الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعدًا ثابتا لا يتخلف، ليحاسبهم ويجزيهم على أعمالهم، ويكون بعد النَّفْخَةِ الثانية في الصور.
وجملة {اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} معطوفة بالواو على جملة {فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} وكلتاهما فعل الشرط. أَما جوابه فهو قوله: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} كما تقدم بيانه. أَي: فإذا حال الذين كفروا وشأْنهم شخوص أَبصارهم، وفتحها على أَهوال القيامة بحيث لا تطرف ولا تغمض.
{يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} : أي يقولون من شدة الكرب في حسرة وندامة: يا هلاكنا قد كنا في دنيانا في غفلة عن هذا اليوم، وما فيه من الأَهوال الجسام، ولم ندر أَنَّه مصيرنا، ثم أَضربوا عن وصف أنفسهم بالغفلة، فقالوا:{بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} لأَنفسنا حيث نبهتنا الآيات والنُّذُر فلم نتنبه للخطر المنتظر، وبقينا كافرين بالبعث والحساب فحق علينا قول ربنا بالخلود في العذاب المهين.
المعنى الإجمالى للآيات السابقة
ولكى يتضح معنى هذه الآيات الثلاث مجتمعة نجملها فيما يلى:
95 -
وممنوع على أَهل أَية قرية أهلكناها لكفر أَهلها وطغيانهم، ممنوع عليهم أَن يتخلفوا عن الرجوع إِلينا للحساب والجزاءِ. فلابد من رجوعهم إِلينا لذلك.
96 -
وتستمر هذه القرى المهلكة على ما هي عليه من الهلاك إلى وقت فتح أَبواب الشر من (يأْجوج ومأْجوج)(1) وخروجهم من كل مكان مرتفع يسرعون إلى العدوان في آخر الزمان.
97 -
واقترب بخروجهم تحقيق الوعد الحق بالبعث، إذ يهلك الله الخلائق ثم يبعثهم ويحشرهم إِلى ساحة الحساب حيث الأَهوال الجسام، فإذا أَبصار الكافرين الذين أَنكروا البعث شاخصة لا تطرف هلعا، يقولون من شدة الكرب: يا عذابنا الشديد الذي
(1) هذا اسم كنائى لأمة شديدة الجبروت تظهر آخر الزمان، غير التتار الذين احتجزهم ذو القرنين بسده، واجتاحوا السد في القرن الخامس عشر كما تقدم بيانه، وقد دل حديث مسلم على فتحه، راجع ما كتبناه في ص 1157 تحت عنوان:(سؤال هام وجوابه).
ينتظرنا، قد كنا في دنيانا في غفلة عن هذا اليوم بل كنا ظالمين لأَنفسنا بالإِصرار على الكفر.
98 -
{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} :
الخطاب في الآية لأَهل مكة، ومعلوم أَنهم كانوا مقيمين على عبادة الأَصنام والأَوثان، فالله سبحانه وتعالى يخبرهم بأَن مصيرهم ومعبوداتهم النار، وهذا الحكم عام فيهم وفي كل من عبد غير الله على شاكلتهم، كالذين يعبدون الكواكب أو الأَشجار أَو نحوها.
أَما المعبودات العاقلة المؤْمنة فلا تدخل في هذا العموم؛ لأَن (ما) في قوله: {وَمَا تَعْبُدُونَ} لما لا يعقل.
روى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تلا هذه الآية قال له ابن الزبعرى: خَصَمتُكَ وربِّ الكعبة: أَليست اليهود عبدوا عزيرا والنصارى المسيح، وبنو مليح الملائكة؟ فردَّ عليه بقوله صلى الله عليه وسلم:"ما أَجهلك بلغة قومك أما فهمت أنَّ مَا لِمَا لَا يَعْقِلُ؟ ".
ولو جعل الخطاب عاما لم يدخل هؤلاء كما تقضى به أَدلة السمع والعقل، لبراءَتهم من الذنوب والمعاصي التي ارتكبها عابدوهم بتسويل شياطينهم، وسيأْتى النص على براءَتهم في الآية رقم (101).
والحَصَبُ: ما تُرمَى به النار لتتقد به - من حَصَبه بكذا أَي: رماه به.
والمعنى: إِنكم يا أَهل مكة ومن على شاكلتكم ممن يعبدون غير الله يُرْمَى بكم وبمعبوداتكم في نار جهنم، أَنتم عليها واردون وفيها داخلون، فلا تعصمكم منها آلهتكم كما لا تعصم نفسها منها، فكيف تعبدونها؟
99 -
{لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} :
أَي: لو كان ما تعبدونه - يا أَهل مكة - من أَوثانكم آلهة، لما دخلوا النار واحترقوا بها، فإن الإله يحمى نفسه من العذاب، وكل من العابدين ومعبوداتهم في نار جهنم خالدين، لا فكاك لهم فيها، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} .
ويلاحظ أَن إِحراق آلهتهم معهم لا يرجع إِلى مسئولية الآلهة عن عبادة البشر لهم؛ لأنَّها لا تسمع ولا تعقل ولا تحس، بل المراد منه تسفيه عقول هؤلاءِ الذين عبدوها وإِهانتهم بإهانة آلهتهم.
100 -
{لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ} :
{لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} الزفير: خروج النفَس من الحيوان.
والمعنى: لأهل مكة وسواهم من المشركين - لهم في جهنم - أَنفاس متتابعة تخرج من صدورهم، يحاولون بها تنفيس ما بهم من وقود النار وسوءِ الحال، وهم في النار لا يسمع بعضهم زفير بعض ولا صراخهم؛ لشدة ما يعانونه جسديًّا ونفسيًّا، نعوذ بالله من شرها.
المفردات:
{الْحُسْنَى} : الجنة، أَو التوفيق للطاعة. {حَسِيسَهَا}: أَي الصوت الذي يحس من توهجها {الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} : الخوف الأَعظم بسبب صرف أَهل النار إِلى النار.
{كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} : كطى الديوان لصحائفه المكتوبة.
{الزَّبُورِ} : المراد به هنا كل كتاب أَنزله الله، مأْخوذ من الزَّبْر وهو الكتابة، وقد غلب لفظ الزبور على كتاب داود عليه السلام.
{الذِّكْرِ} : المراد به هنا اللوح المحفوظ.
{لَبَلَاغًا} : لكفايةً تُبْلغُ الإِنسان إِلى بغيته.
التفسير
101 -
{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} :
بعد أَن ذكر الله سوءَ مصير من يتَّخذون آلهة من دون الله، وأنهم وما يعبدون وقود جهنم وأَنهم فيها مخلدون، جاءَت هذه الآية وما بعدها لبيان حُسْن جزاء المؤمنين. والحسنى: تأْنيث الأَحسن والمراد بها هنا: الجنة، أو التَّوفيق للطاعة، فهو الخصلة الحسنى، ومعنى سبق الحسنى لهم: تقديرها في الأَزل من الله تعالى، لما علمه فيهم من إِيثارهم طاعته على هوى أَنفسهم.
{أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} : أَي أُولئك الذين سبقت لهم منا الحسنى مبعدون عن جهنم أَي لا يدخلونها.
وأَما قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} (1):
فقيل: الخطاب للكفار خاصة، وقيل: إِن الورود قد يطلق على القرب، ولا مانع من أَن يحضر المؤمنون من الإِنس والجن حول جهنم حيث لا يحسون بصوتها ولا يشعرون بحرارتها. ويؤيد هذا قوله تعالى:
(1) سورة مريم، الآية: 71
102 -
{لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ} :
أَي: لا يسمعون صوتها الصادر عن اتقادها، فضلا عن أَنهم لا تدركهم حرارتها، تكريما لهم - {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ}: أَي دائمون فيما أَحبته نفوسهم من أَلوان النعيم حسية كانت أو معنوية، فبكل يتنعمون، وهذه ثلاث صفات لمن سبقت لهم الحسنى، وهى: البعد عن النار، وعدم الإِحساس بما فيها من الشدائد، وخلودهم في الجنة ينعمون بلذتيها الحسية والمعنوية.
103 -
وهذه صفة أُخرى لهم تضمنت الوعد بنجاتهم من بعض أَهوال الآخرة.
و {الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} : الخوف الأَعظم، والمراد به: النفخ الثاني في الصور، وقيل: الموت، وقيل: انصراف أَهل النار إلى النار.
{وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} : أَي يستقبلونهم مبشرين، قائلين لهم:{هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} : به في الدنيا، وتبشرون بمجيئه وبالنعيم فيه، ويكون هذا الاستقبال عند القيام من القبور، وهذا يؤيد تفسير "الفزع الأَكبر" بالنفخ الثاني في الصور. وتبشير الملائكة لهم حين تلقاهم يكون بالأَمان والسلامِ وتحقيق الوعد الذي وعدوا به في الدنيا، ويعتبر ذلك أسْمَى نعم الله عليهم، ومنتهى آمالهم وأَمانيهم.
104 -
{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
…
} الآية.
المراد من طى السماء: إِخفاؤها بالمحو لتحل محلها سماءٌ أُخرى، وفاقًا لقوله تعالى:{يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} والسجل: الديوان الذي يشتمل على الصحائف المكتوبة، ويطلق أَيضًا على كل صَكٍّ به كتابة مسجلة فيه، والمراد
بالكتب: ما يكتب فيه من الأُمور المختلفة، وقرئ {كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} أَي: لجنس الكتاب، والمعنى لا يختلف في القراءَتين، ومعنى الآية: واذكر لأُمتك أيها الرسول - اذكر لهم - يوم نخفى السماءَ كما يخفى السجل ما كتب فيه حين يطوى عليه، وذلك {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ} حيث يبعث الله الخلائق ويحشرها على أَرض جديدة، وتحت سماءٍ جديدة ليحاسبهم ويجزيهم على أعمالهم.
{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} : أَي أَنه تعالى يُعيد السماءَ كما بدأَها بعد أَن أَفناها بقدرته سبحانه؛ فإنه يقول للشىءِ: {كُنْ فَيَكُونُ} .
وأَجاز بعض المفسرين أَن يكون المعنى: كما بدأْنا أَول خلق الناس حفاة عراة نعيدهم كذلك، واستندوا إِلى حديث أَخرجه مسلم عن ابن عباس جاءَ فيه: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: يا أَيها الناس: إنكم تحشرون إِلى الله حفاةً عراة غرْلًا {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} أَلا وإِن أَول الخلائق يكسى يوم القيامة إِبراهيم عليه السلام
…
" الحديث. كما استندوا إلى قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وقوله عز وجل: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} .
{وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} : أَي وعدنا بإِعادة الخلائق وبعثهم وعدا علينا إنجازه، إنا كُنَّا فاعلين ما وعدناهم، قادرين على تحقيقه.
105 -
المراد من الزبور هنا: كل الكتب السماوية، التي أَنزلها الله على أَنبيائه ورسله. مأْخوذ من زبَرَ الكتابَ (1) - أي كتبه - والمراد من الذكر: اللوح المحفوظ الذي هو أُم الكتاب - كما قاله مجاهد وابن زيد، والمراد بالأَرض التي يرثها عباد الله الصالحون: أَرض الجنة، كما قاله ابن عباسٍ ومجاهد وسعيد بن جبير وأَبو العالية، ودليل هذا التأْويل قول أَهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ
(1) وهو من باب ضرب و
الْعَامِلِينَ}. وتأْويل الأَرض بالجنة هو المناسب لما تقدم من قوله تعالى: {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} بعد قوله تعالى.: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} الآيات.
والمعنى على هذا: ولقد كتبنا في جنس الكتب السماوية من بعد الكتابة في اللوح المحفوظ: أَن أَرض الجنة يرثها عبادى الصالحون أهل التَّقْوَى، ولأُمة محمد خير نصيب فيها بمشيئة الله تعالى.
ومن العلماءِ من ذهب إلى أَن المراد بالأَرض: أَرض الدنيا، والوارثون لها: أُمة صلى الله عليه وسلم، يستولون عليها من الكافرين بالفتوحات، سلمية كانت أَو حربية، مصداقا لقوله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (1) وهذا الرأْى هو إِحدى الروايات عن ابن عباس.
وعلى أَن المراد بالأَرض أرض الدنيا، والوارثين لها أمة محمد صلى الله عليه وسلم يصح أن يراد من الزبور كتاب داود عليه السلام ومن الذكر التوراة فإِنه يطلق عليها الذكر، كما في قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} فتكون البشارة بميراث أمة محمد للدنيا جاءت في الزبور بعد التوراة.
106 -
{إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} :
البلاغ يطلق على الكفاية، وعلى ما يتوصل به إِلى الغاية. والمعنى: أَن ما تقدم مما احتوته السورة من عقائد وشرائع وآداب فيه الكفاية للوصول إلى الغاية المطلوبة لقوم شأْنهم العبادة، فإذا أَخذوا أَنفسهم به واحتكموا إلى شرائعه، والتزموا بآدابه بلغوا ما يرجون من عظيم الثواب، والنجاة من العقاب
…
(1) سورة الصف، آية: 9
المفردات:
{فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} : المراد من الاستفهام هنا: الأَمر. {تَوَلَّوْا} : أَعرضوا ولم يُسْلِموا.
{آذَنْتُكُمْ} : أَعلمتكم. {مَا تُوعَدُونَ} : أي من غلبة المسلمين للكافرين.
{الْجَهْرَ} : ما تظهرونه وتجهرون به. {مَا تَكْتُمُونَ} : ما تسرون وتخفون.
{إِنْ أَدْرِي} : لست أَدرى. {فِتْنَةٌ} : ابتلاءٌ واختبار.
{احْكُمْ بِالْحَقِّ} : اقض بالعدل. {مَا تَصِفُونَ} : ما تقولونه من الكفر والتكذيب.
التفسير
107 -
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} :
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ} : أَي وما بعثناك يا محمد بما بعثناك به من الهدى ودين الحق؛ إِلا رحمة للناس أَجمعين؛ فإِنك توضح لهم به صحيح العقيدة، وتعلمهم الأَحكام التي بها يحكمون، وإِليها يحتكمون، وفيها مناط السعادة في الدارين، فما أَرسلناك بما يُعْنِتُهُم أَو يشق عليهم أَو بما هو فوق طاقتهم، وهو ما يوضحه قوله تعالى:
وفيه تعريض بما فوت الكافر على نفسه من هذه الرحمة، حين أعرض ونأَى بجانبه، فخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.
108 -
{قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
…
} الآية.
بعد أَن بين الله سبحانه أَنه سيطوى السماءَ، ويبعث الخلائق كما بدأَهم، وأَن أَرض الجنة يرثها الصالحون، وأَنه أَرسل نبيه محمدًا رحمة للعالمين عقب ذلك بأَمره صلى الله عليه وسلم أن يدعو المشركين إِلى التوحيد والإِسلام؛ رحمة بهم لعلهم يسلمون، فينجوا من سوءِ المصير.
والمعنى: قل أَيها المبعوث رحمة للعالمين - لهؤلاءِ المشركين من قومك ولغيرهم: ما أَوحى الله إليَّ إلَاّ أنه إِله واحد، فما لكم تتخذون معه آلهة تعبدونها من الحجر والشجر والبشر وغيرها، ولا تصلح العبادة لسواه.
{فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} : أَي فأَسلموا لله وانقادوا لأَمره، والتمسوا رضاه بطاعته؛ حتى تفوزوا بالنجاة وتكونوا من المفلحين. ثم عقب ذلك بإِنذارهم على الإِعراض فقال:
109 -
{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ .. } الآية.
أَي: فإِن أعرضوا عما دعوتهم إليه، فقل لهم:{آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} : أَي بلغتكم ما أَوحى الله إِليَّ أَن أُبلغه من توحيده في العبادة، مستوين في الإِعلام بذلك، فلم أَخص به جماعة دون آخرين.
ويجوز أَن يكون المعنى: أَعلمتكم ذلك مستويا معكم (2) في العلم بما أَعلمتكم به من وحدانية الله لظهور الأَدلة عليها، كما يجوز غير ذلك من المعانى، وحسب القارئ ما ذكرنا.
(1) سورة التوبة، آية:128.
(2)
فعلى الأول تكون كلمة "على سواء" حالا من كاف المفعول في "آذنتكم" وعلى الثاني تكون حالا من التاء والكاف أي من الفاعل والمفعول.
وقد نقل الآلوسى عن الزمخشرى أَن في قوله تعالى لهم: {آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} الخ استعارة تمثيلية، حيث شبه حال الرسول معهم بحال من بينه وبين أَعدائه هدنة، فأَحس بغدرهم فنبذ إِليهم العهد، وشَهَرَ النَّبْذَ وأَشاعه، وآذنهم جميعا بذلك - وعقب عليه الآلوسى بقوله: وهو من الحسن بمكان. اهـ
{وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} : إن، هي النافية، والمراد بقوله:{مَا تُوعَدُونَ} هو غلبة المسلمين عليهم، أَو هو ما يلقونه من عذاب يوم القيامة، أَي أنا لم أَعلم ذلك لأَن الله استأْثر بعلمه، ولم يطلعنى عليه، إنما علم ذلك كله عند ربي.
110 -
{إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} :
إِنه سبحانه يعم ما تطعنون به عليَّ وعلى شريعتى مجاهرين بذلك، ويعلم ما تخفون في صدوركم من الأَحقاد على المسلمين، وإِذا كان الله يعلم الجهر وما يخفى، وهو مُجَاز عليهما لا محالة، كان على العاقل البصير أَن يخلص النية لله تعالى، وأَن يصون لسانه وقلبه عن الوقوع فيما يوبقه من القول والنية وسوءِ الظن.
111 -
{وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ .... } الآية.
الضمير في {لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ} عائد على مفهوم من المقام، وهو تأْخير مجازاتهم، والمعنى: لست أدرى؛ لعل تأْخير مجازاتكم مع إِصراركم على ما أَنتم عليه زيادة لكم في الفتنة وإِبعاد في الاختبار والإِملاء.
{وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} : وتمتيع من الله لكم بلذات الدنيا إِلى وقت مقدر تقتضيه الحكمة الإِلهية، ويعظم فيه قيام الحجة عليكم، فيكون أَشد في الإِيقاع بكم؛ لأَن المعرض مع تتابع الآيات وتوالى النذر يكون أَشد عقابًا وأَبعد نكالا.
112 -
{قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ
…
} الآية.
ختم الله السورة بحكاية دعاءِ نبيه صلى الله عليه وسلم وتفويضه الأَمر إِلى ربه وتوقعه الفرج منه.
والمعنى: قال الرسول: يا رب اقض بينى وبين قومى بحكمك الحق وذلك بنصرتى عليهم. وقد قرىءَ: قُلْ بصيغة الأَمر، أَي: قل يا محمد داعيًا ربك أَن يفصل بينك وبين قومك بالحق والعدل. قال قتادة: كان الأَنبياءُ يقولون: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} فأَمر رسول الله أَن يقول ذلك، فكان إِذا لقى العدو يقول - وهو يعلم أَنه على الحق، وعدوه على الباطل -:{رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} اهـ.
ولا فرق في المعنى على القراءَتين إلَاّ أَن قراءَة "قال" لحكاية ما قاله صلى الله عليه وسلم وقراءَة "قل" أَمر من الله لنبيه بما يدعو به.
{وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} :
كانوا يقولون: إنهم على حق في عبادة أَوثانهم، وإِن العاقبة سوف تكون لهم وإِن ما توعَّدهم به القرآن من العذاب على شركهم لو كان حقا لنزل بهم، فلهذا حكى القرآن عن نبيه صلى الله عليه وسلم أَنه قال لهم في مقابل ما قالوه:{وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} .
أي: والله الذي مَلَكنا وربَّانا، المنعوت بالرحمة الشاملة هو الذي أَطلب معونته على تفنيد ما تزعمون من تلك الأَوصاف، بإِظهار حقى على باطلكم ونصرى عليكم، وقد كذَّب الله سبحانه ظنونهم، وخيب آمالهم وخذلهم، ونصر الرسول والمؤمنين عليهم وصدق الله العظيم إِذ يقول:{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (1).
(1) سورة الروم، الآية: 47