المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة التوبة (9) : الآيات 101 الى 106] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ٦

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد السادس]

- ‌سورة الأنفال

- ‌تمهيد بين يدي تفسير السورة

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 5 الى 8]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 9 الى 14]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 15 الى 19]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 20 الى 23]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 24 الى 26]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 27 الى 29]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 30 الى 40]

- ‌[سورة الأنفال (8) : آية 41]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 42 الى 44]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 45 الى 46]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 47 الى 49]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 50 الى 51]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 52 الى 54]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 55 الى 59]

- ‌[سورة الأنفال (8) : آية 60]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 61 الى 63]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 64 الى 66]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 67 الى 69]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 70 الى 71]

- ‌[سورة الأنفال (8) : الآيات 72 الى 75]

- ‌تفسير سورة التّوبة

- ‌مقدّمة

- ‌تمهيد بين يدي تفسير سورة التوبة

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 5]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 6]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 7 الى 12]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 13 الى 15]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 16]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 17 الى 18]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 19 الى 22]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 23 الى 24]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 25 الى 27]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 28]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 29]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 30 الى 33]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 34 الى 35]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 36 الى 37]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 38 الى 41]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 42]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 43]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 44 الى 45]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 46 الى 48]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 49 الى 52]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 53 الى 55]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 56 الى 57]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 58 الى 59]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 60]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 61]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 62 الى 63]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 64 الى 66]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 67 الى 68]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 69 الى 70]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 71 الى 72]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 73]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 74]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 75 الى 78]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 79]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 80]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 81 الى 83]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 84]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 85]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 86 الى 89]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 90]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 91 الى 92]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 93 الى 96]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 97 الى 99]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 100]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 101 الى 106]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 107 الى 110]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 111]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 112]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 113 الى 116]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 117]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 118]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 119 الى 121]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 122]

- ‌[سورة التوبة (9) : آية 123]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 124 الى 127]

- ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 128 الى 129]

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة الأنفال

- ‌فهرس إجمالى لتفسير آيات سورة التوبة

الفصل: ‌[سورة التوبة (9) : الآيات 101 الى 106]

تبعهم بإحسان، وذلك لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم وإيثارهم ما عند الله على هذه الدنيا وما فيها..

ثم تحدثت السورة بعد ذلك عن أصناف أخرى من الناس، منهم قوم. أجادوا النفاق، ومرنوا عليه، ولجوا فيه. ومنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ومنهم قوم موقوف أمرهم إلى أن يظهر الله حكمه فيهم فقال تعالى:

[سورة التوبة (9) : الآيات 101 الى 106]

وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (101) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)

وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)

قال القرطبي: ومعنى: «مردوا على النفاق» أقاموا عليه ولم يتوبوا منه، أو لجوا فيه وأبوا غيره وأصل الكلمة من اللين والملاسة والتجرد، فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه رملة مرداء

ص: 392

أى لا نبت فيها، وغصن أمرد. أى: لا ورق له

ويقال: مرد يمرد مرودا ومرادة» «1» .

والمعنى: اذكروا أيها المؤمنون أنه يسكن من حول مدينتكم قوم من الأعراب منافقون، فاحترسوا منهم، واحترسوا- أيضا- من قوم آخرين يسكنون معكم داخل المدينة، مردوا على النفاق، أى: مرنوا عليه، وأجادوا فنونه، حتى بلغوا فيه الغاية.

قال الآلوسى ما ملخصه: والمراد بالموصول. في قوله «وممن حولكم» . قبائل: جهينة، ومزينة وأشجع، وأسلم

وكانت منازلهم حول المدينة وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين.

واستشكل ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم مدح بعض هذه القبائل ودعا لبعضها فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أنه قال: «قريش، والأنصار، وجهينة، ومزينة، وأشجع وأسلم، وغفار، موالي الله- تعالى- ورسوله لا والى لهم غيره» .

وأجيب ذلك باعتبار الأغلب منهم «2» .

وقوله: لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ بيان لتمردهم في النفاق وتمهرهم فيه.

أى: أنت أيها الرسول الكريم. لا تعرف هؤلاء المنافقين. مع كمال فطنتك، وصدق فراستك لأنك تعامل الناس بظواهرهم، وهم قد أجادوا النفاق وحذقوه، واجتهدوا في الظهور بمظهر المؤمنين، أما نحن فإننا نعلمهم لأننا لا يخفى علينا شيء من ظواهرهم أو بواطنهم..» .

قال الإمام ابن كثير: وقوله تعالى لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ لا ينافي قوله تعالى وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ، فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ

لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا، وإن كان يراه صباحا ومساء.

وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال: قلت: يا رسول الله، إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة، فقال:«لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب» وأصغى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه فقال: «إن في أصحابى منافقين» : ومعناه أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين بما لا صحة له من الكلام، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم.

(1) تفسير القرطبي بتصرف وتلخيص ج 8 ص 240.

(2)

تفسير الآلوسى ج 11 ص 10.

ص: 393

ثم قال: وقد تقدم في تفسير قوله- تعالى- وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا أنه صلى الله عليه وسلم أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقا. وهذا تخصيص لا يقتضى أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم.

وروى الحافظ بن عساكر عن أبى الدرداء، أن رجلا يقال له حرملة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق ها هنا وأشار بيده إلى قلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم اجعل له لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وارزقه حبى، وحب من يحبني، وصير أمره إلى خير» .

فقال الرجل يا رسول الله: إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأسا فيهم، أفلا آتيك بهم؟ فقال: صلى الله عليه وسلم: «ومن أتانا استغفرنا له، ومن أصر فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد سترا» «1» .

وقال الآلوسى. واستدل بالآية على أنه لا ينبغي الإقدام على دعوى معرفة الأمور الخفية من أعمال القلب ونحوها، فقد أخرج عبد الرازق وابن المنذر وغيرهما عن قتادة: أنه قال:

ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون: فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدرى. لعمري لأنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه نبي. فقد قال نوح عليه السلام «وما علمي بما كانوا يعملون» وقال شعيب عليه السلام «وما أنا عليكم بحفيظ» ، وقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ.

وهذه الآيات ونحوها أقوى دليل في الرد على من يزعم الكشف والاطلاع على المغيبات بمجرد صفاء القلب، وتجرد النفس عن الشواغل.

ثم قال: والجملة الكريمة «لا تعلمهم نحن نعلمهم» تقرير لما سبق من مهارتهم في النفاق، أى: لا يقف على سرائرهم المذكورة فيهم، إلا من لا تخفى عليه خافية، لما هم عليه من شدة الاهتمام بإبطان الكفر وإظهار الإخلاص «2» .

وقوله: سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ وعيد لهم بسوء المصير في الدنيا والآخرة.

أى: هؤلاء المنافقون الذين مردوا على النفاق، سنعذبهم في الدنيا مرتين، مرة عن طريق فضحيتهم وهتك أستارهم وجعلهم يعيشون في قلق وهم دائم، والأخرى عن طريق ضرب

(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 384.

(2)

تفسير الآلوسى ج 11 ص 11.

ص: 394

الملائكة لوجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم وما يتبع ذلك من عذابهم في قبورهم إلى أن تقوم الساعة، فيجدون العذاب الأكبر الذي عبر عنه- سبحانه- بقوله ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ.

أى: ثم يعودون ويرجعون إلى خالقهم- سبحانه- يوم القيامة فيعذبهم عذابا عظيما بسبب إصرارهم على النفاق، ورسوخهم في المكر والخداع.

قال أبو السعود: ولعل تكرير عذابهم، لما فيهم من الكفر المشفوع بالنفاق، أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه. ويجوز أن يكون المراد بالمرتين مجرد التكثير، كما في قوله تعالى فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ «1» أى: كرة بعد أخرى «2» .

ثم بين- سبحانه- حال طائفة أخرى من المسلمين فقال: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً..

قال الآلوسى: قوله: وآخرون اعترفوا بذنوبهم

بيان لحال طائفة من المسلمين ضعيفة الهمم في أمر الدين، ولم يكونوا منافقين على الصحيح. وقيل هم طائفة من المنافقين إلا أنهم وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم «3» .

والمعنى: ويوجد معكم أيها المؤمنون قوم آخرون من صفاتهم أنهم اعترفوا بذنوبهم أى أقروا بها ولم ينكروها.

وقوله: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً أى خلطوا عملهم الصالح وهو جهادهم في سبيل الله قبل غزوة تبوك، بعمل سيئ وهو تخلفهم عن الخروج إلى هذه الغزوة.

وقوله: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أى عسى الله تعالى: أن يقبل توبتهم، ويغسل، حوبتهم، ويتجاوز عن خطاياهم.

وعبر- سبحانه- بعسى للإشعار بأن ما يفعله تعالى ليس إلا على سبيل التفضل منه، حتى لا يتكل الشخص، بل يكون على خوف وحذر.

وقد قالوا إن كلمة عسى متى صدرت عن الله تعالى- فهي متحققة الوقوع، لأنها صادرة من كريم، والله تعالى أكرم من أن يطمع أحدا في شيء لا يعطيه إياه.

وقوله: إن الله غفور رحيم، تعليل لرجاء قبول توبتهم، إذ معناه، إن الله تعالى كثير المغفرة للتائبين، واسع الرحمة للمحسنين.

(1) سورة الملك الآية 3.

(2)

تفسير أبى السعود ج 2 ص 393.

(3)

تفسير الآلوسى ج 11 ص 11.

ص: 395

هذا، وقد ذكر المفسرون هنا روايات متعددة في سبب نزول هذه الآية ولعل أرجح هذه الروايات ما رواه ابن جرير من أن هذه الآية نزلت في أبى لبابة وأصحابه، وكانوا تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته، وكان قريبا من المدينة ندموا على تخلفهم عن رسول الله وقالوا: نكون في الظلال والأطعمة والنساء ونبي الله في الجهاد واللأواء. والله لنوثقن أنفسنا بالسوارى، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي الله هو الذي يطلقنا.

وأوثقوا أنفسهم. وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم بالسوارى فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته فمر بالمسجد فأبصرهم فسأل عنهم، فقيل له: إنه أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك يا نبي الله، فصنعوا بأنفسهم ما ترى، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم.

فقال صلى الله عليه وسلم: «لا أطلقهم حتى أؤمر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين» ، فأنزل الله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً

الآية، فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرهم «1» .

ثم أمر الله تعالى- نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الصدقات من هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم ومن غيرهم، فقال: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها.

أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وأصحابه جاءوا بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال:«ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» .

فأنزل الله تعالى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً.... الآية «2» .

وقال الإمام ابن كثير: أمر الله تعالى- رسوله أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها. وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم.

ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا احتجوا بقوله: - تعالى-: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً..... الآية.

وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى

(1) تفسير ابن جرير ج 14 ص 105 طبعة دار المعارف.

(2)

تفسير ابن جرير ج 14 ص 102.

ص: 396

أدوا الزكاة الى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال الصديق: «والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه «1» » .

والمعنى: خذ- أيها الرسول الكريم- من أموال هؤلاء المعترفين بذنوبهم، ومن غيرهم من أصحابك «صدقة» معينة، كالزكاة المفروضة، أو غير معينة كصدقة التطوع.

وقوله: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها بيان للفوائد المترتبة على هذه الصدقة.

أى: من فوائد هذه الصدقة أنها تطهر النفوس من رذائل الشح والبخل والطمع.. وتزكى القلوب من الأخلاق الذميمة، وتنمى الأموال والحسنات قال بعضهم: قوله: «تطهرهم» قرئ مجزوما على أنه جواب للأمر. وقرئ. مرفوعا على أنه حال من ضمير المخاطب في قوله: «خذ» أو صفة لقوله «صدقة» والعائد على الأول محذوف ثقة بما بعده أى: تطهرهم بها

وقوله: «وتزكيهم» لم يقرأ إلا بإثبات الياء، على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة حال من الضمير في الأمر أو في جوابه. أى: وأنت تزكيهم بها.

هذا على قراءة الجزم في «تطهرهم» ، وأما على قراءة الرفع فيكون قوله «وتزكيهم بها» معطوف على قوله «تطهرهم» حالا أو صفة «2» .

وقوله: وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أى: وادع لهم بالرحمة والمغفرة، وقبول التوبة، فإن دعاءك لهم تسكن معه نفوسهم، وتطمئن به قلوبهم، ويجعلهم في ثقة من أن الله- تعالى- قد قبل توبتهم، فأنت رسوله الأمين، ونبيه الكريم.

فالمراد بالصلاة هنا: الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة.

قال بعضهم: «وظاهر» قوله: «وصل عليهم» أنه يجب على الإمام أو نائبه إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق. وبهذا أخذ داود وأهل الظاهر.

وأما سائر الفقهاء فقد حملوا الأمر هنا على الندب والاستحباب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ:«أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» ولم يأمره بالدعاء..

أما صيغة الدعاء فلم يرد فيها تعيين إلا ما رواه الستة- غير الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم صل على آل أبى أوفى» - عند ما أخذ منهم الزكاة-.

(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 386.

(2)

تفسير القاسمى- بتصرف وتلخيص- ج 8 ص 3252.

ص: 397

ومن هنا قال الحنابلة وداود وأهل الظاهر لا مانع من أن يقول آخذ الزكاة: اللهم صل على آل فلان.

وقال باقى الأئمة لا يجوز أن يقال: اللهم صل على آل فلان، وإن ورد في الحديث، لأن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء- صلوات الله عليهم-، كما أن قولنا:

عز وجل صار مخصوصا بالله- تعالى-.

قالوا: وإنما أحدث الصلاة على غير الأنبياء مبتدعو الرافضة في بعض الأئمة، والتشبه بأهل البدع منهى عنه.

ولا خلاف في أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم فيقال: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته.. لأن السلف استعملوا ذلك، وأمرنا به في التشهد، ولأن الصلاة على التابع تعظيم للمتبوع..» «1» .

وقوله: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أى: سميع لاعترافهم بذنوبهم وسميع لدعائك سماع قبول وإجابة، وعليم بندمهم وتوبتهم، وبكل شيء في هذا الكون، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.

ثم حرضهم- سبحانه- على التوبة النصوح، وحثهم على بذل الصدقات فقال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ....

أى: ألم يعلم هؤلاء التائبون من ذنوبهم، أن الله- تعالى- وحده، هو الذي يقبل التوبة الصادقة من عباده المخلصين، وأنه- سبحانه- هو الذي «يأخذ الصدقات» .

أى: يتقبلها من أصحابها قبول من يأخذ شيئا ليؤدى بدله: فالتعبير بالأخذ للترغيب في بذل الصدقات، ودفعها للفقراء. والاستفهام للتقرير والتحضيض على تجديد التوبة وبذل الصدقة.

وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ تذييل قصد به تقرير ما قبله وتأكيده.

أى: وأن الله وحده هو الذي يقبل توبة عباده المرة بعد الأخرى، وأنه هو الواسع الرحمة بهم، الكثير المغفرة لهم:

قال ابن كثير: قوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ.. هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحقها، وأخبر- تعالى- أن كل من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله

(1) تفسير آيات الأحكام- بتصرف وتلخيص ج 3 ص 48. [.....]

ص: 398

يتقبلها بيمينه، فيربيها لصاحبها حتى تصير الثمرة مثل أحد، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتكون مثل أحد» وتصديق ذلك في كتاب الله قوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ. وقوله: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ.

وعن عبد الله بن مسعود قال: إن الصدقة تقع في يد الله- تعالى- قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية. أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ

«1» .

ثم أمر- سبحانه- بالتزود من العمل الصالح، وحذر من الوقوع في العمل السيئ، فقال- تعالى-: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ.

أى: وقل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء التائبين وغيرهم، قل لهم: اعملوا ما تشاءون من الأعمال، فإن الله مطلع عليها، وسيطلع رسوله والمؤمنون عليها كذلك.

وخص- سبحانه- رسوله والمؤمنين بالذكر، لأنهم هم الذين يهتم المخاطبون باطلاعهم.

قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ

تعليل لما قبله، أو تأكيد لما يستفاد منه من الترغيب والترهيب، والسين للتأكيد.. والمراد من رؤية الله العمل- عند جمع- الاطلاع عليه، وعلمه علما جليا، ونسبة ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، باعتبار أن الله- تعالى- لا يخفى ذلك عنهم، بل يطلعهم عليه

» «2» .

وقوله: وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بيان لما سيكون عليه حالهم في الآخرة.

أى: وسترجعون بعد موتكم إلى الله- تعالى- الذي لا يخفى عليه شيء، فينبئكم بما كنتم تعملونه في الدنيا من خير أو شر، وسيجازيكم بما تستحقونه من ثواب أو عقاب.

ثم بين- سبحانه- حال قسم آخر من أقسام المتخلفين عن غزوة تبوك، فقال- تعالى-: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ، إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ

قال الجمل: قوله: «وآخرون مرجون

» قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عمر وأبو بكر عن عاصم «مرجؤون» بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة. وقرأ الباقون «مرجون» دون

(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 386.

(2)

تفسير الآلوسى ج 11 ص 16.

ص: 399

تلك الهمزة.. وهما لغتان، يقال أرجأته وأرجيته..» «1» .

وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله- تعالى- قبل ذلك: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً

والمعنى: ومن المتخلفين عن الخروج معك إلى تبوك- يا محمد- قوم آخرون موقوف أمرهم إلى أن يحكم الله فيهم بحكمه العادل، فهو- سبحانه- «إما يعذبهم» بأن يميتهم بلا توبة «وإما يتوب عليهم» أى: يقبل توبتهم.

وهذا الترديد الذي يدل عليه لفظ «إما» ، إنما هو بالنسبة للناس، وإلا فالله- تعالى- عليم بما هو فاعله بهم.

والحكمة من إيهام أمرهم، إثارة الهم والخوف في قلوبهم لتصح توبتهم لأن التوبة عند ما تجيء بعد ندم شديد، وتأديب نفسي.. تكون مرجوة القبول منه- سبحانه-.

وقوله وَاللَّهُ عَلِيمٌ أى: والله- تعالى- عليم بأحوال خلقه وبما يصلحهم في أمورهم، حكيم فيما يشرعه لهم من أحكام.

قال الآلوسى: والمراد بهؤلاء «المرجون لأمر الله..» كما جاء في الصحيحين: هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، كانوا قد تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وهموا باللحاق به فلم يتيسر لهم ذلك- فقعدوا في المدينة كسلا وميلا إلى الدعة- ولم يكن تخلفهم عن نفاق، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان ما كان من أمر المتخلفين- قالوا:

لا عذر لنا إلا الخطيئة، ولم يعتذروا كما اعتذر غيرهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتنابهم.. إلى أن نزل قوله- تعالى- بعد ذلك: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ

وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.. فأمر صلى الله عليه وسلم بمخالطتهم، وكانت مدة وقفهم خمسين ليلة بقدر مدة التخلف، إذ كانت مدة غيبته صلى الله عليه وسلم عن المدينة خمسين ليلة، فلما تمتعوا بالراحة في تلك المدة مع تعب إخوانهم في السفر، عوقبوا بهجرهم ووقفهم تلك المدة..» «2» .

وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد ذكرت ثلاث طوائف من المتخلفين عن غزوة تبوك.

أما الطائفة الأولى فهي التي مردت على النفاق، وقد عبر عنها- سبحانه- بقوله:

وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ

(1) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 316.

(2)

تفسير الآلوسى- بتصرف- ج 11 ص 17.

ص: 400