المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الفصل الرابع في صفة فاكهته صلى الله عليه وسلم] - منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول - جـ ٢

[عبد الله عبادى اللحجى]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثاني

- ‌[الباب الرّابع في صفة أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وشربه

- ‌[الفصل الأوّل في صفة عيشه صلى الله عليه وسلم وخبزه]

- ‌[الفصل الثّاني في صفة أكله صلى الله عليه وسلم وإدامه]

- ‌[الفصل الثّالث في ما كان يقوله صلى الله عليه وسلم قبل الطّعام وبعده]

- ‌[الفصل الرّابع في صفة فاكهته صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الفصل الخامس في صفة شرابه صلى الله عليه وسلم وقدحه]

- ‌[الفصل السّادس في صفة نومه صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الباب الخامس في صفة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلمه، وعشرته مع نسائه، وأمانته، وصدقه، وحيائه، ومزاحه، وتواضعه، وجلوسه، وكرمه، وشجاعته]

- ‌[الفصل الأوّل في صفة خلقه صلى الله عليه وسلم وحلمه]

- ‌[الفصل الثّاني في صفة عشرته صلى الله عليه وسلم مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ]

- ‌[الفصل الثّالث في صفة أمانته صلى الله عليه وسلم وصدقه]

- ‌[الفصل الرّابع في صفة حيائه صلى الله عليه وسلم ومزاحه]

- ‌[الفصل الخامس في صفة تواضعه صلى الله عليه وسلم وجلوسه واتّكائه]

- ‌[الفصل السّادس في صفة كرمه صلى الله عليه وسلم وشجاعته]

- ‌[فهرسة الجزء الثاني من كتاب منتهى السّول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم]

الفصل: ‌[الفصل الرابع في صفة فاكهته صلى الله عليه وسلم]

[الفصل الرّابع في صفة فاكهته صلى الله عليه وسلم]

الفصل الرّابع في صفة فاكهته صلى الله عليه وسلم (الفصل الرّابع) من الباب الرّابع (في) بيان الأخبار الواردة في (صفة فاكهته صلى الله عليه وسلم والفاكهة: ما يتفكّه، أي: يتنعّم ويتلذّذ بأكله رطبا كان؛ أو يابسا كتين وبطيخ وزبيب ورطب ورمان، ومنه الفكاهة- بالضّمّ- للمزاح؛ لانبساط النّفس، وتفكّه بالشّيء: تمتّع به. وتفكّه: أكل الفاكهة، وقوله تعالى فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68)[الرحمن] .

قال أهل اللّغة: إنّما خصّ ذلك بالذّكر!! لأنّ العرب تذكر الأشياء مجملة، ثمّ تخص منها شيئا بالتّسمية؛ تنبيها على فضل فيه، ومنه قوله تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [7/ الأحزاب] وكذلك مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [98/ البقرة] . فكما أنّ إخراج محمّد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى من النّبيين، وإخراج جبريل وميكائيل من الملائكة ممتنع؛ كذلك إخراج النّخل والرّمّان من الفاكهة ممتنع.

قال الأزهري: ولا أعلم أحدا من العرب قال: النّخل والرّمّان ليسا من الفاكهة» ، ومن قال ذلك من الفقهاء!! فلجهله بلغة العرب وبتأويل القرآن «1» .

وكما يجوز ذكر الخاص بعد العام للتّفضيل؛ كذلك يجوز ذكر الخاصّ قبل

(1) وحجّة من قال من الفقهاء أنّ الرّمان والتمر ليسا من الفاكهة؛ هو العطف، ولأن التمر فاكهة وغذاء، والرّمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا لتفكّه، وعلى هذا القول بعض الفقهاء، وأما عامة المفسرين وأهل اللّغة فعلى أنّ التمر والرّمان من جملة الفواكه، وإنما فصلهما بالذكر: للتخصيص والتفضيل. كقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [98/ البقرة] .

ص: 222

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ الرّطب بيمينه، والبطّيخ بيساره؛ ويأكل الرّطب بالبطّيخ، وكان أحبّ الفاكهة إليه.

وكان صلى الله عليه وسلم يأكل الرّطب، ويلقي النّوى على الطّبق.

العامّ للتفضيل، قال تعالى وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)[الحجر] . انتهى «مصباح» .

أخرج الطّبراني في «الأوسط» ، وأبو نعيم في «الطب» ، وأبو الشيخ في «الأخلاق» ، والحاكم في «الأطعمة» ؛ من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، بسند ضعيف قال:

(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل رطبا وبطّيخا معا (يأخذ الرّطب بيمينه) ؛ أي:

بيده اليمين، (والبطّيخ بيساره؛ ويأكل الرّطب بالبطّيخ) للتّعديل.

(وكان) أي: البطّيخ (أحبّ الفاكهة إليه)، وفيه: جواز الأكل باليدين جميعا.

ويشهد له ما رواه الإمام أحمد؛ عن عبد الله بن جعفر قال:

آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى يديه رطبات، وفي الآخرى قثّاء؛ فيأكل بعضا من هذه وبعضا من هذه.

لكن لا يلزم منه لو ثبت أكله بشماله، فلعلّه كان يأخذ بيده اليمنى من الشّمال فيأكلها مع ما في يمينه، إذ لا مانع من ذلك!!.

وأمّا أكله البطّيخ بالسّكّر!! فلم أر له أصلا إلّا في خبر معضل ضعيف. رواه النّوقاتي: وأكله بالخبز، لا أصل له، إنّما ورد في أكل العنب بالخبز حديث رواه ابن عدي بسند ضعيف؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قاله جميعه الحافظ زين الدّين العراقي رحمه الله تعالى.

(و) أخرج الحاكم في «مستدركه» ؛ «باب الأطعمة» ، وقال: على شرطهما، وأقره الذّهبي؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال:

(كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الرّطب؛ ويلقي النّوى على الطّبق) ، يعارضه

ص: 223

وكان صلى الله عليه وسلم يأكل البطّيخ بالرّطب، ويقول:

«يكسر حرّ هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحرّ هذا» .

حديث: نهى أن تلقى النّواة على الطّبق الّذي هو يؤكل منه الرّطب والتّمر.

ولعلّ المراد هنا الطّبق الموضوع تحت إناء الرّطب؛ لا الطّبق الّذي فيه الرّطب، فإن وضعه مع الرطب في إناء واحد ربما تعافه النّفوس؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى.

(و) أخرج أبو داود في «الأطعمة» ، والبيهقيّ كلاهما؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت:(كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل البطّيخ) - بتقديم الباء على الطّاء، وبتقديم الطّاء على الباء الطّبّيخ؛ لغة في البطيخ بوزنه، وكلاهما روايتان ثابتتان في الحديث- والمراد به: الأصفر، بدليل ثبوت لفظ الخربز بدل البطّيخ في الرّواية الآتية، وكان يكثر وجوده بالحجاز، بخلاف الأخضر.

وقال ابن القيّم: المراد الأخضر. قال زين الحفّاظ العراقي، وفيه نظر.

والحديث دالّ على أنّ كلّ واحد منهما فيه حرارة وبرودة، لأنّ الحرارة في أحدهما والبرودة في الآخر.

قال بعض الأطبّاء: البطّيخ بارد رطب، فيه جلاء، وهو أسرع انحدارا إلى المعدة من القثّاء والخيار، وهو سريع الاستحالة إلى أي خلط صادفه في المعدة، وإذا أكله محرور نفعه جدا، وإذا كان مبرودا عدّله بقليل زنجبيل. أو يفعل كما كان صلى الله عليه وسلم يعدّله (بالرّطب) : ثمر النّخل إذا أدرك قبل أن يتتمّر؛ (ويقول: «يكسر حرّ هذا) أي: الرّطب (ببرد هذا)، أي: البطّيخ، (وبرد هذا بحرّ هذا» ) . قال الزرقاني: كذا وقع للمصنّف- يعني القسطلّانيّ-: ببرد

بحرّ- بالباء فيهما- تبعا لشيخه في «المقاصد» ؛ تبعا لشيخه في «الفتح» !! فيحتمل أن أوّله [نكسر] بنون مبنيّ للفاعل، وأنّه [يكسر] بتحتيّة مبنيّ للمجهول. وساقه «الجامع» بدون موحّدة فيها، وكل عزاه لأبي داود. انتهى.

ص: 224

وكان صلى الله عليه وسلم يأكل البطّيخ بالخبز وبالسّكّر،

قال ابن القيّم: وهذا من تدبير الغذاء الحافظ للصّحّة، لأنّه إذا كان في أحد المأكولين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل كسرها وعدّلها بضدّها. انتهى.

قيل: وأراد البطّيخ قبل النّضج، فإنّه بعده حارّ رطب.

قال ابن القيّم: في البطّيخ عدّة أحاديث لا يصحّ منها شيء غير هذا الحديث.

انتهى. نقله المناوي. وقال في «المواهب» : وأمّا فضائل البطّيخ فأحاديثه باطلة، وإن أفرده النّوقاتي في جزء؛ كما قاله الحفّاظ، والله أعلم.

وقد كان محمد بن أسلم الطوسي، العالم الرّباني، الزّاهد الورع، المقتدي بالآثار، الذي وصفه ابن المبارك بأنّه ركن من أركان الإسلام، كان لا يأكل البطّيخ تورّعا؛ لأنّه لم ينقل كيفيّة أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم له، أي: هل بقشره ولبه؛ أو بدونهما. فلعلّ هذا مراده!! وإلّا! فقد ورد كيفيّة جمعه بين الرّطب والقثّاء أو البطّيخ؛ فيما رواه الطّبراني في «الأوسط» من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: رأيت في يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم قثّاء وفي شماله رطبا، وهو يأكل من ذا مرّة، ومن ذا مرّة!!. وفي سنده ضعف.

وقد تقدّم حديث أنس في أول هذا الفصل، وأنّه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الرّطب بيمينه والبطّيخ بيساره، فيأكل الرّطب بالبطّيخ، وكان البطّيخ أحبّ الفاكهة إليه.

(و) في «الإحياء» : (كان صلى الله عليه وسلم يأكل البطّيخ بالخبز) . قال العراقي: لم أره! وإنّما وجدت أكله العنب بالخبز، في حديث عائشة عند ابن عدي بسند ضعيف.

(و) يأكل تارة (بالسّكّر)، قال العراقيّ: إن أريد بالسّكّر نوع من التّمر والرّطب مشهور! فهو الحديث الآتي بعده. وإن أريد بالسّكّر الذي هو بطبرزد!! فلم أر له أصلا إلّا في حديث منكر معضل، رواه أبو عمر النّوقاتي في كتاب «البطيخ» ، من رواية محمد بن علي بن الحسين: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أكل بطّيخا بسكّر، وفيه موسى بن إبراهيم المروزي؛ كذبه يحيى بن معين. انتهى.

ص: 225

وربّما أكله بالرّطب، ويستعين باليدين جميعا.

قلت: قال في «المصباح» : السّكّر نوع من الرّطب شديد الحلاوة؛ قال أبو حاتم في كتاب «النخلة» : نخل السّكر، الواحدة سكّرة.

وقال الأزهري: التّمر نخل السّكّر وهو معروف عند أهل البحرين، فإن كان المراد بالسّكّر هنا هو الطّبرزدي؛ فيتعيّن أن يكون المراد بالبطّيخ هو الأصفر، فإنّه الذي يؤكل به؛ مع احتمال إرادة الأخضر، إلّا أنّ ابن حجر ذكر في «شرح الشّمائل» أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم ير السّكّر، وما ورد بأنّه حضر ملاك بعض الأنصار فنثر على العروس بالسّكّر واللّوز!! فلا أصل له. انتهى؛ جميعه من «شرح الإحياء» .

(وربّما أكله بالرّطب) . قال الحافظ العراقي:

رواه التّرمذي والنّسائي من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وحسنه الترمذي ولابن ماجه من حديث سهل بن سعد: كان يأكل الرّطب بالبطيخ وهو عند الدّارمي بلفظ: البطيخ بالرّطب وروى ابن عدي من حديث عائشة رضي الله عنها: كان أحبّ الفاكهة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرّطب والبطّيخ. وهو ضعيف. انتهى.

قلت: ورواه الطّبراني في «الكبير» ؛ من حديث عبد الله بن جعفر بلفظ:

كان يأكل البطّيخ بالرّطب. وروى الطّيالسي؛ من حديث جابر بسند حسن:

كان يأكل الخربز بالرّطب، ويقول:«هما الأطيبان» . وهذا يؤيّد قول من قال: إنّ المراد بالبطّيخ هو الأصفر. انتهى من «شرح الإحياء» .

(ويستعين باليدين جميعا)، قال العراقي: رواه الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن جعفر قال: آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى يديه رطبات، وفي الآخرى قثّاء يأكل من هذه، ويعض من هذه.

وتقدم حديث أنس السّابق أوّل الفصل، في أكله بيديه.

وروى الطّبراني في «الأوسط» ؛ من حديث عبد الله بن جعفر: رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم في يمينه قثّاء وفي شماله رطب، وهو يأكل من ذا مرّة ومن ذا مرّة. وسنده ضعيف.

ص: 226

وأكل يوما الرّطب في يمينه، وكان يحفظ النّوى في يساره، فمرّت شاة، فأشار إليها بالنّوى، فجعلت تأكل من كفّه اليسرى وهو يأكل بيمينه حتّى فرغ، وانصرفت الشّاة.

وعن أنس رضي الله تعالى عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الخربز والرّطب.

و (الخربز) : البطّيخ الأصفر.

(وأكل) صلى الله عليه وسلم (يوما الرّطب في يمينه؛ وكان يحفظ النّوى في يساره، فمرّت) به (شاة فأشار إليها بالنّوى؛ فجعلت تأكل من كفّه اليسرى وهو يأكل بيمينه حتّى فرغ، وانصرفت الشّاة)، قال العراقي: هذه القصّة رويناها في «فوائد أبي بكر الشّافعي» من حديث أنس بإسناد ضعيف. انتهى.

(و) أخرج النّسائيّ والتّرمذيّ في «الشمائل» ؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الخربز والرّطب) .

وأخرج الطّيالسي بسند حسن؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الخربز بالرّطب؛ ويقول: «هما الأطيبان» .

وأخرجه أبو الشّيخ أيضا.

(والخربز) - بكسر الخاء المعجمة وسكون الرّاء وكسر الموحّدة، بعدها زاي- (: البطّيخ) بالفارسيّة، والمراد به:(الأصفر) ؛ لا الأخضر كما وهم؛ لأنّه المعروف بأرض الحجاز.

واستشكل بأنّ الغرض التّعديل بين برودة البطّيخ وحرارة الرّطب- كما علمت- والأصفر حارّ، والبارد إنّما هو الأخضر، فالأصفر ليس بمناسب هنا!!.

وأجيب بأنّ المراد الأصفر غير النّضيج، فإنّه غير حارّ، والحارّ ما تناهى نضجه، وليس بمراد؛ كما ذكره بعض شرّاح «المصابيح» . انتهى «باجوري» .

ص: 227

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل القثّاء بالرّطب.

قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أرادت أمّي معالجتي للسّمنة لتدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فما استقام لها ذلك حتّى أكلت الرّطب بالقثّاء، فسمنت عليه كأحسن سمنة. أخرجه ابن ماجه،

(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والتّرمذي في «الجامع» و «الشمائل» ؛ عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه قال:

(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل القثّاء) - بكسر القاف وتشديد المثلّثة ممدودا-: نوع من الخيار، وقيل: هو اسم جنس لما يشمل الخيار والعجّور والفقّوس؛ واحدته قثّاءة. (بالرّطب)، أي: مصحوبا معه دفعا لضرر كلّ منهما، وإصلاحا له بالآخر.

وفي «الصّحيحين» : عن عبد الله بن جعفر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الرّطب بالقثّاء.

والفرق بينهما: أنّ المقدّم أصل في المأكول كالخبز، والمؤخّر كالإدام.

ومن فوائد أكل هذا المركّب المعتدل تعديل المزاج وتسمين البدن؛

فقد (قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أرادت أمّي معالجتي للسّمنة لتدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما استقام لها ذلك) .

وفي رواية: فلم أقبل عليها بشيء ممّا تريد (حتّى أكلت) .

وفي رواية: حتّى أطعمتني (الرّطب بالقثّاء، فسمنت عليه كأحسن سمنة.

أخرجه) أبو داود، و (ابن ماجه) - بسكون الهاء وصلا ووقفا؛ لأنّه اسم أعجمي- وهو لقب ليزيد «والد الإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، صاحب «السّنن» ، وتقدمت ترجمته.

ص: 228

ورواه النّسائيّ: بإبدال (التّمر) مكان (الرّطب) .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل القثّاء بالرّطب وبالملح. وكان أحبّ الفواكه الرّطبة إليه [صلى الله عليه وسلم] :

الرّطب والعنب.

(ورواه) الحافظ أبو عبد الرحمن؛ أحمد بن شعيب (النّسائيّ) نسبة إلى «نسأ» مدينة مثل سبأ، كما قال:

والنّسئيّ نسبة لنسإ

مدينة في الوزن مثل سبإ

عنها رضي الله تعالى عنها قالت: لما تزوجني النّبيّ صلى الله عليه وسلم عالجوني بكلّ شيء؛ فأطعموني القثّاء بالتّمر، فسمنت عليه كأحسن الشّحم.

(بإبدال التّمر مكان الرّطب) ، وإبدال الشّحم مكان السّمنة، وهو من اختلاف الرّواة لاتّحاد المخرج، وعند أبي نعيم في «الطب» عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر أبويها بذلك.

(و) في «الإحياء» و «كشف الغمّة» : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل القثّاء بالرّطب) ، وقد مرّ تخريجه قريبا؛ من حديث عبد الله بن جعفر.

ورواه الطّبراني في «الأوسط» بلفظ: رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم في يمينه قثّاء وفي شماله رطب، وهو يأكل من ذا مرّة ومن ذا مرّة، وسنده ضعيف، وقد تقدّم.

(و) كان صلى الله عليه وسلم يأكل القثّاء (بالملح) ؛ لكونه يدفع ضرره.

قال العراقي: رواه أبو الشّيخ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وفيه يحيى بن هاشم! كذّبه ابن معين وغيره، ورواه ابن عدي وفيه عباد بن كثير، متروك. انتهى.

(وكان) صلى الله عليه وسلم (أحبّ الفواكه الرّطبة إليه: الرّطب) كذا في «كشف الغمّة» .

وفي «الإحياء» بدل الرّطب البطّيخ، (والعنب) .

قال العراقي: روى أبو نعيم في «الطب النّبوي» من رواية أمية بن زيد العبسي

ص: 229

وكان صلى الله عليه وسلم يأكل العنب خرطا؛ يرى رؤاله على لحيته كخرز اللّؤلؤ.

أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يحبّ من الفاكهة العنب والبطّيخ. وروى ابن عدي من حديث عائشة:

«فإنّ خير الفاكهة العنب» ، وسنده ضعيف. انتهى.

(و) أخرج الطّبراني في «الكبير» ، والعقيلي في «الضعفاء» ، وأبو بكر الشّافعي في «الغيلانيات» : كلهم؛ من حديث داود بن عبد الجبّار عن أبي الجارود؛ عن حبيب بن يسار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:

(كان) رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل العنب خرطا) ، يقال: خرط العنقود واخترطه: إذا وضعه في فيه فأخذ حبّه، وأخرج عرجونه عاريا. وفي رواية- ذكرها ابن الأثير-: خرصا- بالصّاد بدل الطّاء- أي: من غير عدد.

لكن قال أبو جعفر العقيلي- بعد ما روى هذا الحديث في «كتاب الضعفاء والمتروكين» -: لا أصل لهذا الحديث، وداود ليس بثقة، ولا يتابع عليه.

وقال البخاري: داود منكر الحديث. وفي «الميزان» للذّهبي؛ عن النّسائي: إنّه متروك.

وأخرجه البيهقي في «الشّعب» من طريقين؛ ثمّ قال: ليس فيه إسناد قويّ، ورواه ابن عدي من طريق آخر؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.

وقال العراقي: طرقه كلّها ضعيفة. وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» .

وأقرّه السّيوطي في «مختصرها» ؛ فلم يتعقّبه، إلّا بأنّ الزّين العراقي اقتصر على تضعيفه، لكن قال في «شرح الإحياء» : لم يصب ابن الجوزي في كونه موضوعا، بل هو ضعيف، وقال الزرقاني على «المواهب» : ونوزع بأنّه ضعيف جدّا؛ لا موضوع. والله أعلم.

(يرى رؤاله على لحيته كخرز اللّؤلؤ) ، هذه الزّيادة موجودة في «الإحياء» ؛

ص: 230

ورؤاله «1» : ماؤه الّذي يتقطّر منه.

وعن الرّبيّع بنت معوّذ ابن عفراء رضي الله تعالى عنها قالت:

بعثني معاذ

ولم يتكلّم عليها شارحه!! ( [والرّؤال] ) - بالضمّ- (: ماؤه الّذي يتقطّر منه) كما فسّره في «الإحياء» .

(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» ؛ (عن الرّبيّع) - براء مضمومة فموحّدة مفتوحة فتحتيّة مكسورة مشدّدة، وآخره عين مهملة على صيغة التصغير-

(بنت معوّذ) - بضمّ الميم وفتح العين المهملة، وكسر الواو وبعدها ذال معجمة؛ على صيغة الفاعل، هذا هو المشهور.

(ابن عفراء) - بعين مهملة مفتوحة، ثمّ فاء ساكنة ثمّ راء ثمّ ألف ممدودة؛ كحمراء- اسم أمه هي عفراء بنت عبيد بن ثعلبة النجاريّة، من صغار الصّحب، وأبوها من أكابرهم قتل يوم بدر، روى له السّتّة.

وعفراء هذه لها خصيصة لا توجد لغيرها، وهي أنّها تزوّجت بعد الحارث البكير بن ياليل اللّيثي، فولدت له أربعة: إياسا وعاقلا وخالدا وعامرا، وكلّهم شهدوا بدرا، وكذلك إخوتهم لأمّهم بنو الحارث، فانتظم من هذا أنّها امرأة صحابيّة لها سبعة أولاد؛ شهدوا كلّهم بدرا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى؛ ذكره في «الإصابة» .

واشتهر معوّذ باسم أمّه. واسم أبيه: الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد، ومعوّذ لم يرو له شيء، وهو أحد الّذين قتلوا أبا جهل بن هشام عدو الله يوم بدر.

وأمّا الرّبيّع؛ فهي ممّن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة بيعة الرّضوان، روى عنها أهل المدينة (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:

بعثني معاذ) بن عفراء، «وهو عمّها» ، اشترك هو وأخوه معوّذ بن عفراء في

(1) في «وسائل الوصول» : ورؤاله.

ص: 231

بقناع من رطب، وعليه أجر من قثّاء زغب.

وكان صلى الله عليه وسلم يحبّ القثّاء، فأتيته به وعنده حلية قد قدمت عليه من البحرين،

قتل أبي جهل ببدر، وتمّ أمر قتله على يد ابن مسعود بأن حزّ رقبته وهو مجروح مطروح يتكلّم، حتّى قال له: لقد ارتقيت مرتقى صعبا؛ يا رويعي الغنم.

(بقناع) - بكسر القاف وتخفيف النّون- أي: بطبق يهدى عليه، وسمّي الطبق قناعا!! لأنّه أقنعت أطرافه إلى داخل أي: عطفت. انتهى «مناوي» .

(من رطب) بيان لجنس ما فيه؛ (وعليه) أي: على ذلك القناع (أجر) - بفتح الهمزة وسكون الجيم وكسر الرّاء منوّنة-؛ جمع جر وبتثليث أوّله- وهو الصّغير من كلّ شيء؛ حيوانا كان أو غيره-.

(من قثّاء) - بمثلّثة مشدّدة- (زغب) - بضمّ الزّاي وسكون المعجمة-: جمع أزغب، كأحمر وحمر، من الزّغب- بالفتح-: صغار الرّيش أوّل ما يطلع نبته، وصف به القثّاء تشبيها لزبره الّذي هو عليه بالرّيش الصّغير، روي مرفوعا على أنّه صفة لأجر، ومجرورا على أنّه صفة لقثّاء، قال شارح «

» «1» : والأوّل أظهر.

قال الزّمخشري عن بعضهم: كنت أمرّ في بعض طرقات المدينة فإذا أنا بحمّال على رأسه طن، فقال: أعطني ذلك الجرو، فتبصّرت فلم أر كلبا؛ ولا جروا!! فقلت: ما هنا جرو، فقال: أنت عراقيّ، أعطني تلك القثّاءة.

(وكان صلى الله عليه وسلم يحبّ القثّاء)، أي: مع الرّطب، كما يؤيّده ما سبق من جمعه صلى الله عليه وسلم بينهما، (فأتيته به)، أي: بالقثّاء، (وعنده حلية)، أي: والحال أنّ عنده حلية- بكسر أو فتح فسكون-: اسم لما يتزيّن به من نقد وغيره.

(قد قدمت عليه) - بكسر الدّال؛ كعلمت، أي: وصلت إليه تلك الحلية- (من) خراج (البحرين) على لفظ التّثنية: إقليم بين البصرة وعمان، وهو من بلاد

(1) هكذا في الأصل.

ص: 232

فملأ يده منها، فأعطانيه.

قوله (أجر) - جمع جرو- وهو: الصّغير من كلّ شيء. وهنا:

الصّغير من القثّاء.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بباكورة الثّمرة

نجد، ويعرب إعراب المثنّى، ويجوز أن تجعل النّون محل الإعراب مع لزوم الياء مطلقا؛ وهي لغة مشهورة، واقتصر عليها الأزهري؛ لأّنه صار علما مفرد الدّلالة؛ فأشبه المفردات، والنّسبة إليه بحرانيّ.

(فملأ يده)، أي: إحدى يديه؛ لا كلتا يديه، ولو أريد ذلك لقيل يديه، فالحمل على اليدين معا بعيد. (منها) ؛ أي: من تلك الحلية، (فأعطانيه)، أي: لعظيم سخائه صلى الله عليه وسلم وفيه كمال المناسبة، فإنّ الأنثى يليق بها الحلية.

(قوله: أجر) - بفتح الهمزة فسكون الجيم فراء منوّن مكسورة: (جمع جرو) مثلّث الجيم- (وهو الصّغير من كلّ شيء) حتى الحنظل والبطّيخ ونحوه.

(و) المراد (هنا الصّغير من القثّاء)، وقيل: الرّمّان، وقيل: المراد هنا القثّاء مطلقا.

(و) أخرج ابن السّنّي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والحكيم التّرمذي في «نوادر الأصول» ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه، والطّبراني في «الكبير» و «الصغير» ؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- ورجال «الصغير» رجال الصّحيح؛ كما قاله الهيثمي-:

(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي) - بالبناء للمجهول- أي: جيء له (بباكورة الثّمرة) - بالثّاء المثلّثة- أي: أوّل ما يدرك من الفاكهة بحيث يصلح للأكل منها، قال أبو حاتم: الباكورة، هي أوّل كلّ فاكهة، ما عجل الإخراج. وابتكرت

ص: 233

وضعها على عينيه، ثمّ على شفتيه، وقال:«اللهمّ؛ كما أريتنا أوّله.. فأرنا آخره» ، ثمّ يعطيه من يكون عنده من الصّبيان.

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان النّاس إذا رأوا أوّل الثّمر

الفاكهة: أكلت باكورتها، ونخلة باكورة، وباكور، وبكور: أثمرات قبل غيرها؛ قاله المناوي.

(وضعها على عينيه ثمّ على شفتيه) ؛ جبرا لخاطر من أتى بها، وسرورا بها لقرب عهدها بتكوين الله تعالى، كما كان يخرج يغتسل من ماء المطر، ويقول:

«إنّه قريب عهد بربّه» ، أي: بتكوينه.

(وقال) في دعائه: ( «اللهمّ؛ كما أريتنا أوّله فأرنا آخره» )، أي: فأبقنا حتّى نرى آخره، وكان القياس أوّلها وآخرها، لكنه ذكره على إرادة النّوع، فيسنّ لنا قول ذلك الذّكر.

(ثمّ يعطيه من يكون عنده من الصّبيان) ؛ إيثارا على نفسه، وهو سيّد من يؤثر على نفسه!! وخصّ الصّبيان بالإعطاء! لكونهم أرغب فيه، ولكثرة تطلّعهم إلى ذلك، ولما بينهما من المناسبة في حداثة الانفصال عن الغيب.

فإن لم يكن عنده صبيان حينئذ احتمل أنّه يعطيه نحو الرّجال، وأن يدّخره للصّبيان إلى أن يأتوا، واحتمل أن يأكله؛ والله أعلم.

(و) أخرج مسلم في «صحيحه» ، والتّرمذي في «الجامع» و «الشّمائل» ، والنّسائي، وابن ماجه، وابن السّنّي في «عمل اليوم والليلة» بألفاظ مختلفة بالزّيادة والنّقص- وهذا لفظ «الشّمائل» - كلّهم يروونه؛

(عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: كان النّاس إذا رأوا أوّل الثّمر) - بالثّاء المثلّثة والميم المفتوحتين- ويسمّى الباكورة، أي: باكورة كلّ فاكهة.

قال ابن علّان: وظاهر أنّ المراد منه ثمر النّخل؛ لأنّه الّذي كان حينئذ بالمدينة.

ص: 234

جاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. قال: «اللهمّ؛ بارك لنا في ثمارنا، [وبارك لنا في مدينتنا] ، وبارك لنا في صاعنا، وفي مدّنا

(جاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إيثارا له على أنفسهم حبّا له وتعظيما لجنابه، ونظرا إلى أنه أولى النّاس بما سيق إليهم من الرّزق.

قال العلماء: كانوا يفعلون ذلك رغبة في دعائه صلى الله عليه وسلم بالبركة في الثّمر والمدينة والصاع والمدّ، وطلبا لمزيد استدرار بركته فيما تجدّد عليهم من النّعم؛ وفي الحديث: أنّه يستحبّ الإتيان بالباكورة لأكبر القوم علما وعملا.

(فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) مستقبلا للنّعمة المجددة بالتضرّع والمسألة والتوجّه والإقبال التّام إلى المنعم الحقيقي؛ طلبا لمزيد الإنعام، على وجه يعمّ الخاصّ والعامّ (: «اللهمّ؛ بارك لنا في ثمارنا) أي: زد فيها الخير بالنّموّ والحفظ من الآفات.

( [وبارك لنا في مدينتنا] ) بكثرة الأرزاق وبقائها على أصلها وإقامة شعائر الإسلام، وإظهاره على غاية لا توجد في غيرها، (وبارك لنا في صاعنا، و) بارك لنا (في مدّنا) - بضمّ الميم وتشديد الدّال المهملة- بحيث يكفي صاعنا ومدّنا من لا يكفيه صاع غيرنا ومدّه.

فالمراد به الطّعام الّذي يكال بالصّيعان والأمداد، فيكون دعاء لهم بالبركة في أقواتهم.

قال القاضي عياض: البركة تكون:

1-

بمعنى النّماء والزّيادة، وتكون بمعنى الثّبات واللّزوم.

و2- يحتمل أن تكون البركة المذكورة في الحديث دينيّة؛ وهي ما يتعلّق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزّكاة والكفّارات. فتكون بمعنى الثّبات والبقاء لها؛ كبقاء الحكم ببقاء الشّريعة وثباتها.

ص: 235

.........

و3- يحتمل أن تكون دنيويّة من تكثير الكيل والقدر بها، حتى يكفي منه في المدينة ما لا يكفي منه في غيرها.

أو 1- ترجع البركة إلى التصرّف بها في التجارات وأرباحها.

أو 2- إلى كثرة ما يكال بها من غلّاتها وثمارها، أو ترجع إلى الزّيادة فيما يكال بها؛ لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه، لما فتح الله عليهم ووسّع من فضله لهم، وملّكهم من بلاد الخصب والرّيف بالشّام والعراق ومصر وغيرها، حتّى كثر الحمل إلى المدينة واتّسع عيشهم، وصارت هذه البركة في الكيل نفسه، فزاد مدّهم مثل مدّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مرّتين أو مرّة ونصفا.

ولا مانع من إرادة إحاطة البركة بالكلّ، وفي هذا كلّه ظهور إجابة دعاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقبوله.

واختار النّووي من تلك التوجيهات: البركة في نفس مكيل المدينة، بحيث يكفي المدّ فيها لمن لا يكفيه في غيرها كما تقدّم.

وقال القرطبي: إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدّعوة، ولا يلزم دوامها في كلّ حين ولكلّ شخص. انتهى. ذكره في «جمع الوسائل» .

وقدّم الثّمار في الدّعاء!! قضاء لحق المقام، إذ هو مستدع لذلك، ثمّ ذكر الصّاع والمدّ؛ اهتماما بشأنهما؛ ففي كلامه إجمال بعد تفصيل، وتفصيل بعد إجمال، وهو من اللّطائف.

والصّاع: مكيال معروف، وصاع المصطفى صلى الله عليه وسلم الّذي بالمدينة المشار إليه هنا: أربعة أمداد، وذلك خمسة أرطال وثلث بالبغدادي.

وأمّا قول أبي حنيفة بأنّه ثمانية أرطال! فهو ممنوع بأنّ الزيادة عرف طارىء على عرف الشّرع، ولذلك لما اجتمع أبو يوسف بمالك رضي الله تعالى عنه بالمدينة المنورة حين حجّ مع الرّشيد، فقال أبو يوسف: الصّاع ثمانية أرطال. فقال

ص: 236

اللهمّ؛ إنّ إبراهيم عبدك، وخليلك، ونبيّك، وإنّي عبدك، ونبيّك، وإنّه دعاك لمكّة، وإنّي أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكّة ومثله معه» .

قال: ثمّ يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثّمر.

مالك: صاع المصطفى صلى الله عليه وسلم خمسة أرطال وثلث، فأحضر مالك جماعة شهدوا بقوله، فرجع أبو يوسف عن قوله.

والمدّ: رطل وثلث، فهو ربع صاع؛ قاله المناوي.

(اللهمّ؛ إنّ إبراهيم عبدك، وخليلك، ونبيّك) ، والغرض من ذلك التوسّل في قبول دعائه بعبوديّة أبيه إبراهيم وخلّته ونبوّته؛ (وإنّي عبدك، ونبيّك) ، الغرض من ذلك التوسّل في قبول دعائه بعبوديّته ونبوّته.

وقدّم الأولى! لأّنّه لا شرف أعلى منها ولم يقل «وخليلك» وإن كان خليلا؛ كما ورد في عدّة أخبار!! لأنّه خصّ بمقام المحبّة الأرفع من مقام الخلّة، أو أدبا مع أبيه الخليل، مع كونه أشار إلى تميّزه عليه بقوله:«ومثله معه» ! على أنّ إبراهيم لم يبتد حرمة مكة بل أظهرها، وأمّا نبيّنا؛ فأوجد حرمة المدينة، إذ لم يكن بها قبل دعائه وحلوله بها ذلك الاحترام، وشتّان بين من كان سببا لإظهار موجود لكنّه كامن خفي، ومن كان سببا لإنشاء تعظيم وتحريم!!

(وإنّه دعاك لمكّة) بقوله فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [37/ إبراهيم] فاكتفى صلى الله عليه وسلم بدعاء إبراهيم لها ولم يدع لها مع كونها وطنه.

(وإنّي أدعوك للمدينة) المنوّرة (بمثل ما دعاك به لمكّة ومثله معه)، أي:

مثل ذلك المثل، أي: أدعوك ضعف ما دعاك به إبراهيم لمكّة.

(قال) أي أبو هريرة (: ثمّ يدعو)، أي: ينادي (أصغر وليد يراه)، أي:

أصغر مولود يراه من أهل بيته؛ إن صادفه، وإلّا فمن غيرهم، (فيعطيه)، أي: فيعطي ذلك الوليد (ذلك الثّمر) الذي هو الباكورة لكثرة رغبة الولدان وشدّة تطلّعهم لها.

ص: 237

قال العلماء: وقد استجيبت دعوة الخليل لمكّة، والحبيب للمدينة، فصار يجبى إليهما من مشارق الأرض ومغاربها ثمرات كلّ شيء.

وإنّما لم يأكل صلى الله عليه وسلم منه!! إشارة إلى أنّ النّفوس الزكية والأخلاق المرضيّة لا تتشوّف إلى شيء من أنواع الباكورة؛ إلّا بعد عموم الوجود، فيقدر كلّ أحد على تحصيله.

وفيه 1- أن الآخذ للباكورة يسنّ أن يدعو بهذا الدّعاء.

و2- أنّ وقت رؤية الباكورة مظنّة إجابة الدّعاء.

(قال العلماء: وقد استجيبت دعوة الخليل لمكّة) المكرمة في قوله:

فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)[إبراهيم] يعني: وارزقهم من الثّمرات بأن تجلب إليهم من البلاد الشّاسعة لعلّهم يشكرون النّعمة؛ في أن يرزقوا أنواع الثّمرات حاضرة في واد ليس لهم فيه نجم «1» ولا شجر؛ ولا ماء.

ولا جرم أنّ الله أجاب دعوته وجعله كما أخبر عنه بقوله أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57)[القصص] :

(و) استجيبت دعوة (الحبيب) الأعظم صلى الله عليه وسلم (للمدينة) المنورة بأنواره صلى الله عليه وسلم، وضوعف خيرها؛ (فصار يجبى إليهما)، أي: إلى مكّة والمدينة من زمن الخلفاء الراشدين (من مشارق الأرض ومغاربها ثمرات كلّ شيء) .

وزاد عليها- استجابة لقوله: «ومثله معه» - شيئان:

أحدهما: في ابتداء الأمر؛ وهو كنوز كسرى وقيصر وغيرهما؛ وإنفاقهما في سبيل الله على أهلها.

وثانيهما: في آخر الأمر؛ وهو أنّ الإيمان يأرز إليها من الأقطار.

(1) ما يقابل الشجر من النبات. وهو كل ما كان صغيرا منه.

ص: 238

وكان عليه الصلاة والسلام يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها.

فائدة: قال القسطلّانيّ: وهذا من أكبر أسباب الصّحّة، فإنّ الله سبحانه وتعالى بحكمته جعل في كلّ بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب صحّتهم وعافيتهم، ويغني عن كثير من الأدوية، وقلّ من احتمى عن فاكهة بلده خشية السّقم؛ إلّا وهو من أسقم النّاس جسما، وأبعدهم عن الصّحّة والقوّة.

فمن أكل منها ما ينبغي، في الوقت الّذي ينبغي، على الوجه الّذي ينبغي.. كان له دواء نافعا.

(و) في «المواهب» : (كان عليه الصلاة والسلام يأكل من فاكهة بلده)، أي: ما يتجدّد منها؛ كخوخ ورمّان في أوانهما، لا بمعناها اللّغوي؛ وهو:

ما يتنعّم بأكله رطبا كان أو يابسا؛ كلوز وبندق يابسين، بدليل قوله (عند مجيئها) أي: وجودها وظهورها، (ولا يحتمي) : يمتنع (عنها) صلى الله عليه وسلم.

(فائدة) تقدّم الكلام عليها: (قال) العلّامة (القسطلّانيّ) في «المواهب» :

(وهذا) أي: الأكل من فاكهة بلده عند مجيئها (من أكبر أسباب الصّحّة، فإنّ الله سبحانه وتعالى بحكمته جعل في كلّ بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب صحّتهم وعافيتهم، ويغني عن كثير من الأدوية،

وقلّ) - بمعنى النّفي الصّرف- أي: انتفت الصّحّة عن (من احتمى عن فاكهة بلده خشية السّقم) ، فلا يوجد أحد منهم (إلّا وهو من أسقم النّاس جسما، وأبعدهم عن الصّحّة والقوّة) . وليس المراد أن المحتمّين المصابين بالسّقم قليل.

(فمن أكل منها ما ينبغي؛ في الوقت الّذي ينبغي؛ على الوجه الّذي ينبغي؛ كان له دواء نافعا) .

ص: 239

.........

يؤخذ منه أنّ ما يجلب من الفاكهة؛ كتفّاح من الشّام إلى مصر، لا ينبغي تناوله إلّا بعد معرفة أنّه مما ينبغي تناوله ذلك الوقت، إذ ليس من فاكهة بلده، وجاز أنّ فيه خواصّ تليق بأكله في محلّه؛ دون ما جلب له.

خاتمة: روى ابن السّنّي وأبو نعيم؛ عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه:

أهدي له صلى الله عليه وسلم طبق من تين، فقال:«كلوا، فلو قلت «إنّ فاكهة نزلت من الجنّة بلا عجم» ؛ لقلت: هي التّين» ، وأنّه يذهب بالبواسير وينفع من النّقرس.

ولأحمد أنّه صلى الله عليه وسلم دخل بيت سعد بن عبادة؛ فقرب إليه زبيبا فأكل.

وللطّبراني: أتي النّبيّ صلى الله عليه وسلم بسفر جلة من الطّائف، فقال:«كلوه؛ فإنّه يذهب بطخاوة القلب، ويجلو الفؤاد، ويذهب طخاء الصّدر» .

ولابن حبان: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برمّان؛ يوم عرفة فأكل.

وللخطيب؛ عن البراء: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل توتا في قصعة؛ ذكره الزرقانيّ في «شرح «المواهب اللّدنيّة» للقسطلّاني» رحمهم الله تعالى أجمعين.

آمين.

ص: 240