا، وتحط من قدرها، تقوله هازلًا ولاعبًا أو تقوله جادًّا ومحقًّا فيه؟ فإنا لم نسمع به قبلك، فأَجابهم بما حكاه الله بقوله:

56 -

{قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} :

أي: قال إِبراهيم - ردًّا على قومه -: لقد جئتكم بالحق، ولست هازلًا أَو لاعبًا، فليست هذه التماثيل أَربابا لكم ولا لغيركم، بل ربكم المستحق لعكوفكم على عبادته، هو رب السماوات

(1) سورة الزخرف، الآية رقم:

ص: 1128

والأرض الذي خلقهن وما فيهن دون شريك أَو معين، وأَنا على ربوبيته من الشاهدين، مما قام عندى من الأَدلة والبراهين، فلست مثلكم أَعبد ما لا تقوم على ربوبيته حجة ولا برهان وأَعتذر بتقليد الآباءِ والأَجداد.

ويجوز أَن يكون الضمير في (فَطَرَهُنَّ) راجعًا إلى التماثيل، فالله - تعالى - هو الذي خلق المادة التي صنعت منها، وهذا أَدخل في تضليلهم وأَثبت في الاحتجاج عليهم؛ حيث قد عبدوا مخلوقات لله الذي يعبده، تجرى عليها أَحكامه، فهي لا تملك شيئًا من أمر نفسها، فضلًا عن غيرها.

ثم توعدهم بأَنه سيفعل بتلك الأَصنام فعلًا له خطره وشأْنه، ليثبت لهم بالطريقة الفعلية أَنها لا تملك من أَمر نفسها شيئًا فقال:

{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}

ص: 1129

المفردات:

{لَأَكِيدَنَّ} : الكيد؛ الاحتيال لإلحاق الأَذى بغيرك. {تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} : تَنْصرفوا عنها وتتركوا حراستها. {جُذَاذًا} : قطعًا، من الجذِّ وهو القطع. {يَذْكُرُهُمْ}: يتحدث عنهم بما يعيبهم. {كَبِيرًا} : أَي كبيرًا في تعظيمهم له، أَو في حجمه.

{يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} : يسمى بهذا الاسم. {عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ} : على شهود منهم، جمع عَيْن بمعنى شاهد. {يَشْهَدُونَ}: يحضرون مساءَلته وعقوبتنا له على فعله.

{فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ} : فعادوا إِلى أَنفسهم يتلاومون. {الظَّالِمُونَ} : الذين ظلموا أَنفسهم بعبادة ما لا يعقل.

{نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} : انقلبوا عليها، والجملة كناية عن أَنهم رجعوا عن رأيهم وذلك بالشروع في الجدل.

التفسير

57 -

{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} :

أكد إِبراهيم عليه السلام ما اعتزم من الكيد للأَصنام بلام القسم ونون التوكيد في قوله: {لَأَكِيدَنَّ} .

والظاهر أَنه عليه السلام لم يواجههم بالوعيد والتهديد المفهوم من الآية، لأَن المواجهة لا تتفق مع الكيد والاحتيال للإيقاع بالأَصنام وتكسيرها.

روى أن (آزر) خرج هو وقومه في يوم عيد لهم، فبدأوا ببيت الأصنام فدخلوه وسجدوا لها ووضعوا بينها طعامًا، وقالوا: إلى أَن نرجع تكون الآلهة قد بَرَّكت عليه فنأْكل منه، فذهبوا وبقى إِبراهيم معتذرًا بأَنه سقيم، ثم نظر إليها وكانت سبعين صنمًا مصطفة، وثَمَّة صنم عظيم، ونظر إبراهيم إِلى ما بين أيديها من الطعام فقال لها - مستهزئًا -: أَلا تأْكلون؟ فلمَّا لم يجيبوه قال: ما لكم لا تنطقون؟ فراغ عليها ضربًا باليمين وجعل يكسرها بفأْس في يده حتى إذا لم يبق إِلَاّ الصنم الكبير، علق الفأس في عنقه ثم خرج. أهـ

ص: 1130

ويشير إِلى ذلك قوله تعالى:

58 -

{فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} :

أَي: فعمد إِبراهيم إِليها تكسيرًا وتقطيعًا حتى صارت قطعا صغيرة. وإنما استثنى كبير الأصنام دون جَذٍّ وكسر؛ لكي يرجعوا إليه ويستخبروه الخبر، فلا يجدوا عنده جوابًا، فهو الجماد الذي لا ينطق، ولعلهم حينئذ يستيقظون من سباتهم، ويتنبهون من غفلتهم، ويكون ذلك سببًا في إقلاعهم عن عبادة الأَصنام، والرجوع إلى دين إِبراهيم، والإيمان بالله رب السموات والأَرض دون سواه، فلما عادوا إِلى أَصنامهم عجبوا لما أَصابها، ولم يستدلوا بذلك على حقارتها، بل حدث منهم ما حكاه الله بقوله:

59 -

{قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} :

أَي: قالوا - سائلين على سبيل التعجب والتأْثيم والوعيد - قالوا: مَنْ أَحدث هذه الفعلة الشنعاءَ بآلهتنا ومعبوداتنا فنالها بالتحطيم والتكسير؟ ثم وصفوا المحطِّم لها بقولهم:

{إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} : مؤكدين ظلمه وتعديه بإِنَّ ولام القسم - يعنون: أَنه بما فعل قد ظلم الآلهة بالاعتداءِ عليها، وظلم نفسه بتعرضه لسخطها - كما يزعمون ويتوهمون - كما أَنه ظلم عشيرته وقومه بإهانتهم في تكسير آلهتهم.

60 -

{قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} :

أَي: قال الذين سمعوا إِبراهيم يعيب الأَصنام وعبادتها، ويدعو إلى إِله غيرها:

إِنا سمعنا فتى يذكر آلهتنا بسوءٍ، واسم هذا الفتى إبراهيم، فلم يذكر أَحد آلهتنا بسوءٍ غيره، ولم يستهزئ بها وينكر أُلوهيتها سواه، فيغلب على ظننا أَن يكون هو الذي فعل بها ما نرى.

وفي تعبيرهم عن إِبراهيم بقولهم: {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} استهزاءٌ به وسخرية منه وإغراءٌ به، وتشغيب عليه للنيل منه.

وضمير الجماعة في قولهم: {يَذْكُرُهُمْ} : يشير إِلى أَنهم كانوا يضفون على هذه الأصنام صفات العقلاءِ وأَنها تضر وتنفع.

61 -

{قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} :

أَي: أَنهم لما شاهدوا كسر الأصنام، وقيل لهم: إِن فاعل هذا يُظَنُّ أَنه إبراهيم؛ لأَنه كان يذكرها بسوءٍ، قالوا: فأْتوا به في مكان ظاهر بحيث تراه كل عين وتشاهده؛ ليش

ص: 1131

مساءَلته والعقوبة التي تحل به، فيشفى ذلك صدورهم ويذهب غيظ قلوبهم،، ليكون ما ينزل به رادعًا لمن تحدثه نفسه أَن ينال من الآلهة، أو يحاول الميل إلى دين إِبراهيم الذي يدعو إليه، فلما أَحضروه بمشهد من قومه سأَلوه سؤال تقرير حتى يعترف بما فعل ليقدموا على عقابه.

62 -

{قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} :

أَي: أَأَنت الذي حطمت آلهتنا وكسرت معبوداتنا التي هي عندنا بمكان التقديس والتعظيم؟ وكيف تجرأْت على ذلك ولم تخف غضبها عليك، ولا غضبتنا لها، وانتقامنا منك؟

وكان جواب إبراهيم عليه السلام غريبًا عجيبًا مخالفا لما كانوا ينتظرون، وذلك ما حكاه الله بقوله:

63 -

{قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} :

لم يكن إِبراهيم يقصد أن صنمهم الكبير هو الذي حطم الأَصنام الصغيرة على الحقيقة، بل كان يريد بهذا الأُسلوب المجازى إِلزامهم الحجة وتبكيتهم، والاستهزاءَ بهم، وتنبيههم إِلى قِصَر فهمهم، وسوءِ تقديرهم، مع إرشادهم إلى الصراط السوى والسبيل المسنقيم، لأن هذا الصنم وإن كان كبيرًا فإنه لا إرادة له ولا حياة فيه، فلا يستقيم أَن ينسب إِليه تحطيم غيره من الأصنام وتفتيتها غيرة منها وكراهة لها، والذي يرشح ويقوى هذا المعنى قوله تعالى بعد ذلك:{فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} وكأَنه قال لهم: لا يعقل أَبدًا ولا يستقيم لدى من عندهم مُسكة من عقل أَن يكون هذا الصنم قد قام بتحطيم غيره من الأصنام، فجميعها جماد لا حياة فيها، وقد صنعت بأَيديكم، ولا يتميز واحد منها على سواه بكبر أَو زينة، فإِن صورها وأَشكالها قد جاءَت حسب أهوائكم ومشيئتكم فكيف تعبدونها؟ وإِذا كانت لا تستطيع حماية نفسها مِمَّن حطمها فكيف تخرون سجدًا لها، أَولى بكم أَن تتدبروا أَمركم، وتثوبوا إلى رشدكم، فتتركوا عبادتها، وتفردوا الله وحده بالعبادة والطاعة. {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}: وهذا غاية السخرية، ونهاية الإِلزام بالحجة الدامغة، فهم لا ينطقون، ومن لا ينطق فلا يستطيع الإخبار عمن اعتدى عليه، ومن كان كذلك فليس أَهلًا للعبادة، وإذا عبده الحمقى والسفهاءُ فجدير به أن يُحَطّ

ص: 1132

64 -

{فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} :

أَي فتنبهوا واقتنعوا بأَن إِبراهيم محق فيما قال، ورجعوا إلى أَنفسهم يتلاومون، فوصف بعضهم بعضًا بالظلم:{فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} : لأَنهم كذبوا إِبراهيم وعبدوا أَصناما لا تنفع ولا تضر، ولا تستطيع الدفاع عن نفسها، ولا الإِخبار عمن حطمها، وهذه اليقظة العقلية تحدث أحيانا حين تسطع الحجة ويبهر الدليل، ولكنها لا تلبث طويلًا عند الجهلاءِ المقيمين على الضلال، ولذا لم يثبت قوم إِبراهيم على هذا الاقتناع، فعادوا إلى جهالتهم ورُدُّوا إلى سفاهتهم، ولذلك يقول الله تعالى:

65 -

{ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} :

أصل النكس: قلب الشيء، بحيث يكون أَعلاه أَسفله، وأُريد به - هنا -: أنهم عادوا إلى المجادلة بالباطل بعد ما استقاموا بمراجعة إِبراهيم لهم، ولم يستندوا في انتكاسهم هذا إِلى برهان ساطع أَو دليل قاطع، ولكنه العناد الذي تركهم في ريبهم يترددون مع أَن الحجة لا تزال قائمة عليهم بقولهم في الدفاع عن أنفسهم:

{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} : وكان مقتضى هذا أن يستمروا على يقظتهم وأَن يخضعوا لحُجَّة إِبراهيم ومنطقه، ولكنهم لغلبة الجهل والصلف عليهم تنكروا للحق، وانساقوا وراءَ الباطل جهلا واستكبارا.

ص: 1133

{قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}

المفردات:

{أُفٍّ} : لفظ يدل على التوجع والتألم مما يجد. {حَرِّقُوهُ} : أَحرقوه بالغ الإحراق.

{انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ} : انتقموا لها. {بَرْدًا وَسَلَامًا} : بَرْد أَمنٍ لا برد هلاك.

{كَيْدًا} : إِهلاكا ناشئا عن الكيد، وهو تدبير الشر للعدو.

{الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} : هي بلاد الشام.

{نَافِلَةً} : هبة خالصة وزيادة على ما سأَل إبراهيم.

التفسير

66 -

{قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ} :

بعد أن ظهرت الحجة لإبراهيم عليهم، قال مبكتا وموبخا لهم: أَتعودون إلى الجهالة

ص: 1134

فتعبدون ما لا يجلب لكم نفعا إِن أنتم عبدتموها، كما أَنها لا تضركم شيئا من الضرر إِن أَنتم تركتموها.

67 -

{أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} :

قبحًا لكم ولما تعبدون من دون الله، ألَا تتفكرون فيما صرتم إِليه فلا تعقلون سوءَ عملكم وقبيح صنعكم؟ الأجدر والأَولى بكم أَن تتدبروا وترجعوا إِلى الفطرة السليمة التي تهدى إلى الخالق - جل وعلا - فهو الذي فطركم وربَّاكم. وخلق معبوداتكم، فتعالى الله عن الشريك والمثيل، وعن قبول عبادتكم لسواه.

68 -

{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} : أَي قال بعضهم لبعض: حرقوا إِبراهيم وانصروا بذلك آلهتكم، فقد سخر منها ونالها بالتحطيم ولم يرع قدسيتها وتعظيمها عندكم. {إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ}: أَي إِن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مبينا فهذا سبيله، وإِلَّا تفعلوا كنتم مفرطين في حقها، وهذا الذي قالوه هو سبيل المُفْحَم المحجوج الذي بهتته الحجة وعجز عن البرهان، فقد قالوا ذلك بعد أَن استيقنت أَنفسهم أَن آلهتهم لا تستطيع أن تنصرهم عليه، بعد أَن عجزت عن دفع التحطيم عن أجسادها.

69 -

{قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} :

أي قلنا للنار حين ألقوا فيها إِبراهيم: كونى بردا وسلاما عليه، والمقصود من هذا الأَمر الكريم أنه سبحانه سلب منها طبيعتها وهى الإحراق، وجعلها باردة غير ضارة ببرودتها بحيث لكون سلاما عليه، فلا يصيبه منها أَذى في جسده ولا في نفسه، فجمع له الله في تلك النار بين السلامة الحسية والسلامة النفسية، فكان مشروح الصدر مطمئن القلب، سليم البدن.

ذكر أَصحاب الأَخبار قصة تحريق إبراهيم عليه السلام مرة مطولة، وأُخرى موجزة، ونحن نسوقها باختصار فما يلى:

لما اجتمع نمروذ وقومه لإِحراق إبراهيم بنوا له بنيانا كالحظيرة، يشير إِلى ذلك

ص: 1135

قوله تعالى: {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} (1). ثم جمعوا له الكثير من صلاب الحطب، وأوقدوا نارا عظيمة ثم اتخذوا منجنيقًا ووضعوا فيه إِبراهيم مقيدًا مغلولا، وقذفوه في النار، فأَتاه جبرائيل عليه السلام وقال: يا إبراهيم هل لك حاجة؟ قال له: أَما إِليك فلا. قال جبرائيل: فاسأل الله ربك، قال: حسبى من سؤالى علمه بحالى، فقال الله تعالى:{يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} وبهذا رد الله كيدهم إِلى نحورهم.

قال أَبو حيان في (البحر): قد أكثر الناس في حكاية ما جرى لإبراهيم عليه السلام، والذى صح هو ما ذكره الله تعالى من أَنه عليه السلام أُلْقى في النار فجعلها الله عليه بردًا وسلاما، وبقول أَبي حيان نقول، والله أعلم.

70 -

{وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} :

أَي: أَرادوا بإبراهيم عليه السلام مكرا عظيما في الإِضرار به؛ عقابا له على دعوة التوحيد التي جاءَ بها، وظنوا أَنهم سينالون ما يريدون، وأَخذوا لذلك أَسباب إِهلاكه، من إِشعال النار وطرحه فيها، ولكن ضل سعيهم، وباءَ عملهم بالفشل الذريع، فقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما، وكان ما فعلوه هو البرهان القاطع على أنه عليه السلام على الجادة والصراط المستقيم، وهم على الباطل، فجعلهم الله بذلك أَخسر الخاسرين، وأَتْعَس الماكرين المبطلين.

71 -

{وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} :

أَي: وأَتممنا على إِبراهيم النعم بأَن نجيناه من هؤلاءِ القوم فرحل من بلادهم بالعراق وقال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} (2). وهاجرت معه زوجته سارة وابن أَخيه لوط بعد أَن آمن به، ورحلوا معا إلى الأرض المباركة، أَرض الشام التي باركها الله، بأَن جعلها مهبط كثير من الأنبباءِ، ومهد معظم الرسالات، كما أكرمها بكثرة خيراتها وزيادة ثمارها وتدفق المياه

(1) سورة الصافات، الآية: 97

(2)

سورة العنكبوت، من الآية: 26

ص: 1136

في أَرجائها، وامتلاء أَرضها بالأَشجار، ووفرة الأَرزاق فيها. ثم هاجر لوط إِلى المؤتفكة حيث أَرسله الله إِلى قومها المشهورين بفعل الخبائث وستأْتى قصته معهم قريبا في هذه السورة.

وفي تعميم البركة للعالمين ما يفيد أن الذي بها من خيرات ليس مقصورا على أَهلها، ولعل ذلك أَكثر وضوحا في جانب الهداية، لأَن نور الرسالات والنبوات انتشر من هذه البقاع إِلى العالمين، ولم يكن حبسا على المقيمين فيها ولا مختصا بهم.

وقد انتشرت في أَرض الشام دعوة إِبراهيم عليه السلام، كما أَنها عمت أَرض الحجاز حيث بنى البيت الحرام، ودعا الناس من حوله إِلى عبادة الله وحج بيته الحرام، إِلى غير ذلك من جهات الأَرض التي زارها.

72 -

{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ..... } الآية.

يعدد الله نعمه على إبراهيم عليه السلام، فإِنه - تعالى - قد نَجَّاه من النار ثم هيَّأَ له ولابن أَخيه لوط الذهاب إِلى الأَرض المباركة، وبعد أن استقر به المقام منَّ الله عليه بنعمة الذرية ليكونوا امتدادًا له في أَداءِ رسالة الله في الأرض، فوهب له من زوجته (سارة) إِسحاق ومن وراء إِسحاق يعقوب.

والتعبير عن رزقه بإِسحق وابنه يعقوب بأَنه هبة ونافلة؛ لأنهُ رُزِقَهما في أَعلى سن اليأْس، والنافلة في اللغة قد تطلق على: العطية، وعلى هذا تكون (نَافِلَةً) حالا من إسحاق ويعقوب، ويجوز أَن تكون حالا من يعقوب وحده، فقد قيل: إِن هبة إِسحاق كانت إِجابة لدعوة إِبراهيم: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} (1) وهبة يعقوب كانت زيادة وعطية له من غير سؤال منه لربه سبحانه وتعالى.

{وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ} : أَي وكلا من إِبراهيم ولوط وإِسحاق ويعقوب جعلناهم طائعين لنا عاملين بأَوامرنا مجتنبين محارمنا.

(1) سورة الصافات، من الآية: 100

ص: 1137

73 -

{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا .... } الآية.

أَي: وأَعددناهم ليكونوا أَنبياءَ هداة وأَئمة يقتدى بهم الناس ويتبعون سبيلهم؛ فهم الأُسوة الحسنة والقدوة الطيبة، إذ الدعوة بالعمل مع القول آكد وأَقوى وأَكثر نفعًا من الدعوة بالقول وحده، ومع كونهم قدوة لغيرهم في عقائدهم وسلوكهم، فهم يهدون بأَمرنا أَي: يدعون الناس إلى دين الله بإِرشاد ووحِي منا، وقد بين الله ما أَوحاه الله إليهم ليعملوا به ويبلغوه فقال:

{وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} : أَي وشرعنا لهم فعل الطاعات والمبرات التي يسعد بها البشر في دنياهم وأُخراهم، ومن أَعظم هذه الخيرات التي شرعناها لهم: إِقام الصلاة، أَي: أَداؤها تامة كاملة على خير الوجوه في أَوقاتها، وإِيتاء الزكاة لمستحقيها مما يحبون ومن خير ما يملكون، لا يدفعهم إِلى بذلها رغبة أَو رهبة من أَحدٍ إِنما يقدمونها ابتغاءَ مرضاة ربهم.

فأَنت ترى أَن الله خصَّ الصلاة والزكاة بالذكر مع دخولهما في الخيرات التي أَوحاها وشرعها، لأَن الصلاة أَشرف العبادات البدنية، والزكاة أَفضل القربات المالية، ومجموع العبادتين تعظيم للخالق، ورحمة بالمخلوق.

وقد جمع الله لهؤلاءِ الصفوة من خلقه فضائل الصفات، وكرائم الشمائل، فوصفهم بالصلاح لأَنه أول مراتب السائرين إِلى الله تعالى، ثم زادهم فضلا فوصفهم بالإِمامة والقدوة، ثم وصفهم بالنبوة والوحى.

وبعد أَن بين أَصناف نعمه عليهم بَيَّن اشتغالهم بعبوديته فقال:

{وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} : أَي: خاشعين لا يستكبرون عن عبادتنا، ولا يتجهون بها إلى أَحد سوانا فقد قابلوا إحسان الله عليهم بإِخلاص العبودية له وحده.

ص: 1138

{وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}

المفردات:

{حُكْمًا} : حكمة ونبوة. {الْقَرْيَةِ} قيل: هي سَدوم. {الْخَبَائِثَ} : هي كل منكر من الأعمال، ومن أَفحشها إتيان الذكران. {فَاسِقِينَ}: خارجين عن أَمر الله وطاعته. {الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} : الطوفان والغرق.

التفسير

74 -

{وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ..... } الآية.

لما ذكر الله قصة إِبراهيم عليه السلام مع قومه، وبين أنه أَنجاه ولوطا إِلى الأَرض المباركة، أَتبعها قصة ابن أَخيه لوط مع قومه.

ومعني الآية: وأعطينا لوطا حكمة في سلوكه مع قومه الذين يمارسون أفحش رذيلة في العالمين، فكان يأْخذهم إِلى الفضيلة بالأُسلوب الرشيد والمنطق السديد، كما آتيناه علمًا دينيا وشرعا كريما يتبعه ويأْمر به قومه.

ص: 1139

{وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ} : وأَنعمنا عليه بأن نجيناه وحفظناه من كيد أَهل قريته، وخيانتهم له، ومن الهلاك معهم عندما قلبها بهم ودمرها عليهم، جزاءَ ما ارتكبوا من المنكرات، وكان أَشدها فحشا إتيانهم الذكران، والاستغناءَ بهم عن الحلال الطيب من نسائهم.

{إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} : إِنهم قد طبعوا وجبلوا ونشأُوا خارجين عن طاعة ربهم، مرتكسين في الرذيلة، فكان إِتيانهم الفواحش متفقا مع خسيس طبائعهم ومرذول جبلتهم.

75 -

{وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} :

أَي: وأَدخلنا لوطا في رحمتنا، وأَحطناه بفضلنا وجزيل عطائنا، فمنحناه النبوة وهى قمة المنح، فأَى رحمة أَفضل وأَتم وأَكمل من اصطفاءِ الله لعبده واختياره ليكون مُبلغا عنه تعالى وهاديا لقومه، ويجوز أَن يراد من الرحمة الجنة، أَي: أَدخلناه في جنتنا؛ لأَنه من الصالحين.

77،76 - {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}:

المعنى: واذكر - يا محمد - نبأَ نوح وقت أَن اشتد به الكرب، من أَذى قومه تارة بالتكذيب والتسفيه، وأُخرى بالكيد والسخرية، فالتجأَ إِلينا مستعينًا بنا، ودعانا بقوله:{أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} (1) وطلب منا أَن نهلك جميع الكافرين من قومه بقوله: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} (2) وذلك بعد أَن أَعلمناه أَنه لن يؤمن من قومه إِلا من قد آمن، فاستجبنا له وحققنا ما طلب فنجيناه وخلصناه من الحُزْن والضيق العظيم ونصرناه من قومه الذين كذبوا بآياتنا، حيث حميناه من شرهم، فإنهم كانوا أَهل سوء وقبح وفساد، وجعلنا عاقبتهم جميعا الإِغراق بالطوفان بعد أن أنجينا نوحا ومن آمن من قومه.

(1) سورة القمر، من الآية رقم: 10

(2)

سورة نوح، من الآية رقم: 26

ص: 1140

{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ}

المفردات:

{الْحَرْثِ} : الزرع. {نَفَشَتْ} : رعته ليلا بلا راع وأفسدته، يقال: نفشت بالليل، وهَمَلَتْ بالنهار. {حُكْمًا}: حكمة وفقها (1){لَبُوسٍ} : اللبوس عند العرب: السلاح كله، درعا كان أَو سيفا أَو رمحا أَو غيرها، والمراد به هنا: الدرع.

{لِتُحْصِنَكُمْ} لتحفظكم وتمنعكم. {بَأْسِكُمْ} : البأْس؛ الشدة والحرب.

{يَغُوصُونَ} : ينزلون إلى أَعماق البحار.

{عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} : عملا غير ذلك كبناء القصور، والصناعات البديعة.

التفسير

78 -

{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ .... } الآية.

(1) انظر القرطبي.

ص: 1141

أي: اذكر أَيها الرسول - لقومك قصة داود وسليمان وشأْنهما في قضية غنم لقوم انتشرت في زرع لآخرين، فأَكلت ما أَكلت واتلفت ما أَتلفت، وخلاصة ما ذكره المفسرون في هذه القصة: أَن رجلين دخلا على داود عليه السلام أَحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال الأَول: إن غنم هذا دخلت حرثى ورعته وما أَبقت فيه شيئا، فقال داود عليه السلام لصاحب الحرث: اذهب فإِن الغنم لك، فخرجا فمرا على سليمان، فقال لهما: كيف قضى بينكما؟ فأَخبراه. فقال: لو كنت أَنا القاضى لقضيت بأَن تدفع الغنم إِلى صاحب الحرث فيكون له نفعها، ويزرع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، حتى إِذا كان العام القابل، وكان الحرث على هيئته يوم أُكِل رُدَّت الغنم إِلى صاحبها، وقبض صاحب الحرف حرثه، فوافق داود على حكم سليمان، وقال له: القضاءُ ما قضيت، وبمعناه قال ابن مسعود ومجاهد وغيرهما.

{وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} : أَي وكنا شاهدين عالمين بما حكم به كل واحد منهما لا يغيب عنا منه شىءٌ.

79 -

{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} :

أَي: فأَرشدنا وأَلهمنا سليمان إلى أصوب الرأيين وأرشد الحكمين، فقد اجتهد داود عليه السلام في الأَمر فرأى أن ما أَكلته الغنم وأَتلفت يقدر ويقوَّم بثمنها جميعًا فحكم بها لصاحب الحرث، ورأَى سليمان عليه السلام أَن غير هذا أَرفق بالفريقين، وقضى بأَن تسلم الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بها لبنا وسمنا وصوفا ونسلا، ويقوم صاحب الغنم على الحرث حتى يعود إلى ماكان، ثم يرد إلى كل منهما ما يملك من حرث أَو غنم كما تقدم بيانه.

وهذا الحكم قد بنى على اجتهاد من داود وسليمان عليهما السلام فالنبي - له أَن يجتهد فيما لم يرد فيه نص، والوحى قد يقره أَو يعدله أَو لا ينزل في شأْنه بشيءٍ فيكون تقريرًا للحكم، وكلاهما عليهما السلام آتاه الله الحكمة والعلم فلم يخرج حكم أَحدهما على ما تقتضيه الحكمة حسب اجتهاده؛ فكلاهما كانت له المعرفة بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام والبصر بالأُمور، وفضل سليمان راجع إِلى فضل أَبيه، والوالد تسره زيادة ولده ع

ص: 1142

{وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} : أي وجعلنا كُلاًّ من الجبال والطير تسبِّح الله تعالى حين يسبحه داود، وكان ذلك تسبيح مقال ليكون وجه الامتنان على داود بتسبيحها معه ظاهرا واضحا. وقال بعض المفسرين: إِن التسبيح كان بلسان حالها، فهى لا تنطق، ولكن بديع صنعتها، ودقة تركيبها، وعظيم المهام المتعلقة بها تدل على أَنه - تعالى - هو الخالق البديع.

وفي كل شيءٍ له آية

تدل على أَنه الواحد

والرأْى الأَول أوضح وأرجح لما يأْتى:

1 -

أَن حمل التسبيح على أَنه كان بلسان الحال لا يجعل لداود مزية على غيره، فكل الأشياءِ - ومنها الجبال والطير - تسبح بلسان حالها.

2 -

أَن تخصيص الجبال والطير دون غيرها بالتسبيح وكونها مسخرة مع داود يقتضي أن يكون التسبيح قوليًّا.

3 -

أَن الشأْن في اللفظ أن يحمل على ظاهره ما لم تكن - ثَمَّةَ - ضرورة صارفة عن هذا الظاهر ولا ضرورة ههنا.

4 -

أن قوله تعالى: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} يشير إِلى ذلك، أَي: وكنا قادرين على أَن نفعل العجائب، أَن تسبح الجبال والطير بلسان المقال.

80 -

{وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} :

أَي: وأَرشدناه إِلى صنع لباس الحرب ودروعها لتمنعكم وتحميكم من بأْس حربكم مع عدوكم وشدته، وقد اتخذ داود عليه السلام من الحديد دروعا واقية بعد أَن ألانه الله له، وفي ذلك يقول الله تعالى:{وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} (1).

وقدم تسخير الجبال على الطير، لأَن تسخير الجبال وتسبيحها أَعجب وأَدل على قدرة الله وأَدخل في الإِعجاز لأَنها جماد، أما الطير في حيوان يصيح ويعبر عما في نفسه بمنطقه الذي علمه الله إياه.

(1) سورة سبأ، من الآيتين: 10، 11

ص: 1143

81 -

{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} :

وهذا هو الإِنعام الأول الذي خص الله به سليمان عليه السلام.

ومعنى النظم الكريم: وسخرنا لسليمان الريح شديدة الهبوب، فلا يعوقها عائق ولا يقف شئٌ دون سيرها، فهى تتخطى كل ما يعترضها وتتغلب عليه.

{تَجْرِي بِأَمْرِهِ} : أَي تطيعه وتنقاد له عليه السلام فإِن أَرادها سريعة شديدة أَسرعت واشتدت، وإِن أَراد منها غير ذلك كانت على حسب ما يريد ويحكم، تتجه وفق مشيئته به وبرجاله في ليل أَو نهار.

{إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} : إِلى أَرض الشام التي باركنا فيها، حيث جعلناها مكان الخصب العميم، والخير الكثير، والماءِ الوفير، والشجر النضير، وهى فوق ذلك مهبط كثير من الرسالات ومهد معظم الأَنبياءِ، فالبركة تشملها حسًّا ومعنى.

{وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} أَي: وكنا بكل شيءٍ سخرناه في الكون عالمين بطريقة تسخيره، وتدبير أَسبابه وآثاره، فلهذا سخرنا لسليمان هذه المخلوقات التي تعجز قدرته عن أَن تسيطر عليها، وكل ذلك إِنما يجرى حسبما تقتضيه حكمتنا ويحيط به علمنا.

82 -

{وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ .... } الآية.

وهذه هي النعمة الثانية التي اختص الله بها سليمان عليه السلام.

والمعنى: وسخرنا لسليمان بعض الشياطين من الجن ينزلون في أَعماق البحار يستخرجون له من الجواهر والنفائس ما يحتاج إِليه ملكه.

{وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} : من بناءِ المدن والقصور والحصون ويصنعون الصنائع العجيبة كما قال الله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} . (1)

{وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} : أَي وكنا للشياطين حافظين من أَن يزيغوا عن أَمره أَو يفسدوا ما عملوه أَو يضروا رعيته، وكان أَمرهم معه كما قال تعالى:{وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} (2).

(1) سورة سبأ، من الآية: 13

(2)

سورة سبأ، من الآية:

ص: 1144

ويقول الفخر الرازى تعليقا على تسبيح الحجارة وإِلانة الحديد لداود، وعلى تسخير الريح والشياطين لسليمان عليهما السلام:

"اعلم أَن أَجسام هذا العالم إِما كثيفة أَو لطيفة، أَما الكثيف: فأَكثف الأَجسام الحجارة والحديد، وقد جعلهما الله معجزة لداود عليه السلام فأَنطق الحجر وليَّن الحديد، وكل واحد منهما كما يدل على التوحيد والنبوة يدل على صحة الحشر؛ لأَنه كما قدر على إِحياءِ الحجارة فأَي بُعد في إِحياءِ العظام الرميمة؟ وإِذا قدر على أَن يجعل في أَصبع داود عليه السلام قوة النار مع كون الأَصبع في نهاية اللطافة، فأَي بُعد في أَن يجعل التراب اليابس جسما حيوانيا؟ وأَلطف الأَشياءِ في هذا العالم: الهواءُ والنار، وقد جعلهما الله معجزة لسليمان عليه السلام أَما الهواءُ فقوله تعالى: "فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ" وأَما النار فلأَن الشياطين مخلوقة منها، وقد سخرهم الله تعالى له فكان يأْمرهم بالغوص في المياه وهم ما كان يضرهم ذلك، وذلك يدل على قدرته تعالى على إِظهار الضد من الضد" اهـ.

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)}

ص: 1145

المفردات:

{مَسَّنِيَ} : أَصابنى. {الضُّرُّ} : سوءُ الحال بسبب المرض.

التفسير

83 -

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} :

واذكر فيمن تذكره من الأَنبياء والصالحين أَيوب عليه السلام وما أَصابه من البلاءِ وما قابله به من الصبر والضراعة والدعاءِ، واثقا أَنَّ كل شِدَّةٍ إِلى انتهاءٍ وأَن البلاءَ لم ينج منه أَحد حتى الأنبياءُ، قال تعالى:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (1).

وقال صلى الله عليه وسلم: "أَشد الناس بلاءً الأنبياءُ ثم الأَمثل فالأَمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه، فإِن كان في دينه صُلْبًا اشتد بلاؤه، وإِن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاءُ بالعبد حتى يَتْرُكَهُ يمشى وما عليه خطيئة". رواه الشيخان والنسائى وابن ماجه.

ويذكر الرواة: أَن أَيوب عليه السلام كان واسع الثراءِ، ذا مالٍ وافر وأَولاد، فأَصابه البلاءُ في ماله، وفي ولده، ثم في صحته، واشتد به البلاءُ وحلَّ به الإِعياءُ، فشكا إلى ربه متضرعا قائلا:{أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} .

ويقول الرازى في المسأَلة الرابعة - تعليقًا على هذه الآية -: إِن أَيوب عليه السلام أَلطف في السؤال، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب، وعقب الرازى ذلك بقوله: فإِن قيل: إِن الشكوى تقدح في كونه صابرًا، فالجواب ما قاله سفيان بن عيينة حيث قال: من شكا إِلى الله تعالى فإِنه لا يعد منه ذلك جَزَعا، إِذا كان في شكواه راضيًا بقضاءِ الله، إذ ليس من شرط الصبر استحلاءُ البلاءِ، أَلَمْ تسمع قول يعقوب:{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} انتهى بتصرف يسير.

وقد ورد في بلاء أَيوب وفي مدته روايات واهنة لا يقبل العقل تصديقها؛ حيث إِنها تصف مرضه بأَنه نفَّر عنه الناس وأَبعدهم منه، وأَنه مكث به عدة سنين، وأَن

(1) سورة الأنبياء، من الآية: 35

ص: 1146

زوجته كانت تقوم بالخدمة في البيوت لتحصل على رزقه، وكل ذلك باطل من جهة الرواية، ومنْ جهة ما يجب للأَنبياءِ، من الصفات الكريمة التي تجمع الناس حولهم، ولا تبعدهم عنهم، ليستطيعوا أَداءَ رسالة مولاهم؛ وكل ما جاءَ في الآية أَنه تعالى امتحنه بضر، فشكا إِلى ربه راجيا رحمته تعالى لأَنه أَرحم الراحمين، ولابد أَن يكون هذا الضر مما يصاب بنحوه الأَنبياءُ، ولا يبعد عنهم الأَوفياءَ والأولياءَ ولا يمنعهم من أَداءِ رسالتهم.

ويقول النسابون: إِنه ابن أَنوص، وكان من ولد عيصو بن إِسحاق، وأُمه من ولد لوط، وزوجته بنت ميشا بن يوسف، أَو رحمة بنت إِفرايم بن يوسف عليه السلام، والله أَعلم بصحة هذا النسب: انظر الرازى والبيضاوى في النسب المذكور.

84 -

{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} الآية.

فَلَبَّيْنَا دعاءَه وأجَبناه إِلى مطالبه ووهبناه العفو والعافية فأَعدنا له صحته وأَزلنا ما أصابه من مرض في جسمه.

{وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} :

وكما أزلنا ما به من الضر، عوضناه من أَولاده الذين ماتوا أولادًا بعددهم ومثلهم معهم، تفضلا منا وعطفًا عليه جزاءَ صبره ورضاه بما قضيناه عليه، ولتكون قصَّته عبرة وذكرى لكل من يعبد الله ويرضى بقضائه ويصبر على بلائه ويشكره على نعمائه.

وليعلم الناس أَن البلاءَ ليس عقابًا على ذنب ارتكبه صاحبه؛ لأَن الدنيا ليست دار جزاءٍ، وليدركوا أَن من أَسباب الفرج دعاءَ الله تعالى والابتهال إِليه، وأَن العاقبة للمتقين، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} .

85 -

{وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} :

ذكر هؤلاءِ الأَنبياءِ بعد ذكر قصة أَيوب ووصفهم بالصبر، يدله على أَن كلا منهم قاسى من شدائد الحياة ما اقتضى منه الصبر، أَما إِسماعيل فصبر على الانقياد للذبح، وصبر على المقام بأَرض غير ذى زرع، وصبر على ما عانى في بناء البيت ومشاق التكليف.

ص: 1147

وأَما إِدريس فقد قيل: إِنه مصرى بعث إِلى قومه، وإِنه أَول من خاط الثياب ووصفه بأَنه من الصابرين يدل على أَنه عانى من مشاق التبليغ ومحن الحياة ما اقتضى ووصفه بذلك.

وأَمَّا ذو الكفل فقد قيل: إِنه ابن أَيوب، وقيل: بل هو إِلياس، واختلف في نبوته، وأَكثر العلماءِ على أَنَّه نبى من أَنبياء الله، ولذا ذكره الله في سورة الأَنبياءِ، ووصفه مع قرِينيه بقوله تعالى:{كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} للدلالة على أَن الصبر كان من أَبرز صفاتهم، وأَنهم امتحنوا بمشاق تقتضى التنويه بصبرهم عليها وإن كنا لم نعثر على المحنة التي صبر عليها ذو الكفل.

86 -

{وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا .. } الآية.

المراد بالرحمة هنا: النبوة، أَو الجنة ونعيم الآخرة، أَو ما هو أَعم من ذلك.

{إنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ} : هذه جملة مستأْنفة في موضع التعليل، وصلاحهم هو الصلاح الكامل؛ لأَنهم الأَنبياءُ المعصومون فاستحقوا بذلك إِدْخالهم في رحمة الله، أو المراد بالرحمة: النبوة، والمعنى: أَنعمنا عليهم بالنبوة التي هي رحمة منا لأَنهم من الصالحين لها.

87 -

{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا

} الآية.

النون: الحوت، وذا النون: يونس عليه السلام ونسب إِليه، لأَنه التقمه وهو مليم، كما سيأْتى بيانه في قصته، والمعنى: واذكر يا محمد لقومك قصة ذى النون حين تولى عنهم مغاضبا لهم، فقد بعثه الله لأَهل نينوى من بلاد الموصل فبلغهم رسالة ربه، وخوفهم عذابه، ولكنهم لم يؤمنوا وأَصروا على كفرهم فهاجر عنهم مغاضبا لهم، وهذا معنى قوله تعالى:{إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} أَي: غضبان على قومه ولم يؤمر بذلك ولا أُذِنَ له فيه.

{فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} : أَي فظن أَن لن نضيق عليه ولا نؤاخذه في متاركة قومه وخروجه من بينهم دون إِذن منا.

ص: 1148

{فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} :

في النص الكريم أُمور ملحوظة دلت عليها قصة يونس في سورة الصافات، حيث بينت أنَّهُ {أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} .

والمعنى: أَنه عليه السلام لما ترك قومه دون إِذن من الله غضبًا عليهم لكفرهم وإِصرارهم عليه مع طول دعوته إِياهم، التجأَ إلى سفينة مشحونة، فلما لجَّجَت بمن فيها توقفت عن السير فقال قائلهم: إن الريح مواتية، فلماذا تتوقف؟ لابد أَن يكون بها رجل عاص، فأَجروا القرعة بينهم، فخرجت على يونس، وكان بذلك من المغلوبين، فأَلقوه في البحر فالتقمه الحوت وهو مليم. أَي: آت بما يلام عليه، وأَصبح بذلك داخل ظلمة كثيفة كأَنها ظلمات، حيث احتواه بطن الحوت داخل ظلمة البحر فنادى في هذه الظلمات: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، إِذ تركت قومى دون استئذان منك.

88 -

{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ .. } الآية.

{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} دعاءَه الذي تضمنه نداؤُه أَن "لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" ففي هذه الجملة طلب يونس عليه السلام من ربه بأسلوب التلويح أَن يكشف عنه غمه ويزيل عنه كربه، بعد أَن وصفه بكمال الربوبية، ونزهه عن كل النقائص واعترف على نفسه، وهو من أَلطف أَساليب الأَدب في الدعاء، إِذ يُعَرِّض بطلبه ولا يصرح به {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} الذي نزل به بسبب إِلقائه في بطن الحوت.

{وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} : أَي وكما نجى الله يونس من غمه ينجى كل مؤْمن يعترف بذنبه ويقرّ بتقصيره فيه نادما عليه، - ينجيه - إِن هو استعان بربه وسأَله العفو والمغفرة.

ص: 1149

{وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93)}

المفردات:

{لَا تَذَرْنِي} : لا تتركنى. {فَرْدًا} : وحيدًا لا عقب لى. {أَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} : جعلناها صالحة للإِنجاب. {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} : أي يبادرون إِليها ويجتهدون فيها.

{رَغَبًا وَرَهَبًا} : طمعًا وخوفًا. {خَاشِعِينَ} : خاضعين مذعنين.

{أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} : صانته. {آيَةً} : علامة.

{تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ} : أَي اختلفوا في دينهم.

التفسير

89 -

{وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ

} الآية،

أَي: واذكر يا محمد نبأَ زَكريَّا حين نادى ربه، أي دعاه قائلا:

{رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا} : لا تدعنى وحيدا لا ولد لى كما جاءَ في قوله تعالى:

{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} (1).

(1) سورة مريم، الآيتان: 5، 6

ص: 1150

{وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} : لأَنَّ الأُمور كلها تصير إِليه حتما.

90 -

{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ .... } الآية.

أَي: أَجبناه إِلى ما طلب، من أَن يرزقه الولد، وهو في سنِّ اليأْس، تفضلا منا ورحمة، وأَصلحنا له زوجه بإزالة موانع الحمل فقد كانت عقيما عاقرًا، كما جاءَ في قوله تعالى حكاية عنه:{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} .

{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} : هو بمثابة التعليل لما تقدم من قبول الدعاء وهبة الولد وإِصلاح الزوج، أَي: استجبنا له، ورزقناه يحيى في أَقصى سن اليأْس، وأَصلحنا له زوجه العقيم، لأَن أَهل هذا البيت كانوا يسارعون في الخيرات ولا يتباطأُون عنها إِذا ما حانت الفرصة لفعلها. فالضمير في "إِنهم" لزكريا وأَهله.

{وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} : أَي ويعبدوننا مخلصين العبادة راغبين طامعين في ثوابنا، خائفين مشفقين من عذابنا.

{وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} : خاضعين مذعنين لا يستكبرون عن عبادتنا ودعائنا.

91 -

{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا .... } الآية.

هي مريم عليها السلام أثنى الله عليها بالعفة وعدم مساس البشر قبل أَن تحمل بعيسى عليه السلام، فإحصانها فرجها: كناية عن أَنها لم يمسسها بشر.

وقد أَراد الله تعالى أن يجعلها آية للناس بقدرته على خلق بشر في أَرحام النساءِ بغير أب على خلاف السنة المعهودة؛ ليعلموا أنه كما قدر على خلق بشر بلا أَب ولا أُم كما صنع مع آدم عليه السلام وبغير أُم كما صنع بحواءَ عليها السلام فهو قادر على أَن يخلقه دون أَب كما صنع بعيسى عليه السلام.

ويصور الله خلقه في جوفها بقوله:

{فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} : أَي نفخنا في جوفها من الروح الأَمين جبريل عليه السلام، فهو الذي نَفَّذَ أمر الله تعالى.

ومعلوم من الدين بالضرورة، أَن جبريل يطلق عليه (الروح)، كما قال تعالى:

{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} :

ص: 1151

ولذا قال سبحانه: {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} : أَي وجعلنا ولادتها إِياه على هذه الحال آية على قدرتنا ومظهرا لربوبيتنا.

92 -

{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً

} الآية.

والأُمة كما تطلق على الجماعة من الناس تطلق أَيضا على الدين والملة، وهو المراد هنا.

أَي: إِن الدِّين الذي جاءَ به سائر الأَنبياءِ الذين تقدم ذكر أَنبائهم دين واحد، يدعو إِلى عبادة الله وحده، وإِن اختلفت شريعة كل نبى في بعض التفاصيل الفرعية التي تقتضيها طبائع العصور المختلفة، أما العقائد وأُصول الأَحكام فواحدة من لدن آدم إلى أَن تقوم الساعة.

{وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} : أَي وأَنا الرب الذي اخترت الدين، وأَرسلت كل رسول إِلى أُمته بشريعته جملة وتفصيلا، على وفق إرادتى، وطبقا لمشيئتى، وأَنا أَعلم كيف أَبعث الرسل إلى الأُمم برسالاتى وأَنا المستحق للعبادة دون سواى، فاعبدونى ولا تعبدوا غيرى، وحيث كان دين الله واحدًا في أصوله، فيجب الإِيمان بجميع رسل الله الذين يبلغون عنه دينه.

فلا يحل لأَحد أَن يؤمن ببعض الأَنبياءِ دون بعض، ولا ببعض الكتب دون بعض، ما لم تغيرها الأَهواءُ والشهوات، وتدخل عليها ما لم يأْمر به الله.

93 -

{وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ

} الآية.

كان الخطاب في قوله تعالى في الآية السابقة {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} كان هذا الخطاب يقتضي أَن يقول هنا: وتقطعتم أَمركم بينكم، ولكنه عدل إِلى أُسلوب الحديث عن قوم في حكم الغائبين فقال:{وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} إنزالًا لهم عن شرف الخطاب؛ بسبب ما أَحدثوه من التفرق في الدين وجعله قطعا موزعة، ولكى يحكى أخبارهم لغيرهم ذمًّا لهم، كأَنه قيل: أَلا ترون إِلى عظم ما ارتكب هؤلاءِ من الاختلاف في دين الله الذي أَجمعت عليه كافة الأَنبياء، وفي ذلك ذم للاختلاف في الدين، وإسقاط للمختلفين فيه عن رتبة الخطاب إِعراضا عنهم.

ومما اختلف الناس فيه من دين الله: أَمر توحيد الخالق سبحانه.

ص: 1152

فقد قال قوم: عزير ابن الله، وقال آخرون: المسيح ابن الله. وغيرهم: الملائكة بنات الله، وعبد آخرون الأَوثان، ومنهم من عبدوا الكواكب وغيرها.

وخلاصة ذلك أَنهم أَغفلوا ما أُمروا به، من وجوب الاعتصام بوحدة الدين ونبذ الفرقة فيه.

{كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} : أي كل الأُمم التي فرقت الدين، واختلفت فيه، عائدون إلينا بعد الموت للجزاءِ والحساب {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} .

{فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100)}

المفردات:

{فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} : أَي لا يضيع الله أجر عمله.

{وَحَرَامٌ} : الحرام الممنوع منه بقهر الله أَو بشرعه أَو بالعقل أَو بأَمر من يطاع أَمْره،

ص: 1153

والمراد منه هنا الأَول كما في قوله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} : أَي منعنا موسى بقدرتنا من أَن يرضع من المراضع سوى أُمه - انظر المادة في مفردات الراغب.

{عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} : أَي قدرنا إِهلاكها، والمراد من القرية: أَهلها.

{لَا يَرْجِعُونَ} : لا يبعثون. {فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} : أَي فتح سدهم الذي كف أَذاهم عن البَشر. {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} : وهم من كل مرتفع من الأَرض يسرعون.

{الْوَعْدُ الْحَقُّ} : الموعود الثابت، والمراد به: ما يحدث بعد النفخة الثانية من البعث والحساب والجزاءِ.

{شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} : أَي مفتوحة لا تطرف.

{يَا وَيْلَنَا} : الويل العذاب، والغرض من ندائهم إِياه: التَّحسر.

{كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} : أَي أَغفلناه وأَهملناه فلم نعمل له.

{حَصَبُ جَهَنَّمَ} : هو الوقود الذي تشتعل به النار. {زَفِيرٌ} : الزفير نَفَسُ؛ المغموم يخرجه من أَقصى جوفه.

التفسير

94 -

{فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ .... } الآية.

بعد أَن بيَّن الله تعالى تفرق الناس في أَمر الدين؛ فمنهم من آمن ومنهم من كفر، جاءَت هذه الآية وما بعدها لبيان مصير كل منهم.

والمعنى: فمن يعمل من الصالحات التي بينها الله في رسالاته إِلى رسله، وهو مؤمن بما يعمله منها، وبأَن التكليف بها صادر عن الله تعالى، فلا حرمان له من أَجر عمله.

وعبَّر هنا عن الحرمان من الثواب بكفران السعى، لبيان كمال نزاهة الله تعالى عنه، بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه من القبائح وإبراز الإِثابة في معرض الأُمور الواجبة منه سبحانه وتعالى، مع أنها من فضله وكرمه.

ص: 1154

{وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} : الضمير فيه عائد على السعى، أَي: إِننا نثبت هذا العمل في صحيفة صاحبه؛ ليعلم أننا لا نضيع عليه نقيرا ولا قطميرا من طيبات أَعماله، كما قال سبحانه:{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} .

95 -

{وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} :

بيَّنَ الله في الآيات السابقة أَن الناس تقطعوا أمر الدين فيما بينهم واختلفوا فيه، وأَنهم إِلى الله راجعون للحساب والجزاءِ، وأَن المؤمنين الصالحين سيجزون خير الجزاءِ. وجاءَت هذه الآية وما بعدها لتؤكد للكفار رِجوعهم إِلى الله وسوءَ حالهم يوم القيامة.

والمعنى: وممنوع على كل قرية قضينا أَزلا بإهلاك أَهلها لشدة طغيانهم وفسادهم، حرام عليهم، وممنوع تخلفهم عن الرجوع إلينا للحساب والجزاءِ، فلا بد من رجوعهم إِلينا مقهورين بقدرتنا، مسخرين ببعثنا إِياهم وإِعادة الحياة إلى أَجسادهم؛ ليلقوا عقابهم الأُخروى، بعد ما ذاقوا عذابهم الدنيوى.

ومن العلماءِ من اعتبر حرف "لا" صلة، وليس نافيا، وأَن المعنى: وممتنع على قرية أَهلكناها أن يرجعوا إِلى الدنيا بعد إهلاكهم، أَو يرجعوا إِلى التوبة.

والمعنى الأَول هو المناسب لما تقدم من قوله سبحانه: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} ولما سيأْتى عقبه من الجزاء الأُخروى للمنكرين للبعث، وشخوص أَبصارهم وتحسرهم على كفرهم يوم الجزاءِ.

96 -

{حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} :

(حتى) هذه هي التي يبتدأُ بعدها الجمل، ولا تفارقها معنى الغاية؛ فهى غاية لمقدر يقتضيه المقام.

والمعنى: تستمر هذه القرى على ما هي عليه من الهلاك إِلى وقت فتح أَبواب الشر من يأْجوج ومأْجوج وخروجهم من كل مكان مرتفع من الجبال والهضاب، يسرعون إلى البغى والعدوان على خلق الله، والآية واضحة الدلالة على أن خروج يأْجوج ومأْجوج من علامات

ص: 1155

الساعة، كما يدل عليه قولهُ تعالى عقبها: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا

} الآية. فإِن جملة {اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} معطوفة بالواو على جملة {فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} ، داخلة معها في حيز الشرط، وجوابهما هو قوله تعالى:{فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فكأَنه قيل: فإِذا فتحت يأْجوج ومأْجوج، واقترب بذلك الوعد الحق، فاجأَتهم القيامة بأَهوالها، كما يدل على ذلك أيضًا حديث مسلم وأَبي داود وغيرهما، فقد جاءَ فيه: "أن الله تعالى يبعث يأْجوج ومأْجوج وهم كما قال الله تعالى: {مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} فيرغب عيسى عليه السلام وأصحابه إِلى الله عز وجل فيرسل عليهم نغفا (1) في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة

" الحديث.

ومن العلماء من قال: إِن يأْجوج ومأْجوج هم التتار، وأَنهم فتحوا السد الذي بناه دونهم ذو القرنين، وعاثوا في الأَرض فسادًا، ويعرف هذا السد بسد باب الحديد - وراءَ جيحون - بين سمرقند والهند، كما يشتهر أيضًا بسد الصين، وقد اجتازه تيمورلنك بجيوشه المخرِّبة ومر به "شاه روح" وكان في خدمته رجل ألمانى يدعى "سيلد برجر" وجاءَ ذكر هذا السد في كتابه، كما تحدث فيه عن مرور "الشاه" به وكان ذلك في أَوائل القرن الخامس عشر (2).

ولعله يشهد لصحة هذا الرأْى ما أَخرجه مسلم بسنده عن أُم حبيبة بنت أبي سفيان أَن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا محمرًّا وجهه يقول: "لا إله إلا الله. ويل للعرب من شَرٍّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأْجوج ومأْجوج مثل هذه - وحلق بأَصبعه الإِبهام والتى تليها - قالت: يا رسول الله: أَنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم - إِذا كثر الخبث (3) ".

فهذا يؤذن بأَن بداية فتح السد حدثت في عهده صلى الله عليه وسلم وقد توقع النبي من ذلك شرًّا كثيرًا على العرب، وقد وقع ذلك في غزوات التتار على البلاد

(1) النغف: دود أبيض يكون في النوى إذا أنقع، قاله أبو عبيد.

(2)

راجع ج 9 ص 198 من تفسير الجواهر للشيخ طنطاوى جوهرى.

(3)

الحديث الثاني من "كتاب الفتن" في صحيح م

ص: 1156