الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالرجوع عن الحرب فقد نجت العير: «لا لن نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم ثلاثا، ننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، فلن تزال العرب تهابنا أبدا» .
وعند ما بلغت مقالة أبى جهل أبا سفيان قال: «وا قوماه!! هذا عمل عمرو بن هشام «يعنى أبا جهل» كره أن يرجع لأنه ترأس على الناس فبغى، والبغي منقصة وشؤم. إن أصاب محمد النفير ذللنا» .
وصدقت فراسة أبى سفيان، فقد أصاب محمد صلى الله عليه وسلم النفير وتسر بل المشركون بالذل والهوان في بدر بسبب بطرهم وريائهم وصدهم عن سبيل الله، واتباعهم لخطوات الشيطان.
فاللهم نسألك أن توفقنا إلى ما يرضيك، وأن تجنبنا البطر والرياء وسوء الأخلاق.
وبعد هذا البيان لأحوال الكافرين في حياتهم انتقل القرآن لبيان أحوالهم عند مماتهم.
فقال- تعالى-:
[سورة الأنفال (8) : الآيات 50 الى 51]
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (50) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَاّمٍ لِلْعَبِيدِ (51)
والخطاب في قوله- تعالى-: وَلَوْ تَرى.. للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب ولَوْ شرطية، وجوابها محذوف لتفظيع الأمر وتهويله.
والمراد بالذين كفروا: كل كافر، وقيل المراد بهم قتلى غزوة بدر من المشركين.
قال ابن كثير: وهذا السياق وإن كان سببه غزوة بدر، ولكنه علم في حق كل كافر. ولهذا لم يخصصه الله بأهل بدر بل قال- سبحانه- وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ
…
«1» .
والفعل المضارع هنا وهو تَرى بمعنى الماضي، لأن لو الامتناعية ترد المضارع ماضيا.
والفعل يَتَوَفَّى فاعله محذوف للعلم به وهو الله- عز وجل وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا هو المفعول وعليه يكون: الْمَلائِكَةُ مبتدأ، وجملة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
…
خبر.
(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 319.
والمعنى ولو عاينت وشاهدت أيها العاقل حال الذين كفروا حين يتوفى الله أرواحهم، لعاينت وشاهدت منظرا مخيفا، وأمرا فظيعا تقشعر من هوله الأبدان.
ثم فصل الله- سبحانه- هذا المنظر المخيف بجملة مستأنفة فقال: الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ والمراد بوجوههم: ما أقبل منهم وبأدبارهم: ما أدبر وهو كل الظهر.
أى: الملائكة عند ما يتوفى الله- تعالى- هؤلاء الكفرة يضربون ما أقبل منهم وما أدبر، لإعراضهم عن الحق، وإيثارهم الغي على الرشد.
ومنهم من يرى أن الفعل يَتَوَفَّى فاعله الْمَلائِكَةُ وأن قوله الَّذِينَ كَفَرُوا هو المفعول وقدم على الفاعل للاهتمام به.
وعليه تكون جملة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ.. حال من الفاعل وهو الملائكة.
فيكون المعنى: ولو رأيت- أيها العاقل- حال الكافرين عند ما تتوفى الملائكة أرواحهم فتضرب منهم الوجوه والأدبار، لرأيت عندئذ ما يؤلم النفس، ويخيف الفؤاد.
ويبدو لنا أن التفسير الأول أبلغ، لأن توضيح وتفصيل الرؤية بالجملة الاسمية المستأنفة خير منه بجملة الحال، ولأن إسناد التوفي إلى الله أكثر مناسبة هنا، إذ أن الله- تعالى- قد بين وظيفة الملائكة هنا فقال: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ.
وخص- سبحانه- الضرب للوجوه والأدبار بالذكر، لأن الوجوه أكرم الأعضاء، ولأن الأدبار هي الأماكن التي يكره الناس التحدث عنها فضلا عن الضرب عليها. أو لأن الخزي والنكال في ضربهما أشد وأعظم.
وقوله: وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ معطوف على قوله يَضْرِبُونَ بتقدير القول.
أى يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم: ذوقوا عذاب تلك النار المحرقة التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.
والذوق حقيقة إدراك المطعومات. والأصل فيه أن يكون في أمر مرغوب في ذوقه وطلبه.
والتعبير به هنا عن ذوق العذاب هو لون من التهكم عليهم، والاستهزاء بهم، كما في قوله- تعالى-: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهو أيضا يشعر بأن ما وقع عليهم من عذاب إنما هو بمنزلة المقدمة لما هو أشد منه، كما أن الذوق عادة يكون كالمقدمة للمطعوم أو الشيء المذاق.
وقوله: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ بيان للأسباب التي أدت بهم إلى هذا المصير السيئ. وأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم بشؤم صنيعهم، وانقيادهم للهوى والشيطان.
أى: ذلك الذي نزل بكم- أيها الكافرون- من الضرب وعذاب النار، سببه ما قدمته أيديكم من عمل سىء، وفعل قبيح، وقول منكر، وجحود للحق. وأن الله- تعالى- ليس بذي ظلم لكم ولا لغيركم، لأن حكمته- سبحانه- قد اقتضت ألا يعذب أحدا إلا بسبب ذنب ارتكبه، وجرم اقترفه.
فاسم الإشارة «ذلك» يعود إلى الضرب وعذاب الحريق، وهو مبتدأ، وخبره قوله بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ.
والمراد بالأيدى: الأنفس والذوات. والتعبير بالأيدى عن ذلك من قبيل التعبير بالجزء عن الكل.
وخصت الأيدى بالذكر، للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته، وأن أكثر الأفعال يكون عن طريق البطش بالأيدى. ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به، والاتصال بذاته.
وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ خبر لمبتدأ محذوف، والجملة اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله.
أى: ذلك الذي نزل بكم سببه ما قدمته أيديكم، والأمر أن الله- تعالى- ليس بمعذب لعبيده من غير ذنب جنوه.
ويجوز أن يكون معطوفا على (ما) المجرورة بالباء. أى: ذلك بسبب ما قدمته أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد.
قال بعض العلماء: فإن قيل ما سر التعبير بقوله بِظَلَّامٍ بالمبالغة، مع أن نفى نفس الظلم أبلغ من نفى كثرته، ونفى الكثرة لا ينفى أصله، بل ربما يشعر بوجوده، وبرجوع النفي للقيد؟.
وأجيب بأجوبة:
منها: أنه نفى لأصل الظلم وكثرته، باعتبار آحاد من ظلم، كأنه قيل ظالم لفلان ولفلان وهلم جرا، فلما جمع هؤلاء عدل إلى بِظَلَّامٍ لذلك، أى: لكثرة الكمية فيه.
ومنها: أنه إذا انتفى الظلم الكثير، انتفى الظلم القليل، لأن من يظلم للانتفاع بالظلم، فإذا ترك كثيره، مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضر، كان لقليله مع قلة نفعه أكثر تركا.
ومنها: أن «ظلاما» للنسب كعطار، أى: لا ينسب إليه الظلم أصلا.