المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الفصل السادس في صفة كرمه صلى الله عليه وسلم وشجاعته] - منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول - جـ ٢

[عبد الله عبادى اللحجى]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثاني

- ‌[الباب الرّابع في صفة أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وشربه

- ‌[الفصل الأوّل في صفة عيشه صلى الله عليه وسلم وخبزه]

- ‌[الفصل الثّاني في صفة أكله صلى الله عليه وسلم وإدامه]

- ‌[الفصل الثّالث في ما كان يقوله صلى الله عليه وسلم قبل الطّعام وبعده]

- ‌[الفصل الرّابع في صفة فاكهته صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الفصل الخامس في صفة شرابه صلى الله عليه وسلم وقدحه]

- ‌[الفصل السّادس في صفة نومه صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الباب الخامس في صفة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلمه، وعشرته مع نسائه، وأمانته، وصدقه، وحيائه، ومزاحه، وتواضعه، وجلوسه، وكرمه، وشجاعته]

- ‌[الفصل الأوّل في صفة خلقه صلى الله عليه وسلم وحلمه]

- ‌[الفصل الثّاني في صفة عشرته صلى الله عليه وسلم مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ]

- ‌[الفصل الثّالث في صفة أمانته صلى الله عليه وسلم وصدقه]

- ‌[الفصل الرّابع في صفة حيائه صلى الله عليه وسلم ومزاحه]

- ‌[الفصل الخامس في صفة تواضعه صلى الله عليه وسلم وجلوسه واتّكائه]

- ‌[الفصل السّادس في صفة كرمه صلى الله عليه وسلم وشجاعته]

- ‌[فهرسة الجزء الثاني من كتاب منتهى السّول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم]

الفصل: ‌[الفصل السادس في صفة كرمه صلى الله عليه وسلم وشجاعته]

[الفصل السّادس في صفة كرمه صلى الله عليه وسلم وشجاعته]

الفصل السّادس في صفة كرمه صلى الله عليه وسلم وشجاعته (الفصل السّادس) من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة كرمه) - بفتحتين- صلى الله عليه وسلم .

اعلم أنّ الجود والكرم والسخاء معانيها متقاربة، وبعضهم جعل بينها فرقا؛ فقال: الكرم- بفتحتين-: الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره.

وفي «القاموس» : الكرم- محرّكة-: ضدّ اللؤم، كرم- بضمّ الراء- كرامة وكرما؛ فهو كريم. وفي «القاموس» أيضا: اللؤم: ضدّ الكرم. انتهى

والسخاء: صفة غريزية؛ وهي سهولة الإنفاق وتجنّب اكتساب ما لا يحمد من الصنائع المذمومة؛ كالحجامة، وأكل ما لا يحلّ؛ مأخوذ من الأرض السّخاوية وهي الرّخوة اللينة، ولذا وصف الله تعالى ب «جواد» دون «سخي» ، لأنه أوسع في معنى العطاء، وأدخل في صفة العلا. فعلى هذا هو أخصّ، وفي مقابلة السخاء: الشحّ، وهو أشدّ البخل. والشحّ من لوازم صفة النفس، قال الله تعالى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ- أي: حرصها على المال- فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)[الحشر] فحكم بالفلاح لمن وقي الشحّ، وحكم بالفلاح لمن أنفق وبذل؛ فقال وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)[3- 5/ البقرة]

والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين، وليس الشحّ من الآدمي بعجيب، لأنّه جبلّي فيه، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة.

والسخاء أتمّ وأكمل من الجود؛ بناء على تغايرهما. والأصحّ أن السخاء أدنى

ص: 654

.........

منه، ولذا لم يوصف الله به- كما مرّ- وفي مقابلة الجود البخل، وفي مقابلة السخاء الشحّ

والجود: إعطاء ما ينبغي شرعا لمن ينبغي أن يعطى لاستحقاقه، لأجل الصفة القائمة به؛ كالفقر. وقيل: الجود تجنّب اكتساب ما لا يحمد، وهو ضدّ التقتير.

والجواد الذي يتفضّل على من يستحقّ، ويعطي من لا يسأل، ويعطي الكثير؛ ولا يخاف الفقر. والسخيّ: الليّن عند الحاجة.

قال الأستاذ القشيريّ: قال القوم: من أعطى البعض فهو سخي، ومن أعطى الأكثر؛ وأبقى لنفسه شيئا فهو جواد، ومن قاسى الضّرّ وآثر غيره بالبلغة فهو مؤثر.

انتهى.

والجود والبخل يتطرّق إليهما الاكتساب بطريق العادة، بخلاف الشحّ والسّخاء، إذ كان ذلك من ضرورة الغريزة؛ فلا يمكن اكتسابهما، وبناء على التفرقة يقال: كلّ سخيّ جواد، وليس كلّ جواد سخيّا.

والجود يتطرّق إليه الرياء، ويأتي به الإنسان متطلّعا إلى غرض من الخلق؛ أو الحقّ بمقابلة من الثناء، أو غيره من الخلق والثواب من الله تعالى.

ولا يتطرّق الرياء إلى السخاء، لأنه غريزة لا صنع فيه، فلا يقصد به غرض، إذ هو ينبع من النفس الزكيّة المرتفعة عن الأغراض. أشار إليه العارف السّهروردي في «عوارف المعارف» . انتهى؛ ذكره في «المواهب» وشرحها.

(و) في بيان ما ورد في صفة (شجاعته) - مثلّث الشين المعجمة- قال الشامي: الشجاعة: انقياد النفس مع قوّة غضبيّة، وملكة يصدر عنها انقيادها في إقدامها متدرّبة على ما ينبغي؛ في زمن ينبغي؛ وحال ينبغي. انتهى

وهي مصدر شجع- بالضمّ- شجاعة، فهو شجيع وشجاع- بضمّ الشين-،

ص: 655

عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنّه قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قطّ فقال: (لا) .

وبنو عقيل بفتحها؛ حملا على نقيضه وهو جبان، وبعضهم كسرها للتخفيف؛ فرارا من توالي حركات متوالية من جنس واحد، وهو: الشديد القلب عند البأس المستهين بالحروب. انتهى من «شرح المواهب» للزرقاني.

(عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام (رضي الله تعالى عنهما؛ أنّه قال) ؛ فيما رواه البخاريّ، ومسلم، والترمذي في «الشمائل» - وهذا لفظها-:

حدّثنا محمد بن بشّار؛ قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي؛ قال: حدّثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر؛ قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول:

(ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أي: ما طلب منه أحد (شيئا) يقدر عليه من أمور الدنيا الخيرية (قطّ) أبدا، (فقال «لا) أعطيك» ردّا له، بل إمّا أن يعطيه؛ إن كان عنده المسئول، أو يقول له ميسورا من القول بأن يعده، أو يدعو له، فكان إن وجد جاد، وإلّا وعد؛ ولم يخلف الميعاد. ولذلك قال الفرزدق:

ما قال «لا» قطّ إلّا في تشهّده

لولا التّشهّد كانت لاءه «نعم»

قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» : ليس المراد بقول جابر «فقال:

«لا» » : أنّه يعطي ما يطلب منه جزما، بل المراد أنّه لا ينطق بالردّ، بل إن كان عنده شيء أعطاه؛ إن كان الإعطاء سائغا، وإلّا! سكت، أو اعتذر. قال:

وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية؛ عند ابن سعد- ولفظه-:

كان إذا سئل فأراد أن يفعل؛ قال «نعم» . وإن لم يرد أن يفعل سكت. وهو قريب من حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق: ما عاب طعاما قطّ إن اشتهاه أكله، وإلا تركه.

وبهذا لا يخالف ما ورد «أنّ من سأله حاجة لا يردّه إلّا بها؛ أو بميسور من القول» ذكره في «المواهب» .

ص: 656

وكان صلى الله عليه وسلم لا يسأل شيئا إلّا أعطاه، ثمّ يعود على قوت عامه فيؤثر منه، حتّى لربّما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء.

قال الباجوري: والمراد أنّه لم يقل «لا» ؛ منعا للإعطاء، فلا ينافي أنّه قاله 1- اعتذارا؛ إن لاق الاعتذار، كما في قوله «لا أجد ما أحملكم عليه» ، أو 2- تأديبا للسائل؛ إن لم يلق به الاعتذار، كما في قوله للأشعريين «والله لا أحملكم» ، فهو تأديب لهم لسؤالهم ما ليس عنده؛ مع تحقّقهم ذلك، ومن ثمّ حلف حسما لطمعهم في تكليفه التحصيل مع عدم الاضطرار إلى ذلك. انتهى.

(و) في «الإحياء» : (كان صلى الله عليه وسلم لا يسأل شيئا إلّا أعطاه) .

قال العراقي: رواه الطيالسيّ، والدارميّ؛ من حديث سهل بن سعد.

وللبخاريّ من حديثه: أنّ الرّجل الذي سأله الشملة؛ فقال له القوم: سألته إيّاها؛ وقد علمت أنّه لا يردّ سائلا!! الحديث.

ولمسلم من حديث أنس: ما سئل على الإسلام شيئا إلّا أعطاه.

وفي «الصحيحين» ؛ من حديث جابر: ما سئل شيئا قطّ؛ فقال «لا» . انتهى.

قلت: ورواه الحاكم؛ من حديث أنس بلفظ: لا يسأل شيئا إلّا أعطاه. أو سكت.

وروى الإمام أحمد؛ من حديث أبي أسيد السّاعدي: كان لا يمنع شيئا يسأله.

وكان صلى الله عليه وسلم يؤثر على نفسه وأولاده، فيعطي عطاء تعجز عنه الملوك؛ كما سيأتي للمصنّف تفصيله.

ومن ذلك مما لم يذكره: جاءته امرأة يوم حنين أنشدته شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما قيمته خمسمائة ألف ألف.

قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله. انتهى «إتحاف» .

(ثمّ يعود على قوت عامه) الّذي ادّخره لعياله، (فيؤثر منه) على نفسه وعياله (حتّى لربّما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء) .

ص: 657

وكان صلى الله عليه وسلم لا يكاد يسأل شيئا إلّا فعله.

قال العراقي: هذا معلوم. ويدلّ عليه ما رواه الترمذيّ، وابن ماجه، والنسائي؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما:

توفّي ودرعه مرهونة بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله.

وقال ابن ماجه: بثلاثين صاعا من شعير. وإسناده جيد.

وللبخاري؛ من حديث عائشة: توفي ودرعه مرهونة عند يهودي. انتهى

قلت: اليهودي هو أبو الشحم. والجمع بين الروايتين أنّه أخذ منه أوّلا عشرين؛ ثم عشرة، ثم رهنه إيّاها على الجميع، فمن روى العشرين لم يحفظ العشرة الآخرى، ومن روى الثلاثين حفظها، على أنّ روايتها أصحّ وأشهر، فكانت أولى بالاعتبار.

وهذا يدلّ على غاية تواضعه صلى الله عليه وسلم، إذ لو سأل مياسير «1» أصحابه في رهن درعه لرهنوها على أكثر من ذلك، فإذا ترك سؤالهم وسأل يهوديا؛ ولم يبال بأنّ منصبه الشريف يأبى أن يسأل مثل يهودي في ذلك؛ فدلّ على غاية تواضعه وعدم نظره لحقوق مرتبته.

وفيه دليل على ضيق عيشه صلى الله عليه وسلم، لكن عن اختيار؛ لا عن اضطرار، لأن الله فتح عليه في أواخر عمره من الأموال ما لا يحصى، وأخرجها كلّها في سبيل الله، وصبر هو وأهل بيته على مرّ الفقر والضيق والحاجة التامّة. انتهى؛ ذكره في شرح «الإحياء» المسمّى «إتحاف السادة المتقين» .

(و) أخرج الطبراني في «الكبير» ؛ عن طلحة رضي الله تعالى عنه:

(كان صلى الله عليه وسلم لا يكاد يسأل) - بالبناء للمفعول- أي: لا يطلبه أحد (شيئا) من متاع الدنيا (إلّا فعله) . أي: جاد به على طالبه، لما طبع عليه من الجود، فإن لم

(1) جمع موسر، أو ميسور. أي أصحاب اليسار في النفقة أو السعة في الرزق.

ص: 658

وكان صلى الله عليه وسلم لا يكاد يقول لشيء: (لا)، فإذا هو سئل فأراد أن يفعل.. قال:(نعم) . وإن لّم يرد أن يفعل.. سكت.

وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود النّاس بالخير،

يكن عنده شيء؟! وعد، أو سكت. ولا يصرّح بالردّ- كما تقدّم-.

(و) أخرج ابن سعد في «طبقاته» عن محمد [ابن الحنفية] بن علي بن أبي طالب مرسلا:

(كان صلى الله عليه وسلم لا يكاد يقول لشيء لا) أي: لا أعطيه، أو لا أفعل.

(فإذا هو سئل فأراد أن يفعل) المسؤول فيه (قال: نعم، وإن لم يرد أن يفعل سكت) ، ولا يصرّح بالردّ، لما مرّ.

وفي «مسند الطيالسي والدارمي» ؛ من حديث سهل بن سعد: كان لا يسأل شيئا إلّا أعطاه انتهى «مناوي» .

(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والنّسائيّ، والترمذي في «الشمائل» - واللفظ لها-:

(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي: في حدّ ذاته؛ بقطع النظر عن أوقاته وأحواله الكريمة- (أجود النّاس) أي: أشدّهم جودا (بالخير) ، أي بكلّ خير من خيري الدنيا والآخرة، لله وفي الله؛ من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لإظهار الدين وهداية العباد، وإيصال النّفع إليهم بكلّ طريق، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم، فكان يسمح بالموجود، لكونه مطبوعا على الجود؛ مستغنيا عن الفانيات بالباقيات الصالحات، فكان إذا وجد جاد، وإذا أحسن أعاد، وإن لّم يجد وعد؛ ولم يخلف الميعاد، ويجود على كلّ أحد بما يسدّ خلّته.

ف «أجود» : أفعل تفضيل؛ من الجود، وهو: إعطاء ما ينبغي؛ لمن

ص: 659

وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حتّى ينسلخ فيأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن،

ينبغي؛ على ما ينبغي. ولما كانت نفسه أشرف النّفوس؛ كانت أخلاقه أفضل أخلاق الخلائق؛ فيكون أجود النّاس.

وبالجملة: فكان يعطي عطاء الملوك؛ ويعيش عيش الفقراء. فكان يربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان يمرّ عليه الشهر والشهران؛ لا يوقد في بيته نار

(وكان أجود ما يكون) برفع «أجود» ؛ على أنه اسم «كان» ، و «ما» مصدرية، والخبر محذوف، والتقدير: كان أجود أكوانه حاصلا إذا كان مستقرّا (في شهر رمضان) ، وبنصب «أجود» ؛ على أنّه خبر «كان» ، واسمها ضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم.

والمعنى: وكان النبي صلى الله عليه وسلم مدّة كونه في شهر رمضان أجود من نفسه في غيره، لكن الرفع هو الذي في أكثر الروايات فهو الأشهر، والنصب أظهر.

(حتّى ينسلخ) غاية في أجوديّته.

والمعنى أنّ غاية جوده كانت تستمرّ في جميع رمضان إلى أن يفرغ، ثمّ يرجع إلى أصل جوده الذي جبل عليه الزائد عن جود الناس جميعا.

وإنّما كان صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان، لأنّه موسم الخيرات، وتزايد البركات، فإنّ الله تعالى يتفضّل على عباده في هذا الشهر ما لا يتفضّل عليهم في غيره. وكان صلى الله عليه وسلم متخلّقا بأخلاق ربّه؛ (فيأتيه جبريل) عند ملاقاته ومدارسته القرآن، كما يدلّ عليه قوله الآتي:«فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الرّيح المرسلة»

(فيعرض) - بفتح التحتية وكسر الرّاء- لأنّه من «باب ضرب» ، أي: فيعرض النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه) أي: على جبريل (القرآن)، كما يدلّ عليه رواية «الصحيحين» : كان جبريل يلقاه كلّ ليلة في رمضان يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن،

ص: 660

فإذا لقيه جبريل.. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الرّيح المرسلة.

أي: يقرؤه عليه عن ظهر قلب.

أي: يعرض عليه بعضه؛ أو معظمه، لأنّ أوّل رمضان من البعثة لم يكن نزل من القرآن إلّا بعضه، ثمّ كذلك كلّ رمضان بعده إلى الأخير، فكان نزل كلّه إلّا ما تأخّر نزوله بعد رمضان المذكور، وكانت في سنة عشر إلى أن توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممّا نزل في تلك المدّة قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [3/ المائدة] .. الآية، فإنّها نزلت في يوم عرفة بالاتفاق، ففيه إطلاق القرآن على بعضه؛ وعلى معظمه!!.

وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والطبرانيّ أنّ الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة

(فإذا لقيه جبريل) لا سيّما عند قراءة التنزيل (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير) أي: أسخى ببذل الخير للخير (من الرّيح المرسلة) - بفتح السين- بالمطر، فإنّها ينشأ عنها جود كثير، لأنها تنشر السحاب وتملؤه ماء، ثم تبسطها لتعمّ الأرض فينصبّ ماؤها عليها، فيحيا به الموات، ويخرج به النبات.

وتعبيره ب «أفعل» التفضيل نصّ في كونه أعظم جودا منها، لأن الغالب عليها أن تأتي بالمطر، وربّما خلت عنه؛ وهو لا ينفكّ عن العطاء والجود.

وبالجملة؛ فقد فضل جوده على جود الناس، ثمّ فضل جوده في رمضان على جوده في غيره، ثم جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل على جوده في غيره، ثم شبّهه بالريح المرسلة في التعميم والسرعة.

فإن قيل: ما الحكمة في تخصيص الليل المذكور في رواية «الصحيحين» بمعارضة القرآن؛ دون النهار!!؟

فالجواب: هو أن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، ومظنّة ذلك الليل،

ص: 661

وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما عندي شيء، ولكن ابتع عليّ؛

بخلاف النهار؛ فإنّ فيه من الشواغل والعوارض ما لا يخفى، ولعلّه صلى الله عليه وسلم كان يقسم ما نزل من القرآن في كلّ سنة أجزاء على ليالي رمضان؛ فيقرأ كلّ ليلة جزآ منه في جزء من الليلة، ويترك بقيّة ليلته لما سوى ذلك من تهجّد وراحة وتعهّد أهله!!.

ويحتمل أنّه كان يعيد ذلك الجزء مرارا بحسب تعدّد الحروف المنزّل بها القرآن. انتهى؛ ذكره في «زاد المسلم» .

وهذا حديث عظيم لاشتماله على ذكر أفضل الملائكة، إلى أفضل الخلق، بأفضل كلام، من أفضل متكلّم، في أفضل وقت.

ويؤخذ منه ندب إكثار الجود في رمضان، ومزيد الإنفاق على المحتاجين فيه، والتوسعة على عياله وأقاربه ومحبّيه، وخصوصا عند ملاقاة الصالحين، وعقب مفارقتهم؛ شكرا لنعمة الاجتماع بهم، وندب مدارسته القرآن.

وفيه أنّ صحبة الصالحين مؤثّرة في دين الرجل وعلمه، ولذلك قالوا: لقاء أهل الخير عمارة القلوب. انتهى «مناوي، وباجوري، وغيرهما» .

(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده (عن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا) لم يسمّ؛ (جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه) أي: شيئا من الدنيا؛ (فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما عندي شيء) موجود أعطيه لك، (ولكن ابتع) - روي بموحّدة ساكنة بعد همزة الوصل، ففوقية مفتوحة وعين مهملة- أي: اشتر ما تحتاجه بدين يكون عليّ أداؤه، فالابتياع بمعنى الاشتراء.

وروي «أتبع عليّ» - بتقديم التاء الفوقية على الموحّدة- أي: أحل (عليّ) - بتشديد المثناة-، قال الزمخشري: أتبعت فلانا على فلان: أحلته، ومنه خبر:

«إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» انتهى.

ص: 662

فإذا جاءني شيء.. قضيته» . فقال عمر: يا رسول الله؛ [قد أعطيته] ، فما كلّفك الله ما لا تقدر عليه. فكره صلى الله عليه وسلم قول عمر.

وفي رواية البزّار؛ عن عمر: فقال: «ما عندي شيء أعطيك، ولكن استقرض حتّى يأتينا شيء فنعطيك» . فلا مانع من تفسير «ابتع» أو «اتبع» :

ب «استقرض» تجوّزا؛ لرواية البزار، إذ الحديث واحد.

وليس بضمان! بل وعد منه. ووعده ملتزم الوفاء، إذ وعد الكريم دين.

ولذا صحّ أنّه لما توفّي نادى الصدّيق لما جاءه مال البحرين: من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة؛ أو دين فليأتنا. فجاء جابر؛ وقال: إنّه وعدني كذا. فأعطاه له

الحديث في «الصحيح» .

(فإذا جاءني شيء) من باب الله كفيء وغنيمة (قضيته» ) عنك.

وهذا غاية الكرم ونهاية الجود.

(فقال) الرّاوي (عمر) وكان الظاهر أن يقول: «فقلت» ، إلّا أن يقال «إنّه من قبيل الالتفات على مذهب بعضهم» ! (: يا رسول الله؛ قد أعطيته) أي: هذا السائل قبل هذا!! فلا حاجة إلى أن تعده بالإعطاء بعد ذلك؟! أو: قد أعطيته الميسور من القول؛ وهو قولك «ما عندي شيء» ؛ فلا حاجة إلى أن تلتزم له شيئا في ذمّتك.

وقوله (فما كلّفك الله) الفاء للتعليل؛ لما يستفاد من قوله «قد أعطيته» ، فكأنّه قال: لا تفعل ذلك، لأنّ الله ما كلّفك (ما لا تقدر عليه) ؛ من أمره بالشّراء ووعده بالقضاء.

(فكره صلى الله عليه وسلم قول عمر)، أي: بدا في وجهه الشريف أثر عدم رضاه به، لأنّ فيه كسر خاطر السائل، ولأنّ مثله لا يعدّ تكليفا لما لا يقدر عليه، لما عوّده الله من فيض نعمه.

ص: 663

فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله؛ أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا.

فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف في وجهه البشر لقول الأنصاريّ، ثمّ قال:«بهذا أمرت» .

(فقال رجل من الأنصار) كان حاضرا حين رأى كراهة المصطفى لذلك (: يا رسول الله؛ أنفق) - بفتح الهمزة-: أمر من الإنفاق، (ولا تخف من ذي العرش إقلالا) ؛ أي: افتقارا من «أقلّ» بمعنى: افتقر. وإن كان في الأصل بمعنى: صار ذا قلة.

وما أحسن من «ذي العرش» في هذا المقام!! أي: لا تخف؛ أي: يضيّع مثلك من هو مدبّر الأمر من السماء إلى الأرض!!.

قال البرهان في «المقتفي» : هذا الرّجل لا أعرفه. وفي حفظي أنّه بلال، لكنه مهاجري؛ لا أنصاري، فيكون قد قال ذلك بلال والأنصاريّ، أو الذي فيه ذكر بلال قصّة أخرى؛ المأمور فيها بالإنفاق بلال!!

روى الطبرانيّ، والبزّار؛ عن ابن مسعود: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على بلال وعنده صبرة من تمر؛ فقال: «ما هذا يا بلال» . قال: يا رسول الله؛ ذخرته لك ولضيفانك. قال: «أما تخشى أن يفور لها بخار من جهنّم؛ أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» . انتهى. فما في حفظه إنما هو في هذه القصة؛ فلا يصحّ تفسير المبهم ب «بلال» لوجهين.

(فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحا بقول الأنصاري، (وعرف في وجهه البشر) - بكسر الباء- أي: الطلاقة والبشاشة (لقول الأنصاريّ) المارّ

(ثمّ قال) أي: صلى الله عليه وسلم ( «بهذا) أي: الإنفاق من غير مخافة فقر (أمرت» ) بنحو وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [39/ سبأ] لا بقول عمر!! فقدّم الظرف! ليفيد قصر القلب ردّا لاعتماد عمر.

وإنّما فعل ذلك!! للمصلحة الداعية لذلك كالاستئلاف ونحوه.

ص: 664

.........

وفيه أنّ الانفاق مأمور به في كلّ حال دعت المصلحة إليه، ولو بنحو استدانة، فإن عجز فبعدة. والعدة: إنفاق لأنها التزام النفقة؛ عند بعض الأئمّة.

وقد استشكل هذا الحديث بأنّ الله تعالى قال وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [29/ الإسراء] الآية.

وأجاب القاضي أبو يعلى بأن المراد بهذا الخطاب غيره صلى الله عليه وسلم؛ وغير خلّص المؤمنين الذين كانوا ينفقون جميع ما عندهم عن طيب قلب لتوكّلهم وثقتهم بما عند الله، أمّا من كان ليس كذلك يتحسّر على ما ذهب منه!! فالمحمود منهم التوسّط؛ وهم الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، لأنّهم لا صبر لهم على الفاقة، ولذا صعب عليه صلى الله عليه وسلم كلام عمر لمّا راعى ظاهر الحال، وأمره بصيانة المال؛ شفقة على النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه بكثرة السائلين له وتهافتهم عليه. والأنصاريّ راعى حاله صلى الله عليه وسلم، فلذا سرّه كلامه. فقوله «بهذا أمرت» إشارة إلى أنّه أمر خاصّ به وبمن يمشي على قدمه انتهى. من «شرح الشفاء» للخفاجي، ومن شرح الزرقاني على «المواهب» .

قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: ومما ينبغي التنبّه له أنّ كلّ خصلة من خصال الفضل قد أحلّ الله نبيّه في أعلاها وخصّه بذروة سنامها، ثم تقاسمت الفرق فضائله، فكلّ احتجّ على مطلوبه بشيء منها؛

فإذا احتجّ الغزاة بهديه في الجهاد على أنّهم أفضل؛ احتجّ الفقهاء على مثل ما احتجّ به أولئك.

وإذا احتجّ الزّهاد به على فضلهم؛ احتجّ به ولاة الأمور على طولهم. وإذا احتجّ به الفقير الصابر؛ احتجّ به الغني الشاكر.

وإذا احتجّ به العبّاد على فضل نفلهم؛ احتجّ به العارفون على فضل المعرفة.

وإذا احتجّ به المتواضعون وأهل الحلم؛ احتجّ به أرباب العزّ والقهر للمبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم.

ص: 665

وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءه مال.. لم يبيّته، ولم يقيّله؛ أي: إذا جاءه آخر النّهار.. لم يمسكه إلى اللّيل، أو أوّل النّهار..

لم يمسكه إلى وقت القيلولة، بل يعجّل قسمته.

وكان صلى الله عليه وسلم أسخى النّاس،

وإذا احتج به أرباب الوقار والهيبة؛ احتجّ به أرباب حسن الخلق والمزاح المباح

وهكذا.

وسرّ ذلك أنّه بعث لصلاح الدنيا والدين. انتهى. نقله المناوي على «الشمائل» وهو كلام نفيس.

(و) أخرج البيهقيّ في «سننه» ، والخطيب؛ عن أبي محمد الحسن بن محمد بن علي مرسلا، وهو حديث حسن- كما قال العزيزي-

(كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه مال) ؛ من نحو فيء أو غنيمة (لم يبيّته) عنده، (ولم يقيّله) - بالتشديد فيهما- قال العزيزي:(أي: إذا جاءه آخر النّهار لم يمسكه إلى اللّيل، أو) جاءه (أوّل النّهار لم يمسكه إلى وقت القيلولة) : نصف النهار (بل يعجّل قسمته) تعجيلا للخير، إذ كان هديه يدعو إلى تعجيل الإحسان والصدقة والمعروف، ولذلك كان أشرح الخلق صدرا، وأطيبهم نفسا، وأنعمهم قلبا، فإنّ للصدقة والبذل تأثيرا عجيبا في شرح الصدر. انتهى «مناوي» .

(و) في «الإحياء» و «كشف الغمة» : (كان صلى الله عليه وسلم أسخى النّاس) : أي أكثرهم سخاء.

قال الحافظ العراقي: رواه الطبرانيّ في «الأوسط» ؛ من حديث أنس:

«فضّلت على النّاس بأربع: بالسّخاء والشّجاعة

الحديث. ورجاله ثقات.

وقال صاحب «الميزان» : إنّه منكر.

وفي «الصحيحين» ؛ من حديثه: كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس. واتفقا عليه؛ من حديث ابن عبّاس. انتهى.

ص: 666

لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه له، وفجأه اللّيل.. لم يأو إلى منزله حتّى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه.

قلت: وفي حديث آخر سنده ضعيف: «أنا أجود بني آدم» وهو بلا ريب أجودهم مطلقا، كما أنّه أكملهم في سائر الأوصاف، ولأن جوده لله تعالى في إظهار دينه، بل كان بجميع أنواع الجود؛ من بذل العلم، والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكلّ طريق؛ من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم، وكان جوده صلى الله عليه وسلم كلّه لله تعالى، وفي ابتغاء مرضاته.

(لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل) أي: بقي (شيء ولم يجد من يعطيه له، وفجأه اللّيل) أي: أتاه فجأة (لم يأو إلى منزله حتّى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه) .

قال الحافظ العراقيّ: رواه أبو داود؛ من حديث بلال في حديث طويل فيه:

أهدى صاحب فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع قلائص، وكانت عليهنّ كسوة وطعام، وباع بلال ذلك ووفّى دينه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد وحده، وفيه قال:«فضل شيء؟» . قلت: نعم، ديناران. قال:«انظر أن تريحني منهما، فلست بداخل على أحد من أهلي حتّى تريحني منهما» .

فلم يأتنا أحد، فبات في المسجد حتّى أصبح، وظلّ في المسجد اليوم الثاني حتّى إذا كان في آخر النهار جاء راكبان؛ فانطلقت بهما فكسوتهما وأطعمتهما، حتّى إذا صلّى العتمة؛ دعاني، فقال:«ما فعل الّذي قبلك» ؟.

فقلت: قد أراحك الله منه، فكبّر وحمد الله؛ شفقة من أن يدركه الموت؛ وعنده ذلك، ثم اتبعه حتّى جاء أزواجه

الحديث.

وللبخاريّ من حديث عقبة بن الحارث: «ذكرت؛ وأنا في الصّلاة تبرا

ص: 667

وأتاه صلى الله عليه وسلم رجل فسأله، فأعطاه غنما سدّت ما بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: أسلموا، فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

وأعطى غير واحد مئة من الإبل.

فكرهت أن يمسي ويبيت عندنا فأمرت بقسمته» .

ولأبي عبيد في «غريبه» ؛ من حديث الحسن بن محمد مرسلا: كان لا يقيّل مالا عنده؛ ولا يبيّته. انتهى شرح «الإحياء» .

(وأتاه صلى الله عليه وسلم رجل)، هو: صفوان بن أمية- كما قال غير واحد- (فسأله) شيئا من العطاء، (فأعطاه غنما) كثيرة، ولكثرتها (سدّت ما بين جبلين) لسعة جوده وسماحة نفسه، (فرجع إلى قومه) ؛ وهم قريش، (وقال:) يا قوم (أسلموا، فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر) . وذلك آية نبوّته. وفي رواية: من لا يخشى الفاقة. وهي: الفقر، أو: أشدّ الفقر. رواه مسلم؛ من حديث أنس رضي الله عنه. ويرحم الله أبا عبد الله محمد بن جابر حيث قال:

هذا الّذي لا يتّقي فقرا إذا

أعطى ولو كثر الأنام وداموا

واد من الأنعام أعطى آملا

فتحيّرت لعطائه الأوهام

(وأعطى غير واحد) أي: كثيرا من المؤلّفة (مائة من الإبل) ؛ كأبي سفيان بن حرب، وابنيه: معاوية ويزيد، ومع كلّ واحد منهم أربعين أوقية، وكحكيم بن حزام، والحارث بن هشام وغيرهم

والذين أعطاهم صلى الله عليه وسلم مائة من الإبل ناس كثير؛ قد عدّهم البرهان الحلبي، وقال: إنّهم يبلغون ستّين من المؤلّفة قلوبهم، وكذا ذكر الشيخ قاسم في «تخريج أحاديث الشفا» ذكر ذلك الخفاجي في «نسيم الرياض» .

قال شيخنا الشيخ حسن المشّاط عافاه الله تعالى في «إنارة الدجى» ما نصّه:

أعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أخرى؛ فأعطاه.

ص: 668

.........

وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل.

وأعطى أسيد بن جارية الثقفي مائة من الإبل.

وأعطى العلاء بن جارية الثقفي خمسين بعيرا.

وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيرا.

وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل.

وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل.

وأعطى صفوان بن أميّة مائة من الإبل.

وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل.

وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل.

وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل.

وأعطى حويطب بن عبد العزّى مائة من الإبل.

وأعطى هشام بن عمرو العامريّ خمسين من الإبل.

وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل.

وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل.

وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل.

وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل؛ فقال في ذلك شعرا؛ فأعطاه مائة من الإبل، ويقال: خمسين. انتهى.

وقد أشار إلى ذلك العلامة أحمد بن محمد البدوي الشنقيطي، في «نظم المغازي» حيث قال:

أعطى عطايا شهدت بالكرم

يومئذ له ولم تجمجم

وكيف لا ومستمدّ سيبه

من سيب ربّ ذي عناية به

ص: 669

وأعطى صفوان مئة ثمّ مئة ثمّ مئة.

أعطى عطايا أخجلت دلح الدّيم

إذ ملأت رحب الفضا من النّعم

زهاء ألفي ناقة منها وما

ملأ بين جبلين غنما

(وأعطى صفوان) بن أميّة بن خلف بن وهب بن قدامة بن جمح القرشي الجمحي المكيّ، صحابيّ من المؤلّفة.

أسلم يوم الفتح، وشهد حنينا والطائف؛ وهو مشرك، فلما أعطاه صلى الله عليه وسلم ما ذكر قال: أشهد بالله؛ ما طابت بهذا إلّا نفس نبيّ، فأسلم وحسن إسلامه.

روى له مسلم، وأصحاب «السنن» ، وعلّق له البخاريّ. ومات أيّام قتل عثمان، وقيل سنة: إحدى- أو اثنتين- وأربعين.

(مائة) من الإبل (ثمّ مائة ثمّ مائة) . كذا قال ملا علي قاري.

وقال في «شرح الإحياء» : أعطى صفوان بن أميّة يوم حنين مائة من الغنم؛ ثمّ مائة، ثمّ مائة حتى صار أحبّ الناس إليه بعد ما كان أبغضهم إليه، فكان ذلك سببا لحسن إسلامه. لكن في شرح الخفاجي على «الشفاء» ، وشرح الزرقاني على «المواهب» ترك هذه المئات الثلاث بدون تفسير؛ هل هي من الإبل، أو الغنم؟! فليحرر.

قال الزرقاني: والحكمة في كونه صلى الله عليه وسلم لم يعطها دفعة واحدة: أنّ هذا العطاء دواء لدائه، والحكيم لا يعطي الدواء دفعة واحدة، لأنه أقرب للشفاء. انتهى.

قال في «شرح الإحياء» : روى مسلم، والترمذي؛ من طريق سعيد بن المسيّب؛ عن صفوان بن أمية قال: والله؛ لقد أعطاني النبي صلى الله عليه وسلم وإنّه لأبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتّى إنّه لأحبّ الناس إليّ!! انتهى.

ولقد أحسن ابن جابر حيث قال:

يروى حديث النّدى والبشر عن يده

ووجهه بين منهلّ ومنسجم

من وجه أحمد لي بدر، ومن يده

بحر، ومن فمه درّ لمنتظم

ص: 670

وهذه كانت حاله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، وقد قال له ورقة بن نوفل:

يمّم نبيّا يباري الرّيح أنمله

والمزن من كلّ هامي الودق مرتكم

لو عامت الفلك فيما فاض من يده

لم تلق أعظم بحر منه إن تعم

يحيط كفّاه بالبحر المحيط فلذ

به ودع كلّ طامي الموج ملتطم

لو لم تحط كفّه بالبحر ما شملت

كلّ الأنام وروّت قلب كلّ ظمي

فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه، وأنشأ أمطار السحائب من غمائم يمينه.

قال القاضي عياض في «الشفاء» : (وهذه)، أي: الخصلة والسجيّة في الكرم والعطاء (كانت حاله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث) نبيّا؛ أو يرسل. (وقد قال له ورقة) - بواو وراء مهملة مفتوحتين وقاف آخره تاء مربوطة- (بن نوفل) بن أسد بن عبد العزّى.

وكان من أعقل أهل زمانه وأعلمهم، شاعر بليغ متألّه، وكان يقرأ ويكتب الكتب القديمة بالعربية والعبرانية، ويتألّه ويتعبّد؛ ولذا سمّي «القسّ» ، وتهوّد في أوّل أمره؛ ثم تنصّر، وهو ابن عمّ خديجة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها.

وله أشعار كثيرة في التوحيد ولترهّبه لم يكن له عقب، وورد في الحديث:

«لا تسبّوا ورقة، فإنّي رأيت له جبّة أو جبّتين» - يعني بذلك- ما ورد من طريق آخر أنّه صلى الله عليه وسلم رآه في منامه في الجنّة وعليه حلّة خضراء؛ أو بيضاء، أو نحوه كثياب من حرير وحلّة من سندس.

وكان حيّا في ابتداء الوحي إلى أن تنبّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم وآمن به؛ كما في أوّل البخاري، وقال: لئن أدركت زمانك لأنصرنّك نصرا مؤزّرا وكان صلى الله عليه وسلم إذ ذاك نبيّا؛ ولم يؤمر بالدّعوة.

ومات ورقة بعد نبوّته صلى الله عليه وسلم وقبل رسالته، ولذا قالوا: إنّه أوّل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من الرجال، وهو ثان بالنسبة لخديجة رضي الله تعالى عنها وصحابي، ولذا عرّفوا الصحابي بأنّه: من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به. ولم يقولوا «بالرّسول» ، وهذا ممّا

ص: 671

إنّك تحمل الكلّ وتكسب المعدوم،

ينبغي التنبّه له. وفي «نظم السيرة» للحافظ العراقي في ذكر ورقة:

فهو الّذي آمن بعد ثانيا

وكان برّا صادقا مواتيا

والصّادق المصدوق قال: إنّه

رأى له تخطّطا في الجنّه

وهذا المذكور من أنّه صحابيّ هو الصحيح. وقيل: إنه ليس بصحابي، لأنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولم يؤمن به بعد بعثته، وعليه جماعة محقّقون، والأكثر من أصحابنا على أنه صحابيّ. انتهى «خفاجي» .

(إنّك تحمل الكلّ) - بفتح الكاف وتشديد اللام- أي: الثقيل؛ من العيال واليتيم ومن لا قدرة له من ضعيف الحال، أي: فيما بين قومه، وفي التنزيل وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ [76/ النحل] أي: ثقيل في المؤنة ضعيف في الصنعة؛ قاله ملا علي قاري.

(وتكسب) - بفتح التاء وكسر السين المهملة- وهي أكثر الروايات وأصحّها.

قال النّووي: فتح التاء هو الصحيح المشهور، وروي بضمّها.

(المعدوم) - بالواو في النسخ المعتبرة- وهو: الشيء الذي لا وجود له.

والمراد أنّك تعطي الناس الفقراء ما لا يجدونه عند غيرك، لما فيك من مكارم الأخلاق.

وما ذكره المصنف؛ من أنّ هذا من كلام ورقة هو ما في «الشفاء» للقاضي عياض، واعترضه شرّاحه؛ فقال الخفاجي؛ نقلا عن السيوطي: إنّ القائل له صلى الله عليه وسلم هذا إنّما هو خديجة رضي الله تعالى عنها؛ في قصة مكالمتها لورقة في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، لمّا رأى جبريل عليه الصلاة والسلام في أوّل أمره وخاف على نفسه منه، وكذا اعترض عليه الشيخ قاسم في «تخريجه» أيضا؛ فقال: لا أعلم هذا من قول ورقة رضي الله عنه.

والذي في «صحيح البخاري» وغيره: أنّه من قول خديجة رضي الله تعالى عنها.

ص: 672

وقالت له خديجة رضي الله تعالى عنها: أبشر؛ فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ،

وما قيل: من «أنّ القاضي «1» جليل القدر؛ لا يخفى عليه مثله، ولا يبعد صدوره من ورقة!!» لا يجدي نفعا مع نقل «الصحيحين» خلافه، وليس مثله محلّ بحث، ولكلّ صارم نبوة، ولكلّ جواد كبوة. انتهى.

(و) المصنّف رحمه الله تعالى نقل ما في «الشفاء» وأردفه بما في «الصحيحين» ؛ وهو:

(قالت له خديجة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها) حين قال لها صلى الله عليه وسلم لمّا رأى جبريل عليه الصلاة والسلام: «لقد خشيت على نفسي» أي: الهلاك من شدّة الرّعب!! أو تعييرهم إيّاه، فأرادت خديجة رضي الله عنها دفع ذلك الذي خشيه؛ فقالت له:(أبشر؛ فو الله لا يخزيك الله أبدا) يخزيك- بضمّ أوّله والخاء المعجمة والزاي المكسورة، ثم الياء السّاكنة- من الخزي؛ وهو: الفضيحة والهوان، وفي رواية: يحزنك- بالحاء المهملة والنون، ويجوز فتح الياء في أوّله وضمّها- وكلاهما صحيح.

ثمّ استدلّت خديجة على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدا بأمر استقرائي، ووصفته بأصول مكارم الأخلاق، لأن الإحسان إمّا إلى الأقارب، أو إلى الأجانب، وإمّا بالبدن، أو بالمال، وإمّا على من يستقلّ بأمره، أو من لا يستقلّ.

وذلك كلّه مجموع فيما وصفته به في قولها:

(إنّك لتصل الرّحم) صلة الرحم: هي الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول، فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة والسّلام.. وغير ذلك.

(وتحمل الكلّ) - بفتح الكاف وتشديد اللّام- مصدر بمعنى الكلال؛ وهو:

(1) أي: عياض رحمه الله تعالى.

ص: 673

وتكسب المعدوم، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ.

الإعياء، وفسّر بالثّقل، فقيل: إنه لازم معناه، وهو المناسب للحمل، لأنّه لا يقال «حمل الإعياء» . وحمل الكلّ هو كقول العرب في المدح: هو حمّال أثقال. أي: يحمل ثقل غيره من الضعفاء والعيال، وإعانة الخلق بالإنفاق عليهم وإطعامهم وإعطائهم كلّ ما يحتاجون إليه، وكفالة الأيتام وغيره من وجوه البر.

(وتكسب) - بفتح أوله ويضمّ، وبكسر السين المهملة- (المعدوم) - بالواو، والمعنى: تكسب غيرك المال المعدوم؛ أي تعطيه، واختاره النوويّ.

وقيل: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخلاق. انتهى «ملا علي قاري» .

(وتقري) - بفتح التاء المثنّاة الفوقية- (الضّيف) أي: تحسن إليه، يقال قريت الضيف أقريه قرى- بكسر القاف- مقصور. وقراء بفتح القاف والمدّ، ويقال للطعام الذي يضيفه به قرى مقصور، ويقال لفاعله: قار مثل قضى؛ فهو قاض انتهى «نووي» .

(وتعين على نوائب الحقّ) النوائب: جمع نائبة؛ وهي الحادثة، وإنّما قالت نوائب الحق!! لأن النائبة قد تكون في الخير، وقد تكون في الشرّ، قال لبيد:

نوائب من خير وشرّ كلاهما

فلا الخير ممدود؛ ولا الشّرّ لازب

قال العلماء رحمهم الله تعالى: معنى كلام خديجة رضي الله تعالى عنها: أنّك لا يصيبك مكروه، لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق؛ وكرم الشمائل. وذكرت ضروبا من ذلك.

وفي هذا دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب السلامة من مصارع السوء.

وقد روى أبو نعيم ما يؤيّده وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «صنائع المعروف تقي مصارع السّوء» .

ص: 674

و (الكلّ) هنا: الثّقل من كلّ ما يتكلّف؛ كما في «لسان العرب» .

وأعطى العبّاس رضي الله تعالى عنه ما لم يطق حمله.

وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال لمصلحة.

وفيه تأنيس من حصلت له مخافة من أمر، وتبشيره، وذكر أسباب السلامة له.

وفيه أعظم دليل وأبلغ حجّة على كمال خديجة رضي الله تعالى عنها، وجزالة رأيها، وقوّة نفسها، وثبات قلبها، وعظم فقهها. والله أعلم. انتهى «شرح مسلم» مع زيادة.

(والكلّ) - بفتح الكاف وتشديد اللام- له معان كثيرة، لكن المراد (هنا) في حديث خديجة:(الثّقل من كلّ ما يتكلّف) يعني: مما فيه كلفة (كما) ذكره ابن منظور (في «لسان العرب» ) ، وابن الأثير في «النهاية» ، والزّبيديّ في «شرح القاموس» ؛ وهو من الكلال وهو الإعياء. قال الإمام النّوويّ: ويدخل في حمل الكلّ الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك. انتهى.

(وأعطى) عمّه (العبّاس) بن عبد المطلب (رضي الله تعالى عنه، ما) أي:

شيئا (لم يطق حمله) من الإطاقة، أي: ما لم يقدر على حمله وحده مع قوّته.

روى البخاريّ في مواضع؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه: أنّه صلى الله عليه وسلم أتي بمال من البحرين؛ فقال: «انثروه» يعني: صبّوه في المسجد، وكان أكثر مال أتي به صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى المسجد؛ ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلّا أعطاه منه، إذ جاء العبّاس؛ فقال: يا رسول الله؛ أعطني، فإنّي فاديت نفسي وفاديت عقيلا. فقال له:«خذ» . فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه؛ فلم يستطع. فقال يا رسول الله؛ مر بعضهم يرفعه عليّ؟ قال:

«لا» . قال: فارفعه أنت عليّ. فقال: «لا» . فنثر منه، ثمّ ذهب يقلّه فلم يستطع؛ فقال: يا رسول الله؛ مر بعضهم يرفعه عليّ. قال: «لا» . قال:

فارفعه أنت عليّ. قال: «لا» فنثر منه، ثمّ احتمله فألقاه على كاهله فانطلق، فما

ص: 675

وحمل إليه تسعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثمّ قام إليها يقسمها، فما ردّ سائلا حتّى فرغ منها.

ولمّا قفل من حنين

زال صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفي علينا!! عجبا من حرصه، فما قام عليه الصلاة والسلام وثمّ منها درهم!! وفي رواية: ثم انطلق؛ وهو يقول: «إنّما أخذت ما وعد الله، فقد أنجز» ! يشير إلى قوله تعالى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [70/ الأنفال] .

قال ابن كثير: كان العبّاس شديدا طويلا نبيلا، قلّما احتمل شيئا يقارب أربعين ألفا.

(و) روى الترمذيّ أنّه صلى الله عليه وسلم (حمل) - بصيغة المجهول- أي: أتي (إليه تسعون) - بمثناة فوقية قبل السين- وفي رواية أبي الحسن بن الضحاك في «شمائله» ؛ من حديث الحسن مرسلا: ثمانون (ألف درهم) .

وأخرجه ابن الجوزي في «الوفاء» ؛ وقال: سبعون ألفا- بتقديم السين على الموحدة- ويوافقه قول الصرصري في مديحه؛ حيث قال:

سبعون ألفا فضّها في مجلس

لم يبق منها عنده فلسان

(فوضعت) - بصيغة المجهول- أي: سكبت ونثرت (على حصير) أي:

خصفة (ثمّ قام إليها)، لعل المراد: شرع (يقسمها) ، أو أخذ يقسمها؛ بأن أمر به؛ وإن لم يقم بالفعل، ولا باشر القسم بيده.

(فما ردّ سائلا) ، لا يؤخذ منه أنّه لم يعط إلّا من سأله! بل يصدق بذلك، وبإعطاء من علم حاجته فيدفع له إن كان عنده بلا سؤال، أو يبعث إليه (حتّى فرغ منها) غاية لقوله «يقسمها» .

(و) في «الإحياء» : أنّه (لمّا قفل) صلى الله عليه وسلم؛ أي: رجع (من) غزوة (حنين) - بضم الحاء المهملة فنونين بينهما مثنّاة تحتية مصغّرا-: واد بين مكّة والطائف،

ص: 676

وجاءت الأعراب

وهو مذكّر منصرف، وقد يؤنّث على معنى البقعة؛ قاله في «المصباح» .

وقال ابن بليهد النّجدي في كتابه «صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار» : حنين موضع قد أعيانا الوقوف على حقيقته.

ومن كتّاب هذا العصر من قال: إنّه عين الشرائع؛ يعني الموضع المسمّى ب «الشرائع» أنّها هي عين حنين، وهذا قريب من الصواب، فإن لم تكن عين حنين؛ فهي قريبة منها في الوادي الذي يقع عن «الشرائع» جنوبا، لأنّه قريب من «ذي المجاز» الذي ذكر في آخر رواية السّهيلي «يعني الكلام الذي نقله ابن بليهد المذكور نفسه عنه حيث قال» : وحنين قريب من مكة. وقيل: هو واد بالطائف.

وقيل: واد بجنب «ذي المجاز» . انتهى كلام ابن بليهد.

قال في «المصباح» : وقصّة حنين أنّ النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة في رمضان سنة ثمان، ثمّ خرج منها لقتال هوازن وثقيف، وقد بقيت أيّام من رمضان؛ فسار إلى حنين، فلما التقى الجمعان انكشف المسلمون، ثمّ أمدّهم الله بنصره فعطفوا، وقاتلوا المشركين فهزموهم، وغنموا أموالهم وعيالهم، ثم سار المشركون إلى أوطاس؛ فمنهم من سار على نخلة اليمانية، ومنهم من سلك الثنايا وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك نخلة!.

ويقال: إنه عليه الصلاة والسلام أقام عليها يوما وليلة، ثمّ سار إلى أوطاس فقاتلهم بقيّة شوّال، فلما أهلّ ذو القعدة ترك القتال، لأنّه شهر حرام، ورحل راجعا فنزل الجعرانة وقسم بها غنائم أوطاس وحنين، ويقال: كانت ستّة آلاف سبي- كما سيأتي- انتهى.

(وجاءت الأعراب) - بفتح الهمزة- هم: أهل البدو، الواحد أعرابيّ بالفتح أيضا، وهو: الذي يكون صاحب نجعة وارتياد للكلأ.

قال الأزهري: سواء كان من العرب أم من مواليهم. قال: فمن نزل البادية وجاور البادين وظعن بظعنهم؛ فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف؛ واستوطن

ص: 677

يسألونه حتّى اضطرّوه إلى شجرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:«أعطوني ردائي؛ لو كان لي عدد هذه العضاه نعما.. لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا، ولا كذّابا، ولا جبانا» .

و (العضاه) : شجر له شوك، واحدها: عضاهة.

المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عرب؛ وإن لم يكونوا فصحاء؛ كذا في «المصباح» .

(يسألونه) أي: يطلبون منه أن يعطيهم الغنائم وكثروا حوله صلى الله عليه وسلم وازدحموا (حتّى اضطرّوه إلى شجرة فخطفت) - بكسر الطاء المهملة- من باب فهم، وفيه لغة من باب ضرب. والخطف: الاستلاب بسرعة (رداءه.

فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ. (وقال: «أعطوني ردائي؛ لو كان لي عدد هذه العضاه) - هي: من أشجار البادية- (نعما) أي: إبلا (لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا، ولا كذّابا؛ ولا جبانا» ) الجبان: ضعيف القلب.

قال الحافظ العراقيّ: رواه البخاريّ؛ من حديث جبير بن مطعم.

قلت: ولفظه: بينما أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ ومعه الناس مقبلا من حنين علقت برسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب يسألونه حتّى اضطروه إلى سمرة

فذكره. وفيه:

«ولا كذوبا» بدل «كذّابا» .

ورواه البيهقي في «الدلائل» ؛ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه؛ بلفظ المصنف. انتهى «شرح الإحياء» .

(والعضاه) - بالعين المهملة والضاد المعجمة فألف فهاء آخره؛ بزنة كتاب، والهاء أصلية- وهو (شجر له شوك) كالطلح والعوسج.

واستثنى بعضهم القتاد والسّدر، فلم يجعله من العضاه، (واحدها عضاهة) وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة.

ص: 678

وردّ على هوازن سباياها، وكانوا ستّة آلاف.

وفي «المواهب» : (ذكر ابن فارس

(و) في «الشفاء» : أنه صلى الله عليه وسلم (ردّ على هوازن) : اسم قبيلة منسوبة لهوازن بن أسلم، وكان يسكن حنينا؛ وهو موضع سمّي بحنين بن نابه بن مهلاييل، وغزوته تسمّى «غزوة حنين» ، و «غزوة هوازن» ، وكانت في شوال؛ أو في رمضان.

وأمرها معروف مفصّل في السّير.

ولما غزاهم وحاز غنائمهم قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهم أربعة عشر رجلا؛ رئيسهم زهير بن صرفة، وفيهم أبو برقان عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرّضاع، فسألوه أن يمنّ عليهم بما أخذه منهم؛ لما بينهم وبينه من مناسبة الرضاعة، فقال لهم:«أبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟!» . قالوا: ما كنّا نعدل بالأحساب شيئا!!.

فردّ على هوازن (سباياها) بعد مفاوضة جرت، إذ قال صلى الله عليه وسلم:«أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب؛ فهو لكم، وما للنّاس يسأل منهم» . فقال: المهاجرون والأنصار: ما كان لنا؛ فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال جماعة من المؤلّفة: أمّا ما لنا!! فلا، فأخذه صلى الله عليه وسلم منهم قرضا على أن يعوّضهم عنه من أوّل مال يجيء، فسلّموهم جميعا (وكانوا ستّة آلاف) نفس من النّساء والذرّيّة غير الأموال التي من غنائمهم، وكانت أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأكثر من أربعين ألف شاة من الغنم، وأربعة آلاف أوقيّة من الفضّة. والأوقيّة: أربعون درهما.

(و) قال العلّامة شهاب الدين القسطلّاني شكر الله مسعاه؛ (في) كتابه ( «المواهب) اللّدنّيّة بالمنح المحمدية» : (ذكر) العلّامة الإمام أبو الحسين:

أحمد (بن فارس) بن زكريا بن محمّد بن حبيب الرازي اللّغويّ.

كان إماما في علوم شتى؛ وخصوصا اللغة فإنّه أتقنها، وألّف كتابه «المجمل» ، وهو على اختصاره جمع شيئا كثيرا.

ص: 679

في كتابه في «أسماء النّبيّ صلى الله عليه وسلم» : أنّه في يوم حنين جاءته امرأة؛ فأنشدت شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما أخذ وأعطاهم عطاء كثيرا حتّى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم، فكان خمس مئة ألف ألف.

وأصله من قزوين وأقام مدّة في همذان، ثم انتقل إلى الرّي، وإليها نسبته، وأخذ عنه البديع الهمذاني، والصاحب ابن عبّاد وغيرهما من أعيان البيان.

وله مؤلّفات عديدة؛ منها «مقاييس اللغة» طبع في ستّة أجزاء، و «الصاحبي في علم العربية» طبع، ألّف لخزانة الصاحب بن عباد، و «الفصيح» ، و «تمام الفصيح» ، و «فقه اللغة» ، و «النيروز» خطّ، و «الإتباع والمزاوجة» طبع، و «الحماسة المحدثة» ، و «متخيّر الألفاظ» ، و «ذمّ الخطأ في الشعر» خط، و «اللامات» خط، و «كتاب الثلاثة» خط؛ في الكلمات المكوّنة من ثلاث حروف متماثلة. وكتاب «أسماء النبي صلى الله عليه وسلم» ، وكتاب «أوجز السّير لخير البشر» طبع في ثمان صفحات، و «جامع التأويل في تفسير القرآن» أربع مجلدات، وله كتاب «حلية الفقهاء» ، وله شعر حسن.

وكانت ولادته سنة: تسع وعشرين وثلثمائة هجرية، ووفاته سنة: خمس وتسعين وثلثمائة. والله أعلم رحمه الله تعالى.

(في كتابه) المؤلّف (في «أسماء النّبيّ صلى الله عليه وسلم» ؛ أنّه في يوم حنين جاءته امرأة فأنشدت شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما أخذ) من النساء والبنين. ونسب إليه!! لأنه الأمير.

(وأعطاهم) عطف تفسير؛ أي: كان المردود (عطاء كثيرا) ، لأنّه لم يكن معه مال غير المأخوذ من الغنيمة، وسمّي المردود عطاء!! لملك الغانمين له (حتّى قوّم) - بالبناء للمفعول- (ما) أي: الذي (أعطاهم ذلك اليوم؛ فكان خمسمائة ألف ألف) من السبايا بتكرير لفظ «ألف» «مرتين» ، وهو عبارة عن خمسمائة

ص: 680

قال ابن دحية:

مليون؛ بالتعبير العصري.

وأما أموالهم فلم يردّها عليهم، لأنّه كان قسم الجميع، فلما جاؤا مسلمين خيّرهم بين ردّ المال أو السبايا. فاختاروا السبايا فردّهم كما مرّ مفصّلا.

(قال) العلّامة الإمام الحافظ أبو الخطّاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد الجميّل بن فرح بن خلف بن قومس بن مزلال بن ملّال بن بدر بن أحمد (بن دحية) - بكسر الدال المهملة وفتحها، وسكون الحاء المهملة، وبعدها ياء مثنّاة من تحت- وهو: دحية بن خليفة الكلبي «صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم» . وصاحب الترجمة ينسب إليه، ويعرف ب «ذي النسبين» : دحية؛ والحسين السّبط، لأنّه كان يذكر أنّ أمّه من ذرية الحسين رضي الله تعالى عنهما.

كان أبو الخطّاب؛ من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متقنا لعلم الحديث النبوي، وما يتعلّق به، عارفا بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها.

واشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقي بها علماءها ومشايخها، ثم رحل منها إلى بر العدوة، ودخل مراكش، واجتمع بفضلائها.

ثم ارتحل إلى إفريقيا، ومنها إلى الديار المصريّة، ثمّ إلى الشام والشرق والعراق، ودخل إلى عراق العجم، وخراسان، وما والاها، وما زندران، كلّ ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأئمّته والأخذ عنهم، وهو في تلك الحال يؤخذ عنه ويستفاد منه وولّي قضاء دانية.

ومن تصانيفه «المطرب من أشعار أهل المغرب» خط «1» ، و «الآيات البينات» خطّ و «نهاية السول في خصائص الرسول» خط، و «النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس» طبع، و «التنوير في مولد السراج المنير» ، و «علم النّصر المبين في المفاضلة بين أهل صفين» .

(1) بل طبع.

ص: 681

وهذا نهاية الجود الّذي لم يسمع بمثله في الوجود) .

وعن عائشة رضي الله [تعالى] عنها: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهديّة ويثيب عليها.

وكانت ولادته سنة: أربع وأربعين وخمسمائة، ووفاته سنة: ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة؛ وعمره قارب التسعين، ودفن بسفح المقطّم رحمه الله تعالى.

(وهذا نهاية الجود الّذي لم يسمع بمثله في الوجود.

و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ في «الهبة» وأبو داود في «البيوع» ، والترمذيّ في «الجامع» في «البر» وفي «الشمائل» ؛

(عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهديّة) ؛ طلبا للتحابب والتواصل، وفرارا من التباغض والتقاطع، إلّا لعذر؛ كما ردّ على الصعب بن جثّامة الحمار الوحشيّ؛ وقال:«إنّا لم نردّه عليك إلّا أنّا حرم» .

(ويثيب) أي: يجازي، والأصل في الإثابة: أن يكون في الخير والشرّ، لكن العرف خصّها بالخير (عليها) ؛ بأن يعطي المهدي بدلها، وأقلّه قيمة ما يساوي الهديّة، فيسنّ التأسّي به في ذلك، لكن محلّ ندب القبول حيث لا شبهة قويّة فيها، وحيث لم يظنّ المهدى إليه أنّ المهدي أهداه حياء، وإلّا! لم يجز القبول.

قال الغزالي: مثال من يهدي حياء: من يقدم من سفر ويفرّق الهدايا؛ خوفا من العار، فلا يجوز قبول هديّته؛ إجماعا، لأنه:«لا يحلّ مال امرىء مسلم إلّا عن طيب نفس» .

وكذا إذا ظنّ المهدى إليه أنّ المهدي إنّما أهدى له هديّته لطلب المقابل، فلا يجوز له قبولها؛ إلّا إذا أعطاه ما في ظنّه بالقرائن.

ص: 682

وأتته صلى الله عليه وسلم امرأة ببردة، فقالت: يا رسول الله؛ أكسوك هذه؟ فأخذها صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها، فلبسها،

قال المناوي: وأخذ بعض المالكية بظاهر الخبر، فأوجب الثواب عند الإطلاق؛ إذا كان ممن يطلب مثله الثواب، أي: كالهديّة من الأدنى للأعلى.

قال: وإنّما قبل الهدية؛ دون الصدقة!! لأنّ المراد بها ثواب الدنيا، وبالإثابة تزول المنّة. والقصد بالصدقة ثواب الآخرة، فهي من الأوساخ.

وظاهر الإطلاق: أنّه كان يقبلها من المؤمن والكافر.

وفي السّير أنّه قبل هدية المقوقس وغيره من الملوك. انتهى.

(وأتته صلى الله عليه وسلم امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (ببردة) منسوجة؛ فيها حاشيتها- كما في البخاريّ مرفوعا بمنسوجة، لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله؛ كاسم الفاعل.

وقال الداودي: يعني أنّها لم تقطع من ثوب، فتكون بلا حاشية.

وقال غيره: حاشية الثوب هدبه. وكأنه أراد أنها جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس.

وقال القزّاز: حاشيتا الثوب ماحيتاه اللّتان في طرفيهما الهدب.

ولفظ البخاريّ في «الأدب» : جاءت امرأة ببردة؛ فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة؟! قالوا: الشّملة. قال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها.

(فقالت: يا رسول الله: أكسوك هذه) ؟! وفي رواية «الجنائز» : قال:

«نعم» . قالت: قد نسجتها بيدي؛ فجئت لأكسوكها.

قال الحافظ: وتفسير البردة بالشّملة تجوّز، لأن البردة كساء، والشّملة:

ما اشتمل به. فهي أعمّ، لكن لمّا كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها.

(فأخذها) النبيّ صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها) ، كأنّهم عرفوا ذلك بقرينة حال، أو تقدّم قول صريح؛ (فلبسها) لفظ «الأدب» : وفي رواية «الجنائز» : فخرج إلينا، وإنّها إزاره.

ص: 683

فرآها عليه رجل من الصّحابة فقال: يا رسول الله؛ ما أحسن هذه! فاكسنيها،

ولابن ماجه: فخرج إلينا فيها، وللطبرانيّ فاتّزر بها؛ ثمّ خرج (فرآها عليه رجل من الصّحابة) . أفاد المحبّ الطبريّ في «الأحكام» أنّه عبد الرحمن بن عوف، وعزاه للطبرانيّ، ولم أره في «المعجم الكبير» ، لا في مسند سهل؛ ولا في مسند عبد الرحمن!!

وقد أخرج الطبرانيّ الحديث، وقال في آخره: قال قتيبة: هو سعد بن أبي وقّاص.

وأخرجه البخاريّ في «اللباس» ، والنسائي في «الزينة» عن قتيبة؛ ولم يذكرا عنه ذلك!!

ورواه ابن ماجه؛ وقال فيه: فجاء رجل سمّاه يومئذ، وهو دالّ على أنّ الراوي ربّما سمّاه. وفي رواية أخرى للطبراني؛ من طريق زمعة بن صالح؛ عن أبي حازم؛ عن سهل أنّ السائل المذكور أعرابيّ، فلو لم يكن زمعة ضعيفا لانتفى أن يكون هو عبد الرحمن بن عوف، أو سعد بن أبي وقّاص!! أو يقال: تعدّدت القصّة على ما فيه من بعد.

وقول شيخنا ابن الملقّن «إنّه سهل بن سعد» غلط، التبس عليه اسم القائل باسم الراوي؛ قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.

(فقال: يا رسول الله؛ ما أحسن) - بنصبه؛ تعجبا- (هذه) البردة (فاكسنيها) . لفظ «الأدب» ؛ ولفظ الجنائز عقب أنّها إزاره: فحسّنها فلان؛ فقال: أكسنيها؛ ما أحسنها!!

قال الحافظ: فحسّنها؛ كذا في جميع الروايات هنا؛ أي: في «الجنائز» - بمهملتين من التحسين-.

وللبخاريّ في «اللباس» فجسّها- بجيم بلا نون-.

ص: 684

فقال: «نعم» ، فلمّا قام عليه الصلاة والسلام.. لامه أصحابه، وقالوا: ما أحسنت حين رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجا إليها، ثمّ سألته إيّاها، وقد عرفت أنّه لا يسأل شيئا فيمنعه.

رواه البخاريّ.

وكذا للطبرانيّ والإسماعيليّ؛ من طريق آخر (فقال) ؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم (: «نعم» ) أكسوكها.

وللبخاريّ في «اللباس» : فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها، فأرسل بها إليه.

(فلمّا قام عليه الصلاة والسلام لامه) أي: السائل (أصحابه، وقالوا: ما) - نافية- (أحسنت حين رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخذها)، وفي رواية: لبسها (محتاجا إليها، ثمّ سألته إيّاها؛ وقد عرفت أنّه لا يسأل شيئا فيمنعه!!) .

وفي رواية: لا يردّ سائلا. بقيّته في البخاري: فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لعلّي أكفّن فيها.

وفي رواية للبخاريّ أيضا: فقال الرّجل: والله؛ ما سألتها إلّا لتكون كفني يوم أموت. قال سهل: فكانت كفنه.

وبيّن في رواية الطّبرانيّ المعاتب له من الصحابة؛ ولفظه: قال سهل: فقلت للرجل: لم سألته وقد رأيت حاجته إليها؟! فقال: رأيت ما رأيتم، ولكنّي أردت أن أخبّئها حتّى أكفّن فيها. وفي رواية البخاري في «الجنائز» : قال: والله؛ إنّي ما سألته لألبسها، إنّما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه.

(رواه البخاريّ) في «الجنائز» و «البيوع» و «الأدب» و «اللباس» ؛ من حديث سهل بن سعد السّاعديّ رضي الله عنه.

قال في «المواهب» : وفي هذا الحديث من الفوائد: حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، وسعة جوده، وقبوله الهدية، وغير ذلك.

ص: 685

.........

واستنبط منه السّادة الصوفيّة جواز استدعاء المريد خرقة التصوّف من المشايخ تبرّكا بهم، وبلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أنّه صلى الله عليه وسلم ألبس أمّ خالد خميصة سوداء ذات علم. رواه البخاري.

لكن قال شيخنا- يعني السخاويّ- رحمه الله تعالى: ما يذكرونه- أي الصوفية- من أنّ الحسن البصريّ لبسها من علي بن أبي طالب رضي الله عنه!!

فقال ابن دحية وابن الصلاح: إنّه باطل.

وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: ليس في شيء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح؛ ولا حسن؛ ولا ضعيف أنّه صلى الله عليه وسلم ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر أحدا من أصحابه بفعلها، وكلّ ما يروى صريحا في ذلك!! فباطل.

قال الحافظ ابن حجر: ثمّ إنّ من الكذب المفترى قول من قال «إنّ عليا ألبس الخرقة الحسن البصري» ، فإنّ أئمّة الحديث لم يثبتوا للحسن من علي سماعا؛ فضلا عن أن يلبسه الخرقة.

قال السّخاوي: ولم ينفرد شيخنا- يعني: الحافظ ابن حجر- بذلك، بل سبقه إليه جماعة حتّى ممن لبسها وألبسها؛ كالدمياطي، والذهبي، والعلائي، ومغلطاي، والعراقي، والأبناسي، والحلبي، والهكاري، وابن الملقّن، وابن ناصر الدين؛ وتكلّم عليها في جزء مفرد.

وللحافظ السيوطي مؤلّف سمّاه «إتحاف الفرقة برفو الخرقة» ذكر فيه أنّ جمعا من الحفاظ أثبتوا سماع الحسن من علي بن أبي طالب. والحافظ ضياء الدين في «المختارة» رجّحه، وتبعه الحافظ في «أطرافها» ، وهو الراجح عندي لقاعدة الأصول: أن المثبت مقدّم على النافي، لأن معه زيادة علم ولأن الحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وكانت أمّه خيرة مولاة أمّ سلمة، فكانت أمّ سلمة تخرجه إلى الصحابة فيباركون عليه، وأخرجته إلى عمر؛ فدعا له، فقال: «اللهمّ؛ فقّهه في

ص: 686

.........

الدين، وحبّبه إلى النّاس.» أخرجه العسكري بسنده.

وذكر المزّيّ أنّه حضر يوم الدار؛ وله أربع عشرة سنة، ومعلوم أنّه من حين بلغ سبع سنين أمر بالصلاة، فكان يحضر الجماعة ويصلّي خلف عثمان حتّى قتل، ولم يخرج عليّ إلى الكوفة إلّا بعد قتله؛ فكيف ينكر سماع الحسن منه؛ وهو كل يوم يجتمع به خمس مرّات من حين ميّز إلى أن بلغ أربع عشرة سنة!؟!

وقد كان عليّ يزور أمّهات المؤمنين، ومنهنّ أمّ سلمة؛ والحسن البصري في بيتها هو وأمّه!!

وقد ورد عن الحسن ما يدلّ على سماعه منه!

وروى المزّيّ؛ من طريق أبي نعيم أنّ يونس بن عبيد؛ قال للحسن: إنّك تقول «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولم تدركه» ؟! قال: يا ابن أخي؛ لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك!! إنّي في زمان كما ترى! وكان في عمل الحجّاج! كلّ شيء سمعتني أقول «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» ؛ فهو عن عليّ، غير أنّي لا أستطيع أن أذكر عليّا.

ثم ذكر ما أخرجه الحفّاظ من رواية الحسن عن علي، فبلغ عشرة أحاديث ساقها وذكر خلالها قول ابن المديني «الحسن رأى عليا بالمدينة المنوّرة وهو غلام» .

وقال أبو زرعة: كان الحسن البصري يوم بويع علي ابن أربع عشرة سنة. ورأى عليّا بالمدينة، وقال: رأيت الزّبير يبايع عليّا! ثم خرج إلى الكوفة والبصرة؛ ولم يلقه الحسن بعد ذلك، ففي هذا القدر كفاية.

ويحمل قول النافي على ما بعد خروج عليّ من المدينة المنورة.

وروى أبو يعلى: حدّثنا جويرية بن أشرس قال: أخبرنا عقبة بن أبي الصهباء الباهلي، قال: سمعت الحسن يقول: سمعت عليّا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«فمثل أمّتي مثل المطر

» . الحديث.

ص: 687

وكان صلى الله عليه وسلم رحيما،

قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» : قال محمد بن الحسن الصيرفي «شيخ شيوخنا» : هذا نصّ في سماع الحسن من علي. ورجاله ثقات. انتهى ملخصا.

وليس في ذا الرفع كلّه إثبات الدعوى أنّ عليّا ألبس الحسن الخرقة على متعارف الصوفية.

وكذا قول المصنف- يعني القسطلّانيّ-: «نعم ورد لبسهم لها مع الصحبة المتصلة إلى كهيل «1» بن زياد النخعي؛ وهو صحب عليا من غير خلف في صحبته له بين أئمة الجرح والتعديل» ! لا دلالة فيه على الدعوى؛ «وهو أنّ عليا ألبسها كهيلا» إنّما هو احتمال، ولا تقوم به حجّة.

وفي بعض الطرق للخرقة اتصالها بأويس القرني، وهو اجتمع بعمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالب، وهذه صحبة لا مطعن فيها. لكن لا تدلّ على الدعوى نصّا!! إنما هو احتمال، وكثير من السادة الصوفية يكتفي بمجرّد الصحبة؛ كالشاذلي إمام الطريقة، وشيخنا أبي إسحاق إبراهيم المتبولي، وكان يوسف العجمي يجمع بين تلقين الذكر وأخذ العهود واللبس، وله في ذلك رسالته «ريحان القلوب» . وللشيخ قطب الدين القسطلاني «ارتقاء الرتبة في اللباس والصحبة» انتهى كلام «المواهب» مع شرح الزرقاني، رحمهما الله تعالى.

(و) أخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» بسند حسن- كما في العزيزي- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما) ، حذف المعمول!! ليفيد العموم؛ فهو رحيم حتّى بأعدائه، لما دخل يوم الفتح مكّة على قريش؛ وقال:«اجلسوا بالمسجد الحرام» وصحبه ينتظرون أمره فيهم.. من قتل أو غيره! قال: «ما تظنّون أنّي فاعل بكم؟» . قال: خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم.. فقال:«أقول كما قال أخي يوسف «لا تثريب عليكم اليوم» اذهبوا فأنتم الطّلقاء» .

(1) في نسخة: كميل.

ص: 688

وكان لا يأتيه أحد إلّا وعده وأنجز له؛ إن كان عنده.

وأمّا شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فقد كان صلى الله عليه وسلم أنجد النّاس

قال ابن عربي: فلا ملك أوسع من ملك سيّدنا محمّد، فإنّ له الإحاطة بالمحاسن والمعارف، والتودّد والرحمة والرفق، وكان بالمؤمنين رحيما.

وما أظهر في وقت غلظة على أحد إلّا عن أمر إلهيّ حين قال له جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [73/ التوبة] فأمر بما لم يقتض طبعه ذلك، وإن كان بشرا يغضب لنفسه ويرضى لها!!.

(وكان لا يأتيه أحد) يسأله شيئا (إلّا وعده وأنجز له؛ إن كان عنده) ، وإلّا أمر بالاستدانة عليه. انتهى مناوي؛ على «الشمائل» .

(وأمّا شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم :

الشجاعة- بفتح الشين- قال القاضي عياض: هي فضيلة قوّة الغضب، وانقياد تلك القوّة للعقل؛ على وفق الشرع. أي: لتقع على ما ينبغي من النعوت الآدمية، ولتكون من الصفات البهيّة.

والنّجدة- بفتح النون فسكون الجيم فدال مهملة- بمعنى الشجاعة؛ في قول، وقال بعضهم: هي شدّة البأس، يقال: هم أنجاد أمجاد؛ أي: أشدّاء شجعان، والواحد نجد؛ ككتف وأكتاف.

وقال القاضي عياض: النّجدة: ثقة النفس؛ أي: وثوقها بربّها عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها؛ دون خوف.

(فقد) كان صلى الله عليه وسلم منها بالمحلّ الذي لا يجهل،! قد حضر المواقف الصعبة، وفرّ الكماة والأبطال عنه غير مرّة؛ وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح وما شجاع إلّا وقد أحصيت له فرّة وحفظت عنه جولة؛ سواه صلى الله عليه وسلم.

وفي «الإحياء» : (كان صلى الله عليه وسلم أنجد النّاس) أي: أكثرهم نجدة،

ص: 689

وأشجعهم.

قال عليّ رضي الله تعالى عنه: لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم،

(وأشجعهم) ؛ أي: أقواهم قلبا في حال البأس، فكان الشجاع منهم الذي يلوذ بجانبه عند التحام الحرب، وما ولّى قطّ؛ ولا تحدّث أحد بفراره.

وقد ثبتت أشجعيّته بالتواتر النقلي؛ بل أخذه بعضهم من النص القرآني، لقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ [73/ التوبة] فكلّفه؛ وهو فرد؛ جهاد الكلّ، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [286/ البقرة] !! ولا ضير في كون المراد:

هو ومن معه، إذ غايته أنّه قوبل بالجميع؛ وذلك مفيد للمقصود.

قال العراقي: روى الدارميّ؛ من حديث ابن عمر بسند صحيح: ما رأيت أجلد، ولا أجود، ولا أشجع، ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى

وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ما رأيت أشجع، ولا أنجد، ولا أجود، ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه الإمام أحمد، والنّسائيّ، والطبرانيّ، والبيهقيّ.

وعطف «أجود» على «أنجد» ؟! للمناسبة بينهما، إذ الجواد لا يخاف الفقر، والشجاع لا يخاف الموت، ولأن الأوّل بذل النفس، والثاني: بذل المال.

والجود بالنفس أقصى غاية الجود!

انتهى من «شرح الزرقاني» ، و «شرح الإحياء» و «شرح الشفاء» .

(قال) الإمام (عليّ) بن أبي طالب أمير المؤمنين (رضي الله تعالى عنه) وكرّم الله وجهه في الجنّة (: لقد رأيتني) - بضمّ التّاء- وهذا من خصائص أفعال القلوب وما ألحق بها؛ من «رأى» البصريّة والحلميّة: أن يكون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لشيء واحد، و «رأى» هذه بصريّة؛ أي: والله لقد أبصرت نفسي (يوم بدر ونحن نلوذ) أي: نلتجىء ونستتر (بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم ، وكان الظاهر أن

ص: 690

وهو أقرب إلى العدوّ. وكان من أشدّ النّاس يومئذ بأسا.

وقال أيضا: كنّا إذا حمي «1» البأس ولقي القوم القوم

يقول: ولقد رأيتنا. وكأنه عدل عنه إشارة إلى أنّ كلّ أحد مشغول بنفسه؛ لا يرى غيره. (وهو) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم ( [أقرب] إلى العدوّ) منا لشدّة شجاعته صلى الله عليه وسلم، والمراد بالعدوّ الكفّار

(وكان من أشدّ النّاس يومئذ بأسا) أي: نكاية في العدو، كقوله تعالى وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84)[النساء] كما قاله الرّاغب.

وإذا كان حاله هذا في مثل هذا الوقت؛ ففي سائر الأوقات بالأولى، وما أحسن قول من قال من أرباب الحال:

له وجه الهلال لنصف شهر

وأجفان مكحّلة بسحر

فعند الابتسام كليل بدر

وعند الانتقام كيوم بدر

وهذا الحديث أخرجهء الإمام أحمد، والنّسائي، والبيهقيّ في «الدّلائل» ؛ من طرق؛ عن علي رضي الله تعالى عنه، ورواه أبو الشيخ في «الأخلاق» بسند جيّد. انتهى «شرح الشفا» . و «شرح الإحياء» .

(وقال أيضا) ؛ أي: عليّ رضي الله تعالى عنه كما في «الإحياء» و «الشفاء» قال في «شرحه» : رواه الإمام أحمد، والنسائيّ، والطبرانيّ، والبيهقيّ.

(كنّا إذا [حمي] ) - بزنة: علم- (البأس) - بموحّدة، وبهمزة، أو ألف- وهو الشدّة. والمراد به الخوف؛ أو الحرب، أي: اشتدّ القتال، وهو معنى ما وقع في الرواية الآخرى «حمي الوطيس» ، فإنّ الوطيس التّنور، (ولقي القوم) - بالرفع فاعل- (القوم) - بالنصب مفعول-.

(1) في «وسائل الوصول» : احمرّ. وكلاهما جائز.

ص: 691

اتّقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه.

وقيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الكلام، قليل الحديث، فإذا أمر النّاس بالقتال.. تشمّر.

وكان من أشدّ النّاس بأسا، وكان الشّجاع هو الّذي يقرب منه في الحرب؛ لقربه من العدوّ.

وفي «الشفاء» بدل قوله: «ولقي القوم القوم» «واحمرّت الحدق» - (اتّقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم . أي: جعلناه وقاية من العدو، بأن يتقدمّ علينا؛ فيدفع العدوّ؛ ونحن خلفه، كما يشير إليه قوله (فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه) ، ولذا أمسوا بغلته صلى الله عليه وسلم يوم حنين؛ كما مرّ، ولم ينكر عليهم!!

(و) في «الإحياء» : (قيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الكلام، قليل الحديث، فإذا أمر النّاس بالقتال تشمّر)

قال العراقي: رواه أبو الشيخ؛ من حديث سعد بن عياض الثّمالي مرسلا.

قلت: وروى الإمام أحمد؛ من طريق سماك؛ قال: قلت لجابر بن سمرة:

أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟! قال: نعم، وكان طويل الصّمت قليل الضّحك. رجاله رجال الصّحيح؛ غير شريك، وهو ثقة. وسعد بن عياض المذكور تابعيّ يروي عن ابن مسعود، وعنه أبو إسحاق السّبيعي وثّق. روى له أبو داود، والنسائي؛ كذا في «الكاشف» . انتهى شرح «الإحياء» .

(وكان) صلى الله عليه وسلم (من أشدّ النّاس بأسا) . رواه الإمام أحمد، والنّسائيّ، وغيرهما؛ من حديث عليّ في قصّة بدر- وقد تقدم قريبا-

(وكان الشّجاع) منّا (هو الّذي يقرب منه) صلى الله عليه وسلم (في الحرب؛ لقربه من العدوّ) .

قال العراقي: رواه مسلم؛ من حديث البراء: كنّا والله؛ إذا حمي البأس نتّقي

ص: 692

وقال عمران بن حصين

به، وإنّ الشجاع الذي يحاذى به. انتهى شرح «الإحياء» .

(و) أخرج أبو الشيخ في «الأخلاق» بسند فيه مجهول؛ (قال) أبو نجيد- بضم النون وفتح الجيم- (عمران) - بكسر العين المهملة وسكون الميم وراء مهملة- (ابن حصين) - بضمّ الحاء وفتح الصاد المهملتين؛ كتصغير حصن- ابن عبيد بن خلف بن عبد شهم بن سالم الخزاعيّ البصري؛

كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم.

أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر سنة: سبع من الهجرة.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وثمانون حديثا؛ اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاريّ بأربعة ومسلم بتسعة.

روى عنه أبو رجاء العطاردي؛ واسمه: تيم، ومطرّف بن عبد الله، وزرارة ابن أوفى، وزهدم، وعبد الله بن بريدة، وابن سيرين، والحسن، والشعبي، وأبو الأسود الدّؤلي، وآخرون.

نزل البصرة؛ وكان قاضيها؛ استقضاه عبد الله بن عامر أيّاما، ثم استعفاه فأعفاه.

توفي بها سنة: ثنتين وخمسين هجرية، وكان الحسن البصري يحلف بالله تعالى: ما قدم البصرة راكب خير لهم من عمران.

وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوات وبعثه عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه إلى البصرة ليفقه أهلها، وكان مجاب الدّعوة؛ ولم يشهد تلك الحروب

وكان أبيض الرأس واللحية، وله عقب بالبصرة.

وفي «صحيح مسلم» ؛ عن عمران قال: قد كان يسلّم عليّ حتّى اكتويت «1»

(1) من البواسير.

ص: 693

رضي الله تعالى عنهما: ما لقي النّبيّ صلى الله عليه وسلم كتيبة إلّا كان أوّل من يضرب.

وقالوا: وكان قويّ البطش. ولمّا غشيه المشركون.. نزل عن بغلته، فجعل يقول:

فتركت. ثم تركت الكيّ فعاد. يعني كانت الملائكة تسلم عليه ويراهم عيانا كما جاء مصرّحا به في غير «صحيح مسلم» .

ومات عمران سنة: اثنتين وخمسين. وقيل: سنة ثلاث وخمسين هجرية.

واختلف العلماء في حصين «والد عمران» : هل أسلم، وله صحبة؛ أم لا؟!

قال ابن الجوزي في «التلقيح» : الصحيح أنّه أسلم (رضي الله تعالى عنهما:

ما لقي النّبيّ صلى الله عليه وسلم كتيبة) - بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية، وبالمثناة التحتية، وباء موحّدة، أي: طائفة من الجيش مجتمعة- (إلّا كان أوّل من يضرب) بسيفه، ويقاتل.

(و) في «الإحياء» : (قالوا: وكان) صلى الله عليه وسلم (قويّ البطش) .

قال العراقي: رواه أبو الشيخ؛ من رواية أبي جعفر معضلا. انتهى

قلت: ورواه ابن سعد؛ عن محمد بن علي مرسلا؛ بلفظ: كان شديد البطش. قال الشارح: فلم تكن الرّحمة منزوعة عن بطشه لتخلّقه بأخلاق الله تعالى، وهو سبحانه ليس له وعيد وبطش شديد؛ ليس فيه شيء من الرحمة واللّطف.

وقال الحافظ العراقيّ: وللطبرانيّ من حديث عبد الله بن عمرو: «وأعطيت قوّة أربعين في البطش والجماع» . وسنده ضعيف.

(ولمّا غشيه المشركون) يوم حنين (نزل عن بغلته، فجعل يقول:

ص: 694

«أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب» ، فما رئي يومئذ أحد أشدّ منه.

«أنا النّبيّ لا كذب

أنا ابن عبد المطّلب»

قال الحافظ العراقيّ: متّفق عليه؛ من حديث البراء. انتهى.

وسيأتي في الحديث بعده التفصيل. ومعنى قوله «أنا النّبيّ لا كذب» ؛ أي:

حقا فلا أفرق ولا أزول، أي: صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنّه قال أنا النبيّ؛ والنبيّ لا يكذب. لست بكاذب فيما أقول حتّى أنهزم بل أنا متيقن أن ما وعدني الله من النصر حق فلا يجوز علي الفرار أنا ابن عبد المطلب.

فيه دليل لجواز قول الإنسان في الحرب «أنا فلان بن فلان» . ومنه قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره.

وقول سلمة: أنا ابن الأكوع.

والمنهيّ عنه قول ذلك على وجه الافتخار؛ كما كانت الجاهلية تفعله.

وانتسب لجدّه عبد المطلب؛ دون أبيه عبد الله!! لأنه توفّي شابّا في حياة أبيه عبد المطلب؛ فلم يشتهر كاشتهار أبيه.

وكان عبد المطلب سيّد قريش وسيّد أهل مكّة، ومن ثمّ نسب إليه صلى الله عليه وسلم في نحو قول ضمام: أيّكم ابن عبد المطلب. انتهى شرح «الإحياء» .

(فما رئي يومئذ أحد أشدّ منه) صلى الله عليه وسلم، لأنّه لمّا استقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قطّ؛ من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح وخرجت الكتائب من مضيق الوادي؛ فحملوا حملة واحدة؛ فانكشفت خيل بني سليم مولّية؛ وتبعهم أهل مكّة والنّاس، ولم يثبت معه صلى الله عليه وسلم إلّا عمّه العبّاس، وأبو سفيان بن الحارث، وأبو بكر، وأسامة في أناس من أهل بيته وأصحابه.

قال العبّاس: وأنا آخذ بلجام بغلته أكفّها؛ مخافة أن تصل إلى العدو، لأنّه كان يتقدّم نحوهم، وأبو سفيان آخذ بركابه. انتهى شرح «الإحياء» ، وسيأتي

ص: 695

وسأل رجل البراء

مزيد الكلام على الحديث الذي بعد هذا.

(و) أخرج البخاريّ في «الجهاد» ، ومسلم في «المغازي» ، والنسائي في «السّير» بإختلاف في بعض ألفاظه أنّه (سأل رجل) من قيس. قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه!!

(البراء) - بفتح الموحّدة وتخفيف الرّاء وبالمدّ- هذا هو الصحيح المشهور عند طوائف العلماء.

وهو: أبو عمارة، ويقال: أبو الطفيل البراء بن عازب- بالزاي- ابن الحارث بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسيّ الحارثيّ المدني.

أمّه أمّ حبيبة بنت أبي حبيبة. وقيل: أم خالد بنت ثابت.

وأبوه عازب صحابي، ذكر محمد بن سعد في «الطبقات» أنّه أسلم.

روي للبراء عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلثمائة حديث وخمسة أحاديث؛ اتفق البخاريّ ومسلم منها على اثنين وعشرين، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستّة.

روى عنه عبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو جحيفة الصحابيان، وجماعة من التابعين؛ منهم: الشعبي، وابن أبي ليلى، والسبيعي، ومعاوية بن سويد، وأبو المنهال سيّار بن سلامة، وغيرهم.

نزل الكوفة وابتنى بها دارا، وتوفي بها زمن مصعب بن الزبير، وأرّخه ابن حبان سنة: اثنتين وسبعين.

استصغره النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وأوّل مشاهده أحد.

وفي البخاري؛ عن البراء قال: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة غزوة، وشهد البراء مع أبي موسى غزوة تستر، وشهد مع عليّ رضي الله عنه وقعة الجمل وصفّين والنهروان، هو وأخوه عبيد بن عازب.

ص: 696

رضي الله تعالى عنه: أفررتم يوم حنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال: نعم، لكنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرّ،

وكان للبراء ابنان: يزيد وسويد (رضي الله تعالى عنه: أفررتم) معاشر الصحابة (يوم حنين) معرضين (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: نعم، لكنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرّ) استدراك على ما قد يتوهّم من فراره صلى الله عليه وسلم حين فرّوا عنه، الواقع عند السائل؛ أخذا من عموم ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)[التوبة] فبيّن له أنّه من العموم الذي أريد به الخصوص، والتقدير: نعم فررنا، ولكنه صلى الله عليه وسلم ثبت وثبت معه عليّ، والعبّاس، وأبو سفيان بن الحارث، وابن مسعود. رواه ابن أبي شيبة مرسلا.

وللترمذي بإسناد حسن؛ عن ابن عمر: لقد رأيتنا يوم حنين، وإنّ الناس لمولّون، وما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل.

ولأحمد، والحاكم؛ عن ابن مسعود: فولّى الناس عنه، وبقي معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار.

وفي شعر العبّاس: أنّ الذين ثبتوا عشرة فقط.

قال الحافظ ابن حجر: ولعلّه العدد الذي ثبت، ومن زاد عليهم عجّل الرجوع! فعدّ فيمن لم يفرّ. انتهى زرقاني؛ على «المواهب» .

قال في «نظم المغازي» للعلّامة أحمد بن محمد البدوي الشنقيطي رحمه الله تعالى:

وثبتت مع النّبيّ طائفه

من أهل بيته وممّن ألفه

حيدرة والعمران وأبو

سفيان جعفر ابنه المنتخب

وعمّه ربيعة، العبّاس

وفضله أسامة الأكياس

وأيمن ابن أمّه والعبدري

شيبة رام غدر خير مضر

فصدّه عمّا نوى فضربه

نبيّنا في صدره فجذبه

قال الخفاجي في «نسيم الرياض» ؛ شرح «شفاء» القاضي عياض رحمه الله

ص: 697

كان هوازن رماة، وإنّا لمّا حملنا عليهم انكشفوا؛ فأكببنا على الغنائم، فاستقبلتنا بالسّهام.

تعالى: ولم يجيء أنّه صلى الله عليه وسلم انهزم قطّ ولم ينقله أحد، وقد نقل الإجماع على أنّه لا يجوز أن يعتقد أنّه صلى الله عليه وسلم انهزم. ولا يجوز ذلك عليه.

قال الزّرقاني على «المواهب» : وقد تقدّم للمصنّف في حنين، وقبله في أحد: أنّ من زعم أنّه صلى الله عليه وسلم هزم يستتاب، فإن تاب؛ وإلّا! قتل عند الشافعية، ووافقهم ابن المرابط من المالكية. وأنّ مذهب مالك يقتل بلا استتابة، وفرّقوا بينه وبين من قال «جرح. أو: أوذي» : بأن الإخبار عن الأذى نقص في المؤذي؛ لا عليه، والإخبار بالانهزام نقص له صلى الله عليه وسلم، لأنّه فعله؛ لو وقع، كما أن الأذى فعل المؤذي.

قال ابن دحية: وأما تغيّبه في الغار!! فكان قبل الإذن في القتال.

وأما مظاهرته بين درعين يوم أحد!! فهو من الاستعداد للإقدام، وليقتدي به أصحابه. والمنهزم خارج عن الإقدام جملة، بخلاف المستعدّ له. انتهى.

ثمّ بيّن سبب التولّي؛ فقال (كان هوازن رماة، وإنّا لمّا حملنا عليهم انكشفوا) : انهزموا؛ كما هو لفظ رواية البخاري في «الجهاد» : (فأكببنا) - بفتح الموحّدة الأولى وإسكان الثانية ونون- أي: وقعنا (على الغنائم)، وفي «الجهاد» ؛ فأقبل الناس على الغنائم (فاستقبلتنا) أي: هوازن.

وفي «الجهاد» : فاستقبلونا (بالسّهام) ؛ أي: فولّينا.

وفي مسلم: فرموهم برشق من نبل كأنّها رجل جراد.

وفيه أيضا؛ عن أنس: جاء المشركون بأحسن صفوف رأيت؛ [فصفّت] الخيل، ثم المقاتلة، ثمّ النّساء من وراء ذلك، ثم الغنم، ثم النّعم ونحن بشر كثير، وعلى خيلنا خالد بن الوليد؛ فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرّت الأعراب ومن تعلم من الناس.

ص: 698

ثمّ قال: ولقد رأيته على بغلته البيضاء- وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها

(ثمّ قال) ؛ أي: البراء (: ولقد رأيته على بغلته البيضاء) التي أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي؛ كما في مسلم؛ عن العبّاس. وعند ابن سعد وأتباعه:

على بغلته دلدل.

قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن دلدل أهداها له المقوقس.

قال القطب الحلبي: فيحتمل أنّه ركب يومئذ كلّا من البغلتين؛ إن ثبت أنّ دلدل كانت معه، وإلّا! فما في «الصحيح» أصحّ

(وأبو سفيان بن الحارث) بن عبد المطلب، هو ابن عمّ النبي صلى الله عليه وسلم

واسمه المغيرة، أو اسمه كنيته. وكان أخاه من الرّضاع، وآلف الناس به قبل النبوة، وكان يشبهه صلى الله عليه وسلم أيضا.

وكان شاعرا مطبوعا، فلما ظهر الإسلام أظهر العداوة، وهجا النبي صلى الله عليه وسلم، وأجابه حسّان رضي الله تعالى عنه بما هو مذكور في السّير، ثم أسلم؛ وحسن إسلامه، وأبلى بلاء حسنا يوم حنين.

وتوفي: سنة عشرين، وصلّى عليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو أحد من ثبت يوم حنين رضي الله تعالى عنه.

(آخذ بلجامها) أوّلا، فلما ركضها صلى الله عليه وسلم إلى جهة المشركين خشي عليه العبّاس؛ فأخذ زمامها، وأخذ أبو سفيان بالرّكاب.

فلا يخالف هذا ما في «مسلم» : أنّ العبّاس كان آخذا بزمامها.

وللبخاري في «الجهاد» : فنزل؛ أي عن البغلة فاستنصر.

وفي «مسلم» : فقال «اللهمّ؛ أنزل نصرك» .

وإنّما أمسكا باللّجام!! لئلا يسرع للاتصال بالعدو!! لما رأيا من إقدامه صلى الله عليه وسلم

ص: 699

- وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب» ، فما رئي يومئذ أحد كان أشدّ منه.

ومسارعته، وأشفقا عليه بمقتضى المحبّة الإسلامية والرحم.

(وهو يقول: «أنا النّبيّ) حقّا (لا كذب) في ذلك، أو والنبي لا يكذب، فلست بكاذب حتّى أنهزم، (أنا ابن عبد المطّلب» )

قال الخطّابي: خصّه بالذّكر!! تثبيتا لنبوّته وإزالة للشكّ، لما اشتهر من رؤيا عبد المطّلب المبشّرة به صلى الله عليه وسلم، ولما أنبأت به الأحبار والكهان، فكأنه يقول: أنا ذاك، فلا بدّ مما وعدت به؛ لئلا ينهزموا عنه، أو يظنّوا أنّه مغلوب، أو مقتول.

فليس من الفخر بالآباء في شيء، وليس بشعر؛ وإن كان موزونا، لأنّه لم يقصده، ولا أراده، وهما من شرط كونه شعرا، وهذا أعدل الأجوبة.

ولا يجوز فتح الباء الأولى [كذب] ، وكسر الثانية [المطّلب] ، ليخرج عن الوزن، لأنّه تغيير للرواية بمجرّد خيال يقوم في النفس، ولأنّه وقع في إشكال أصعب مما فرّ منه، لأن فيه نسبة اللّحن إلى أفصح الفصحاء، فالعرب لا تقف على متحرّك. انتهى «زرقاني» .

وهذا يعدّ في غاية ما يكون من الشجاعة التامّة، لأنّه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة؛ ليست بسريعة، ولا تصلح لكرّ ولا فرّ ولا هرب، فركوبها وركضها إلى وجوههم مع التنويه باسمه ليعرفه من ليس يعرفه: كلّ ذلك دليل النهاية في الشجاعة والثبات وعدم المبالاة بالعدوّ، وأنّ الحرب عنده كالسّلم، صلوات الله وسلامه عليه، كما قال:

(فما رئي يومئذ أحد كان أشدّ منه)، أي: لم ير في حرب هوازن أقوى؛ وأشجع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ركب بغلته؛ وقد ظاهر عليها درعا ومغفرا، وطاف على الصفوف يحضّهم على القتال ويبشّرهم بالفتح؛ إن صدقوا وصبروا، وكانوا

ص: 700

وعن العبّاس

برزوا للقتال في كتائب لم ير المسلمون مثلها عدّة وعدّة، وحملوا حملة واحدة، وكانوا أرمى الناس بالسّهام، وأعرفهم بالقتال؛ فانهزم الناس، والنبيّ صلى الله عليه وسلم ثابت يلتفت يمنة ويسرة لمن فرّ منهم وهو يقول:«يا أنصار الله؛ وأنصار رسوله صلى الله عليه وسلم أنا عبد الله ورسوله» ثمّ تقدّم بحربته أمام الناس، فلم يمض قليل حتّى هزمهم الله تعالى. انتهى «خفاجي» .

قال في «شرح الإحياء» : ومما يدلّ على شجاعته صلى الله عليه وسلم، وكونه أشدّهم بأسا ركوبه يومئذ على بغلته البيضاء؛ وهي دلدل. كما في رواية مسلم مع عدم صلاحيّتها للحرب كرّا وفرّا، ومن ثمّ لم يسهم لها. ومع العادة إنّما هي من مراكب الطمأنينة، ومع أنّ الملائكة الذين قاتلوا معه في ذلك اليوم لم يكونوا إلّا على الخيل لا غير!! ومع أنّه كانت له أفراس متعدّدة في مواطن الحرب.

وهذا هو النهاية القصوى في الشجاعة والثبات، وفيه إعلام بأن سبب نصرته مدده السّماوي والتأييد الإلهي الخارق للعادة، وبأنّه ظاهر المكانة والمكان؛ ليرجع إليه المسلمون وتطمئنّ قلوبهم بمشاهدة جميل ذاته، وجليل آياته؛

كركضه بها في نحر العدو مع فرار الناس عنه، ولم يبق معه إلا أكابر أصحابه.

وكنزوله عنها إلى الأرض مبالغة في الثبات والشجاعة ومساواة في مثل هذا المقام للماشين من أصحابه. والله أعلم. انتهى.

(و) ذكر مسلم في «صحيحه» رواية (عن) أبي الفضل (العبّاس) بن عبد المطّلب الهاشمي «عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، وكان أسنّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين؛ أو ثلاث.

وكان العبّاس رئيسا جليلا في قريش قبل الإسلام، وكان إليه عمارة المسجد الحرام والسقاية.

وحضر ليلة العقبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايعته الأنصار قبل أن يسلم الأنصار،

ص: 701

رضي الله تعالى عنه قال: لمّا التقى المسلمون والكفّار.. ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركّض بغلته نحو الكفّار،

فشدّد العقد مع الأنصار وأكّده.

وخرج مع المشركين إلى بدر مكرها وأسر، وفدى نفسه وابني أخويه عقيلا ونوفل بن الحارث. وأسلم عقب ذلك.

وقيل: أسلم قبل الهجرة، وكان يكتم إسلامه؛ مقيما بمكّة يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عونا للمسلمين المستضعفين بمكّة.

قالوا: وأراد القدوم إلى المدينة؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مقامك بمكّة خير» .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظّمه ويكرمه ويبجّله، وكان وصولا لأرحام قريش؛ محسنا إليهم، ذا رأي وكمال وعقل، جوادا؛ أعتق سبعين عبدا.

وكانت الصحابة تكرّمه وتعظّمه وتقدّمه، وتشاوره وتأخذ برأيه، وهو معتدل القامة. روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وثلاثون حديثا؛ اتفقا على حديث، وانفرد البخاريّ بحديث، وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه ابناه: عبد الله وكثير، وجابر، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الحارث، وآخرون.

وكانت وفاة العبّاس بالمدينة المنوّرة يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب. وقيل: من رمضان سنة؛ اثنتين وثلاثين. وقيل: أربع وثلاثين؛ وهو ابن ثمان وثمانين سنة. تقريبا. وقبره مشهور بالبقيع (رضي الله تعالى عنه) وأرضاه.

(قال: لمّا التقى المسلمون والكفّار ولّى المسلمون) أي: رجعوا وانهزموا (مدبرين) حال مؤكّدة منهم، (فطفق) - بكسر الفاء- أي: جعل (رسول الله صلى الله عليه وسلم يركّض بغلته) أي: يسوقها ويسرع بها (نحو الكفّار) .

وأصل الرّكض: الضرب بالرّجل، فمتى نسب إلى الراكب فهو إعداء مركوبه، نحو ركضت الفرس، ومتى نسب إلى الماشي؛ فهو وطىء بالأرض، نحو قوله ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [42/ ص] انتهى «خفاجي» .

ص: 702

وأنا آخذ بلجامها أكفّها إرادة ألاتسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه.

وقد كان أبيّ بن خلف يقول للنّبيّ صلى الله عليه وسلم حين افتدى يوم بدر: عندي فرس أعلفها

(وأنا آخذ بلجامها) أي: ممسكه، والجملة حالية.

(أكفّها) أي: أمنعها من السرعة، والجملة حال أخرى.

(إرادة ألاتسرع) - بنصب «الإرادة» على العلّة «1» للجملة السابقة، أي:

أمنعها من أجل ألاتعجل إلى جهة العدوّ (وأبو سفيان) بن الحارث: ابن عمّه صلى الله عليه وسلم (آخذ) أي: ممسك (بركابه) صلى الله عليه وسلم.

هذه رواية، وفي أخرى: أنّ أبا سفيان كان يقود بغلته صلى الله عليه وسلم آخذ بلجامها؛ من أحد جانبيها، فلعلّه تارة كان يفعل كذا، وتارة كان يفعل كذا، فلا تعارض بين الروايات. انتهى «خفاجي» .

(وقد كان أبيّ بن خلف) بن وهب بن حذافة بن جمح الكافر المشهور؛ وذلك فيما رواه ابن سعد في «طبقاته» ، والبيهقيّ في «دلائل النبوة» ، وعبد الرزاق في «مصنّفه» مرسلا، والواقديّ في «مغازيه» موصولا، وهو حديث صحيح أنّه كان (يقول للنّبيّ صلى الله عليه وسلم حين افتدى) أسيرا له، وهو ابنه عبد الله، أي: أعطى الفدية لافتكاك الأسير (يوم بدر) ظرف لمحذوف يدلّ عليه «افتدى» أي: افتدى أسيره يوم بدر، فهو متعلّق بأسيره، أي من أسر يوم بدر؛ وهو ابنه، فالأسر وقع ببدر؛ والافتداء بالمدينة المنوّرة؛ كذا قال الخفاجي رحمه الله تعالى.

ومقول القول قوله (: عندي فرس) عظيمة اسمها العود- بعين ودال مهملتين- بوزن الضرب، (أعلفها) - بفتح الهمزة وكسر اللام- أي: أطعمها من العلف،

(1) أي للتعليل، والمراد مفعول لأجله.

ص: 703

كلّ يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم:«أنا أقتلك إن شاء الله تعالى» . فلمّا رآه يوم أحد شدّ أبيّ على فرسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعترضه رجال من المسلمين، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم هكذا؛ أي: خلّوا طريقه،

والفرس يقع على الذكر والأنثى. وأنّثها هنا!! لأنها كانت أنثى، وقد ورد في الحديث تذكيرها وتأنيثها بحسب المراد والقرائن

(كلّ يوم فرقا) - بفتح الفاء والراء المهملة ويجوز تسكينها. وقيل:

لا يجوز- وهو مكيال يسع ستة عشر رطلا، وتحريكه وتسكينه بمعنى، وقيل:

المسكّن مائة وعشرون رطلا، والمحرّك ستة عشر رطلا.

(من ذرة) بيان للفرق- بضمّ الذال المعجمة وفتح الراء المهملة المخففة- وهي: نوع من الحبوب معروف (أقتلك عليها) أي: أريد أن أقتلك عليها.

(فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «أنا أقتلك إن شاء الله تعالى» ) ، فحقّق ما أوعده، وكأنه إنّما علف فرسه لتسوقه لهلاكه سريعا؛ كالباحث عن حتفه بظلفه، ولكلّ باغ مصرع.

(فلمّا رآه) أي: رأى أبيّ بن خلف النبي صلى الله عليه وسلم (يوم أحد شدّ أبيّ) بن خلف الشقي أي: عدا وأسرع (على فرسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارّان متعلّقان ب «شدّ» . أو الأوّل مستقرّ حال، أي: راكبا على فرسه، والثاني لغو، و «شدّ» جواب «لمّا» الثاني دالا على جواب «لمّا» الأول

(فاعترضه رجال من المسلمين) أي: حالوا بين أبيّ وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدفعوه ويصدّوه عنه. (فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه (.. هكذا) ؛ أي: مشيرا إلى جانب أبيّ، (أي: خلّوا طريقه) . والمعنى تنحّوا عنه ولا تحولوا بيني وبينه.

ص: 704

وتناول الحربة من الحارث بن الصّمّة؛ فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشّعراء

(وتناول) صلى الله عليه وسلم (الحربة) - بفتح الحاء وإسكان الراء المهملتين؛ بوزن الضّربة- وهي واحدة الحراب بوزن رجال، وهي: قناة صغيرة؛ أي: أخذها (من الحارث بن الصّمّة) - بكسر الصاد المهملة، وفتح الميم المشدّدة وهاء التأنيث-، وهو- أعني: الحارث- ابن الصّمّة بن عمرو بن عتيك الأنصاري الخزرجي الصحابي.

شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وغيرها من المشاهد، وقتل ببئر معونة.

وذكر ابن الأثير: أنّ الذي ناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة كعب بن مالك.

وبين الروايتين مخالفة! وجمع بينهما بأنّه تناولها من أحدهما؛ فسقطت منه، فناولها له الآخر. أو أنّ أحدهما وهو الذي معه الحربة كان بعيدا منه؛ فناولها آخر قريبا منه، فسلّمها له بيده. ولا بدّ من التوفيق، فإنّ الروايتين صحيحتان، والقصّة واحدة. انتهى من شرح الخفاجي على «الشفا» .

(فانتفض بها) أي: الحربة (انتفاضة) أي: قام بها قومة مسرعة.

والأبلغ الأحسن أن يقال: إنه استعارة تمثيلية؛ يلزمها تشبيههم بأنهم كالذباب المؤذي الواقع المتهافت، فيفيد هجومهم عليه وتشبيه نهوضه لهم بفحل اهتزّ ليزيل ذبابا وقع عليه،

لقوله (تطايروا) ؛ أي: تفرّقوا فارّين بسرعة؛ كالطيور (عنه) صلى الله عليه وسلم.

والمتفرّقون!! إمّا المسلمون، واقتصر عليه بعضهم!! وإمّا المشركون الذين هجموا مع أبيّ!! وهو أبلغ وأنسب بقوله:

(تطاير الشّعراء) - بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، وراء بعدها همزة ممدودة- أي: كتطاير ذباب أحمر- أو أزرق- يقع على الحيوان فيؤذيه أذى شديدا. وفي رواية: تطاير العشارير.

ص: 705

عن ظهر البعير إذا انتفض. ثمّ استقبله النّبيّ صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا- وقيل: بل كسر ضلعا من أضلاعه- فرجع إلى قريش يقول: قتلني محمّدّ. وهم يقولون:

لا بأس بك.

(عن ظهر البعير إذا انتفض) أي: تحرّك البعير تحرّكا شديدا

(ثمّ استقبله النّبيّ صلى الله عليه وسلم أي: قام إليه ومشى إليه بالحربة. (فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ) - بمثنّاة فوقيّة ودالين مهملتين، وهمزتين- أي: تدحرج وسقط (منها) أي: الطعنة (عن فرسه مرارا) ، لما غشيه من مرارة الألم.

(وقيل) : لم يطعنه صلى الله عليه وسلم في عنقه (بل كسر) بقوّة ضربته (ضلعا) - بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام- أي: واحدا (من أضلاعه) : عظام أحد جوانبه.

قال الأخفش: في الجنب الأيمن تسع أضلاع، وفي الأيسر ثمان، وما نقص منه تامّ في النساء «1» ؛ وهو الذي خلقت منه حواء. ولذا روي عن الإمام أبي حنيفة في الخنثى المشكل: أنّه يحكم فيه بأنّه أنثى بتمام أضلاعه وعكسه.

وقال التلمساني: رواية طعنه أقوى، لأن المعروف الطعن بالرمح.

وفيه نظر. وقيل: إنّه صلى الله عليه وسلم طعنه فوقع عن فرسه؛ فكسر ضلعه. وفيه جمع بين الروايتين، وهو حسن. انتهى «خفاجي» .

(فرجع) أي: أبيّ (إلى قريش) وهو (يقول: قتلني محمّد!!)، جملة «يقول» حاليّة؛ أي: قائلا. وعبّر بالماضي! لتحقّقه الموت.

(وهم يقولون: لا بأس بك) البأس- بهمزة ساكنة وتبدل ألفا- وهو اسم «لا» مبنيّ على الفتح، والبأس: الشدّة والموت والألم، وهذا هو المناسب.

(1) تحتاج لتأمّل.

ص: 706

فقال: لو كان ما بي بجميع النّاس لقتلهم، أليس قد قال:«أنا أقتلك» ؟! والله لو بصق عليّ.. لقتلني. فمات بسرف في قفولهم إلى مكّة.

و (الفرق) : مكيال يسع [ستّة عشر] رطلا؛ كلّ رطل مئة وثلاثون درهما.

يقال: لا بأس بك، ولا بأس عليك. للتسلية؛ أو الدعاء له بأن لا يصيبه شيء من البأس.

(فقال) أي: أبيّ (: لو كان ما بي) من الألم والشدّة التي أجدها في نفسي موزّعا وحالّا (بجميع النّاس لقتلهم) ، فكيف أتحمّل أنا وحدي هذا وأسلم منه!؟

(أليس قد قال) أي: النبي صلى الله عليه وسلم حين توعّده (: «أنا أقتلك» ) أي: لا أنت تقتلني، فهو قصر قلب (والله؛ لو بصق عليّ لقتلني!) ؛ إبرارا لكلامه.

وإنّما قال ذلك!! لتحقّق صدقه صلى الله عليه وسلم فيما قاله

(فمات) الملعون من تلك الطعنة (بسرف) - بفتح السّين المهملة، وكسر الرّاء المهملة؛ وفاء آخره، ممنوعا من الصرف، ويجوز صرفه-. وهو: اسم موضع على ستّة أميال من مكّة، كان فيه زواج ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء. واتفق أنّها ماتت فيه بعد النبي صلى الله عليه وسلم وفيه قبرها، وبني مسجد عليها (في قفولهم) - بقاف ففاء- أي: رجوع الكفار من أحد (إلى مكّة) وهو معهم.

(والفرق) - بالفاء والراء المفتوحتين- (: مكيال يسع) ثلاثة آصع؛ كلّ صاع أربعة أمداد، فهي اثنا عشر مدّا، والمدّ رطل وثلث، والصاع خمسة أرطال وثلث رطل بغدادي، فيكون مجموع الثلاثة الآصع بالأرطال ( [ستّة عشر] رطلا) بغداديا (كلّ رطل مائة وثلاثون درهما) فيما جزم به الرّافعي. قال ابن الرّفعة: وهو الذي يقوى في النفس صحّته بحسب التجربة، لكن الأصحّ عند الإمام النّوويّ: أنّ رطل

ص: 707

و (الشّعراء) : ذباب أحمر- وقيل: أزرق- يقع على الإبل فيؤذيها أذى شديدا.

وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم أحسن النّاس،

بغداد مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم. هذا معنى الفرق- بالتّحريك-.

وأما الفرق- بسكون الراء-! فمائة وعشرون رطلا.

(والشّعراء) - بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، وراء مهملة؛ بعدها همزة ممدودة- (: ذباب أحمر- وقيل: أزرق- يقع على الإبل) والحمر والكلاب، (فيؤذيها أذى شديدا) . وعبارة الصّحاح:«الشّعراء» ذبابة؛ يقال هي التي لها إبرة. انتهى. وقيل الشّعراء: ذباب يلسع الحمار؛ فيدور.

وقال أبو حنيفة [الدينوري] : الشّعراء نوعان: للكلب شعراء معروفة، وللإبل شعراء.

فأما شعراء الكلب! فإنّها إلى الدّقّة والحمرة، ولا تمسّ شيئا غير الكلب.

وأمّا شعراء الإبل: فتضرب إلى الصّفرة؛ وهي أضخم من شعراء الكلب؛ ولها أجنحة، وهي زغباء تحت الأجنحة. قال: وربّما كثرت في النعم حتّى لا يقدر أهل الإبل على أن يحتلبوا بالنهار، ولا أن يركبوا منها شيئا معها؛ فيتركونها إلى الليل وهي تلسع الإبل في مراق الضروع وما حولها، وما تحت الذنب، والبطن والإبطين، وليس يتّقونها بشيء إذا كان ذلك إلّا بالقطران، وهي تطير على الإبل حتى تسمع لصوتها دويا. انتهى شرح «القاموس» .

(و) في «المصابيح» - وهو حديث رواه الشيخان وغيرهما- (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال:

كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم أحسن النّاس) صورة وسيرة، لأنّ الله تعالى أعطاه كلّ الحسن.

ص: 708

وأجود النّاس، وأشجع النّاس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق النّاس قبل الصّوت،

(وأجود النّاس) لتخلّقه بصفات الله تعالى التي منها الجود والكرم. و «أجود» أفعل تفضيل؛ من الجود، وهو: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي أن يعطى. ومعناه:

هو أسخى النّاس بكلّ ما ينفع، فحذف للتعميم، أو لفوات إحصائه كثرة، لأنّ من كان أعظمهم شرفا وأيقظهم قلبا، وألطفهم طبعا وأعدلهم مزاجا جدير بأن يكون أسمحهم صورة، وأنداهم يدا، ولأنّه مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات.

(وأشجع النّاس) أقواهم قلبا في حال البأس، فكان الشجاع منهم الّذي يلوذ بجانبه عند التحام الحرب، وما ولّى قطّ، ولا تحدّث أحد بفراره. وقد ثبتت أشجعيّته بالتواتر النقلي.

واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة!! من جوامع الكلم، فإنّها أمّهات «1» الأخلاق. فإنّ في كل إنسان ثلاث قوى:

أحدها: الغضبية؛ وكمالها الشجاعة. ثانيها: الشهوانيّة؛ وكمالها الجود.

ثالثها: العقلية؛ وكمالها النطق بالحكمة. انتهى من «المواهب» .

وفي «الفتح» : جمع أنس صفات القوى الثلاثة على العقلية، والغضبية، والشهوانية؛ فالشجاعة تدلّ على الغضبية، والجود يدلّ على الشهوة، والحسن تابع لاعتدال المزاج المستتبع لصفاء النفس الذي به جودة القريحة الدالّ على العقل، فوصف بالأحسنيّة في الجميع. انتهى

(ولقد فزع) - بكسر الزاي-: خاف (أهل المدينة ذات ليلة) من صوت سمعوه في ناحية من نواحي المدينة؛ كما أفاده بقوله

(فانطلق النّاس) أي: ذهبوا (قبل) - بكسر القاف وفتح الباء الموحّدة-:

جهة (الصّوت) ليعرفوا خبره لظنّهم أنّه عدو.

(1) الصواب في غير العاقل: أمّات!!

ص: 709

فاستقبلهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم قد سبق النّاس إلى الصّوت، وهو يقول:«لن تراعوا.. لن تراعوا» ، وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، والسّيف في عنقه، فقال:«لقد وجدته بحرا» .

وهذا الفرس اسمه: (المندوب) .

(فاستقبلهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم راجعا (قد سبق النّاس إلى الصّوت) أي: المكان الذي سمع الصوت من جهته؛ أي: منفردا قد استبرأ الخبر؛ (وهو يقول) للمقبلين: ( «لن تراعوا) - بضم التاء المثناة فوق، وبضمّ العين المهملة- (لن تراعوا» ) تكرير الجملتين، و «لن» هنا بمعنى «لم» بدليل الرواية الآخرى، والمراد نفي سبب الرّوع؛ أي: الخوف، أي: ليس هناك شيء تخافونه

(وهو) أي صلى الله عليه وسلم راكب (على فرس لأبي طلحة) المسمّى: زيد بن سهل «زوج أمّ سليم» والدة أنس بن مالك، استعاره منه (عري) - بضمّ العين المهملة، وسكون الراء- مجرور صفة فرس. (ما) أي: ليس (عليه سرج) للاستعجال في ركوبه، ولا يقال في الآدمي عري، وإنّما يقال عريان؛ كما تقدّم التنبيه عليه غير مرة.

(والسّيف في عنقه) أي: حمائله معلّقة في عنقه الشريف؛ متقلّدا به.

وهذا هو السنّة في حمل السيف؛ كما قاله ابن الجوزي، لا شدّه في وسطه؛ كما هو المعروف الآن!!.

(فقال: «لقد وجدته) - أي: الفرس- (بحرا» ) . أي: واسع الجري، ومنه سمّي البحر «بحرا» لسعته، وتبحّر فلان في العلم: إذا اتّسع فيه.

وقيل: شبّهه بالبحر..! لأن جريه لا ينفد؛ كما لا ينفد ماء البحر.

(وهذا الفرس اسمه «المندوب» ) قيل: سمّي بذلك!! من النّدب، وهو الرّهن عند السباق. وقيل: لندب كان في جسمه، وهو أثر الجرح.

ص: 710

وفي رواية للبخاريّ: إنّ أهل المدينة فزعوا مرّة، فركب النّبيّ صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة كان يقطف، فلمّا رجع..

قال: «وجدنا فرسكم هذا بحرا» ، فكان بعد لا يجارى.

قوله (بحرا) البحر: الفرس الجواد الواسع الجري.

وقال عياض: يحتمل أنّه لقب، أو اسم لغير معنى كسائر الأسماء، وقد كان في أفراسه صلى الله عليه وسلم فرس اسمه «المندوب» ، لكن صرّحت الرواية الآخرى في «الصحيحين» بأنّه لأبي طلحة. ولفظها: كان فزع بالمدينة، فاستعار النبيّ صلى الله عليه وسلم فرسا من أبي طلحة؛ يقال له «المندوب» ، فركبه عليه الصلاة والسلام، فلما رجع قال:«ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرا» أو إنّه لبحر. قال: وكان فرسا يبطىء. انتهى.

فلعله صار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبي طلحة بهبة؛ أو بيع منه له؟!.

وقال النّوويّ: يحتمل أنّهما فرسان؛ اتفقا في الاسم!! وهذا أولى.

(وفي رواية للبخاريّ) في «الجهاد» ؛ عن أنس:

(إنّ أهل المدينة فزعوا مرّة) ليلا، (فركب النّبيّ صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة) :

زيد بن سهل- تقدّمت ترجمته-؛ (كان يقطف) - بكسر الطاء، وتضمّ- والمراد أنّه بطيء المشي. وعند البخاريّ في باب آخر: فركب فرسا لأبي طلحة بطيئا.

(فلمّا رجع) بعد أن استبرأ الخبر؛ (قال: «وجدنا فرسكم هذا بحرا» ) لسرعة جريه. (فكان بعد) - بضمّ الدال- (لا يجارى) - بضمّ أوّله وفتح الرّاء؛ مبنيّ للمجهول- أي: لا يسابق في الجري، ولا يطيق فرس الجري معه ببركته صلى الله عليه وسلم؛ قاله القسطلّاني وغيره. وقال بعضهم: أي: لا يسابق، لعلمهم بأنّه لا يسبقه فرس غيره.

(قوله «بحرا» ) ؛ قال المصنف: (البحر) هو: (الفرس الجواد الواسع الجري)، وهو مجاز. قال نفطويه: إنّما شبّه الفرس ب «البحر» !! لأنّه أراد أنّ

ص: 711

و (يقطف) : يقال قطف الفرس في مشيه: إذا تضايق خطوه.

و (القطوف من الدّوابّ وغيرها) : البطيء.

جريه كجري ماء البحر، أو لأنّه يسبح في جريه؛ كالبحر إذا ماج فعلا بعض مائه على بعض.

وفي «الخصائص» لابن جني: الحقيقة: ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان بضدّ ذلك.

وإنّما يقع المجاز، ويعدل إليه عن الحقيقة!! لمعان ثلاثة؛ وهي 1- الاتساع، و 2- التوكيد، و 3- التشبيه، فإن عدمت الثلاثة؟! تعيّنت الحقيقة،

فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «هو بحر» فالمعاني الثلاثة موجودة فيه؛

أمّا الاتساع!! فلأنّه زاد في أسماء الفرس التي هي فرس وطرف وجواد، ونحوها البحر، حتّى إنه إن احتيج إليه في شعر؛ أو سجع، أو اتساع؛ استعمل استعمال بقية تلك الأسماء، لكن لا يفضى إلى ذلك إلّا بقرينة تسقط الشبهة، وذلك كأن يقول الساجع: فرسك إن سما بغرّته كان فجرا، وإن جرى إلى غايته كان بحرا. فإن عري عن دليل؟! فلا، لئلا يكون إلباسا وإلغازا.

وأمّا التشبيه!! فلأنّ جريه يجري في الكثرة مثل مائه.

وأمّا التوكيد!! فلأنّه شبّه العرض بالجوهر، وهو أثبت في النفوس منه.

انتهى شرح «القاموس» .

(و «يقطف» ) - بكسر الطاء وضمّها؛ أي من بابي «قتل» و «ضرب» : أي يضيق خطوه عند المشي. ودليله أنّه (يقال: قطف الفرس في مشيه: إذا تضايق خطوه) وأسرع مشيه.

(و) في «المصباح» : قال الفارابيّ: (القطوف) - بزنة رسول-: (من الدّوابّ وغيرها: البطيء) . وقال ابن القطّاع: قطف الدابّة: أعجل سيرها مع

ص: 712

.........

تقارب الخطو، وفي «التوشيح» : القطوف المتقارب الخطو، وقيل: الضيق المشي. انتهى زرقاني، و «مصباح» .

وفي الحديث بيان شجاعته صلى الله عليه وسلم من شدّة عجلته في الخروج إلى العدوّ قبل النّاس كلّهم، بحيث كشف الحال؛ ورجع قبل وصول الناس.

وفيه بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعا؛ بعد أن كان بطيئا، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام «وجدناه بحرا» أي: واسع الجري.

وفيه جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدوّ ما لم يتحقّق الهلاك.

وفيه جواز العارية، وجواز الغزو على الفرس المستعار لذلك.

وفيه استحباب تقلّد السيف في العنق، واستحباب تبشير الناس بعدم الخوف إذا ذهب. انتهى؛ قاله الإمام النّوويّ في «شرح مسلم» رحمهما الله تعالى. آمين.

ص: 713

.........

وههنا انتهى الجزء الثاني من كتاب «منتهى السّول» ؛ شرح «وسائل الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم» على يد مؤلّفه الفقير إلى عفو الله عز وجل:

عبد الله بن سعيد محمد عبادي اللّحجي الحضرمي الشحاري، المدرّس بالمدرسة الصولتية، وبالمسجد الحرام بمكّة المكرّمة،

وكان ذلك في مجالس آخرها عصر يوم الثلاثاء الموافي 14/ 1/ 1397: أربع عشرة، شهر محرم الحرام سنة: سبع وتسعين وثلثمائة وألف هجرية.

كتبه مؤلفه لنفسه، ولمن شاء الله من بعده؛ عبد الله سعيد اللّحجي المدرّس بالمسجد الحرام المكّي، وبالمدرسة الصولتية، عفا الله عنه ووفّقه لما يرضاه، وجعله ممن يخافه ويخشاه، وبلغه مراده وأحسن ختامه بفضله ومنّه، إنّه ذو الفضل العظيم،

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله ربّ العالمين، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم. آمين.

ص: 714