المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

"‌ ‌ سورة الفرقان " ‌ ‌مكية وآياتها سبع وسبعون ‌ ‌مقاصد السورة: بدأت هذه السورة بتنزيه - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٦

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: "‌ ‌ سورة الفرقان " ‌ ‌مكية وآياتها سبع وسبعون ‌ ‌مقاصد السورة: بدأت هذه السورة بتنزيه

"‌

‌ سورة الفرقان

"

‌مكية وآياتها سبع وسبعون

‌مقاصد السورة:

بدأت هذه السورة بتنزيه الله الذي أنزل القرآن على عبده محمد صلى الله عليه وسلم وخَلَق السموات والأرض وكل شيء فيهما، ثم نَعتْ على المشركين أنهم أَشركوا به من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، كما نعت عليهم وصفهم للقرآن بأنه أساطير الأولين، مع أن الله الذي يعلم السر في السموات والأرض هو الذي أنزله، كما نعَتْ عليهم إنكارهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بشر يأكل الطعام ويمشى في الأسواق، وليس معه ملك يشاركه الإنذار، ولأنه فقير وليس له جنة يأْكل منها، مع أن ذلك ليس قادحًا في نبوته.

كما نعت عليهم تكذيبهم بالساعة، وحكت أهوال النار التي سوف يصلونها، وقارنت بينها وبين الجنة التي وعد بها المتقون، ثم بينت أَن المرسلين قبله كانوا يأْكلون الطعام ويمشون في الأسواق، فلا وجه لاعتراضهم على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بأكله الطعام ومشيه في الأسواق.

ثم تحدثت عن أهوال يوم القيامة، وأن الحكم يومئذ لله وحده، وأَن الظالم حينئذ يعض على يديه لعدم اتباعه الرسول، وإيثاره أهل الضلال عليه.

ثم ذكرت أن المشركين قالوا: لماذا لم ينزل القرآن جملة واحدة، وأجابت بأنه أنزل على فترات لكي يثبته الله في فؤاده صلى الله عليه وسلم لأنه كان أُميًّا لا يقرأ ولا يكتب.

ثم تحدثت عن إرسال موسى وهارون إلى فرعون وقومه، فلما كذبوهما دمرهم الله تدميرًا، وتحدثت عن تكذيب قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم لأنبيائهم، وأَن الله أهلكهم بسبب تماديهم في تكذيب رسلهم.

ص: 1477

ونعت على قريش أنهم أتوا على قرية قوم لوط، وعلموا بإهلاكهم، لتكذيبهم رسولهم ورفضهم نصائحه، حيث أهلكهم الله بحجارة من سجيل أنزلها عليهم من السماء، وذكرت أن قريشًا استمروا في تكذيبهم واستهزائهم برسولهم قائلين:{هَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} وبينت أنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا، لأنهم لم يعتبروا بما حصل لمن قبلهم.

وتحدثت عن الآيات الكونية الدالة على قدرة الله واستحقاقه العبادة وحده، فذكرت أَن ظل الأجسام في النهار لا يبقى علي حالة واحدة، فإنه تعالى يمده ثم يقبضه شيئا فشيئا، بإحلال ضوء الشمس محله، ولو شاء الله لجعله ساكنا لا ينقبض، بجعل الشمس ثابتة على وضع مائل دائمًا، وأنه جعل الليل كاللباس في ستره الأجسام وجعل النوم راحة للأبدان تشبه الموت، وجعل النهار نشاطًا لها يشبه البعث والنشور بعد الموت، وأرسل الرياح ناشرات للسحاب بين يدى رحمته سبحانه، حيث جعلها مبشرات بالمطر الذي هو من آثار رحمة الله، إذ به يحيا الإنسان والنبات والحيوان، وبينت السور أن الله صرف الحديث عن آياته في كتبه السماوية {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} .

ثم بينت أنه تعالى أرسل البحرين، هذا عذب فرات، وهذا ملح أُجاج، وجعل بينهما حاجزا، بحيث يؤدي كلاهما وظيفته في مصالح الإنسان والحيوان والنبات.

وذكرت أنه تعالى خلق من ماء الزوجين بشرًا، فجعل هذا البشر إما نسيبًا وقريبًا، وإما صهرًا، وكل ذلك دليل على قدرة الله ووحدانيته، ومع هذه الآيات يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرًا.

ثم بينت أنه تعالى ما أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم إلا مبشرًا ونذيرًا، وليس عليه إلا البلاغ وقد فعل، وأنه صلى الله عليه وسلم ما يسألهم على التبليغ من أجر إلا أن يسلكوا سبيل العبادة لله وحده، وذلك شاهد على صدقه ونزاهته في دعوته.

وحثت النبي صلى الله عليه وسلم على أن يتوكل على الحى لا يموت، ويترك حساب الناس لربهم، فإنه خبير بذنوبهم، وأنه لا يضيق صدره بكفرهم وعنادهم.

ص: 1478

وبينت أن قريشًا تنكر وصف الله بالرحمن {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} .

ثم بينت أن عباد الرحمن هم الذين يمشون على الأرض متواضعين، وأنهم يسالمون من يجهل عليهم ويشاركونه ولا يجارونه في سفهه، ووصفتهم بأنهم يتعوذون بالله من جهنم، وأنهم في إنفاقهم يتوسطون بين التبذير والتقتير وأنهم لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون نفسًا بغير حق ولا يزنون ، وأَن من تاب منهم من ذنبه توبة نصوحًا فإن الله تعالى يقبل توبته وأنهم إذا ذُكروا بآيات ربهم تأثروا بها ولم يخروا عليها صمًّا وعميانا، وأنهم يطلبون من الله أن يجعل لهم من أفواجهم وذرياتهم قرة أَعين، ويجعلهم للمتقين إماما، وأنهم يجزون الغرف العالية في الجنة بصبرهم على طاعة الله، ويُحَيَّوْن فيها بالسلام والأمان {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} وأنه تعالى لا يعبأ بعباده لولا عبادتهم ودعاؤهم إياه فإن كذبوا رسله فسوف يكون عذابه ملازما لهم. وسيأتي بيان ما أَجملناه في تفسير آياتها تباعا، والله تعالى هو الموفق.

ص: 1479

بسم الله الرحمن الرحيم

{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)}

المفردات:

{تَبَارَكَ} : أي تعالى وتعاظم، ولا يستعمل مع غير الله تعالى غالبًا ولا يُتَصَرَّف فيه.

{الْفُرْقَانَ} : المراد به القرآن، وهو في الأَصل مصدر فرق بين الشيئين، إِذا فصل بينهما، سمى به القرآن لفصله بين الحق والباطل. {نَذِيرًا}: أَي منذرا أو إِنذارا كالنكير بمعنى الإنكار.

{فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} : أي فَهَيأهَ لما أَراده له من الخصائص والأفعال تهيئة دقيقة. {نُشُورًا} : بعثا.

التفسير

1 -

{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} :

افتتح الله هذه السورة بكلمة {تَبَارَكَ} وهي مأْخُوذة في الأصل من البركة بمعنى كثرة الخير، وقد فسرها الحسن وغيره بقوله: تزايد خيره وعطاؤه وتكاثر، وفسرها آخرون بقولهم: تزايد وتعالى شأنه على كل شيءٍ في ذاته وصفاته وأَفعاله، فإن البركة تستلزم الزيادة والعلو، وفسرها الخليل بمعنى تمجد، وهو قريب من سابقه.

ص: 1480

وترتيب وصفه تعالى بقوله (تبارك) على إنزاله القرآن، لما فيه من الخير الكثير لعباده في الدنيا والآخرة، ولأنه ناطق بعلو شأنه في ذاته وصفاته وأفعاله، وتسمية القرآن بالفرقان، لأنه فرق بين الحق الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبين ما عليه الناس قبله من العقائد الزائفة، والشرائع الفاسدة، وشرع لهم من الأحكام ما يناسب مصلحة البشر في دنياهم وأخراهم، وقد جاء في وصف عظمة القرآن قوله صلى الله عليه وسلم:"إِن هذا القرآن مَأدبَة الله (1)، فتعلموا من مَأدَبَته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حيل الله والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يَعوَجّ فيُقَوَّم ولا يَزيغ فيسْتَعْتب (2)، ولا تنقضى عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد (3)، فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أمَا إني لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف ولام وميم، ولا ألفَيَن أَحدَكم واضعًا إِحدى رجليه يَدَعُ أن يقرأَ سورة البقرة، فإن الشيطان يفِرُّ من البيت الذي تُقْرَأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت (4) لَجَوفٌ صَفِر (5) من كتاب الله" أخرجه الحاكم وصححه بسنده عن ابن مسعود، وكذا محمد بن نصر وابن الأنبارى والطبراني وغيرهم.

والمراد بعبده: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والتعبير عنه بذلك للإيذان بأن رسالته إِلى الناس كافة لا تخرجه عن العبودية لله الذي أرسله، وأن من يَدعى الولدية لله في رسول أرسله الله إِليه، فهو كافر، فإنه سبحانه {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}. والمراد بالعالمين: الإنس والجن، منذ عصره صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة، ومن أنكر إرساله صلى الله عليه وسلم إلى الجن فقد كفر، فإنه معلوم من الدين بالضرورة، لشمول العالمين لهم، ولما تدل عليه سورة الجن من أنه تعالى أرسله إلى الجن، فآمن به بعضهم وكفر آخرون، قال تعالى حكاية عن الجن الذين استمعوه: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ

(1) أي: مصدر لأدبه تعالى لعباده.

(2)

أي: ولا يميل عن الحق فيلام على ميله.

(3)

أي: لا يبلى على تردادِ قراءته.

(4)

أي: أشدها خلوا من الخير.

(5)

أي: خلا.

ص: 1481

{أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} (1) إلى غير ذلك مما جاءَ في سورة الجن وفي السنة الصحيحة.

والمعنى الإِجمالى للآية: تعالى الله الذي أَنزل عل عبده ورسوله محمد القرآن، فارقًا بين الحق والباطل، ليكون به منذرا للعالمين من الإِنس والجن، ومخوفا لهم من العقاب إِن كفروا بآياته، وعبدوا غيره.

{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} :

المراد بخلقه كل شيءٍ إِيجاده، وبتقديره تهيئته لما خلق له من الخصائص.

ومعنى الآية: هو الله الذي له السلطان القاهر، والاستيلاءُ التام على السموات والأَرض وما فيهما خلقًا وملكًا وتصرفًا، إِيجادًا وإِعدامًا، وإِحياءً وإِماتة، وأَمرا ونهيًا، حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، وليس لغيره في ذلك شريك أَو معين، وأَوجد كل شيءٍ فيهما إِما من العدم أَو من مواد لائقة بخلقه، فقدره، وهيأَه وهداه لما أراده منه من الخصائص والأعمال، كتهيئته الإنسان وهدايته للإدراك والفهم والتدبير، واستنباط الصنائع المتنوعة، واختراع الفنون العجيبة، ومزاولة الأعمال المختلفة، وتسخير الحيوانات واستزراع المزروعات، والانتفاع بالجمادات وغير ذلك من عجائب الله في تقدير الإنسان.

وكهيئته النحل لاتخاذ مأوى لها في الجبال والشجر والعرائش، والتعرف بحواس داخلية على أماكن الزهور والثمار، فتطير إليها، وتمتص رحيقها وتأكل من ثمراتها فيتحول غذاؤها إلى عسل شهى مختلف أَلوانُه فيه شفاء للناس، فتلقيه في بيوت هندسية مسدسة الأضلاع، صنعتها من شمع تفرزه لبنائها {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} .

3 -

{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} :

تحكى هذه الآية أباطيل المشركين في عقائدهم وتبين وجه بطلانها، بعد بيان عقيدة أهل الحق فيما قبلها.

(1) سورة الجن، الآيات: من 13 - 15.

ص: 1482

ومعنى الآية: واتخذ المشركون آلهة غير الله تعالى، عبدوهم وهم لا يستحقون العبادة، فهم لا يخلقون شيئا صغيرا كان أو كبيرًا، ولكنهم مخلوقون لله رب العالمين، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، والذى يضرهم وينفعهم هو الله القدير العليم، ولا يملكون لأحد موتًا حتى يميتوه، ولا حياة في الدنيا حتى يحيوه، ولا يملكون له نشورًا وبعثًا في الآخرة حتى يبعثوه وينشروه، وإنما الذي يملك ذلك كله هو الله تعالى ، فكيف استساغوا عبادتها؛ وهي مجردة عن صفات الألوهية واستحقاق الربوبية.

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)}

المفردات:

{إِفْكٌ افْتَرَاهُ} : كذب اخترعه. {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} : أباطيلهم التي سطروها، وهي جمع أسطورة - كأحاديث جمع، أُحدوثة أو جمع أسطار، كأقاويل جمع أَقوال.

{اكْتَتَبَهَا} : طلب كتابتها. {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ} : تلقى إليه ممن كتبها ليحفظها.

{بُكْرَةً} أي: أول النهار قبل انتشار الناس. {وَأَصِيلًا} : آخر النهار بعد أن يأووا إلى مساكنهم، والبكرة: أول النهار، والأصيل: ضدها، يعنون أنها تملى عليه خفية، وقد كذبوا في ذلك كله - قاتلهم الله -. {السِّرَّ}: الأمر الخفى المكتوم عن الناس.

ص: 1483

التفسير

4 -

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} :

بين الله في الآية السابقة سوء رأى المشركين باتخاذهم آلهة لا تضر ولا تنفع، وجاءت هذه الآية لتبين سوء مقالهم فيما جاءهم به نبيهم من الهدى.

والقائلون هم مشركو العرب، كما أَخرجه جماعة عن قتادة، وقد سمى منهم - في بعض الروايات - النضر بن الحرث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خويلد، وإسناد القول إلى جميع المشركين، لرضاهم بما قاله هؤلاء الغلاة المفترون.

وقد ضموا إلى هذه الفرية فرية أُخرى، إذ قالوا إِن محمدا قد أَعانه على ما جاء به من القصص القرآني قوم آخرون، يعنون بهم اليهود، حيث زعموا أنهم أَخبروه بهذا القصص، فعبر عنه بعبارة من عنده، ومنهم من زعم أَن الذين أَعانوه هم: عداس، وعائش مولى حُوَيطِب بن عبد العزى، ويسار: مولى العلاء بن الحضرمى، وجبر مولى عامر، وكانوا كتابيين يقرءون التوراة، أَسلموا وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعهدهم بالبر والنصح والهدى، فافترت قريش هذه الفرية النكراء، وقد كذبهم الله فيما زعموا.

ومعنى الآية: وقال المشركون الكافرون بالهدى: ما هذا القرآن الذي يدعونا محمد إلى الإيمان به؛ إلا كذب اختلقه محمد من عند نفسه ولم يأْته من عند ربه، وأعانه على افترائه على الله قوم آخرون يعرفون قصص الأنبياء مع أُممهم، حيث سردوا عليه تلك القصص، فصاغها بعبارة من عنده، وأسند الإعلام بها إلى ربه، وقد جاء هؤلاء الكافرون بما قالوه ظلمًا للحق وكذبًا شنيعًا على محمد صلى الله عليه وسلم فإن هذا القرآن لا يستطيع أن يأتى بمثله الإنس والجن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، ولا يقدر على الإتيان بمثله سوى من أنزله على رسوله، بما اشتمل عليه من الإعجاز البيانى، والأحكام التشريعية، والأخلاق السنية، والحكم الربانية، والأخبار الغيبية، والآيات الكونية، وامتلاكه نواصى القلوب بأسلوبه، فأنى لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يأتى بمثله، وهو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب،

ص: 1484

وقد عرفوه بالصدق والأمانة، وعدم اشتغاله بالأدب المنثور، والشعر الموزرن، ولم يعرفوا عنه حب الرياسة والجاه، ولا عن أَهل الكتاب أَنهم يعينون غيرهم على هدم دينهم، ولا عن أولئك العبيد والموالى أنهم يحسنون فهم الكتب السماوية أو نقل ما فيها إن صح أنهم يحفظونها {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} وقد لبث الرسول فيهم عمرا طويلًا من قبله يعمل بالتجارة، دون أَن يتجه إِلى تلك الدعوة التي فوجىء بتكليفه بها، وهو لا يسألهم عليها أَجرا، ولا يطلب بها جاهًا، ولا ثراءً فما بالهم لا يعقلون.

5 -

{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} :

بعد ما جعلوا القرآن الحق إِفكا من محمد بإعانة البشر له، بينوا كيفية الإعانة التي زعموها؛ أَي وقال الكافرون: هذا القرآن أَباطيل الأولين طلب محمد كتابتها من أَهل الكتاب، فكتبوها له، فهي بعد تحريرها تملى عليه بكرة أول النهار، وأصيلًا آخر النهار، حتى لا يراه أحد وهي تملى عليه حيث يكون الناس في بيوتهم، لكي يحفظها ممن يمليها عليه.

وقيل: المراد من قولهم: {بُكْرَةً وَأَصِيلًا} : أَي دائمًا، وقد كذبوا في كل ذلك، ولهذا رد الله عليهم بقوله:

6 -

{قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} :

أي قل لهم أيها النبي ردا عليهم: أنزل هذا القرآن الله الذي يعلم الخفى من الأمور في السموات والأرض مثلما يعلم الظاهر منها، وقد أودعه من فنون الأسرار والمصالح الخفية ما لا علم لأحد به، في أسلوب بديع ونظم فريد أَعجزكم وأَعجز جميع الفصحاء والبلغاء عن الإتيان بمثله، وأخبركم بمغيبات مستقبلة مكنونة، لا سبيل لأحد أَن يعلمها إِلا بوحى من ربه، إِن الله الذي أَنزل هذا القرآن، كان ولا يزال موصوفًا بعظيم الغفران والرحمة، ولهذا أمهلكم ولم يعاجلكم بالعقوبة على هذه الفرية النكراء، لعلكم تتوبون فيغفر لكم ويرحمكم، وفي ذلك يقول الله تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}

ص: 1485

{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10)}

المفردات:

{جَنَّةٌ} : أَي بستان. {رَجُلًا مَسْحُورًا} : أَي رجلا سُحِر فغلب السحر على عقله.

{ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} : ذكروا في حقك تلك الأقاويل الغريبة، التي لا تمت إِلى الحق بصلة.

{فَضَلُّوا} : فبعدوا عن طريق الحق.

التفسير

7 -

{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ

} الآية.

أَخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: أَن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأَبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحرث، وأبا البحترى والأسود ابن عبد المطلب، وزمعة بن الأَسود، والوليد بن المغيرة، وأَبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيها ومنبها ابنى الحجاج؛ اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إِلى محمد صلى الله عليه وسلم وكلموه وخاصموه (1) حتى تعذروا منه،

(1) أي: جادلوه.

ص: 1486

فبعثوا إليه؛ أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم عليه الصلاة والسلام فقالوا: يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر منك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالًا جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب الشرف فنحن نُسوِّدُك، وإن كنت تريد الملك ملكناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بي مما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله تعالى بعثنى إليكم رسولًا، وأَنزل عليّ كتابًا، وأَمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أَصبر لأمر الله تعالى، حتى يحكم الله عز وجل بينى وبينكم، قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل شَيئًا مما عرضنا عليك فَسَلْ لنفسك، سل ربك أَن يبعث معك ملكًا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جنانًا وقصورا من ذهب وفضة تغنيك عما تبتغى، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك، ومنزلتك من ربك إن كنت رسولًا كما تزعم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل، ما أَنا بالذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله تعالى بعثنى بشيرا ونذيرا، فأنزل الله تعالى في قولهم ذلك {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ .... } الآيات (1).

والمعنى: أَنهم بعد ما افتروا على القرآن ما افتروه قالوا: أي سبب لهذا الذي يزعم أَنه رسول جعله يأكل الطعام كما نأكل، ويمشى في الأسواق ساعيًا على رزقه كما نسعى، فلو كان رسولًا من عند ربه لخالفنا في أسلوب معاشنا، فَهَلَاّ مَيزه الله علينا فأنْزَلَ معه ملكًا يكون معه نذيرا لنا، ليجعلنا مطمئنين إلى إرساله إلينا.

8 -

{أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} :

أي: فإن لم ينزل الله عليه ملكًا يظاهره في الرسالة، فهلا يلقى إليه ربه من السماء مالًا يكتنزه، ليستظهر به ويرتفع احتياجه إلى اكتساب قوته من السعى في الأسواق مثلنا، فإن لم يوجد هذا ولا ذاك فلا أقل من أن يكون له بستان يتعيش بريعه كمياسير الناس،

(1) نقله الآلوسي.

ص: 1487

ويمتاز به على عامتهم وقال هؤلاء الظالمون للمؤمنين: ما تتبعون إلا رجلا مسحورا مغلوبا على عقله وليس بنبى، فرد الله عليهم مستعظما لإفكهم، داعيًا للتعجب منه بقوله:

9 -

{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} :

أَي: انظر أيها الرسول كيف قالوا في حقك هذا الكلام المخالف للواقع، المنافي للصدق، حيث ضربوا لك الأمثال، واخترعوا لك تلك الصفات، فضلوا بها عن الحق والهدى، متحيرين فيما يصفونك به، فلا يستقرون في القدح في نبوتك على حال، ولا يستطيعون أن يجدوا طريقا للنيل منها بحال، فإن الحق يَقْهَرُ ولا يُقْهَرُ ويعلو ولا يُعلى.

10 -

{تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ (1) لَكَ قُصُورًا} :

أَي: تعالى الله الذي إن شاء التوسعة عليك في الدنيا، جعل لك خيرًا من ذلك الذي اقترحوه بساتين تجرى من تحتها الأنهار لا بستانا واحدا، ويجعل لك قصورا عديدة تتمتع بها، ولكنه ادخر لك الخير كله بجميع صوره في الآخرة بعد قيام الساعة التي كذبوا بها وقد حكى الله تكذيبهم وتوعدهم عليه في الآيات التالية:

(1)"يجعل" يجعل: مضارع مجزوم معطوف بالواو على محل "جعل" فإنه في محل جزم جواب الشرط وإن كان مبنيا على الفتح لكونه فعلا ماضيًا، وقرىء بالرفع، لأن الشرط إذا كان ماضيًا جاز في جوابه الجزم والرفع، كقول الشاعر: وإن أتاه خليل يوم مسغبة .. يقول لا غائب مالي ولا حرم - ويجوز أن يكون استئنافًا.

ص: 1488

{بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14)}

المفردات:

{السَّاعَةِ} : المراد بها زمن قيام الناس لرب العالمين، وسبب التسمية؛ أنه تعالى يفجأُ بها الناس في ساعة لا يعلمها إلا هو. {سَعِيرًا}: نارا شديدة الاستعار: أَي الاتقاد.

{سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} : أَي سمعوا لغليانها صوتًا يشبه صوت المتغيظ والزافر والتغيظ: هو إظهار الغيظ. والغيظُ: أَشد الغضب، والزفير: إِخراج النَّفَس ، وضده: الشهيق، واستعمال الزفير في صوت النار مجاز. {أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا}: أي ألقوا من النار في مكان ضيق لزيادة تعذيبهم.

{دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} : أَي نادوا في ذلك المكان هلاكًا لينقذهم من عذابه.

{لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا} : لاتنادوا في هذا اليوم هلاكًا واحدا ليخلصكم مما أنتم فيه.

{وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} : أَي ونادوا هلاكًا كثيرا، ليخلصكم كل منها من نوع من أنواع العذاب، فإن أَنواعه كثيرة، وسيأْتى بسط الكلام في معنى الآية عند تفسيرها.

التفسير

11 -

{بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} :

في هذه الآية انتقال إلى حكاية نوع آخر من أَباطيلهم يتعلق بأمر المعاد، بعد حكاية إشراكهم وطعنهم في النبوة.

ص: 1489

والمعنى: ليس أمر قريش قاصرا على شركهم؛ وتكذيبك يا محمد فيما دعوتهم إليه من التوحيد وسائر أنواع الهدى، بل كذبوا بالساعة وهي: الموعد الذي ضربه الله لبعث الخلائق وحسابها، وقالوا {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} (1) فاهتموا بدنياهم وأعرضوا عن أخراهم، فلا تعجب من تكذيبهم إياك فيما جئتهم به من الحق وقد أعددنا كل من كذب بالساعة والحساب والجزاء فيها - أَعددنا لهم - نارا شديدة الاتقاد، عظيمة الإِحراق {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} . {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (2).

12 -

{إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} :

تحكى هذه الآية وصف السعير الذي توعدهم الله به في الآية السابقة، والتأنيث في "رأَتهم" لمراعاة المراد من السعير وهو النار، وقيل: لأَنه علم لها. وإسناد الرؤية والتغيظ والزفير إِليها على المجاز، وقيل: إِنه على الحقيقة، كما يؤذن به ظاهر اللفظ ، لأَن الله قادر على أن يجعل لها بصرا وإدراكًا ، بحيث ترى وتتغيظ وتزفر، على نحو ما قالوه في نحو قوله تعالى:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} .

ومعنى الآية: إِذا كان الكافرون بمكان بعيد مكشوف أمام النار، سمعوا لاتقادها صوتًا مزعجًا كالذى يحدث من المغتاظ، وسمعوا لها صوتًا يشبه الزفير الذي يحدث من الموتور الذي يتنفس الصُّعَدَاء (3) حين يظفر بخصمه.

13 -

{وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} :

أي: وإذا أُلقى الكفار بالساعة في مكان ضيق من النار وهم مقرنون، بأَن جمعت أيديهم إِلى أَعناقهم بما يجمعها - إِذا أُلقوا فيها كذلك - دعوا في هذا المحبس الناريِّ هلاكًا يخلصهم من عذاب النار المحيطة بهم، كأن يقولوا: يا ثبوراه - على معنى. هلم إِلينا لتنقذنا مما نحن فيه، وجعل بعض الأجلة دعاء الثبور ونداءه، كناية عن تمنيهم الهلاك، ليسلموا مما هو أشد منه - كما قيل: أَشد من الموت ما يتمنى معه الموت.

(1) سورة المؤمنون، الآية: 37

(2)

سورة فاطر، من الآية: 8

(3)

بوزن البرحاء: تنفس طويل.

ص: 1490

14 -

{لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} :

ما جاءَ في هذه الآية إما مقول لهم بلسان الملائكة، وإِما مقول بلسان الحال.

والمعنى: يقال لهم: لا تنادوا الثبور اليوم نداءً واحدا، لكي ينقذكم من عذابكم ولكن ادعوه ونادوه نداءً كثيرا ، فإن ما أنتم فيه لغاية شدته، واستمراره؛ يستوجب منكم تكرار الدعاء في كل آن، وعلى هذا الرأى يكون الثبور: أي الهلاك المطلوب واحدا ولكن الدعاءَ به كثير.

وقيل معناه: وادعوا هلاكا كثيرا، لا هلاكًا واحدا، لتعدد العذاب بتعدد أنواعه أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها، فهم بحاجة في كل عذاب إلى هلاك وموت جديد يخلصهم منه، وأنى لهم الموت، وهيهات أن ينفعهم هذا الدعاء، فإنهم خالدون في النار أبدا، فالمقصود من الآية: إِقناطهم من النجاة، وأَن دعاءهم برفع العذاب لا ينتهي.

{قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)}

المفردات:

{الْخُلْدِ} : المكث الطويل.

{مَصِيرًا} . مُنتَهًى ومآلا.

{وَعْدًا مَسْئُولًا} : أي موعودا يسأل الناس ربهم أن يتفضل بإنجازه - وللكلام بقية في تفسير الآية.

ص: 1491

التفسير

15 -

{قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا} :

قل أَيها الرسول لمن كذبوك في رسالتك، وكفروا بالساعة التي يبعث فيها الناس لرب العالمين - قل لهم -: أذلك الذي نقدم من السعير وأهوالها وخلود الكافرين فيها، وتمنيهم الهلاك والموت ليستريحوا منها - أَذلك خير - أَم جنة النعيم الخالد التي وعدها الله المتقين الذين صانوا أَنفسهم وجعلوها في وقاية من عذابها الأليم الدائم، بإيمانهم وصلاحهم، كانت لهم هذه الجنة في علم الله تعالى وفي وعده على ألسنة رسله - كانت لهم - جزاء على إِيمانهم، ومنتهى يصيرون إليه بصلاحهم.

16 -

{لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} :

هذه الآية مستأنفة لبيان منهج انتفاع المتقين بنعيم الجنة، وكأنها جواب سائل يقول: ما لهم إِذا صاروا إليها وسكنوها؟

والمعنى: لهؤلاء المتقين في هذه الجنة التي يصيرون إِليها، ما يشاءون من ألوان النعيم المناسبة لهم، على قدر أَعمالهم ودرجتها، حتى لا يتساوى المقصرون بالكاملين، فكل طبقة تقتصر مشيئتها على ما هو حق لها بمقتضى وعد الله الكريم، فلا تمتد رغباتهم إلى ما هو حق لغيرهم، يظلون في جنتهم خالدين لا يَخْرُجون منها ولا يُخرجُون، كان ذلك النعيم المقيم موعودا حقيقًا أن يُسْأل ويطلب ، لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون.

ويجوز أَن يكون الموعود مسئولًا حقيقة على معنى أن الناس يسألونه في دعائهم بقولهم: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} وقال سعيد بن هلال: سمعت أَبا حازم رضي الله عنه يقول: إذا كان يوم القيامة يقول المؤمنون: عملنا لك بما أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا، فذلك قوله تعالى:{وَعْدًا مَسْئُولًا} وأخرج ابن أبي حاتم عن طريق أَبي سعيد هذا، عن محمد بن كعب القرظى أنه قال في الآية: إن الملائكة لتسأل ذلك في قولهم: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ

}.

والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم، لتشريفه والإشارة إلى أَنه هو الفائز بهذا الوعد لأمته، والآية تدل على وجوب تحقق وعده الكريم بمقتضى

ص: 1492

وعده، لقوله سبحانه:{كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} ووعد الله لا يتخلف، وليس لأحد عنده تعالى حق ذاتى على عمله، فالله تعالى هو الذي خلقه وأقدره على العمل، وإِنما ذلك بمحض فضل الله ووعده الكريم.

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19)}

المفردات:

{ضَلُّوا السَّبِيلَ} : بعدوا عن الطريق الموصل إلى الله تعالى.

{مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا} : ما كان يصح لنا. {أَوْلِيَاءَ} : آلهة يلون أَمرنا.

{نَسُوا الذِّكْرَ} : غفلوا عن ذكرك لغفلتهم عن آياتك.

{قَوْمًا بُورًا} : قومًا هالكين، وبورا مصدر وصف به القوم، ويستوى فيه

الواحد والجمع، وقيل: هو جمع بائر، كعائذ وعوذ، والعائذ: الحديثة النتاج من الظباء والإِبل والخيل.

{صَرْفًا} : دفعًا للعذاب، أَو: حيلة من قولهم: إِنه ليتصرف أي: يحتال.

ص: 1493

التفسير

17 -

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} :

هذه الآية وما بعدها. مسوقة لتذكير المشركين بمسئوليتهم يوم القيامة عن ضلالهم دون من عبدوهم، وأن معبوداتهم تتبرأُ من شركهم، والمراد مما يعبدون من دون الله: جميع معبوداتهم من الأصنام، والكواكب، والملائكة، وعزير، والمسيح، وغيرهم.

واستعمال لفظ (ما) في العقلاء تغليبًا لجانب غيرهم لأنهم أكثر معبوداتهم، أَو لأنها قد تستعمل مع أهل العلم -، كقوله تعالى:{وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} أَي: ومن بناها وهو الله تعالى، وسؤاله تعالى للمعبودات ليس على حقيقته، فإنه أَعلم بما كان منهم، بل لتوبيخ عابديهم وإِفحامهم.

والمعنى: واذكر أَيها الرسول للمشركين يوم يجمعهم الله ومن أَشركوهم في العبادة مع الله، فيقول سبحانه للمعبودين إفحامًا لعابديهم، وإلزامًا لهم بمسئوليتهم وحدهم عن ضلال أنفسهم: أَأَنتم أَيها المعبودون أَضللتم عبادى هؤلاء عن الحق بدعوتهم إلى عبادتكم معى؟ أَم هم انحرفوا عن السبيل إلى مرضاتي بمحض إرادتهم؟ حيث كذبوا رسلى، وأهملوا النظر في آياتى.

وتوجيه السؤال إِلى الجمادات لا مانع منه عقلًا ولا شرعًا، فالله قادر على أَن يخلق فيها إدراكًا تعرف به السؤال، ويجعل لها صوتًا تجيب به على هذا السؤال، قال تعالى:{يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} أي: رجِّعى التسبيح مع داود والطير، وقال:{حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} .

18 -

{قَالُوا (1) سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} (2):

(1) عبر بقالوا مع أنهم سيقولون ذلك يوم القيامة، للإيذان بتحقيق جوابهم هذا يوم الدين، فكأنه وقع فعلا فعبر عنه بصيغة الماضى.

(2)

لفظ (من) في قوله (من أولياء) صلة لتأكيد النفى، وكثيرا ما يؤتى بها بعد النفى لتأكيد، وأولياء مفعول نتخذ.

ص: 1494

أي: يقول هؤلاء المعبودون يوم يحشرهم وعابديهم جوابًا لسؤال المولى لهم: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} يقولون: متعجبين مستنكرين: تنزيها لك يا الله عن الشريك والنظير؛ ما كان يصح لنا ولا يستقيم أَن نتخذ أَولياءَ نعبدهم متجاوزين إِياك.

فكيف يصح منا أن نحمل غيرنا على أن يَتخذ وليًا غيرك ، فضلًا عن أن يتخذنا له أولياء.

ويصح أَن يكون المعنى: ما كان يصح لنا أَن نتخذ من دونك اتباعًا، فإن الولى كما يطلق على المتبوع يطلق على التابع، ومنه أولياء الشيطان، أي: أَتباعه.

وبعد أَن برأوا أَنفسهم من تبعة إضلال عابديهم عن الهدى، استدركوا مبينين. مسئوليتهم وحدهم عن ضلال أنفسهم قائلين:

{وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} :

أي: ما أَضللناهم، ولكن متعتهم وآباءهم بأنواع النعم ليعرفوا حقها ويشكروها، فاستغرقوا في الشهوات وانغمسوا فيها، حتى غفلوا عن ذكرك، وشكرك، والإيمان بتفردك بالربوبية، وعبدوا غيرك، وكانوا في علم الله قومًا هالكين، بسبب سوء اختيارهم، وانشغالهم عن الحق بالباطل.

19 -

{فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} :

في هذه الآية صرف الله الخطاب عن المعبودات، ووجهه للعابدين، فالآية حكاية لاحتجاج الله عليهم يوم القيامة، مبالغة في تقريعهم وتوبيخهم.

أي: فقال الله تعالى للعابدين: قد كذبكم المعبودون فيما تقولونه من زعمكم أُلوهيتهم، وأنهم حملوكم على عبادتهم، فما تملكون صرفًا للعذاب عن أَنفسكم، ولا عونًا يخلصكم منه إِذا نزل بكم، ومن يظلم نفسه منكم أَيها المكلفون بعبادة غير الله، أَو بأي لون من أَلوان الكفر: نذقه في الآخرة بالنار والزمهرير عذابًا كبيرًا لا يقادر قدره.

ص: 1495

{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)}

المفردات:

{فِتْنَةً} : امتحانا وابتلاءً. {أَتَصْبِرُونَ} : علة لجعلنا - أي: جعلنا بعضكم فتنةً لبعض لنعلم أيكم يصبر، ونظيره ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، ويجوز أَن يكون حثًّا على الصبر على الفتن.

التفسير

20 -

{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} (1):

هذا جواب آخر عن قولهم {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} وقد سبق الجواب عنه بقوله سبحانه: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} وبقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} .

ومن فوائد هذا الجواب تسلية النبي صلى الله عليه وسلم روى عن ابن عباس أنه قال: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة وقالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ

} الآية، حزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فنزلت هذه الآية تسلية له.

والمعنى: وما أَرسلنا قبلك يا محمد أحدا من المرسلين ، إلا وحالهم أنهم مثلك يأكلون الطعام ليغذوا به أَجسامهم، ويمشون في الأَسواق للتجارة وكسب الرزق، وليس ذلك منافيًا

(1) جملة {إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} وما عطف عليها في محل النصب على الحال، وهي مستثناة من أعم الأحوال، أي: وما أرسلنا قبلك رسلا من المرسلين في حال من الأحوال، إلا وإنهم ليأكلون .. إلخ: نقله الآلوسى عن ابن الأنبارى، واستحسنه أبو حيان، وتقدير الواو قيل لأن الفصيح عدم الاكتفاء بالضمير، ومنهم من قال إن ما في الآية هو الفصيح بعد إلا فيكتفى بالضمير بدون الواو، وفي إعرابها كلام كثير وما قلناه أفضله.

ص: 1496

لرسالتهم، بل هو من الصفات الفاضلة، والأَخلاق العالية، والآيات الواضحة على أَنهم صادقون فى رسالتهم عن الله، لا يبغون بها جاهًا، ولا يطلبون عليها أَجرا، ولا يكونون بها عالة على أتباعهم.

ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} (1) وقوله سبحانه: " {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} (2).

{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} :

الخطاب هنا لجميع الخلائق وفيهم الأَنبياء، والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة وابتلاءَ أَيها الناس فابتلينا الفقراءَ بالأَغنياءِ لننظر أَيصبرون أَم يضجرون والأَغنياءَ بالفقراءِ لنرى أيحسنون أَم يبخلون؟ وابتلينا الأَنبياءَ بأُممهم ليصبروا على مشاق تبليغهم ومعاداة المُصِرِّين على كفرهم، وهكذا جميع الطوائف المتقابلة، نبتلي بعضهم ببعض؛ لننظر ماذا يعملون؟ فنجزيهم على عَمَلهم لا على عِلمنا بهم، ولو شئنا أَن نجعل الناس أُمة واحدة لفعلنا. ولكن الحكمة جرت فى ابتلائهم بتخالفهم وتنوعهم.

أَخرج الإِمام مسلم بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله: إِنما بعثتك لأَبتليك وأبتلى بك"(3) وفي مسند أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو شئت لأَجرى الله معى جبال الذهب والفضة" وفى الصحيح أَنه صلى الله عليه وسلم خير بين أن يكون نبيًا ملكًا أَو عبدا رسولًا، فاختار أَن يكون عبدا رسولا" (4).

{وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} : أَى عالما بالصواب فيما يبتلي به عباده، فلا تضيقنَّ بما يقولون، ولا يستخفنك، ما يفعلون، وسوف يجازيهم بما يظهرون وما يضمرون.

هذه الآية أَصل في تناول الأَسباب، وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك من الأَسباب، وكان أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون ويحترفون، والإِسلام لا يقر الناس على البطالة واعتماد بعضهم عَلى بعض في العطاءِ.

(1) سورة يوسف: الآية 109

(2)

سورة الأنبياء، الآية: 8

(3)

مسلم: كتاب الجنة، باب الصفات التى يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار.

(4)

انظر ابن كثير.

ص: 1497

وأما أَصحاب الصُّفَّة الذين كانوا يقيمون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يسعون في الأرض مسترزقين، فقد كانوا ضيفًا على الإسلام عند ضيق الحال، فكان صلى الله عليه وسلم، إذا أَتته صدقة خصهم بها، وإِذا أتته هدية أَكلها معهم، وكانوا مع هذا يحتطبون ويسوقون الماءَ إِلى بيوت الرسول صلى الله عليه وسلم كما وصفهم البخاري وغيره - ثم لما افتتح الله على المسلمين البلاد، أَخذوا بالأسباب، فأصبحوا أمراء، وهناك ناس يميلون إِلى البطالة وترك الأسباب ، استنادًا إِلى قوله تعالى:{وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} وهذا من سوء التأْويل احتجاجًا لبطالتهم ، فالمراد بالرزق هنا المطر (1) وقد تفضل الله سبحانه بضمانه للناس، لأنهم لا قدرة لهم عليه، وقد أجمع أهل التأويل على أن المراد منه ما ذكر بدليل قوله تعالى:{وَمَا يُنَزِّلُ لَكُم من السَّماَء رِزْقًا} ، ولم يشاهد أَحد أَن الله تعالى ينزل على الناس من السماءِ أَطباق الخبز، ولا جفان اللحم، بل الأسباب أَصل في كل ذلك، وقد أَمر الله بالأَخذ بها في قوله جل وعلا:{فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} وقال صلى الله عليه وسلم: "اطلبوا الرزق في خبايا الأرض" أَي: بالحرث والحفر والغرس، وقال أَيضًا:"لأن يأْخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره ، خير له من أَن يسأَل أَحدا أعطاه أَو منعه".

أَما حديث "لو أنكم كنتم تَوَكَّلون على الله حق التوكل لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانا" فلا يصح الاستدلال به على البطالة مع التوكل على الله ، فإِن غدوها ورواحها سبب لحصولها على رزقها، فالتوكل على الله لا ينافى الأخذ بالأسباب.

أخرج البخاري عن ابن عباس قال: "كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون نحن المتوكلون، فإِذا قدموا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى:{وَتَزَوَّدُوا} ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأَصحابه - رضوان الله عليهم - أنهم خرجوا إلى أسفارهم بغير زاد وكانوا المتوكلين على الله حقًا، والتوكل: اعتماد القلب على الرب مع الأخذ بالأسباب في تحصيل الأرزاق، فإن السماءَ لا تمطر ذهبًا ولا فضة.

وفي ختام الحديث عن هذه الآية نقول: سأل رجل الإمام أَحمد بن حنبل، فقال: إني أريد أن أَحج على قدم التوكل، فقال: اخرج وحدك، فقال: لا، إلا مع الناس، فقال له: أَنت إذن متكل على أَجربتهم، والله تعالى أعلم.

(1) ويقول بعض العلماء إن تسميته رزقا على سبيل المجاز لأنه سببه أو يؤول إليه، فالمطر سبب الرزق من النبات والثمار واللحوم، أو يؤول إليها.

ص: 1498