الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الفصل الرّابع في صفة حيائه صلى الله عليه وسلم ومزاحه]
الفصل الرّابع في صفة حيائه صلى الله عليه وسلم ومزاحه (الفصل الرّابع) من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة حيائه صلى الله عليه وسلم والحياء- هنا- بالمدّ، وأمّا بالقصر!! فهو بمعنى المطر، وكلاهما مأخوذ من الحياة، لأنّ أحدهما فيه حياة الأرض، والآخر فيه حياة القلب.
والممدود معناه- في اللغة-: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، أو يعاتب عليه.
ومعناه- في الشرع-: خلق يبعث؛ أي: يحمل من قام به على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حقّ ذي الحقّ؛ وهو الله تعالى في حقّ عباده، والصديق في حقّ صديقه، والسيّد في حقّ عبده
…
إلى غير ذلك.
ولذا جاء في الحديث: «الحياء من الإيمان» ، و:«الحياء خير كلّه» ، و:«الحياء لا يأتي إلّا بخير» . وعلى حسب حياة القلب تكون فيه قوّة خلق الحياء، وقلّة الحياء من موت القلب والروح، وكلّما كان القلب حيّا؛ كان الحياء أتمّ، ولذا كان تمام الحياء في المصطفى صلى الله عليه وسلم، إذ لا قلب أحيا من قلبه؛ قاله الزرقاني على «المواهب» للعلّامة القسطلّاني.
وقال في «المواهب» أيضا: وللحياء أقسام ثمانية يطول استقصاؤها؛
منها: حياء الكرم؛ كحيائه صلى الله عليه وسلم من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب؛ وطوّلوا عنده المقام، واستحيا أن يقول لهم «انصرفوا» .
ومنها حياء المحبّ من محبوبه؛ حتّى إذا خطر على قلبه في حال غيبته هاج الحياء من قلبه وأحسّ به في وجهه، فلا يدري ما سببه!.
.........
ومنها حياء العبوديّة؛ وهو حياء يمتزج بين محبّة وخوف ومشاهدة عدم صلاحيّة عبوديّته لمعبوده؛ وأنّ قدره أعلى وأجلّ منها، فعبوديّته له توجب استحياء منه لا محالة.
ومنها حياء المرء نفسه، وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص وقنعها بالدّون، فيجد نفسه مستحييا من نفسه حتّى كأنّ له نفسين يستحي بإحداهما من الآخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء. فإنّ العبد إذا استحيا من نفسه؛ فهو بأن يستحي من غيره أجدر. انتهى.
(ومزاحه) - بكسر أوله- مصدر «مازحه» ؛ فهو بمعنى الممازحة، يقال:
مازحه ممازحة ومزاحا؛ كقاتله مقاتلة وقتالا. والمزاح- بالضمّ- مصدر سماعيّ، والقياس الكسر؛ لقول ابن مالك:
لفاعل الفعال والمفاعله............... .............
وهو الانبساط مع الغير؛ من غير إيذاء له، وبه فارق الاستهزاء والسّخرية.
وإنّما كان صلى الله عليه وسلم يمزح!! لأنّه كان له المهابة العظمى، فلو لم يمازح الناس لما أطاقوا الاجتماع به والتلقّي عنه. ولذا سئل بعض السلف عن مزاحه؛ فقال: كانت له مهابة، فلذا كان ينبسط مع الناس بالمداعبة والطلاقة والبشاشة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّه صلى الله عليه وسلم كان يمزح؛ ويقول: «إنّ الله لا يؤاخذ المزّاح الصّادق في مزاحه» . لكن لا ينبغي المداومة عليه، لأنّه يتولّد عنه الضّحك، ويتولّد عن الضّحك قسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى؛ وعن الفكر في مهمات الدّين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، لأنه يوجب الحقد ويسقط المهابة، فالإفراط فيه منهيّ عنه، والمباح: ما سلم من هذه الأمور، بل إن كان لتطييب نفس المخاطب ومؤانسته؛ كما كان صلى الله عليه وسلم يفعله على ندور؛ فهو سنة. وما أحسن قول الإمام الشافعي رحمه الله:
عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ حياء من العذراء في خدرها.
أفد طبعك المكدود بالجدّ راحة
…
بجدّ وعلّله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن
…
بمقدار ما يعطى الطّعام من الملح!!
انتهى؛ من الباجوري على «الشمائل» .
(عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه) - فيما أخرجه البخاريّ في «الصفة النبوية» و «الأدب» ، ومسلم في «الفضائل» ، وابن ماجه في «الزهد» ، والترمذي في «الشمائل» ؛ (قال) أي أبو سعيد
(: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ حياء) - نصب على التمييز- (من العذراء) - بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة والمد- هي البكر ذات العذرة.
سمّيت بذلك!! لأنّ عذرتها؛ وهي جلدة البكارة باقية.
وجمع العذراء: عذارى- بفتح الراء، و [عذاري] بكسرها-.
والعذراء والبكر مترادفان لغة، وأمّا شرعا: فالعذراء أخصّ من البكر، لأنّها من لم تزل عذرتها بشيء، والبكر من لم تزل بكارتها بوطء؛ ولو أزيلت بسقطة وحدّة حيض ونحوهما. أي: كان حياؤه أبلغ من حياء البنت البكر حال كونها كائنة. (في خدرها) ، أو الكائنة في خدرها، فهو حال على الأوّل؛ صفة على الثاني.
والخدر- بكسر الخاء المعجمة؛ وسكون الدال المهملة-: ستر يجعل لها إذا شبّت وترعرعت لتنفرد فيه، فمعنى قوله «في خدرها» ؛ أي: في سترها، وهو تتميم للفائدة، فإنّ العذراء إذا كانت متربّية في سترها تكون أشدّ حياء؛ لتستّرها حتّى عن كثير من النساء، بخلافها إذا كانت في غير بيتها، لاختلاطها مع غيرها، أو كانت داخلة خارجة، فإنّها حينئذ تكون قليلة الحياء؛ قاله في «جمع الوسائل» .
وكان إذا كره شيئا.. عرف في وجهه.
وكان صلى الله عليه وسلم أشدّ النّاس حياء، لا يثبّت بصره في وجه أحد.
ومحلّ وجود الحياء منه: في غير حدود الله، ولهذا قال للذي اعترف بالزّنا:
«أنكتها» ؟ لا يكنّي؛ كما في «الصحيح» في «كتاب الحدود» .
ولشدّة حيائه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قطّ.
أخرجه البزّار بسند حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قاله الباجوريّ، والزرقاني. زاد البخاري من وجه آخر، و «الشمائل» :
(وكان إذا كره شيئا عرف في وجهه) لأنّ وجهه كالشمس والقمر، فإذا كره شيئا كسا وجهه ظلّ؛ كالغيم على النّيّرين، فكان لغاية حيائه لا يصرّح بكراهته، بل إنّما يعرف في وجهه، وكذا العذراء في خدرها لا تصرّح بكراهة الشيء، بل يعرف ذلك في وجهها غالبا، وبهذا ظهر وجه ارتباط هذه الجملة بالّتي قبلها. انتهى «مناوي، وملا علي قاري» رحمهما الله تعالى.
(و) في «الإحياء» : (كان صلى الله عليه وسلم أشدّ النّاس حياء) . قال في «المواهب» :
قال القرطبي؛ أي: في «شرح مسلم» : الحياء المكتسب: هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلّف به؛ دون الغريزي، غير أنّ من كان فيه غريزة منه؛ فإنّها تعينه على المكتسب حتّى يكاد يكون غريزة؛ قال:
وكان صلى الله عليه وسلم قد جمع له النوعان؛ فكان في الغريزي أشدّ حياء من العذراء في خدرها.
وقال القاضي عياض في «الشّفاء» : وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنّه كان من حيائه (لا يثبّت) - بضمّ أوّله رباعيّ؛ لا بفتحها ثلاثي، لإيهامه العجز- (بصره) أي:
لا يديم نظره (في وجه أحد)، ولا يتأمّله لاستيلاء الحياء عليه. فإثبات البصر بمعنى: إطالة النظر من غير تخلّل إغماض الجفن ونحوه؛ حتّى كأنّ بصره صار قارّا في المرئيّ.
وكان صلى الله عليه وسلم يكنّي عمّا اضطرّه الكلام إليه ممّا يكره.
قال السّيوطي: وهذا الحديث ذكره صاحب «الإحياء» ؛ ولم يجده العراقيّ.
انتهى كلام «المواهب» ؛ مع شيء من «الزرقاني» .
(و) في «الإحياء» و «الشفاء» : (كان صلى الله عليه وسلم يكنّي) - بضمّ الياء وتشديد النون، أو [يكني] بفتح وتخفيف-؛ أي: يلوّح ولا يصرّح، ويعرّض (عمّا اضطرّه الكلام إليه) أي: عن شيء لا بدّ منه، ولا يسعه السكوت عنه (ممّا يكره) - بصيغة المفعول- أي: مما لا يستحسن التصريح به.
يعني أنّه يورد المعنى القبيح عادة بطريق الكناية، لشدّة حيائه صلى الله عليه وسلم، كقوله:
«حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» رواه البخاري؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، لأنّ الجماع وذكره للمرأة يستحيا منه، وكقوله «خذي فرصة ممسّكة فتطهّري بها» رواه الشيخان؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وكقوله:«فإنّه لا يدري أين باتت يده» حيث لم يقل «فلعل يده وقعت على دبره، أو ذكره، أو نجاسة في بدنه
…
» ونظائر ذلك كثيرة في الأحاديث الصحيحة.
يفعل ذلك تخلّقا بأخلاق ربّه، واقتداء بادابه، إذ قال تعالى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ [43/ النساء] ، وقال تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [223/ البقرة] .
وهذا فيما إذا علم أنّ السامع يفهم المقصود بالكناية، وإلّا! لكان يصرّح لينتفي اللّبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرّحا به. والله أعلم.
(و) أخرج ابن ماجه؛ عن بلال بن الحارث المزني، والإمام أحمد بن حنبل، والنّسائي، وابن ماجه- بسند حسن؛ كما في العزيزيّ-: كلّهم عن عبد الرحمن بن أبي فرّاد- بضمّ الفاء وشدّ الراء، بضبط المؤلف؛ يعني:
السيوطي- السّلمي؛ كذا قاله العزيزي على «الجامع الصغير» ، وتعقّبه المناوي بأنّه ليس بصحيح! قال: ففي «التقريب» كأصله: بضمّ القاف وتخفيف الراء- يعني: أبا قراد السّليمي الأنصاريّ- ويقال له: الفاكه. قال:
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة.. أبعد.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة.. لم يرفع ثوبه حتّى يدنو من الأرض.
(كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة) بالصحراء (أبعد) بحيث لا يسمع لخارجه صوت؛ ولا يشمّ له ريح؛ ذكره الفقهاء. وقال في «الروض» : لم يبيّن مقدار البعد، وهو مبيّن في حديث ابن السّكن في «سننه» ، أي: وفي «تهذيب الآثار» للطبري، و «الأوسط» و «الكبير» للطبراني؛ أي: بسند جيد؛ كما قاله الوليّ العراقيّ في «شرح أبي داود» بأنّه على ثلثي فرسخ من مكّة، أو نحو ميلين، أو ثلاثة. وفي معنى الإبعاد: اتخاذ الكنف في البيوت، وضرب الحجب، وإرخاء الستور، وإعماق الحفائر
…
ونحو ذلك ممّا يستر العورة، ويمنع الرّيح.
قال الولي العراقي: ويلحق بقضاء الحاجة كلّ ما يستحى منه؛ كالجماع، فيندب إخفاؤه، بتباعد أو تستّرّ. وكذا إزالة القاذورات؛ كنتف إبط، وحلق عانة؛ كما نقله والدي؛ يعني: الزين العراقي؛ عن بعضهم. انتهى كلام الوليّ العراقيّ؛ نقله المناوي على «الجامع الصغير» .
(و) أخرج أبو داود، والتّرمذيّ؛ عن أنس بن مالك، وعن ابن عمر بن الخطاب، والطبرانيّ في «الأوسط» ؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم.
قال في العزيزي: قال الشيخ: حديث صحيح.
قال المناوي: وليس بمسلّم!! فقد قال العراقيّ: والحديث ضعيف من جميع طرقه، وقد أورد النّوويّ في «الخلاصة» الحديث في «فصل الضعيف» ، فدلّ على أنّه ضعيف عنده من جميع طرقه!. انتهى.
(كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة) أي: القعود للبول؛ أو الغائط (لم يرفع ثوبه) أي: لم يتمّ رفعه عن عورته، ولفظ رواية أبي داود: حال قيامه، بل يصبر (حتّى يدنو) ؛ أي: يقرب (من الأرض) ، فإذا دنا منها رفعه شيئا فشيئا؛ محافظة على الستر، وهذا الأدب مستحبّ؛ اتفاقا، ومحلّه ما لم يخف تنجّس ثوبه، وإلّا! رفع قدر حاجته.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل المرفق.. لبس حذاءه وغطّى رأسه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قطّ.
(و) أخرج البيهقيّ، وابن سعد في «الطبقات» ؛ من حديث أبي بكر بن عبد الله؛ عن أبي موسى حبيب بن صالح- ويقال: ابن أبي موسى- الطائي مرسلا.
(كان إذا دخل المرفق) - بكسر الميم وفتح الفاء-: الكنيف (لبس حذاءه) - بكسر الحاء وبالذال المعجمة، وبالمدّ-: نعله صونا لرجله عما قد يصيبها (وغطّى رأسه) حياء من ربّه، لأن هذا المحلّ معدّ لكشف العورة، ولأن تغطية الرّأس حال قضاء الحاجة أجمع لمسامّ البدن، وأسرع لخروج الفضلات، ولاحتمال أن يصل إلى شعره ريح الخلاء ويعلق به، قال أهل الطريق: ويجب كون الإنسان فيما لا بدّ منه من حاجته حييّ خجل مستور. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» - بإسناد فيه مجهول-؛
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
- وفي رواية: ما رأيته منه ولا رآه مني- (قطّ) ؛ أي: أبدا.
والمراد أنّه كان من شدّة حيائه لا يمكّنها النظر إلى فرجه، مع احتياطه بفعل ما يوجب امتناعها من رؤيته، إذ المرأة لا تتجرّأ على رؤية عورة زوجها إلّا من استهتاره وعلمها رضاه، مع أنّه يجوز رؤية كلّ واحد من الزوجين فرج الآخر؛ وإن كان مكروها!!
وفي حديث رواه ابن حبّان: «النّظر إلى الفرج يورث الطّمس» ؛ أي:
العمى. فقيل: عمى الناظر. وقيل: عمى أولاده. وقيل: المراد عمى القلب.
.........
فكان صلى الله عليه وسلم لشدّة حيائه لا يكشف عورته عند أحد قطّ، كما ورد:«من كرامتي على الله أنّه لم يطلع لي على عورة أحد قطّ» ، فإنّ عائشة رضي الله تعالى عنها زوجته؛ وأقرب الناس وأحبّهم إليه، وكان يضاجعها وينام عندها، فإذا لم تر ذلك منه صلى الله عليه وسلم لزم عدم كشفه عندها، فإذا لم يكشف عندها؛ فبالطريق الأولى عند غيرها.
وقد أخرج البزّار؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قطّ. وإسناده حسن.
وروى ابن الجوزيّ؛ عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: كان إذا أتى امرأة من نسائه غمّض عينيه وقنّع رأسه، وقال للّتي تحته:«عليك بالسّكينة والوقار» .
وروى أبو صالح؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من نسائه إلّا مقنّعا، يرخي الثوب على رأسه!! وما رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رآه مني!! أورده ابن الجوزي في كتاب «الوفا» ؛ نقلا عن الخطيب.
خاتمة: أخرج ابن جرير، وأبو نعيم، وغيرهما؛ عن العبّاس قال:
لما بنت قريش البيت افترقت رجلين
…
رجلين
…
لنقل الحجارة، فكنت أنا وابن أخي نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا النّاس اتّزرنا، فبينما أنا أمشي ومحمّد صلى الله عليه وسلم قدّامي خرّ، فانبطح على وجهه! فجئت؛ فألفيته ينظر إلى السماء!! فقلت: ما شأنك!! فأخذ إزاره، وقال:«نهيت أن أمشي عريانا!!» فقال: اكتمها مخافة أن يقولوا مجنون.
وأخرج أبو نعيم؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أبو طالب يعالج زمزم؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة وهو غلام، فأخذ إزاره واتقى به.
فقيل لأبي طالب الحق ابنك؛ فقد غشي عليه، فلما أفاق من غشيته سأله
وأمّا مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فقد كان صلى الله عليه وسلم يمزح مع النّساء والصّبيان وغيرهم،
أبو طالب؛ فقال: «أتاني آت عليه ثياب بيض» ؛ فقال لي استتر.
قال ابن عبّاس: فكان أوّل شيء رآه من النبوة أن قيل له «استتر» . فما رؤيت عورته من يومئذ. انتهى؛ من «شرح الخفاجي على الشفا» وشروح «الشمائل» :
المناوي؛ وعلي قاري؛ والباجوري رحمهم الله تعالى. آمين.
(وأمّا مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقد) ورد بيانه في الأحاديث الآتية، ففي «كشف الغمّة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى:
(كان صلى الله عليه وسلم يمزح) أحيانا (مع النّساء) ؛ تلطّفا بهنّ، (والصّبيان) ؛ تأنيسا لهم، (و) مع (غيرهم) من أصحابه بالقول والفعل؛ جبرا لقلوبهم وتأنيسا لهم، لأن الناس مأمورون بالتأسّي به والاقتداء بهديه، فلو ترك الطلاقة والبشاشة ولزم العبوس؛ لأخذ الناس أنفسهم بذلك! على ما في مخالفة الغريزة من المشقّة والعنا!! فمزح ليمزحوا؛ قاله ابن قتيبة.
وقال الخطّابي: سئل بعض السلف عن مزاحه صلى الله عليه وسلم؛ فقال: كانت له مهابة، فلذا كان ينبسط للناس بالدّعابة، وهو مع ذلك سرّه في الملكوت يجول حيث أراد الله تعالى به.
ولا يخالف هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «لست من دد ولا الدّد منّي» أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» ، والبيهقيّ عن أنس رضي الله عنه، والطبرانيّ في «الكبير» ؛ عن معاوية رضي الله عنه.
ودد- بفتح الدال الأولى؛ وكسر الثانية- أي: لست من أهل اللهو واللّعب، ولا هما منّي. ومعنى تنكير الدّد في الأول: الشياع والاستغراق، وألايبقى شيء منه إلّا وهو منزّه عنه؛ أي: ما أنا في شيء من اللهو واللعب، وتعريفه في الجملة الثانية!! لأنّه صار معهودا بالذكر، كأنّه قال: ولا ذلك النوع، وإنما لم يقل
ولا يقول إلّا حقّا.
وكان صلى الله عليه وسلم من أفكه النّاس مع صبيّ.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا مزح.. غضّ بصره.
وكان صلى الله عليه وسلم فيه دعابة قليلة.
«ولا هو مني» !! لأن الصريح آكد وأبلغ.
وقد رواه الطبرانيّ أيضا والبزار، وابن عساكر؛ عن أنس بزيادة:«ولست من الباطل، ولا الباطل منّي» . انتهى. لأنّ المنفيّ ما كان بباطل ومجرّد لهو ولعب؛ وهو صلى الله عليه وسلم في مزاحه صادق؛ كما قال:
(ولا يقول إلّا حقّا) ، فلا ينافي الكمال حينئذ، بل هو من توابعه وتتمّاته لجريه على القانون الشرعي. فمن زعم تناقض الحديثين من الفرق الزايغة! فقد ضل؛ قاله الزرقاني على «المواهب» .
وحديث «المتن» رواه الإمام أحمد؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، مع تغيير يسير في اللفظ، وهو عند الترمذي بلفظ: قالوا: إنّك تداعبنا! قال: «إنّي لا أقول إلّا حقّا» . وسيأتي في المتن إن شاء الله تعالى.
(و) أخرج الطبرانيّ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه:
(كان صلى الله عليه وسلم من أفكه النّاس) أي: من أمزحهم (مع صبيّ) - وقد تقدّم-.
(وكان صلى الله عليه وسلم إذا مزح غضّ بصره) . لم أقف عليه!.
(و) أخرج الخطيب وابن عساكر في «تاريخه» ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه دعابة) - بضمّ الدال وتخفيف العين المهملتين، وبعد الألف موحّدة (قليلة) أي: مزاح يسير للتشريع.
قال في «المواهب» : الدّعابة هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره؛
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «يا ذا الأذنين» ؛ يعني: يمازحه.
كالمداعبة الفعلية؛ كمجّه محمود بن الربيع، واحتضانه زاهرا. انتهى مع «شرح الزرقاني» .
قال المناوي في «كبيره» : قال ابن عربي: وسبب مزاحه أنّه كان شديد الغيرة، فإنّه وصف نفسه بأنّه أغير من سعد؛ بعد ما وصف سعدا بأنه غيور، فأتى بصيغة المبالغة، والغيرة من نعت المحبّة؛ وهم لا يظهرونها، فستر محبّته وماله من الوجد فيه بالمزاح وملاعبته للصغير، وإظهار حبّه فيمن أحبّه؛ من أزواجه وأبنائه وأصحابه!! وقال:«إنّما أنا بشر» ، فلم يجعل نفسه أنّه من المحبّين، فجهلوا طبيعته وتخيّلت أنّه معها لمّا رأته أنّه يمشي في حقّها ويؤثرها، ولم تعلم أنّ ذلك عن أمر محبوبه إيّاه بذلك!. وقيل: إنّ محمدا صلى الله عليه وسلم يحبّ عائشة والحسنين.
وترك الخطبة يوم العيد ونزل إليهما لما رآهما يعثران في أذيالهما. وهذا كلّه من باب الغيرة على المحبوب أن تنتهك حرمته، وهكذا ينبغي أن يكون تعظيما للجناب الأقدس أن يعشق. انتهى.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» قال: حدّثنا محمود بن غيلان؛ قال:
حدّثنا أبو أسامة؛ عن شريك؛ عن عاصم الأحول.
(عن أنس) بن مالك (رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له) أي لأنس (: «يا ذا الأذنين» ) - بضمّ الذال المعجمة، وتسكن- أي: يا صاحب الأذنين السميعتين الواعيتين الضابطتين لما سمعتاه، وصفه به مدحا له؛ لذكائه وفطنته وحسن استماعه، لأنّ من خلق الله له أذنين سميعتين كان أوعى لحفظه ووعيه جميع ما يسمعه، ولما كان ذلك لا يوجب كون الكلام ممازحة؛ قال محمود:(يعني) أي: يريد صلى الله عليه وسلم بقوله: «يا ذا الأذنين» (يمازحه) أي: مزاحه من قبيل ذكر الفعل وإرادة المصدر، من قبيل «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» ، ومنه قوله تعالى وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً [24/ الروم] .
وعن أنس أيضا قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتّى يقول لأخ لي: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير؟» .
وإنّما كان ذلك مزاحا مع كونه معناه صحيحا يقصد بالإفادة!! لأن في التعبير عنه ب «ذا الأذنين» مباسطة وملاطفة؛ حيث سمّاه بغير اسمه، فهو من جملة مزحه ولطيف أخلاقه صلى الله عليه وسلم، كما قال للمرأة عن زوجها:«ذاك الّذي في عينيه بياض» !!.
(و) أخرج البخاريّ في «الأدب» ، ومسلم، والترمذي في «الجامع» في «الصلاة» ، وفي «الشمائل» أيضا، وهذا لفظها:
(عن أنس أيضا؛ قال: «إن) - مخفّفة من الثقيلة، بدليل دخول اللام في خبرها، واسمها ضمير الشّأن محذوف، أي: أنّه (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا) بالملاطفة وطلاقة الوجه والمزاح؛ قاله القسطلّانيّ في «المواهب» .
وقال شرّاح «الشمائل» : ليخالطنا: يمازحنا، ففي «القاموس» : خالطه مازحه، والمراد أنس وأهل بيته (حتّى) للغاية، أي: انتهت مخالطته لنا إلى الصغير من أهلنا ومداعبته والسؤال عن طيره (يقول لأخ لي) من أمّي «أمّ سليم» ؛ يقال له «أبو عمير» بن أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري.
وكان اسمه عبد الله؛ فيما جزم به أبو أحمد الحاكم، أو حفص؛ كما عند ابن الجوزي، وهو الذي حقّقه الحافظ ابن حجر في «الفتح» . وقال: هو وارد على من صنّف في «الصحابة» وفي «المبهمات» !! انتهى.
وقيل: اسمه «كبشة» ؛ كما في «جامع الأصول» !! ومات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. والمعروف أنّ عبد الله هو أخوه الذي حملت به أمه عند وفاته؛ وهو صاحب الليلة المباركة!! ففي مسلم؛ عن أنس: أنّ ابنا لأبي طلحة مات
…
فذكر قصّة موته، وأنهّا قالت لأبي طلحة: هو أسكن ممّا كان. وبات معها، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقال:«بارك الله لكما في ليلتكما» . فأتت بعبد الله بن أبي طلحة؛ فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن عبد الله الفقيه، وإخوة إسحاق كانوا عشرة، كلّهم حمل عنه العلم.
(: «يا أبا عمير) - بضم العين وفتح الميم؛ مصغّرا- (ما فعل النّغير؟!» )
قال أبو عيسى التّرمذيّ: وفقه هذا الحديث: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يمازح.
وفيه: أنّه كنّى غلاما صغيرا فقال له: «يا أبا عمير» .
وفيه: أنّه لا بأس أن يعطى الصّبيّ الطّير ليلعب به- أي: لعبا لا عذاب فيه
…
- بضمّ النون وفتح الغين المعجمة؛ تصغير النّغر، كالرّطب-: وهو طائر صغير كالعصفور أحمر المنقار؛ أي ما شأنه وحاله!! فباسطه بذلك ليسلّيه حزنه عليه؛ كما هو شأن الصغير إذا فقد لعبته، فيفرح بمكالمة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويرتاح لها ويفتخر؛ ويقول لأهله: كلّمني وسألني!! فيشتغل باغتباطه بذلك عن حزنه فيسلى ما كان.
(قال) الإمام الحافظ (أبو عيسى) محمد بن عيسى بن سورة (التّرمذيّ) في «الشمائل» (: وفقه هذا الحديث) أي: المسائل الفقهية المستنبطة من هذا الحديث: (أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يمازح) ؛ أي: لمصلحة تطييب نفس المخاطب، ومؤانسته وملاطفته ومداعبته، وذلك من كمال خلقه ومكارم أخلاقه، وتواضعه ولين جانبه؛ حتّى مع الصبيان، وسعة صدره، وحسن معاشرته للناس.
(وفيه) أي: وفي هذا الحديث من الفوائد: (أنّه كنّى غلاما صغيرا؛ فقال له: «يا أبا عمير» ) وهو لا بأس به، لأنّ الكنية قد تكون للتفاؤل بأنّه يعيش ويصير أبا، لكونه يولد له. فاندفع ما يقال «إنّ في ذلك جعل الصغير أبا لشخص؛ وهو ظاهر الكذب» !!.
(وفيه) ؛ أي: وفي الحديث أيضا من الفوائد: (أنّه لا بأس) ؛ أي:
لا حرج (أن يعطى الصّبيّ الطّير ليلعب به؛ أي: لعبا لا عذاب فيه) . هذا إشارة إلى جواب ما استشكل بأن إعطاء الصغير الطير ليلعب به تعذيب له، وقد صحّ النهي عنه؟!.
- وإلّا.. حرم تمكينه منه؛ للنّهي عن تعذيب الحيوان.
وإنّما قال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» .. لأنّه كان له نغير يلعب به، فمات، فحزن الغلام عليه، فمازحه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:«يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» .
وحاصل الجواب: أن التعذيب غير محقّق، بل ربّما يراعيه فيبالغ في إكرامه وإطعامه لإلفه، وهذا إن قامت قرينة على أنّ الصبي لا يعذّبه، بل يلعب به لعبا لا عذاب فيه، ويقوم بمؤنته على الوجه اللائق، فيجوز تمكينه منه حينئذ.
(وإلّا) بأن كان غير مميّز، أو قاسي القلب جافي الطّبع؛ دلّت القرينة على أنه يعذّبه؛ (حرم تمكينه منه) ، وذلك (للنّهي عن تعذيب الحيوان) ، فما في الحديث منزّل على القسم الأوّل.
فائدة: قال ابن خلّكان في «تاريخه» : إن الإمام الزمخشريّ كانت إحدى رجليه ساقطة؛ أي أعرج، وكان يمشي في جارن خشب، وكان سبب سقوطها دعاء والدته عليه.
قال الزمخشري: كنت في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله؛ فأفلت من يدي فأدركته؛ وقد دخل في خرق؛ فجذبته، فانقطعت رجله في الخيط. فقالت والدتي: قطع الله رجلك- الأبعد- كما قطعت رجله.
قال: فلما وصلت إلى سنّ الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم فسقطت عن الدابّة فانكسرت رجلي، وعملت عليّ عملا أوجب قطعها. والله أعلم بالصّحة.
انتهى كلام ابن خلّكان بتصرّف.
(وإنّما قال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ أي للغلام (: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير؟!» ؛ لأنّه كان له نغير يلعب) : يتلهّى (به، فمات، فحزن الغلام عليه) ؛ كما هو شأن الصغير إذا فقد لعبته، (فمازحه) ؛ أي: باسطه (النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:
«يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» ) ليسلّيه، ويذهب حزنه عليه، لأنّه يفرح بمكالمة
و (النّغير) : طائر كالعصفور، أحمر المنقار.
النبي صلى الله عليه وسلم له؛ فيذهب حزنه بسبب فرحه.
(والنّغير) تصغير نغر- بضمّ النون وفتح الغين-: (طائر) صغير (كالعصفور أحمر المنقار) ، وأهل المدينة يسمّونه «البلبل» ، وقيل: طائر له صوت.
وقيل: هو العصفور. وقيل غير ذلك. والرّاجح الأوّل.
قال شيخ مشايخنا العلّامة الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى في «زاد المسلم» في الجزء الرابع صفحة 165: وهذا الحديث فيه فوائد جمّة جمعها أبو العبّاس ابن القاصّ: أحمد بن أبي أحمد الطبري صاحب التصانيف من الشافعية في جزء مفرد، وسبقه إلى ذلك أبو حاتم الرّازيّ أحد أئمة الحديث، ثم التّرمذيّ في «الشمائل» ، أشار لبعض فوائده المأخوذة منه، ثمّ الخطّابيّ إلى غير هؤلاء ممّن جمع فوائده.
قال الإمام النّوويّ في «شرح مسلم» عند ذكره ما نصّه:
وفي هذا الحديث فوائد كثيرة جدّا؛
منها: 1- جواز تكنية من لم يولد له، و 2- تكنية الطفل، و 3- أنّه ليس كذبا، و 4- جواز المزاح فيما ليس إثما، و 5- جواز تصغير بعض المسمّيات، و 6- جواز لعب الصبي بالعصفور، و 7- تمكين الوليّ إيّاه من ذلك، و 8- جواز السجع بالكلام الحسن بلا كلفة، و 9- ملاطفة الصبيان وتأنيسهم، و 10- بيان ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع، وزيارة الأهل، لأن أمّ سليم والدة أبي عمير هي من محارمه صلى الله عليه وسلم كما سبق بيانه.
واستدلّ به بعض المالكية على جواز الصيد من حرم المدينة، وقد سبقت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في كتاب الحج المصرّحة بتحريم صيد حرم المدينة، فلا يجوز تركها بمثل هذا، ولا معارضتها به. والله أعلم! انتهى بلفظه.
وأخذ منه بعضهم جواز حبس الطيور في الأقفاص، وكان الشيخ أبو القاسم بن
.........
زيتون رضي الله عنه يحبسها في القفص، فإذا انقضى لها سنة أخرجها وسرّحها.
ووجه الأخذ من الحديث أنّ حبسها في القفص أخفّ من اللّعب بها. انتهى.
وأقول: قد استنبط العلماء من هذا الحديث فوائد كثيرة؛ وهو من الأحاديث التي كنت مصمّما على إشباع الكلام عليها، لأن كثرة معاني هذه الجملة الموجزة من أعلام نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قال الشيخ جسّوس والمناوي والقاري وغيرهم في «شرح الشمائل» ؛ عند هذا الحديث: إنّ فوائده تزيد على المائة، وقد أفردها ابن القاصّ بجزء.
وقد قال الإمام تاج الدين بن عطاء الله- نفعنا الله به- في كتاب «التنوير» ؛ لمّا تكلّم على حديث «اتّقوا الله؛ وأجملوا في الطّلب» : وذكر أنّ فيه عشرة أوجه ما حاصله أنّه ليس القصد الحصر، بل أوسع من ذلك، لأنه كلام صاحب الأنوار المحيطة، فلا يأخذ الآخذ منه إلّا على حسب نوره، ولا يحصّل من جواهر بحره إلّا على قدر غوصه، وكلّ يفهم على حسب المقام الذي أقيم فيه يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [4/ الرعد] وما لم يأخذوا أكثر مما أخذوا، وقد قال عليه الصلاة والسلام:«أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارا» !!.
فلو عبّر العلماء بالله أبد الآباد عن أسرار الكلمة الواحدة من كلامه؛ لم يحيطوا بها علما، ولم يقدروا لها فهما!! حتّى قال بعضهم: عملت بحديث واحد سبعين عاما؛ وما فرغت منه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
وصدق رضي الله عنه لو مكث عمر الدنيا أجمع، وأبد الآباد لم يفرغ من حقوق هذا الحديث، وما أودع فيه من غرائب العلوم وأسرار الفهوم. انتهى.
وناهيك أنّ الله تعالى آتاه علم الأولين والآخرين ومنحه من الحكمة ما لم يمنحه أحدا من العالمين!!، فما من عالم ضربت إليه أكباد الإبل في أشتات العلوم العقلية
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالوا: يا رسول الله؛ إنّك تداعبنا، فقال:«نعم، غير أنّي لا أقول إلّا حقّا» .
والنقلية؛ ممّن تقدّم أو تأخّر؛ إلّا وكلام المصطفى صلى الله عليه وسلم له قدوة. وإشارته له حجّة؛ دون تعلّم منه صلى الله عليه وسلم؛ ولا مدارسة ولا مطالعة كتب من تقدّم، ولا جلوس مع علمائها:
كفاك بالعلم في الأمّيّ معجزة
…
في الجاهليّة والتّأديب في اليتم
انتهى.
قال مقيّده رحمه الله تعالى: ومن أوسع ما وقفت عليه مجموعا من فوائد هذا الحديث المستنبطة منه في محلّ واحد ما جمعه الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» عند شرحه في «باب الكنية للصبي» ؛ وقبل أن يولد للرجل في «كتاب الأدب» .
انتهى.
وساق في شرح «زاد المسلم» كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بطوله؛ فليراجعه من أراده.
(و) أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ في «الجامع» وحسّنه وفي «الشمائل» - وهذا لفظها- (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال) أي: أبو هريرة (: قالوا) ؛ أي: الصحابة مستفهمين (: يا رسول الله؛ إنّك تداعبنا) - بدال وعين مهملتين- أي: تمازحنا بما يستملح، وقد نهيت عن المزاح، فهل المداعبة خاصّة بك!! (فقال:«نعم) ، أداعب (غير أنّي لا أقول إلّا حقّا» )
فمن حافظ على قول الحقّ وتجنّب الكذب وأبقى المهابة والوقار فله ذلك، بل هو سنّة كما مرّ!! ومن داوم عليها؛ أو أكثر منها، أو اشتمل مزاحه على كذب، أو أسقطت مهابته!! فلا.
وقد كان مزاح المصطفى صلى الله عليه وسلم على سبيل النّدور؛ لمصلحة من نحو مؤانسة، أو تألّف لما كانوا عليه من تهيّب الإقدام عليه، فكان يمازح تخفيفا عليهم، لما ألقي
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا
…
عليه من المهابة والجلال؛ سيّما عقب التجلّيات السّبحانية، ومن ثمّ كان لا يخرج إليهم قبل الفجر إلّا بعد الاضطجاع بالأرض؛ أو مكالمة بعض نسائه، إذ لو خرج إليهم عقب المناجات الفردانية والفيوضات الرحمانية؛ لما استطاع أحد منهم لقيّه.
وما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من النهي عن المداعبة؛ كقوله: «لا تمار أخاك ولا تمازحه، ولا تعده موعدا فتخلفه» رواه الترمذي!.
محمول على الإفراط، لما فيه من الشّغل عن ذكر الله تعالى، وعن التفكّر في مهمات الدين وغير ذلك؛ كقسوة القلب، وكثرة الضحك، وذهاب ماء الوجه، بل كثيرا ما يورث الإيذاء والحقد والعداوة، وجراءة الصغير على الكبير، وقد قال سيّدنا عمر بن الخطاب: من كثر ضحكه قلّت هيبته، ومن مزح استخفّ به. أسنده العسكري، ولذا قيل:
فإيّاك إيّاك المزاح فإنّه
…
يجرّي عليك الطّفل والرّجل النّذلا
ويذهب ماء الوجه من كلّ سيّد
…
ويورثه من بعد عزّته ذلّا
والذي يسلم من ذلك بأن لا يؤدّي إلى حرام؛ ولا مكروه: هو المباح المستوي الطرفين على الأصحّ، فإن صادف المباح مصلحة؛ مثل تطييب نفس المخاطب، كما كان هو فعله عليه الصلاة والسلام!! فهو مستحبّ. قاله القسطلّانيّ في «المواهب» مع الشرح.
وقال المناوي في «شرح الشمائل» : ما سلم من المحذور، فهو بشرطه مندوب لا مباح؛ وفاقا للصدر المناوي، وخلافا للعصام. إذ الأصل في أفعاله صلى الله عليه وسلم وأقواله وجوب أو ندب الاقتداء به فيها؛ إلّا لدليل يمنع؛ ولا مانع هنا!!. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ في «الجامع» وصحّحه، وفي «الشمائل» واللفظ لها، والبخاريّ في «الأدب المفرد» : كلهم؛
(عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا) كان به بله؛ أي: عدم اهتمام بأمر
استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:«إنّي حاملك على ولد ناقة» ، فقال: يا رسول الله؛ ما أصنع بولد النّاقة؟! فقال:
«وهل تلد الإبل إلّا النّوق؟!» .
الدنيا وتأمّل في معاني الألفاظ حتّى حمل الكلام على المتبادر، من أن المراد بالبنوّة الصغير فليس هو صفة ذمّ هنا، فهو كقوله في الحديث:«أكثر أهل الجنّة البله» .
أي: في أمر الدنيا لقلّة اهتمامهم بها؛ وهم أكياس في أمر الآخرة، وللبله إطلاقات؛ منها هذا، وعدم التمييز وضعف العقل والحمق وسلامة الصدر، ولكلّ مقام مقال:
(استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: سأله أن يحمله، والمراد: طلب منه أن يركبه على دابّة، (فقال) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم مباسطا له بما عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك، والظنّ- بل الجزم- أنّه حصل له الشفاء بتلك المداعبة قائلا (:«إنّي حاملك) أي: مريد حملك (على ولد ناقة» ) فسبق لخاطره استصغار ما تصدق عليه البنوّة.
(فقال: يا رسول الله؛ ما أصنع بولد النّاقة؟!) توهما أن المراد ب «ولد الناقة» الصغير، لكونه المتبادر من الإضافة؛ ومن التعبير ب «الولد» .
(فقال) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم (: «وهل تلد الإبل) - بالنصب مفعول مقدّم- والإبل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهو بكسرتين، وسمع [الإبل] تسكين الباء للتخفيف، ولم يجيء من الأسماء على فعل- بكسرتين- إلّا الإبل والحبر (إلّا النّوق» ؟!) - بالرفع فاعل مؤخّر- فالإبل؛ ولو كبارا أولاد الناقة، فيصدق «ولد الناقة» بالكبير والصغير، فكأنّه يقول لو تدبّرت وتأمّلت اللفظ لم تقل ذلك!!
ففيه مع المباسطة الإيماء إلى إرشاده وإرشاد غيره بأنّه ينبغي له إذا سمع قولا أن يتأمّله، ولا يبادر بردّه إلّا بعد أن يدرك غوره، ولا يسارع إلى ما تقتضيه الصورة.
والنّوق- بضمّ النون- جمع ناقة؛ وهي أنثى الإبل. وقال أبو عبيدة: لا تسمّى
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا من أهل البادية- وكان اسمه زاهرا- وكان يهدي إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم هديّة من البادية، فيجهّزه النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ زاهرا باديتنا؛
…
ناقة حتّى تجذع. انتهى «باجوري، ومناوي» رحمهما الله تعالى.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده (عن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا من أهل البادية) خلاف الحاضرة، والنسبة إليها بدوي؛ على غير قياس.
(وكان اسمه زاهرا) بالتنوين؛ وهو ابن حرام- ضدّ حلال- الأشجعي، شهد بدرا.
(وكان يهدي) - بضمّ الياء بصيغة المعلوم، والإهداء؛ وهو: البعث بشيء إلى الغير إكراما، فهو هديّة- بالتشديد- لا غير (إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم هديّة) حاصلة (من البادية) أي: بما يوجد بها من ثمار ونبات وغيرهما، لأنّها تكون مرغوبة عزيزة عند أهل الحضر، وكان صلى الله عليه وسلم يقبلها منه، لأنّ من عادته قبول الهديّة، بخلاف العمّال بعده!! فلا يجوز لهم قبولها إلّا ما استثني في محلّه.
(فيجهّزه) - بضمّ المثنّاة التحتيّة وفتح الجيم وتشديد الهاء وآخره زاي- قال في «المصباح» : جهاز السّفر أهبته، وما يحتاج إليه في قطع المسافة- بالفتح، والكسر لغة قليلة- أي: يعطيه (النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما يتجّهز به إلى أهله مما يعينه على كفايتهم والقيام بكمال معيشتهم، (إذا أراد أن يخرج) ويذهب إلى أهله؛ مكافأة له على هديته.
(فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ زاهرا باديتنا) ؛ أي: ساكن باديتنا؛ فهو على تقدير مضاف، لأنّ البادية خلاف الحاضرة- كما تقدّم- فلا يصحّ الإخبار إلّا بتقدير مضاف، أو هو من إطلاق اسم المحلّ على الحال؛ أي: نستفيد منه ما يستفيد
ونحن حاضرته» ، وكان صلى الله عليه وسلم يحبّه، وكان رجلا دميما، فأتاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوما، وهو يبيع متاعه
…
الرجل من باديته من أنواع الثمار وصنوف النبات، فصار كأنّه باديتنا.
فالتاء على هذين الوجهين للتأنيث لأنّه الأصل، ويحتمل أن التاء للمبالغة، والأصل بادينا؛ أي: البادي المنسوب إلينا، لأنّا إذا احتجنا متاع البادية جاء به إلينا؛ فأغنانا عن السّفر إليها. قيل: وهو أظهر، والضمير لأهل بيت النبوة، أو أتي به للتعظيم.
ويؤيّد الأوّل ما في «جامع الأصول» ؛ من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ لكلّ حاضر بادية، وبادية آل محمّد زاهر بن حرام» .
(ونحن) أي: أهل بيت النبوة، أو ضمير الجمع للتعظيم- كما مرّ في الذي قبله- (حاضرته» ) ؛ أي: يصل إليه منا ما يحتاج إليه مما في الحاضرة، أو لا يقصد بمجيئه إلى الحضر إلّا مخالطتنا.
وتوقّف بعضهم في الأوّل ب «أن المنعم لا يليق به ذكر إنعامه» !! منع بأنّه ليس من ذكر المنّ بالإنعام في شيء، بل إرشاد للأمّة إلى مقابلة الهديّة بمثلها؛ أو أفضل منها، لأنّه صلى الله عليه وسلم كان يكافيء عليها كما هو عادته، على أنه صلى الله عليه وسلم مستثنى ممّن يحرم عليه المنّ. انتهى. «باجوري» وزرقاني على «المواهب» .
(وكان) النّبيّ صلى الله عليه وسلم يحبّه) ، يؤخذ منه جواز حبّ أهل البادية، وجواز الإخبار بمحبّة من يحبّك، (وكان رجلا دميما) - بالدال المهملة- أي: قبيح الوجه، كريه المنظر؛ مع كونه مليح السريرة، فلا التفات إلى الصورة، كما في الحديث:«إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» .
(فأتاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوما) ؛ أي: إلى السوق.
وفيه جواز دخول السّوق وحسن المخالطة، (وهو) أي: والحال أنّه (يبيع متاعه) ؛ وهو: كلّ ما يتمتع به من نحو طعام وبرّ وأثاث بيت.
فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال من هذا؟ أرسلني، فالتفت فعرف النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين عرفه،
…
وأصله: ما يتبلّغ به من الزاد، ومتاع زاهر في ذلك الحين كان قربة لبن، وقربة سمن؛ كما في رواية.
(فاحتضنه) أي: أدخله في حضنه؛ وهو: ما دون الإبط إلى الكشح- بزنة فلس-: ما بين الخاصرة إلى الضلع (من خلفه) أي: جاء من ورائه؛ وأدخل يديه تحت إبطيه.
(وهو) أي: والحال أنّه (لا يبصره) أي: لا يراه ببصره.
وذلك بعد أن جاء من أمامه وفتح إحدى القربتين، فأخذ منها على إصبعه، ثمّ قال له:«أمسك القربة» ، ثم فعل بالقربة الآخرى كذلك، ثم غافله وجاء من خلفه واعتنقه، وأخذ عينيه بيديه كي لا يعرفه.
ويؤخذ من ذلك جواز اعتناق من تحبّه من خلفه؛ وهو لا يبصر.
(فقال: من هذا؟!) أي: المحتضن؟
(أرسلني) - بصيغة الأمر- أي خلّني، وأطلقني، فالإرسالة: التخلية والاطلاق
(فالتفت) أي: ببعض بصره ورأى بطرفه محبوبه.
(فعرف النّبيّ) - القياس: فعرف أنّه النبيّ- صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألو) ، أي:
لا يترك ولا يقصّر (ما) : مصدرية (ألصق ظهره) : أي شرع لا يقصر في إلصاق ظهره (بصدر النّبيّ صلى الله عليه وسلم تبرّكا به، وتلذّذا، وتحصيلا لثمرات ذلك الإلصاق من الكمالات الناشئة عنه (حين عرفه) .
ذكره مع علمه من قوله «فعرف النّبيّ صلى الله عليه وسلم» !! اهتماما بشأنه، وإيماء إلى أن منشأ هذا الإلصاق ليس إلّا معرفته.
فجعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «من يشتري هذا العبد؟» ، فقال: يا رسول الله؛ إذن والله تجدني كاسدا، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم:«لكن عند الله لست بكاسد» ، أو قال:«أنت عند الله غال»
…
(فجعل) أي: شرع (النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «من يشتري هذا العبد!؟» ) أي: من يشتري مثل هذا العبد في الدّمامة، أو من يستبدله منّي بأن يأتي بمثله، فلما فعل ذلك معه ملاطفة نزّله منزلة العبد.
ويؤخذ من ذلك جواز رفع الصوت بالعرض على البيع، وجواز تسمية الحرّ عبدا، ومداعبة الأعلى مع الأدنى.
(فقال) أي زاهر (: يا رسول الله؛ إذن) ؛ واقعة في جواب شرط محذوف.
أي: إن بعتني على فرض كوني عبدا إذن (والله تجدني كاسدا) رخيصا، لا يرغب فيّ أحد لدمامتي وقبح منظري.
(فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ أي: مدحا له.
ويؤخذ جواز مدح الصّديق بما يناسبه (: «ولكن عند الله لست بكاسد» ) أي: لكونك حسن السريرة؛ وإن كنت دميما في الظاهر
(أو) شكّ من الراوي (قال: «أنت عند الله غال» ) - بغين معجمة- وهو ضدّ الكاسد، وذلك ببركة محبّته صلى الله عليه وسلم.
وقد تضمّن هذا الحديث حكما عليّة وأسرارا جليّة، لأنّه لمّا أتاه المصطفى صلى الله عليه وسلم وجده مشغوفا ببيع متاعه، فأشفق عليه أن يقع في بئر البعد عن الحقّ، ويشتغل عن الله تعالى؛ فاحتضنه احتضان المشفق على من أشفق عليه، فشقّ عليه الاشتغال بما يهواه، فقال: أرسلني لما أنا فيه!!. فلما شاهد جمال الحضرة العليّة اجتهد في تمكين ظهره من صدره ليزداد إمدادا، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم تأديبا له:«من يشتري هذا العبد» !! إشارة إلى أنّ من اشتغل بغير الله فهو عبد هواه.
فببركته صلى الله عليه وسلم حصلت منه الإنابة وصادفته العناية، فلذلك بشّره النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعلوّ
و (الدّميم) : قبيح الوجه.
وعن زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا كان يهدي للنّبيّ صلى الله عليه وسلم العكّة
…
قدره وإعلاء رتبته. فتضمّن مزاحه صلى الله عليه وسلم بشرى فاضلة وفائدة كاملة، فليس مزاحا إلّا بحسب الصورة، وهو في الحقيقة غاية الجدّ. انتهى لخّصه الباجوريّ من المناوي رحمه الله تعالى. آمين
(والدّميم) - بالدال المهملة- (: قبيح الوجه) كريه المنظر.
(و) أخرج أبو يعلى (عن) أبي أسامة؛ (زيد بن أسلم) القرشي العدوي «مولاهم؛ مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه» المدني التابعي، الصالح الفقيه، العالم الثقة، وهو من رجال الجميع، لكن كان يرسل.
روى عن ابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن عباد، وسلمة بن الأكوع الصحابيين رضي الله تعالى عنهم، وروى عن أبيه، وعطاء بن يسار، وحمران، وعلي بن الحسين، وأبي صالح السّمّان، وآخرين من التابعين.
روى عنه الزّهري، ويحيى الأنصاري، وأيّوب السّختياني، ومحمد بن إسحاق التابعيون. ومالك والثوري؛ ومعمر، وخلائق من الأئمة.
وتوفي بالمدينة المنورة سنة: ست وثلاثين ومائة، وقيل غير ذلك، ومناقبه كثيرة رحمه الله تعالى
فقول المصنف (رضي الله تعالى عنه) كلام صحيح، إلّا أنّه يوهم أنّه صحابيّ كما هو العادة المعروفة في تخصيص الصحابيّ بالترضّي، مع أنّ الحديث مرسل، لكون زيد بن أسلم تابعيا؛ كما علمت من ترجمته.
(أن رجلا) هو عبد الله الملّقب ب «حمار» بلفظ الحيوان المعروف؛ كما في «الإصابة» عن أبي يعلى نفسه
…
(كان يهدي) بضمّ أوّله (للنّبيّ صلى الله عليه وسلم العكّة) - بضم العين المهملة-: آنية السّمن
من السّمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه.. جاء به إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أعط هذا حقّ «1» متاعه، فما يزيد النّبيّ صلى الله عليه وسلم على أن يتبسّم، ويأمر به فيعطى.
وفي رواية: كان لا يدخل المدينة طرفة إلّا اشترى منها، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله؛ هذا هديّة لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه.. جاء به، فيقول: أعط هذا الثّمن، فيقول:«ألم تهده لي؟!» ، فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه.
أصغر من القربة، جمعها: عكك، وعكاك
(من السّمن) تارة (والعسل) أخرى، ويحتمل أنهما مخلوطان كما هو شأن العرب كثيرا!! (فإذا جاء صاحبه يتقاضاه) ؛ أي يطلبه (جاء به إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أعط هذا [حقّ] متاعه) ؛ أي: ثمنه كما في الرواية اللاحقة، (فما يزيد النّبيّ صلى الله عليه وسلم على أن يتبسّم) تعجبّا، (ويأمر به فيعطى) الثمن.
(وفي رواية) لمحمّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، له رؤية وليس له سماع إلا من الصحابة:
(كان لا يدخل المدينة طرفة) : ما يستطرف؛ أي يستملح ويعجب، والجمع طرف؛ مثل غرفة وغرف، (إلّا اشترى منها)، أي: فليست هديّته قاصرة على السّمن والعسل. (ثمّ جاء؛ فقال: يا رسول الله؛ هذا هديّة لك) ؛ أي: حملته لك كما تحمل الهدية، فلا يرد: كيف يطلب ثمنه بعد قوله ذلك؟!
(فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه؛ جاء به، فيقول: أعط هذا الثّمن، فيقول) ؛ أي صلى الله عليه وسلم (: «ألم تهده لي؟!» ) استفهام تقريري. (فيقول: ليس عندي) ما أهديه! وإنّما أتيت به أريد ثمنه لمالكه!. (فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه) انتهى.
(1) ساقطة من الأصل، وأثبتناها من «وسائل الوصول» .
وعن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: أتت عجوز
…
قال الزرقاني على «المواهب» : هكذا مشاه شيخنا؛ وهو خلاف الظاهر!! ولذا قال بعض المحقّقين من شرّاح «الشمائل» : كان هذا الصحابيّ رضي الله عنه من كمال محبّته للنّبيّ صلى الله عليه وسلم كلّما رأى طرفة أعجبته اشتراها وآثره بها، وأهداها إليه على نية أداء ثمنها إذا حصل لديه، فلما عجز صار كالمكاتب؛ فرجع إلى مولاه وأبدى إليه جميع ما أولاه، فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فرجع بالمطالبة إلى سيّده. ففعله هذا جدّ حقّ؛ ممزوج بمزاح صدق. انتهى.
ووقع نحو ذلك للنّعيمان- بالتصغير- ابن عمرو بن رفاعة الأنصاري.
ذكر الزّبير بن بكّار في كتاب «الفكاهة والمزاح» :
كان لا يدخل المدينة طرفة إلّا اشترى منها، ثمّ جاء به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فيقول:
هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب نعيمان بثمنه أحضره إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فيقول: أعط هذا ثمن متاعه، فيقول:«أولم تهده لي؟» . فيقول: إنّه والله؛ لم يكن عندي ثمنه! ولقد أحببت أن تأكله، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه.
(و) أخرج الترمذيّ في «الجامع» و «الشمائل» (عن الحسن) ؛ أي البصري، لأنه المراد عند الإطلاق في اصطلاح المحدثين، فالحديث مرسل، وظنّ بعضهم أنّه الحسن بن علي (رضي الله تعالى عنه) !! وليس كما ظنّ.
(قال) ؛ أي الحسن البصري ناقلا عن غيره (: أتت عجوز) قيل: إنّها صفيّة بنت عبد المطّلب أمّ الزّبير بن العوّام، وعمّة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ذكره ابن حجر الهيتمي وغيره، وتوقّف فيه بعضهم؛ فقال: الله أعلم بصحّته! ففي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند البيهقيّ: أتت خالتي وهي عجوز. وصفيّة ليست خالة عائشة؛ ذكره الزرقاني!! وقال: قلت: إن صحّ ما قالوه فسمّتها خالتها!! إكراما وتعظيما لسنّها، على العادة في تسمية المسنّة خالة، لا لكونها أخت أمّها حقيقة. انتهى كلام الزرقاني. وهو خلاف الظاهر المتبادر!! فلعل القصّة تعدّدت؛ إن ثبت تعيين صفية في رواية المتن؟! والله أعلم.
النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله؛ ادع الله أن يدخلني الجنّة، فقال:«يا أمّ فلان؛ إنّ الجنّة لا يدخلها عجوز» . قال:
فولّت تبكي، فقال: «أخبروها أنّها لا تدخلها وهي عجوز؛ إنّ الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ
…
(النّبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقالت: يا رسول الله؛ ادع الله أن يدخلني الجنّة. فقال:
«يا أمّ فلان؛) كأنّ الراوي نسي اسمها، وما أضيف إليه؛ فكنّى عنه ب «أم فلان» !!
وفيه جواز التكنّي ب «أم فلان» ، ولا يشترط للجواز كونها ذات ولد، فقد كنّيت عائشة ب «أم عبد الله» ، ولم تلد، والكنية نوع تفخيم للمكنّى وإكرام.
(إنّ الجنّة لا يدخلها عجوز» ) كأنّه فهم من حالها أنّها تريد دخولها على صفتها حالة السؤال، فمازحها مريدا إرشادها إلى أنّها لا تدخل الجنّة على الهيئة التي هي عليها، بل ترجع في سنّ ثلاث وثلاثين، أو في سنّ ثلاثين سنة.
واقتصاره صلى الله عليه وسلم على العجوز!! لخصوص سبب الحديث، أو لأن غيرها يعلم بالمقايسة. وقد روى معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال:
«يدخل أهل الجنّة جردا مردا مكحّلين أبناء ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين سنة» أخرجه الترمذيّ في «الجامع» .
(قال) ؛ أي: الحسن ناقلا عن غيره- كما مرّ- (: فولّت) - بتشديد اللام- أي: أدبرت وذهبت (تبكي) حال من فاعل «ولّت» ، أي: باكية، لأنّها فهمت أنّها تكون يوم القيامة على الهيئة التي هي عليها؛ ولا تدخل الجنة، فحزنت.
(فقال) ؛ أي: النبيّ صلى الله عليه وسلم (: «أخبروها) بقطع الهمزة، أي: أعلموها (أنّها) ؛ أي تلك المرأة (لا تدخلها) ؛ أي: الجنّة (وهي عجوز) بل يرجعها الله تعالى في سنّ ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين سنة، واستشهد على ذلك تطييبا لخاطرها، فقال:(إنّ الله تعالى يقول إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ) ؛ أي النسوة، أي أعدنا إنشاءهنّ
إِنْشاءً. فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً. عُرُباً أَتْراباً» [الواقعة: 35- 37] .
(إِنْشاءً) خاصّا، والمعنى إنّا خلقنا النسوة خلقا جديدا غير خلقهنّ بدون توسّط ولادة بحيث يناسب البقاء والدوام، فالضمير للنسوة، وجعله للحور العين يردّه هذا الحديث، وإن كان هو مقتضى سياق القرآن (فَجَعَلْناهُنَّ) بعد كونهنّ عجائز شمطا رمصا في الدنيا (أَبْكاراً) أي: عذارى، وإن وطئن كثيرا، فكلّما أتاها الرجل وجدها بكرا؛ كما ورد به الأثر، ولكن لا دلالة للّفظ عليه (عُرُباً) أي:
عاشقات متحبّبات إلى أزواجهن، جمع عروب، (أَتْراباً) أي: متساويات في السنّ، وهو سنّ ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين سنة، وذلك أفضل أسنان النساء.
…
الحديث في «جامع الترمذي» ، والطبراني مطولا. انتهى باجوري على «الشمائل» .
وهذا الحديث الذي ذكره المصنّف في «المتن» قد ذكره رزين بن معاوية العبدريّ السّرقسطيّ، ورواه الترمذيّ أيضا في «الجامع» ، وابن الجوزيّ في «الوفا» بسنده موصولا؛ كلاهما عن أنس رضي الله تعالى عنه.
أنّ عجوزا دخلت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسألته عن شيء، فقال لها ومازحها:«إنّه لا تدخل الجنّة عجوز» ، وحضرت الصّلاة فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، فبكت بكاء شديدا حتّى رجع النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ إنّ هذه المرأة تبكي لمّا قلت لها: «إنّه لا تدخل الجنّة عجوز» !! فضحك، وقال:«أجل؛ لا تدخل الجنّة عجوز، ولكن قال الله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (35) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (36) عُرُباً أَتْراباً (37) [الواقعة] وهنّ العجائز الرّمص» . أي: مريضات العيون.
ولا تنافي بين روايتي وصله وإرساله، لأنّ الحسن حدّث به مرسلا تارة؛ بإسقاط أنس، وتارة وصله بذكر أنس! وقد رواه الطبرانيّ في «الأوسط» ؛ من وجه آخر من حديث عائشة. انتهى؛ قاله الزرقاني على «المواهب» .
.........
قال في «جمع الوسائل» : وقد أخرج أبو الشيخ ابن حيّان في «كتاب الأخلاق» بسنده إلى مجاهد قال: دخل النّبيّ صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله تعالى عنها وعندها عجوز؛ فقال: «من هذه» ؟ قالت: هي عجوز من أخوالي. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ العجز- بضمّتين؛ جمع عجوز- لا يدخلن الجنّة» . فشقّ ذلك على المرأة، فلما دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت له عائشة: لقد لقيت من كلمتك مشقّة شديدة! فقال: «إنّ الله عز وجل ينشئهنّ خلقا غير خلقهنّ» !! انتهى.
تتمة: وممّا ذكر من مزاحه صلى الله عليه وسلم أيضا: ما رواه جمع عن خوّات بن جبير قال:
نزلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرّ الظهران، فخرجت من خبائي؛ فإذا نسوة يتحدّثن، فأعجبنني، فرجعت فأخرجت حلّة من عيبتي فلبستها، ثم جلست إليهنّ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبّته؛ فقال:«يا عبد الله؛ ما يجلسك إليهنّ» ؟ فقلت:
يا رسول الله؛ جمل لي شرود، أبتغي له قيدا! فمضى وتبعته، فألقى رداءه ودخل فقضى حاجته وتوضّأ، ثمّ جاء؛ فقال:«ما فعل شراد جملك» ؟ ثمّ ارتحل، فجعل لا يلحقني في منزل إلّا قال:«يا عبد الله؛ ما فعل شراد جملك؟» إلى أن قال: فقلت: والله؛ لأعتذرنّ إليه، ولأبرّدنّ صدره. فقال لي يوما.. فقلت:
والّذي بعثك بالحق؛ ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت.
ومن ذلك ما رواه ابن أبي حاتم وغيره؛ من حديث عبد الله بن سهم الفهري؛ للمرأة التي سألت عن زوجها: «أهو الّذي بعينه بياض» ؟!
وقد ذكره القاضي عياض في «الشفاء» من غير إسناد!.
خاتمة: قد درج أكابر السلف وأعاظم الخلف؛ على ما كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم في الطلاقة والمزاح المجانب للكذب والفحش، فكان الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه يكثر المداعبة، وكذا ابن سيرين.
وقال رجل لصالح جزرة: ما تقول في سفيان الثوري؟ فقال: كذّاب. فأكبر
.........
الحاضرون ذلك ولاموه!! فقال: ما الّذي أقوله لمن سأل عن ذلك الإمام الأعظم؟!
وسأل رجل رجلا آخر عن حسان بن هشام، فقال: توفّي البارحة. فجزع الرجل واسترجع، فقرأ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [42/ الزمر] الآية انتهى من المناوي، وملا علي قاري: كلاهما على «الشمائل الترمذية» والله سبحانه وتعالى أعلم.