الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذكر الزانية مع الزانى ليكون أَصرح في توقيع الجلد عليها من أَن يقال: (والزانى فاجلدوه) وقدمت على الزانى لأَن الزانى في النساءِ كان فاشيًا حين نزول الآية، وكان لإِماءِ العرب وبغاياهم رايات، وكُنَّ مجاهرات بذلك، ولأن الزنى في النساءِ أَكبر مَعَرَّةً منه في الرجال، ولما يترتب عليه من الحمل، ولأَن الباعث غالبًا منهن، وظاهر الآية يقتضي عموم الجلد للزناة ولو كانوا محصنين - ولكن السنة الصحيحة والإجماع خَصَّاه بغير المحصن، كما سنبينه إِن شاءَ الله تعالى.
والخطاب في قوله تعالى: " {فَاجْلِدُوا} " موجه إِلى المسلمين، ولكن الإمام أَو نائبه ينوب عنهم، لأن اجتماعهم على إقامة الحد متعذر.
المحصن حده الرجم
المراد بالمحصن هنا: البالغ العاقل الحر الذي سبق له الوطءُ في نكاح صحيح، فإِن زنى فحده الرجم حتى يموت، وهذا الحكم أَجمع عليه الصحابة، وعلماءُ الأمة وأئمتها، ولم ينكره سوى الخوارج، وهم بإنكارهم هذا يخالفون إجماع الصحابة، وجميع علماء أَئمة المسلمين، والله تعالى يقول في وجوب العمل بالإِجماع:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (1).
ويستند إجماع الصحابة والأَئمة بعدهم إلى ما صح من أَمره صلى الله عليه وسلم برجم المحصن، فقد تضافرت الطرق على أَنه صلى الله عليه وسلم جاءَه ماعز معترفًا بزناه، فأَعرض عنه مرارًا، ثم عَرَّض له بالرجوع عن إقراره، فلما أَصر وكان متزوجًا أَمر برجمه، أَخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال:"لمَّا أَتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: لعلك قَبّلْت أَو غمزت أَو نظرْت. قال: لا - وصرح بحقيقة زناه - قال: فعند ذلك أَمر برجمه، وقد شرح البخاري قصته في رواية له بسنده عن أَبي هريرة قال: "أَتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من الناس وهو في المسجد، فناداه: إني يا رسول الله زنيت - يريد نفسه -
(1) سورة النساء، الآية:
فأَعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فتنحى لشِقِّ وجهه (1) الذي أَعرض قِبَلَه (2)، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأَعرض عنه، فجاءَ لِشِقِّ وجه النبي صلى الله عليه وسلم الذي أَعرض عنه، فلما شهد على نفسه أَربع شهادات، دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أَبك جُنُونٌ؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: أَحْصَنْتَ (3)؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: "اذهبوا فارجموه
…
" الحديث، وقد رويت قصة ماعز هذا في جميع كتب السنة وفيها تفصيلات عديدة، وجاءَ في بعضها أَنه صلى الله عليه وسلم قال في شأنه: "لقدْ تابَ توْبةً لوْ قُسِّمَتْ بَين أُمة لوَسعَتْهُمْ "، كما يستندُ إِجماع الصحابة على رجم المحصن إِلى قصة الغامدية، فقد جاءَ في صحيح مسلم، أَثناءَ حديث طويل عن عبد الله ابن بريدة عن أَبيه قال: "فجاءت الغامدية (4) فقلت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرنى، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لمَ ترُدُّنى؟ لعلك أَن ترُدنى كما رَدَدْت ماعزًا، فوالله إني لحُبْلَى، قال:"إما لا (5)، فاذهبى فأَرضعيه حتى تفطميه ، فلما فطمته أتَته بالصبى في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبى الله قد فطَمْته وقد أكل الطعام، فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين، ثم أَمر بها فحفر لها إلى صدرها وأَمر الناس برجمها" وقد جاءَ في الحديث أَن خالد بن الوليد كان ممن رجمها وأَنه سبها، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم بمقالة خالد فيها فقال:"فوالذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحبُ مَكْس (6) لغُفر له، ثم أَمر بها فصُلِّى عليها وَدُفنتْ" وقد روَى هذه القصة جميع كتب السنة أَيضًا.
وقد حدث مثل ذلك في امرأَة من جهينة جاءَت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي حُبْلَى واعترفت بزناها، فتركها حتى وضعت، فأَمر برجمها ثم صلى عليها، فقال له عمر:
(1) أي: ذهب ماعز إلى الجهة التي اتجه الرسول إليها بعد أن أعرض عنه ليواجهه مرة أخرى باعترافه بالزنا.
(2)
أي: الذي أعرض جهته وناحيته.
(3)
أي: هل تزوجت.
(4)
نسبة إلى غامد وهي فصيلة من قبيلة الأزد، انظره في ج 4 ص 277 رقم 21 في أحاديث حد الزنى في شرح مسلم للإمام النووى.
(5)
أي: إن كنت لا تريدين الرجوع عن إقرارك، وقد صرحت بحقيقة أمرك.
(6)
المكس: ما يفرضه أعوان الظلمة على الناس في البيع والشراء، والحديث يدل على خطورة جريمة المكس عند الله تع
(تصلى عليها يا نبي الله وقد زنت؟) فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أَهل المدينة لوسعتهم، وهل وُجدت توبةٌ أَفضل من أَن جاءَت بنفسها لله تعالى": اهـ من حديث أَخرجه مسلم بسنده في كتاب الحدود (باب حد الزنى) ج 4 شرح النووى ص 28 رقم 22.
كما استند الإِجماع إِلى ما قضى به صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف وزوجة الأعرابي، فقد روى مسلم بسنده عن أَبي هريرة وزيد بن خالد الجهنى أَنهما قالا: إن رجلًا من الأَعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أَنْشدُك الله إلَّا قضيت لى بكتاب الله، فقال الخصم الآَخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لى، فقال - رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قل" قال: إن ابنى كان عسيفًا على هذا (1) فزنى بامرأته، وإنى أخْبرْتُ أَن على ابنى الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة (2) فسألت أَهل العلم فأَخبرونى أَن ما على ابنى جَلْدُ مائة وتغريب عام، وأَن على امرأَة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذى نفسى بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رَدٌّ (3)، وعلى ابنك جدد مائة وتغريب عام، واغدُ يا أُنيسُ إلى امرأَة هذا فإِن اعترفت فارجمها" قال: فغدا عليها فأعترفت، فأَمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت (4).
والمراد من قضاء الرسول بينهما بكتاب الله أَنه يقضى بينهما بحكمه تعالى المكتوب عنده على الزناة المحصنين وعلَّمه رسولَه، وليس المراد منه القرآن.
وكما استند الإِجماع إلى أَفعال الرسول استند أَيضًا إلى أَقواله التي روتها كتب الصحاح.
(1) أي: أجيرا عنده.
(2)
أي: جارية.
(3)
أي: يردان عليك ويعودان إليك.
(4)
شرح النووى ج 4 ص 281 رقم 23.