المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

350- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن - تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث - جـ ١

[ابن جرير الطبري]

الفصل: 350- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن

350-

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) قال: إذا خلوا إلى شياطينهم من يهودَ، الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول (قالوا إنا معكم) ، أي إنا على مثل ما أنتم عليه (إنما نحن مستهزئون) .

351-

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:(وإذا خلوا إلى شياطينهم) ، أما شياطينهم، فهم رءوسهم في الكُفر.

352-

حدثنا بشر بن مُعاذ العَقَدي (1) قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد، عن قتادة قوله:(وإذا خلوا إلى شياطينهم) أي رؤسائهم في الشرّ (قالوا إنما نحنُ مستهزئون) .

353-

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله: (وإذا خلوا إلى شياطينهم)، قال: المشركون.

354-

حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:(وإذا خلوا إلى شياطينهم)، قال: إذا خلا المنافقون إلى أصحابهم من الكفّار.

355-

حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حُذيفة، عن شِبْل بن عبّاد، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد:(وإذا خلوا إلى شياطينهم)، قال: أصحابِهم من المنافقين والمشركين.

356-

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي

(1) بشر بن معاذ العقدي: ثقة معروف، روى عنه الترمذي: والنسائي وابن ماجه وغيرهم. و"العقدي": بالعين المهملة والقاف المفتوحين، نسبة إلى"العقد": بطن من بجيلة.

ص: 397

عنه. وذلك من التأويل دعوى بَاطلة (1) ، لا دلالة عليها من ظاهر ولا من خبرٍ تقوم بمثله الحجة فيسلم لها.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ}

قال أبو جعفر: والصّيِّب الفَيْعِل من قولك: صَاب المطر يَصوب صَوبًا، إذا انحدَر وَنزَل، كما قال الشاعر:

فَلَسْتُ لإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لَمَلأَكٍ

تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (2)

وكما قال علقمة بن عَبَدَة:

كَأَنَّهمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ

صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ (3)

(1) في المخطوطة"دعوى ناظر"، وصوابها"دعوى باطل" بالإضافة.

(2)

ينسب هذا البيت لعلقمة بن عبدة، وليس له، ولا هو في ديوانه. وسيأتي في تفسير آية سورة البقرة 30 (1: 155 بولاق) ، وبغير هذه الرواية، وهو من أبيات سيبويه 1: 379 وشرح شواهد الشافية: 287، واللسان (ألك) وغيرها، غير منسوب. ويقال إنه لرجل من عبد القيس جاهلي يمدح النعمان. وحكى السيرافي أنه لأبي وجزة السعدي، يمدح عبد الله بن الزبير. وجاء في المخطوطة"ولكن ملأكًا". وقبل البيت: تعاليتَ أن تُعْزَى إلى الإنْس خَلَّةً،

وَلِلإِنْسِ من يعزُوك، فهو كذوبُ

(3)

ديوانه: البيت الأول: 34، والثاني قبله:

‌ 19

، وشرح المفضليات: 784، 769، يمدح بها الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني، وكان أسر أخاه شأسًا، فرحل إليه يطلب فكه. ويذكر في هذا البيت يوم عين أباغ، وفيه غزا الحارث الغساني، المنذر بن المنذر بن ماء السماء، فالتقوا بعين أباغ، فهزم جيش المنذر، وقتل المنذر يومئذ. وقوله"كأنهم" يعني جيش المنذر. وصاب المطر: انحدر وانصب. وكان وصف الجيش المنهزم في البيت الذي قبله، بين ساقط قد صرع، وبين قتيل قد هلك. فشبههم بطير أصابها المطر الغزير وأخذتها الصواعق، ففزعت، ولم تستطع أن تنهض فتطير، فهي تدب تطلب النجاة. والضمير في قوله:"لطيرهن" للصواعق، أي لطير الصواعق، وأراد الطير التي أفزعتها الصواعق، ولبدها المطر.

ص: 333

فَلا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبين مُغَمَّرٍ،

سُقِيتِ رَوَايَا الْمُزْنِ حين تَصُوبُ (1)

يعني: حين تنحدر. وهو في الأصل"صَيْوِب"، ولكن الواو لما سَبقتها ياء ساكنة، صيرتا جميعًا ياءً مشددةً، كما قيل: سيِّد، من ساد يسود، وجيِّد، من جاد يجود. وكذلك تفعل العربَ بالواو إذا كانت متحركة وقبلها ياء ساكنة، تصيِّرهما جميعًا ياءً مشددةً.

وبما قلنا من القول في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

405-

حدثني محمد بن إسماعيل الأَحْمَسي، قال: حدثنا محمد بن عُبيد، قال: حدثنا هارون بن عَنترة، عن أبيه (2) ، عن ابن عباس في قوله"أو كصيِّب من السماء"، قال: القطر.

406-

حدثني عباس بن محمد، قال: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قال لي عطاء: الصيّب، المطرُ.

407-

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قال: الصيّب، المطرُ.

408-

حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن

(1) هذا البيت في صدر القصيدة. يخاطب صاحبته، وفي المطبوعة"معمر" وهو خطأ. والمغمر والغمر: الجاهل الذي لم يجرب الأمور، كأن الجهل غمره وطغا عليه. والشطر الثاني دعاء لها بالخصب والنعمة. والروايا جمع راوية: وهي الدابة التي تحمل مزاد الماء. والمزن: السحاب الأبيض، شبهه بالروايا حاملات الماء. ورواية ديوانه والمفضليات"سقتك".

(2)

الإسناد 405- محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي - شيخ الطبري: ثقة، روى عنه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. له ترجمة في التهذيب. وترجمه ابن أبي حاتم 3/2/ 190. محمد بن عبيد: هو الطنافسي الأحدب، وهو ثقة معروف، روى عنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وغيرهم. هارون بن عنترة بن عبد الرحمن: ثقة، وثقه أحمد وابن سعد وغيرهما. وترجمه البخاري في الكبير 4/2/ 221، فلم يذكر فيه جرحًا، وابن سعد 6:243. أبوه: هو عنترة بن عبد الرحمن، وكنيته"أبو وكيع"، وهو تابعي، قال البخاري في الكبير 4/1/84"رأى: عليًّا، روى عنه ابنه هارون، وأبو سنان"، وترجمه ابن سعد في الطبقات 6: 163، وابن أبي حاتم 3/2/35، وذكر أنه روى عن عثمان، وعلي، وابن عباس، وأن أبا زرعة سأل عنه فقال: "كوفي ثقة".

ص: 334

السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: الصيّب، المطرُ.

409-

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي سعدٌ، قال: حدثني عمِّي الحسين، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، مثله.

410-

وحدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"أو كصيِّب"، يقول: المطر.

411-

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا مَعمر، عن قتادة، مثله.

412-

حدثني محمد بن عمرو الباهلي، وعمرو بن علي، قالا حدّثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: الصيِّب، الربيعُ (1) .

413-

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: الصيِّب، المطرُ.

414-

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: الصيِّبُ، المطرُ.

415-

حُدِّثت عن المِنجَاب، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: الصيِّبُ، المطر.

416-

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد:"أو كصيِّب من السماء" قال: أو كغَيْثٍ من السماء.

417-

حدثنا سَوّار بن عبد الله العنبري، قال: قال سفيان: الصَّيِّب، الذي فيه المطر.

(1) في المطبوعة: "الصيب: المطر". والربيع: المطر في أول الربيع.

ص: 335

418-

حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا معاوية، قال: حدثنا ابن جُريج، عن عطاء، في قوله:"أو كصيِّب من السماء"، قال: المطر (1) .

قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: مَثَلُ استضاءَةِ المنافقين بضوء إقرارهم بالإسلام، مع استسرارهم الكفر، مَثلُ إضاءة موقد نارٍ بضوء ناره، على ما وصف جل ثناؤه من صفته، أو كمثل مَطرٍ مُظلمٍ وَدْقُه تحدَّر من السماء (2) ، تحمله مُزنة ظلماء في ليلة مُظلمة. وذلك هو الظلمات التي أخبر الله جل ثناؤه أنها فيه.

فإن قال لنا قائل: أخبرنا عن هذين المثَلين: أهما مثَلان للمنافقين، أو أحدُهما؟ فإن يكونا مثلَيْن للمنافقين، فكيف قيل:"أو كصيِّب"، و"أو" تأتي بمعنى الشك في الكلام، ولم يقل"وكصيب" بالواو التي تُلحِق المثَلَ الثاني بالمثَل الأول؟ أو يكون مَثل القوم أحدهما، فما وجه ذكر الآخر بِـ "أو"؟ وقد علمت أنّ "أو" إذا كانت في الكلام فإنما تدخل فيه على وجه الشّكّ من المخبِر فيما أخبر عنه، كقول القائل:"لقيني أخوك أو أبوك" وإنما لقيه أحدُهما، ولكنه جهل عَيْنَ الذي لقيه منهما، مع علمه أن أحدهما قد لقيه. وغير جائز فيه الله جل ثناؤه أن يُضاف إليه الشك في شيء، أو عُزُوب عِلم شيء عنه، فيما أخبَرَ أو تَرك الخبر عنه.

قيل له: إنّ الأمرَ في ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه. و"أو" - وإن كانت في بعض الكلام تأتي بمعنى الشكّ - فإنها قد تأتي دالة على مثل ما تدلُّ عليه الواو، إما بسابق من الكلام قبلها، وإما بما يأتي بعدها، كقول تَوْبة بن الحُمَيِّر:

وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِرٌ

لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا (3)

(1) الأخبار 405 - 418: ساقها مختصرة ابن كثير 1: 99، والدر المنثور 1:33.

(2)

الودق: المطر يخرج من خلل السحاب مسترخيًا.

(3)

من قصيدة له، أمالي القالي 1: 88، 131، وأمالي الشريف المرتضى 3: 146، وأمالي الشجري 2: 317، والأضداد لابن الأنباري: 243، وغيرها كثير.

ص: 336

ومعلوم أنّ ذلك من توبة على غير وجه الشكّ فيما قال، ولكن لمّا كانت"أو" في هذا الموضع دالةً على مثل الذي كانت تدل عليه"الواو" لو كانت مكانها، وضَعها موضعَها، وكذلك قولُ جرير:

نَالَ الْخِلافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا،

كَمَا أَتَى رَبَّه مُوسَى عَلَى قَدَرِ (1)

وكما قال الآخر:

فَلَوْ كَانَ الْبُكَاءُ يَرُدُّ شَيْئًا

بَكَيْتُ عَلَى بُجَيْرٍ أَوْ عِفَاقِ (2) عَلَى الْمَرْأَيْنِ إِذْ مَضَيا جَمِيعًا

لِشَأْنِهما، بِحُزْنٍ وَاشْتِيَاقِ (3)

فقد دلّ بقوله"على المرأين إذْ مَضَيا جميعًا" أنّ بكاءه الذي أراد أن يبكيه لم يُرد أن يقصدَ به أحدَهما دونَ الآخر، بل أراد أن يبكيهما جميعًا. فكذلك ذلك في قول الله جل ثناؤه "أو كصيِّب من السماء". لمّا كان معلومًا أن"أو" دالة في ذلك على مثل الذي كانت تدل عليه"الواو" لو كانت مكانها - كان سواء نطق فيه ب"أو" أو ب"الواو". وكذلك وجه حذف"المثل" من قوله"أو كصيب". لما كان قوله:

(1) ديوانه: 275، وسيأتي في تفسيره آية البقرة: 74 (1: 287 بولاق)، وآية طه: 40 (16: 128 بولاق)، وأمالي الشجري 1: 317، يقولها في أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز. وروايته"إذ كانت"، وفي المطبوعة:"جاء الخلافة"، وهي رواية سقيمة.

(2)

البيتان لمتمم بن نويرة اليربوعي. اللسان (عفق) ، أمالي الشجري، 2: 318، أمالي المرتضى 3: 147، الأضداد لابن الأنباري:243. وفي المطبوعة والمخطوطة"على جبير"، وهو خطأ محض، وفي المطبوعة: "عناق"، وهو خطأ أيضًا. وهذا الشعر يقوله متمم بن نويرة في رثاء بجير بن عبد الله بن الحارث اليربوعي، وهو بجير بن أبي مليل، وأخوه عفاق بن أبي مليل. قتل أولهما يوم قشاوة، قتله لقيم بن أوس (النقائض: 20) ، وقتل عفاق يوم العظالى، قتله الدعاء، وقيل قتله الفريس بن مسلمة (النقائض: 583) .

(3)

يروى"بحزن واحتراق" و"بشجو واشتياق". وقوله: "مضيا لشأنهما" أي، هلكا ولقيا ما يلقى كل حي.

ص: 337

"كمثل الذي استوقد نارًا" دالا على أن معناه: كمثل صيب، حَذفَ"المثَل"، واكتفى - بدلالة ما مضى من الكلام في قوله:"كمثل الذي استوقد نارًا" على أن معناه: أو كمثل صيِّب - من إعادة ذكر المثلَ، طَلبَ الإيجاز والاختصار.

* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا}

قال أبو جعفر: فأما الظلمات، فجمعٌ، واحدها ظُلمة.

أما الرَّعد، فإنّ أهل العلم اختلفوا فيه:

فقال بعضهم: هو مَلك يَزجُر السحابَ.

* ذكر من قال ذلك:

419-

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شُعبة، عن الحكم، عن مجاهد، قال: الرعد، مَلك يَزجُر السحاب بصوته.

420-

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عَديّ، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

421-

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدتنا فُضَيْل بن عِيَاض، عن ليث، عن مجاهد، مثله (1) .

422-

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هُشيم قال: أنبأنا إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، قال: الرَّعد، مَلك من الملائكة يُسبِّح (2) .

(1) الإسناد 421- يحيى بن طلحة اليربوعي: روى عنه الترمذي وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات. وضعفه النسائي، فقال في الضعفاء: 32: "ليس بشيء".

(2)

الإسناد 422- إسماعيل بن سالم الأسدي: ثقة، روى عنه الثوري وأبو عوانة، قال ابن سعد 7/2/67:"كان ثقة ثبتًا". وأبو صالح: هو السمان.

ص: 338

423-

حدثني نَصر بن عبد الرحمن الأزدي، قال: حدثنا محمد بن يَعْلَى، عن أبي الخطاب البصري، عن شَهر بن حَوشب، قال: الرّعد، مَلك موكَّل بالسحاب يَسوقه، كما يسوق الحادي الإبل، يُسبِّح. كلما خالفتْ سحابةٌ سحابةً صاح بها، فإذا اشتد غَضبه طارت النارُ من فيه، فهي الصواعقُ التي رأيتم (1) .

424-

حدثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: الرَّعد، مَلَك من الملائكة اسمه الرعد، وهو الذي تسمعون صوته.

425-

حُدِّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا عبد الملك بن حسين، عن السُّدّيّ، عن أبي مالك، عن ابن عباس، قال: الرعد، مَلَك يَزجُر السحاب بالتسبيح والتكبير (2) .

426-

وحدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن ابن جُريج، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: الرعد اسم مَلَك، وصوتهُ هذا تسبيحه، فإذا اشتد زَجْرُه السحابَ، اضطرب السحابُ واحتكَّ. فتخرج الصَّواعق من بينه.

427-

حدثنا الحسن، قال: حدثنا عفان. قال: حدثنا أبو عَوَانة، عن

(1) الإسناد 423- نصر بن عبد الرحمن بن بكار التاجي، شيخ الطبري: ثقة، روى عنه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، مترجم في التهذيب، وقال"ويقال: الأزدي"، فكذلك نسب هنا، وكذلك روى عنه الطبري في التاريخ 2: 128، ونسبه"الأزدي"، ووقع في المطبوعة"الأودي" بالواو بدل الزاي، وهو تصحيف. محمد بن يعلى: هو السلمي الكوفي، ولقبه"زنبور"، وهو ضعيف، وقال البخاري"يتكلمون فيه". أبو الخطاب البصري: لم أعرف من هو؟ ولكن ذكر الدولابي في الكنى 1: 167"أبو الخطاب عبد الله"، ثم قال: "وروى محمد بن عبد الله بن عمار عن المعافى بن عمران عن عبد الله أبي الخطاب عن شهر بن حوشب" فذكر حديثًا. ولم يبين أكثر من ذلك، ولم أجد ترجمته.

(2)

الإسناد 425- عبد الملك بن حسين: هو أبو مالك النخعي الواسطي، اشتهر بكنيته وبها ترجم في التهذيب 12: 219، وترجمه ابن أبي حاتم باسمه 2/2/347. وهو ضعيف ليس بشيء.

ص: 339

موسى البزار، عن شهر بن حَوْشب، عن ابن عباس، قال: الرعدُ مَلَكٌ يسوق السحاب بالتسبيح، كما يسوق الحادي الإبل بحُداته.

428-

حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا يحيى بن عَبَّاد، وشَبابة، قالا حدثنا شعبة، عن الحكَم، عن مجاهد، قال: الرَّعد مَلكٌ يزجر السحاب.

429-

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيري، قال: حدثنا عتَّاب بن زياد، عن عكرمة، قال: الرعد مَلك في السحاب، يَجمع السحابَ كما يَجمع الراعي الإبل.

430-

وحدثنا بشر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: الرعد خَلْقٌ من خَلق الله جل وعز، سامعٌ مطيعٌ لله جل وعَز.

431-

حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن عكرمة، قال: إن الرعد مَلكٌ يُؤمر بإزجاء السحاب فيؤلِّف بينه، فذلك الصوت تسبيحه.

432 -

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، قال: الرعد مَلك.

433-

وحدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن المغيرة بن سالم، عن أبيه، أو غيره، أن علي بن أبي طالب قال: الرعد: مَلك.

434-

حدثنا المثنى، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرنا موسى بن سالم أبو جَهْضم، مولى ابن عباس، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجَلْدِ يسألهُ عن الرعد، فقال: الرعد مَلك (1) .

(1) الخبر 434- هذا إسناد منقطع: موسى بن سالم أبو جهضم: ثقة، ولكن روايته عن ابن عباس مرسلة. "أبو الجلد": بفتح الجيم وسكون اللام وآخره دال مهملة، ووقع في الأصول هنا، وفي الروايات التالية"أبو الخلد" بالخاء بدل الجيم، وهو تصحيف. وأبو الجلد: هو جيلان -بكسر الجيم- بن أبي فروة، ويقال: ابن فروة الأسدي البصري، كما ذكر البخاري في ترجمته في الكبير 1/2/250. وقال ابن أبي حاتم 1/1/547:"صاحب كتب التوراة ونحوها". ثم روى عن أحمد بن حنبل أنه وثقه. وترجمه ابن سعد 7/1/161، وقال:"أبو الجلد الجوني، حي من الأزد، واسمه: جيلان بن فروة، وكان ثقة". وذكره ابن حبان في الثقات: 157، والدولابي في الكنى 1: 139، والزبيدي في شرح القاموس (جلد) و (جيل) . وذكره الحافظ في لسان الميزان في الأسماء 2: 144، ووعد بترجمته في الكنى"أبو الجلد"، ثم لم يفعل، وروى عنه الطبري أثرًا في التاريخ 2:203. وسيأتي في الخبر: 445 أنه"رجل من أهل هجر".

ص: 340

435-

حدثنا المثنى، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا عمر بن الوليد الشَّنّي، عن عكرمة، قال: الرعدُ ملكٌ يسوق السحاب كما يسوق الراعي الإبل (1) .

436-

حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا الحكَم بن أبان، عن عكرمة، قال: كان ابن عباس إذا سمع الرعد، قال: سُبحان الذي سَبَّحتَ له. قال: وكان يقول: إن الرَّعد مَلكٌ يَنعَق بالغيث كما ينعَقُ الراعي بغنمه (2) .

وقال آخرون: إن الرعد ريح تختنق تحت السحاب فتصَّاعد، فيكون منه ذلك الصوت.

* ذكر من قال ذلك:

437-

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيري، قال: حدثنا بِشر بن إسماعيل، عن أبي كثير، قال: كنت عند أبي الجَلد، إذْ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه:"كتبتَ تَسألني عن الرّعد، فالرعد الريح (3) .

438-

حدثني إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثنا عِمْران بن مَيسرة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفُرات، عن أبيه (4) قال: كتب ابن عباس

(1) عمر بن الوليد الشني أبو سلمة العبدي: ثقة، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما، وقال أبو حاتم:"ما أرى بحديثه بأسًا". وهو مترجم في التعجيل: 304، وابن أبي حاتم 3/1/ 139. "الشني": بفتح الشين المعجمة، كما في المشتبه:279. ووقع في المطبوعة بالمهملة، وهو تصحيف.

(2)

الإسناد 436- سعد بن عبد الله بن عبد الحكم: لم أجد له ترجمة إلا في كتاب ابن أبي حاتم 2/1/ 92، وقال:"سمعت منه بمكة وبمصر، وهو صدوق".

(3)

الإسناد 437- هو إسناد مشكل. ما وجدت ترجمة"بشر بن إسماعيل"، وما عرفت من هو. ثم لم أعرف من"أبو كثير" الراوي عن أبي الجلد. وسيأتي هذا الإسناد مرة أخرى:443.

(4)

الإسناد 438- عمران بن ميسرة المنقري: ثقة، من شيوخ البخاري وأبي داود وأبي زرعة وأبي حاتم. ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس الأودي: ثقة مأمون حجة. الحسن بن الفرات: ثقة، أخرج له مسلم في صحيحه. أبوه: فرات بن أبي عبد الرحمن القزاز التميمي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ولكن روايته عن ابن عباس منقطعة، إنما هو يروى عن التابعين.

ص: 341

إلى أبي الجَلد يسأله عن الرعد، فقال: الرعد ريح (1) .

قال أبو جعفر: فإن كان الرّعد ما ذكره ابن عباس ومجاهد، فمعنى الآية: أو كصيِّب من السماء فيه ظلمات وصوتُ رَعد. لأن الرعد إن كان مَلَكًا يسوق السَّحاب، فغير كائن في الصيِّب، لأن الصيِّب إنما هو ما تحدَّر من صَوْب السحاب، والرعد إنما هو في جو السماء يَسوق السحاب. على أنه لو كان فيه ثَمَّ لم يكن له صوت مسموع، فلم يكن هنالك رُعب يُرْعَب به أحد (2) . لأنه قد قيل: إنّ مع كل قطرةٍ من قطر المطر مَلَكًا، فلا يعدُو الملكُ الذي اسمه"الرعد"، لو كان مع الصيِّب، إذا لم يكن مسموعًا صوته، أن يكون كبعض تلك الملائكة التي تنزل مع القطر إلى الأرض، في أن لا رُعب على أحد بكونه فيه. فقد عُلم -إذ كان الأمر على ما وصفنا من قول ابن عباس- أنّ معنى الآية: أو كمثَل غَيث تحدَّر من السماء فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ، إن كان الرعد هو ما قاله ابن عباس، وأنه استغنى بدلالة ذكر الرعد باسمه على المراد في الكلام مِنْ ذكر صوته. وإن كان الرعد ما قاله أبو الجَلد، فلا شيء في قوله"فيه ظلماتٌ ورَعدٌ" متروك. لأن معنى الكلام حينئذ: فيه ظلمات ورعدٌ الذي هو ما وصفنا صفته.

وأما البَرْق، فإن أهل العلم اختلفوا فيه: فقال بعضهم بما:-

439-

حدثنا مَطرُ بن محَمد الضَّبّي، قال: حدثنا أبو عاصم، -ح- وحدثني محمد بن بشار، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، -ح- وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيري، قالوا جميعًا: حدثنا سفيان الثوري، عن سَلمة بن كُهيل، عن سعيد بن أشْوَعَ، عن ربيعة

(1) الأخبار 419 - 438 جميعًا: لم يذكرها ابن كثير ولا السيوطي في الدر المنثور، وذكر البغوي في تفسيره 1: 99 - 100، بعضها، والقرطبي 1: 187 وما بعدها.

(2)

في المطبوعة: "على أنه لو كان فيه يمر، لم يكن له صوت مسموع، فلم يكن هناك رعب" وهو من تبديل النساخ.

ص: 342

بن الأبيض، عن علي، قال: البرق: مخاريقُ الملائكة (1) .

440-

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا عبد الملك بن الحسين، عن أبي مالك، عن السُّدّيّ، عن ابن عباس: البرقُ مخاريقُ بأيدي الملائكة، يزْجرون بها السحاب.

441-

وحدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن المغيرة بن سالم، عن أبيه، أو غيره، أن علي بن أبي طالب قال: الرَّعد الملَك، والبرق ضَرْبه السحابَ بمخراق من حديد.

وقال آخرون: هو سوطٌ من نور يُزجي به الملكُ السحابَ.

* ذكر من قال ذلك:

442-

حدثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، بذلك.

وقال آخرون: هو ماء.

* ذكر من قال ذلك:

443-

حُدِّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا بِشر بن إسماعيل، عن أبي كثِير، قال: كنت عند أبي الجَلْد، إذ جاء رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه:"كتبت إليّ تسألني عن البرق، فالبرق الماء".

444-

حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثنا عمران بن مَيسرة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفرات، عن أبيه، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجَلْد يسأله عن البرق، فقال: البرق ماء.

445-

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن رجل، من أهل البصرة من قُرَّائهم، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد -رجل من أهل هَجَر- يسأله عن البرق، فكتب إليه:"كتبت إليّ تسألني عن البرق، وإنه من الماءِ".

وقال آخرون: هو مَصْع مَلَك (2) .

446-

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، قال: البرق، مَصْع مَلك (3) .

447-

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا هشام، عن محمد بن مُسلم الطائفي، قال: بلغني أن البرق مَلكٌ له أربعة أوجه، وجهُ إنسان، ووجه ثَور، ووجه نَسر، ووجه أسد، فإذا مَصَع بأجنحته فذلك البرق (4) .

448-

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن وهب بن سليمان، عن شُعيب الجَبَائي قال: في كتاب الله: الملائكة حَمَلة العرش، لكل مَلك منهم وَجه إنسان وثور وأسد، فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق

(1) الإسناد 439- سلمة بن كهيل الحضرمي: ثقة معروف، سعيد بن أشوع: هو سعيد ابن عمرو بن أشوع الكوفي القاضي، نسب إلى جده. وهو ثقة، أخرج له الشيخان في الصحيحين، ربيعة بن الأبيض -الذي روى عن علي- لم أجد له ترجمة إلا في كتاب الثقات لابن حبان:184. قال: "ربيعة بن الأبيض، يروى عن علي بن أبي طالب، روى عنه ابن أشوع".

المخاريق جمع مخراق: وهو منديل أو نحوه يلوى فيضرب به، ويلف فيفزع به، وهو من لعب الصبيان، ومنه سمى السيف مخراقًا.

(2)

المصع: الضرب بالسيف أو السوط أو غيرهما. والمصاع: المجالدة بالسيف. يعني أن الملك يضرب السحاب بمخراقه.

(3)

الإسناد 446- عثمان بن الأسود بن موسى المكي: ثقة ثبت كثير الحديث، يروى عن مجاهد، ويروى عنه سفيان الثوري.

(4)

الإسناد 447- محمد بن مسلم بن سوسن الطائفي: وثقه ابن معين، وقال ابن مهدي:"كتبه صحاح"، وضعفه أحمد بن حنبل، وأخرج له مسلم في صحيحه حديثًا واحدًا متابعة.

ص: 343

(1)

. وقال أميةُ بن أبي الصلت:

رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ

وَالنَّسْرُ لِلأُخْرَى، وَلَيْثٌ مُرْصِدُ (2)

449-

حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن ابن جُريج، عن مجاهد، عن ابن عباس: البرق ملك.

450-

وقد حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: الصواعق مَلَك يضربُ السحابَ بالمخاريق، يُصيب منه من يشاء (3) .

قال أبو جعفر: وقد يحتمل أن يكون ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد. وذلك أن تكون المخاريقُ التي ذكر عليّ رضي الله عنه أنها هي البرق، هي السياط التي هي من نور، التي يُزجي بها الملك السحاب، كما قال ابن عباس. ويكون إزجاء الملك بها السحاب، مَصْعَه إياه (4) . وذلك أن المِصَاعَ عند العرب، أصله: المجالَدَةُ بالسيوف، ثم تستعمله في كل شيء جُولد به في حرب وغير حرب، كما قال أعشى بني ثعلبة، وهو يصف جَواريَ يلعبن بِحلْيهنَّ ويُجالدْن به (5) .

(1) الأثر 448- وهب بن سليمان الجندي -بفتح الجيم والنون- اليماني، قال البخاري في الكبير 4/2/ 169 - 170:"عن شعيب الجبائي، قوله، روى عنه ابن جريج". ولم أجد له ترجمة عند غيره. شعيب الجبائي: بفتح الجيم والباء الموحدة مخففة، نسبة إلى"جبأ"، بوزن"جبل"، وهو جبل في اليمن قرب الجند، كما قال ياقوت وغيره. وشعيب هذا ترجمه البخاري في الكبير 2/2/ 219. وترجمه ابن أبي حاتم 2/1/ 353، قال: "شعيب الجبائي: يماني، يروى عن الكتب [يريد الكتب المنسوبة لأهل الكتاب من الأساطير] ، روى عنه سلمة بن وهرام"، ثم جزم ابن أبي حاتم بأنه"شعيب بن الأسود"، ثم روى بإسناده عن زمعة، عن شعيب بن الأسود، قال: أجد في كتاب الله". وله ترجمة في لسان الميزان 3: 150 وقال: "أخباري متروك". ثم ذكر شيئًا مما لا يقبله العقل من كلامه، وقال:"ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان قد قرأ الكتب".

(2)

ديوانه: 25، وسيأتي في تفسير آية الرعد: 35 (13: 109 بولاق) . ورواية ديوانه: "تحت يمنى رجله، والنسر لليسرى". قال الطبري في الموضع الآخر: "كأنه قال: تحت رجله، أو تحت رجله اليمنى". والضمير في قوله: "رجله"، يعنى به إسرافيل، وذكره في شعره قبل. وفي ديوانه، وفي الموضع الآخر من الطبري:"زحل"، كأنه يعني البروج، ولكن استدلال الطبري هنا واضح، دال على أن روايته"رجل".

(3)

الأخبار 439 - 450: لم تذكر في ابن كثير، ولا في الدر المنثور. وانظر البغوي 1: 99 - 100، والقرطبي 1:188.

(4)

في المطبوعة: "إزجاء الملك السحاب، مصعه إياه بها".

(5)

المجالدة: المضاربة بالسيوف وغيرها في المصارعة والقتال، من الجلد.

ص: 345

إِذَا هُنَّ نَازَلْنَ أَقَرَانَهُنَّ

وَكَانَ الْمِصَاعُ بِمَا فِي الْجُوَنْ (1)

يقال منه: ماصَعه مصاعًا. وكأن مجاهدًا إنما قال:"مَصْعُ ملك"، إذْ كان السحاب لا يماصع الملك، وإنما الرعد هو المماصع له، فجعله مصدرًا من مَصَعه يَمْصَعه مَصِْعًا.

وقد ذكرنا ما في معنى"الصاعقة" - ما قال شَهر بن حَوشب فيما مضى.

وأما تأويل الآية، فإن أهل التأويل مُختلفون فيه:

فرُوي عن ابن عباس في ذلك أقوال: أحدها: ما-

451-

حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"أو كصيِّب من السماء فيه ظلمات ورَعدٌ وبرقٌ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذَرَ الموت": أي هم من ظُلمات ما هم فيه من الكفر والحذَر من القتل - على الذي هم عليه من الخلاف والتخويف منكم - على مثل ما وصف، من الذي هو في ظلمة الصيب، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حَذَرَ الموت، يكاد البرق يخطفُ أبصارهم -أي لشدة ضوء الحق- كلما أضاءَ لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين (2) .

والآخر: ما-

452-

حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،"أو كصيِّب من السماء فيه ظُلماتٌ ورَعدٌ وبرق" إلى"إنّ الله عَلى كل شيء قدير"، أما الصيب فالمطر (3) . كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله، فيه رعدٌ شديد وصواعقُ وبرقٌ، فجعلا كلَّما أضاء لهما الصواعقُ جعلا أصابعَهما في آذانهما، من الفَرَق أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما. وإذا لمع البرق مَشيا في ضوئه (4) ، وإذا لم يلمع لم يبصِرا وقاما مكانهما لا يمشيان (5)، فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا فنأتيَ محمدًا فنضعَ أيدينا في يده. فأصبحا، فأتياه فأسلما، ووضعا أيديهما في يده، وحَسُن إسلامهما. فضرب الله شأن هذين المنافقيْن الخارجيْن مثلا للمنافقين الذين بالمدينة. وكان المنافقون إذا حضروا مجلسَ النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم، فَرَقًا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أن يَنزِل فيهم شيء أو يُذكَروا بشيء فيقتَلوا، كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما، وإذا أضاء لهم مشوا فيه. فإذا كثرت أموالهم، ووُلد لهم الغلمان (6) ، وأصابوا غنيمةً أو فتحًا، مشوْا فيه، وقالوا: إن دين محمد صلى الله عليه وسلم دينُ صدق. فاستقاموا عليه، كما كان ذانك المنافقان يمشيان، إذا أضاء لهم البرق مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا (7) . فكانوا إذا هلكت أموالهم، ووُلد لهم الجواري، وأصابهم البلاء (8)، قالوا: هذا من أجل دين محمد. فارتدوا كفارًا، كما قام ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما (9) .

والثالث: ما-

453-

حدثني به محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس:"أو كصيِّب من السماء"، كمطر،"فيه ظلمات ورعدٌ وبرقٌ" إلى آخر الآية، هو مَثل المنافق في ضوء ما تكلّم بما معه من كتاب الله وعمل، مُراءَاةً للناس، فإذا خلا وحده عَمل بغيره. فهو في ظلمة ما أقام على ذلك. وأما الظلماتُ فالضلالةُ، وأما البرقُ فالإيمان، وهم أهل الكتاب.

(1) ديوانه: 15، وزعم الطبري كما ترى أنه أراد جواري يلعبن بحليهن ويجالدن بها. وقد أخطأ المعنى. وإنما أراد الأعشى ما هو أبلغ. وذلك أن الأقران جمع قرن: وهو الذي يقارنك في القوة والشجاعة، وأراد به الرجال، وينازلن: أراد ما يكون منهن من المداعبة والممارسة إرادة الغلبة على عقول الرجال وعزائمهم. والجون، جمع جونة: وهي سلة صغيرة مستديرة مغشاة بالأدم يكون فيها الطيب. ويقال أيضًا: "جؤنة وجؤن" بالهمز. وذكر الأعشى المعركة القديمة الدائرة بين الرجال والنساء، يتخذن الزينة والطيب سلاحًا، فيتصدين للرجال ابتغاء الظفر والغلبة، والفتنة التي تصرع الألباب والعزائم، فيقع الرجال أسرى في أيديهن.

(2)

الخبر 451- ذكره السيوطي في الدر المنثور بتمامه 1: 32 - 33، ونسبه أيضًا لابن إسحاق، وابن أبي حاتم. وفيه وفي المخطوطة"من الخلاف والتخويف منكم" ونقل ابن كثير بعضه 1:100.

(3)

في المطبوعة: "وأما الصيب والمطر"، وهو خطأ.

(4)

في الأصول: "مشوا"، وصححناه من الدر المنثور والشوكاني.

(5)

في الأصول: "قاما مكانهما" بغير واو، وفي إحدى النسخ المخطوطة:"فقاما مكانهما"، واتفقت سائر الأصول وما نقل في الدر المنثور والشوكاني على حذف الفاء، والجملة لا تستقيم، فجعلناها"وقاما"، وهو صواب العبارة.

(6)

في الدر المنثور: "وولدهم، وأصابوا. . "، وفي الشوكاني:"وأولادهم وأصابوا. . "

(7)

في المخطوطة: "إذا أضاء لهما مشيا، وإذا أظلم عليهما قاما". وفي الدر المنثور: "يمشيان إذا أضاء بهما البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا"، وفي الشوكاني:"يمشيان إذا أضاء لهم البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا"، وأجودهن ما في المخطوطة، وما في المطبوعة.

(8)

في الدر المنثور والشوكاني: "إذا هلكت أموالهم وأولادهم وأصابهم البلاء".

(9)

الحديث 452- نقل في الدر المنثور 1: 32، والشوكاني 1: 36 - 37، وسيأتي في ص 354 قول الطبري عن هذا الحديث وعن إسناده:"ولست أعلمه صحيحًا، إذ كنت بإسناده مرتابًا. " وانظر ما كتبه أخي السيد أحمد محمد شاكر في هذا الإسناد فيما مضى في الخبر رقم: 168.

ويقول أحمد محمد شاكر عفا الله عنه: وحق لأبي جعفر رحمه الله أن يرتاب في إسناده. فإن هذا الإسناد فيه تساهل كثير، من جهة جمع مفرق التفاسير عن الصحابة في سياق واحد، تجمعه هذه الأسانيد، كما بينا آنفًا. فإذا كان الأمر في تفسير معنى آية، كان سهلا ميسورًا قبوله، إذ يكون رأيًا أو آراء لبعض الصحابة في معنى الآية، وما في ذلك بأس. أما إذا ارتفع الخبر إلى درجة الحديث، بالإخبار عن واقعة معينة أو وقائع، كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أسباب لنزول بعض الآيات، أو نحو ذلك، مما يلحق بالحديث المرفوع لفظًا أو حكمًا -كان قبول هذا الإسناد- إسناد تفسير السدي- محل نظر وارتياب. إذ هو رواية غير معروف مصدرها معرفة محددة: أي هؤلاء الذي قال هذا؟ وأيهم الذي عبر عنه باللفظ الذي جاء به؟ نعم، إن ظاهره أنه عن الصحابة: إما ابن عباس، وإما ابن مسعود، وإما"ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" - فقد يقول قائل: إن مرجع الرواية فيه إلى الصحابة، وسواء أعرف الصحابي الراوي أم أبهم اسمه، فإن ذلك لا يخرجه عن رواية الصحابة، وجهالة الصحابي لا تضر؟ ولكن سياق هذه الروايات المطولة المفصلة، في التفسير وفي الحوادث المتعلقة بأسباب النزول، مثل الرواية التي هنا في هذا الموضع، مع إعراض أئمة الحديث، الذين خرجوا الروايات الصحيحة، والروايات المقبولة مما هو دون الصحيح - عن إخراج هذه الرواية ونحوها، وإعراض مؤرخي السيرة عن روايتها أيضًا، كل أولئك يوجب الريبة في اتصال مثل هذه الرواية، وفي الجزم بنسبتها إلى الصحابة. إذ لعلها مما أدرج في الرواية أثناء الحديث بها. والاحتياط في نسبة الحديث المرفوع وما في حكمه واجب.

ص: 346

وإذا أظلم عليهم، فهو رجلٌ يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يُجاوزه (1) .

والرابع: ما-

454-

حدثني به المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"أو كصيِّب من السماء"، وهو المطر، ضرب مَثله في القرآن يقول:"فيه ظلمات"، يقول: ابتلاء،"ورعد" يقول فيه تخويف،"وبرق"،"يكاد البرق يخطف أبصارهم"(2)، يقول: يكاد محكم القرآن يدُلّ على عورات المنافقين،"كلما أضاء لهم مَشوا فيه". يقول: كلما أصابَ المنافقون من الإسلام عِزًّا اطمأنوا، وإن أصابَ الإسلام نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر (3) يقول:"وإذا أظلم عَليهم قاموا"، كقوله:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)[سورة الحج: 11](4) .

ثم اختلف سائر أهل التأويل بعدُ في ذلك، نظيرَ ما روي عن ابن عباس من الاختلاف:

455-

فحدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: إضاءة البرق وإظلامُه، على نحو ذلك المثَل.

456-

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثلَه.

(1) الخبر 453- في الدر المنثور 1: 32، والشوكاني 1: 37، مع اختلاف يسير في اللفظ.

(2)

في الدر المنثور والشوكاني: "رعد وبرق - تخويف".

(3)

في المطبوعة: "قالوا رجعوا إلى الكفر"، وهو خطأ محض.

(4)

الخبر 454- في الدر المنثور 1: 32، والشوكاني 1: 36، وبعضه في تفسير ابن كثير 1:100.

ص: 349

457-

حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله.

458-

وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة، في قول الله:"فيه ظلماتٌ ورعدٌ وبرقٌ" إلى قوله"وإذا أظلم عليهم قاموا"، فالمنافق إذا رأى في الإسلام رخاءً أو طمأنينة أو سَلوة من عَيش، قال: أنا معكم وأنا منكم، وإذا أصابته شَديدةٌ حَقحقَ والله عندها، فانقُطعَ به، فلم يصبر على بلائها، ولم يَحتسب أجرَها، ولم يَرْجُ عاقبتها (1) .

459-

وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعمر، عن قتادة:"فيه ظلمات ورعد وبرق"، يقول: أجبنُ قوم (2) لا يسمعون شيئًا إلا إذا ظنوا أنهم هالكون فيه حَذرًا من الموت، والله مُحيطٌ بالكافرين. ثم ضرب لهم مَثلا آخر فقال:"يكادُ البرقُ يخطف أبصارَهم كلما أضاء لهم مشوا فيه"، يقول: هذا المنافق، إذا كثر ماله، وكثرت ماشيته، وأصابته عافية قال: لم يُصبني منذُ دخلت في ديني هذا إلا خيرٌ."وإذا أظلم عليهم قاموا" يقول: إذا ذهبت أموالهم، وهلكت مواشيهم، وأصَابهم البلاءُ، قاموا متحيرين (3) .

460-

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"فيه ظلمات ورعد وبرق"، قال: مَثَلُهم

(1) الأثر 458- في الدر المنثور 1: 33، وهو جزء من أثر قتادة بتمامه، ونصه هناك:"فإذا رأى المنافق من الإسلام طمأنينة وعافية ورخاء وسلوة عيش، قالوا: إنا معكم ومنكم. وإذا رأى من الإسلام شدة وبلاء، فقحقح عند الشدة، فلا يصبر لبلائها، ولم يحتسب أجرها، ولم يرج عاقبتها". وقوله في الدر المنثور"قحقح"، أظنه خطأ، وإنما هو حقحق كما في أصول الطبري. والحقحقة: أرفع السير وأتعبه للظهر. يريد أنه يسرع إسراعًا في حيرته حتى يهلكه التعب، وذلك أن المنافق لا يصبر على البلوى صبر المؤمن الراضي بما شاء الله وقدر. وقوله"فانقطع به" بالبناء للمجهول يقال للدابة وللرجل"قطع به وانقطع به" بالبناء للمجهول، إذا عجز فلم ينهض، وأتاه أمر لا يقدر على أن يتحرك معه، وانقطع رجاؤه. وفي المخطوطة"فتقطع به" وليست بشيء. وفي المطبوعة:"وإذا أصابته شدة".

(2)

في المطبوعة: "أخبر عن قوم"، وهو كلام بلا معنى.

(3)

الأثر 459- لم أجده بلفظه، وأثر قتادة في الدر المنثور 1: 33 شبيه به في المعنى دون اللفظ.

ص: 350

كمثل قوم ساروا في ليلة مظلمة، ولها مطر ورَعد وبرق على جادَّة، فلما أبرقت أبصرُوا الجادَّة فمضوا فيها، وإذا ذهب البرق تحيَّروا. وكذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، فإذا شك تحيَّر ووقع في الظلمة، فكذلك قوله:"كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا"، ثم قال: في أسماعهم وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس،"ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم".

قال أبو جعفر:

461-

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان الباهلي، عن الضحاك بن مُزَاحم،"فيه ظلمات"، قال: أما الظلمات فالضلالة، والبرق الإيمان (1) .

462-

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد في قوله:"فيه ظلمات ورَعد وبرق"، فقرأ حتى بلغ:"إنّ الله على كل شيء قدير"، قال: هذا أيضًا مثلٌ ضربه الله للمنافقين، كانوا قد استناروا بالإسلام، كما استنارَ هذا بنور هذا البرق.

463-

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جُريج: ليس في الأرض شيء سمعه المنافق إلا ظنّ أنه يُراد به، وأنه الموت، كراهيةً له -والمنافق أكرهُ خلق الله للموت- كما إذا كانوا بالبَراز في المطر، فرُّوا من الصواعق (2) .

464-

حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا ابن جُريج، عن عطاء في قوله:"أو كصَيِّب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق"، قال: مثَل ضُرِبَ للكافر (3) .

(1) الأثر 461- في الأصول"أبو نميلة" بالنون، وهو خطأ، والصواب"أبو تميلة" بالتاء مصغرًا، وهو يحيى بن واضح، كما مضى في:392.

(2)

في المخطوطة: "كما إذ كانوا بالبر في المطر. . "، وهو شبيه بالصواب. والبراز: الفضاء من الأرض البعيد الواسع، ليس به شجر ولا غيره مما يستتر به.

(3)

الآثار 460 - 464: لم أجدها في مكان.

ص: 351

وهذه الأقوال التي ذكرنا عمن رويناها عنه، فإنها - وإن اختلفت فيها ألفاظ قائليها - متقارباتُ المعاني، لأنها جميعًا تُنبئ عن أن الله ضَرَب الصيِّب لظاهر إيمان المنافق مَثلا وَمثَّلَ ما فيه من ظلمات لضلالته، وما فيه من ضياء برقٍ لنور إيمانه (1) ؛ واتقاءه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه، لضَعف جَنانه ونَخْبِ فؤاده من حُلول عقوبة الله بساحته (2) ؛ وَمشيَه في ضوء البرق باستقامته على نور إيمانه؛ وقيامَه في الظلام، لحيرته في ضلالته وارتكاسه في عَمَهه (3) .

فتأويل الآية إذًا -إذْ كان الأمر على ما وصفنا- أو مَثَلُ ما استضاء به المنافقون - من قيلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم: آمنا بالله وباليوم الآخر وبمحمد وما جاء به، حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكامُ المؤمنين، وهم - مع إظهارهم بألسنتهم ما يُظهرون - بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر، مكذِّبون، ولخلاف ما يُظهرون بالألسُن في قلوبهم معتقدون، على عمًى منهم، وجهالة بما هم عليه من الضلالة، لا يدرون أيّ الأمرين اللذين قد شَرَعا لهم [فيه] الهداية (4) ، أفي الكفر الذي كانوا عليه قبل إرسال الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بما أرسله به إليهم، أم في الذي أتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربهم؟ فهم من وعيد الله إياهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وَجِلون، وهم مع وجلهم من ذلك في حقيقته شاكُّون، في قلوبهم مَرَض فزادهمُ الله مَرَضًا. كمثل غَيثٍ سَرى ليلا في مُزنة ظلماء

(1) في المخطوطة: "بضلالته. . . بنور إيمانه".

(2)

في المطبوعة: "وتحير فؤاده". والنخب: الجبن وضعف القلب. ورجل نخب ونخيب ومنخوب الفؤاد: جبان لا خير فيه، كأنه منتزع الفؤاد، فلا فؤاد له.

(3)

في المطبوعة: "باستقامته. . بحيرته في ضلالته. . "

(4)

في المخطوطة: "سرعا" غير واضحة ولا منقوطة. ولعل الصواب"شرعا" من قولهم شرعت الإبل الماء: أي دخلته وخاضت فيه لتشرب منه. والمنافق يخوض في الإيمان بلسانه وفي الكفر بقلبه. وزدت ما بين القوسين ليستقيم المعنى. وفي المطبوعة بعد: "الهداية في الكفر الذي كانوا عليه"، بغير ألف الاستفهام، وهو خطأ لا يستقيم.

ص: 352

وليلة مظلمة (1) يحدوها رعدٌ، ويستطير في حافاتها برقٌ شديد لمعانه (2) ، كثير خَطرانه (3) ، يكاد سَنا برقه يَذهب بالأبصار ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه، وينهبط منها تارات صواعقُ، تكاد تَدَع النفوس من شدة أهوالها زَواهق.

فالصيِّب مَثلٌ لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق، والظلمات التي هي فيه لظُلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلوب. وأما الرعدُ والصواعق، فلِما هم عليه من الوَجَل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في آي كتابه، إما في العاجل وإما في الآجل، أنْ يحلّ بهم، مع شكهم في ذلك: هل هو كائن أم غير كائن؟ وهل له حقيقة أم ذلك كذبٌ وباطلٌ؟ - مثلٌ (4) . فهم من وَجلهم، أن يَكون ذلك حَقًّا، يتقونه بالإقرار بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم، مخافةً على أنفسهم من الهلاك ونزول النَّقِمَات (5) . وذلك تأويل قوله جل ثناؤه"يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذَرَ الموت"، يعني بذلك: يتقون وَعيدَ الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتّقي الخائف أصواتَ الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أصابعه فيها، حَذَرًا على نفسه منها.

وقد ذكرنا الخبرَ الذي روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقولان: إن المنافقين كانوا إذا حضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخلوا أصابعهم

(1) في المطبوعة: "وليل مظلمة"، وهو خطأ بين.

(2)

في المطبوعة والمخطوطة: "يحذوها" بالذال المعجمة، وهو خطأ. وإنما هو من حداء السائق بإبله: وهو غناؤه لها وزجره إياها، وهو يسوقها. جعل صوت الرعد حداء للسحاب. واستطار البرق: سطع وشق السحاب وانتشر في جوانب الغمام.

(3)

في المخطوطة: "خطواته" غير منقوطة، وهو تحريف. من قولهم خطر بسيفه أو سوطه يخطر خطرانًا: إذا رفعه مرة ووضعه أخرى، شبه شقائق البرق بالسوط يلمع مرة ويخفى أخرى.

(4)

قوله"مثل" خبر مبتدأ محذوف، فسياق الجملة كما ترى: أما الرعد والصواعق، فمثل لما هم عليه من الوجل. .

(5)

النقمات: جمع نقمة مثل كلمات وكلمة، وهي العقوبات.

ص: 353

في آذانهم فَرَقًا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء فيقتلوا. فإنْ كان ذلك صحيحًا - ولست أعلمه صحيحًا، إذ كنت بإسناده مُرتابًا - فإنّ القولَ الذي رُوي عنهما هو القول (1) . وإن يكن غيرَ صحيح، فأولى بتأويل الآية ما قلنا، لأن الله إنما قصّ علينا من خَبرهم في أول مُبتدأ قصتهم (2)، أنهم يُخادعون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، مع شكّ قلوبهم ومَرَض أفئدتهم في حقيقة ما زَعموا أنهم به مؤمنون، مما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربهم. وبذلك وصَفَهم في جميع آي القرآن التي ذكرَ فيها صفتهم. فكذلك ذلك في هذه الآية.

وإنما جَعل اللهُ إدخالهم أصابعهم في آذانهم مثلا لاتِّقائهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما ذكرنا أنهم يَتَّقونهم به، كما يتّقي سامعُ صَوتِ الصاعقة بإدخال أصابعه في أذنيه. وذلك من المثَل نظيرُ تمثيل الله جل ثناؤه ما أنزَل فيهم من الوعيد في آي كتابه بأصوات الصواعق. وكذلك قوله"حَذَرَ الموت"، جعله جلّ ثناؤه مثلا لخوفهم وإشفاقهم من حلول عاجل العقاب المهلِكهم الذي تُوُعِّدوه بساحتهم (3) كما يجعل سامعُ أصوات الصواعق أصَابعه في أذنيه، حَذَرَ العطب والموت على نفسه، أنْ تَزهق من شدتها.

وإنما نصَب قوله"حَذَرَ الموت" على نحو ما تنصب به التكرمة في قولك:"زُرْتك تَكرمةً لك"، تريد بذلك: من أجل تكرمتك، وكما قال جلّ ثناؤه، (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) [سورة الأنبياء: 90] على التفسير للفعل (4) .

وقد رُوي عن قتادة أنه كان يتأول قوله:"حَذَرَ الموت"، حذرًا من الموت.

(1) انظر الحديث رقم: 452 والتعليق عليه.

(2)

في المطبوعة: "قصصهم"، ولا بأس بها. وبعد ذلك في المخطوطة:"أنهم عارفون يخادعون الله. . "، ولا معنى لإقحام قوله:"عارفون".

(3)

في المطبوعة: "العقاب المهلك. . " بدلوا لفظ الطبري، ليوافق ما اعتادوه من الكلام.

(4)

قوله"على التفسير للفعل"، أي أنه مفعول لأجله.

ص: 354

465-

حدثنا بذلك الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عنه.

وذلك مذهب من التأويل ضعيف، لأن القوم لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم حَذَرًا من الموت، فيكون معناه ما قال إنه يراد به (1) ، حَذَرًا من الموت، وإنما جعلوها من حِذَار الموت في آذانهم.

وكان قتادةُ وابنُ جُريج يتأوّلان قوله:"يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذَر الموت"، أن ذلك من الله جلّ ثناؤه صفةٌ للمنافقين بالهلع وضعف القلوب وكراهة الموت، ويتأولان في ذلك قوله:(يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ)[سورة المنافقون: 4] .

وليس الأمر في ذلك عندي كالذي قالا. وذلك أنه قد كان فيهم من لا تُنكر شجاعته ولا تُدفع بسالته، كقُزْمان، الذي لم يَقم مقامه أَحدٌ من المؤمنين بأحُد، أو دونه (2) . وإنما كانت كراهتُهم شُهود المشاهدِ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركُهم مُعاونته على أعدائه، لأنهم لم يكونوا في أديانهم مُستبصرين، ولا برسول الله صلى الله عليه وسلم مصدِّقين، فكانوا للحضور معه مَشاهدَه كارهين، إلا بالتخذيل عنه (3) . ولكن ذلك وَصفٌ من الله جل ثناؤه لهم بالإشفاق من حُلول عقوبة الله بهم على نفاقهم، إما عاجلا وإما آجلا. ثم أخبر جل ثناؤه أنّ

(1) في المطبوعة"مراد به"، وهما سواء.

(2)

هذه الجملة في المخطوطة هكذا: "كقزمان الذي لم يقم مقامه من المؤمنين كثير أحد ودونه" وهي عبارة مبهمة. وقد أثبت ما في المطبوعة، وجعلت"ودونه"، "أو دونه" ليستقيم المعنى. ويدل على ذلك أن عدة الذين قتلوا يوم أحد من المشركين اثنان وعشرون رجلا، قتل قزمان وحده منهم عشرة، وقتل علي بن أبي طالب أربعة، وقتل حمزة بن عبد المطلب ثلاثة، وقتل عاصم ابن ثابت بن الأقلح رجلين، وقتل سعد بن أبي وقاص رجلا واحدًا. وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل رجلا صبرًا، وقتل آخر بيده صلى الله عليه وسلم. وقزمان حليف بني ظفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لمن أهل النار. فلما أبلى يوم أحد، قيل له: أبشر! قال: بماذا أبشر؟ فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي! ولولا ذلك ما قاتلت. ولما اشتدت به جراحته وآذته، أخذ سهمًا من كنانته فقتل به نفسه.

(3)

التخذيل: حمل الرجل على خذلان صاحبه، وتثبيطه عن نصرته.

ص: 355

المنافقين - الذين نَعتهم الله النعتَ الذي ذكر، وضرب لهم الأمثال التي وَصَف، وإن اتقوْا عقابه، وأشفقوا عَذابه إشفاق الجاعل في أذنيه أصابعه حِذَارَ حُلول الوعيد الذي توعدهم به في آي كتابه - غيرُ مُنْجيهم ذلك من نزوله بعَقْوَتهم (1) ، وحُلوله بِساحتهم، إما عاجلا في الدنيا، وإما آجلا في الآخرة، للذي في قلوبهم من مَرَضها، والشكّ في اعتقادها، فقال:"والله مُحيطٌ بالكافرين"، بمعنى جَامِعُهم، فمُحلٌّ بهم عُقوبته.

وكان مجاهدٌ يتأول ذلك كما:-

466-

حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم. عن عيسى بن ميمون، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله:"والله مُحيط بالكافرين"، قال: جامعهم في جهنم (2) .

وأما ابن عباس فروي عنه في ذلك ما:-

467-

حدثني به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"والله مُحيط بالكافرين"، يقول: الله منزلٌ ذلك بهم من النِّقمة (3) .

468-

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، في قوله:"والله محيط بالكافرين"، قال: جامِعُهم.

ثم عاد جل ذكره إلى نعت إقرار المنافقين بألسنتهم، والخبر عنه وعنهم وعن نفاقهم، وإتمام المثل الذي ابتدأ ضربَه لهم ولشكّهم ومَرَض قلوبهم، فقال:"يكاد البرق"، يعني بالبرق، الإقرارَ الذي أظهروه بألسنتهم بالله وبرسوله وما جاء به من عند ربهم. فجعل البرقَ له مثلا على ما قدَّمنا صفته.

(1) في المطبوعة: "بعقوبتهم"، وفي بعض المخطوطات:"بعقولهم"، وكلتاهما خطأ محض. والعقوة: ساحة الدار، وما كان حولها وقريبًا منها.

(2)

الأثر 466- من تمام أثر في الدر المنثور 1: 33.

(3)

الخبر 467- من تمام خبر في الدر المنثور 1: 32 - 33.

ص: 356

"يَخطفُ أبصَارهم"، يعني: يذهب بها ويستلبُها ويلتمعها من شدة ضيائه ونُور شُعاعه.

469-

كما حُدِّثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله:"يكاد البرقُ يخطف أبصارهم"، قال: يلتمعُ أبصارَهم ولمّا يفعل (1) .

قال أبو جعفر: والخطف السلب، ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الخطْفة، يعني بها النُّهبة (2) . ومنه قيل للخُطاف الذي يُخرج به الدلو من البئر خُطَّاف، لاختطافه واستلابه ما عَلق به، ومنه قول نابغة بني ذُبيان:

خَطَاطِيفُ حُجْنٌ فِي حِبَالٍ متينةٍ

تَمُدُّ بها أَيدٍ إِلَيْكَ نَوَازِعُ (3)

(1) الخبر 469- لم أجده. والتمع البصر أو غيره: اختلسه واختطفه وذهب به. ومنه الحديث: "إذا كان أحدكم في الصلاة، فلا يرفع بصره إلى السماء يلتمع بصره"، أي يختلس.

(2)

الذي ذكره ابن الأثير في النهاية أن الخطفة: ما اختطف الذئب من أعضاء الشاة وهي حية، لأن كل ما أبين من حي فهو ميت، وذلك أن النهي عن الخطفة كان لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، رأى الناس يجبون أسنمة الإبل وأليات الغنم ويأكلونها. قال: والخطفة المرة الواحدة من الخطف، فسمى بها العضو المختطف، وأما النهبة والنهبى، فاسم لما ينهب، وجاء بيانها في حديث سنن أبي داود 3: 88"فأصاب الناس غنيمة فانتهبوها، فقام عبد الرحمن بن سمرة خطيبًا، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النهبى". وفي الباب نفسه من سنن أبي داود عن رجل من الأنصار قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد، وأصابوا غنما فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلى إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على قوسه، فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة".

(3)

ديوانه: 41، وقبله البيت المشهور: فَإِنَّكَ كَالليلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي

وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ

خطاطيف: جمع خطاف. وحجن: جمع أحجن، وهو المعوج الذي في رأسه عقافة. وقال"تمد بها" ولم يقل: تمدها، لأنه لم يرد مد الحبال ذوات الخطاطيف، وإنما أراد اليد التي تمتد بها وفيها الخطاطيف، لأن اليد هي الذي تتبع الشيء حيث ذهب (انظر ما سيأتي من إدخال الباء على مثل هذا الفعل ص 360 س: 6 - 9) وقوله"إليك" متعلق بقوله"نوازع". ونوازع جمع نازع ونازعة، من قولهم نزع الدلو من البئر ينزعها: جذبها وأخرجها. أي أن هذه الأيدي تجذب ما تشاء إليك، وترده عليك. والبيت متصل بالذي قبله، وبيان لقوله"فإنك كالليل الذي هو مدركى"، أراد تهويل الليل وما يرى فيه، تتبعه حيث ذهب خطاطيف حجن لا مهرب له منها.

ص: 357

فجعل ضَوءَ البرق وشدة شُعاع نُوره، كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وشُعاعِ نوره، مثلا.

ثم قال تعالى ذكره:"كلما أضاء لهم"، يعني أن البرق كلما أضاء لهم، وجعل البرق لإيمانهم مَثلا. وإنما أراد بذلك: أنهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءتُه لهم: أن يروْا فيه ما يُعجبهم في عاجل دنياهم، من النُّصرة على الأعداء، وإصابةِ الغنائم في المغازي، وكثرة الفتوح، ومنافعها، والثراء في الأموال، والسلامةِ في الأبدان والأهل والأولاد - فذلك إضاءتُه لهم، لأنهم إنما يُظهرون بألسنتهم ما يُظهرونه من الإقرار، ابتغاءَ ذلك، ومدافعةً عن أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذَراريهم، وهم كما وصفهم الله جلّ ثناؤه بقوله:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ)[سورة الحج: 11] .

ويعني بقوله"مشوا فيه"، مشوا في ضوء البرق. وإنما ذلك مَثلٌ لإقرارهم على ما وصفنا. فمعناه: كلما رأوا في الإيمان ما يُعجبهم في عاجل دنياهم على ما وصفنا، ثبتوا عليه وأقاموا فيه، كما يمشي السائر في ظُلمة الليل وظُلمة الصَّيِّب الذي وصفه جل ثناؤه، إذا برقت فيها بارقةٌ أبصرَ طريقه فيها.

"وإذا أظلم"، يعني: ذهب ضوءُ البرق عنهم.

ويعني بقوله"عليهم"، على السائرين في الصيِّب الذي وَصف جل ذكره. وذلك للمنافقين مثَل. ومعنى إظلام ذلك: أنّ المنافقين كلما لم يَرَوْا في الإسلام ما يعجبهم في دنياهم - عند ابتلاء الله مؤمني عباده بالضرَّاء، وتمحيصه إياهم بالشدائد والبلاء، من إخفاقهم في مَغزاهم، وإنالة عدوّهم منهم (1) ، أو إدبارٍ من

(1) في المطبوعة"وإنالة عدوهم"، وهو خطأ. والإدالة: الغلبة، وهي من الدولة في الحرب، وهو أن يهزم الجيش مرة، ويهزمه الجيش الآخر تارة أخرى. يقال: اللهم أدلنا من عدونا! أي اللهم اجعل لنا الدولة عليه وانصرنا.

ص: 358

دنياهم عنهم - أقاموا على نفاقهم (1) ، وَثبتوا على ضلالتهم، كما قام السائر في الصيِّب الذي وصف جل ذكره (2) إذا أظلم وَخفتَ ضوء البرق، فحارَ في طريقه، فلم يعرف مَنهجه.

* * *

القول في تأويل قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ

(1) في المطبوعة: "قاموا على نفاقهم". وهذه أجود.

(2)

في المطبوعة والمخطوطة: "كما قام السائرون في الصيب"، وهو خطأ، صوابه من مخطوطة أخرى.

ص: 359

لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}

قال أبو جعفر: وإنما خَص جل ذكره السمعَ والأبصارَ - بأنه لو شاء أذهبَها من المنافقين دون سائر أعضاء أجسامهم (1) - للذي جرَى من ذكرها في الآيتين، أعني قوله:"يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق"، وقوله:"يكادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم كلما أضاء لهم مَشَوْا فيه"، فجرى ذكرها في الآيتين على وجه المثل. ثم عَقَّب جل ثناؤه ذكر ذلك، بأنه لو شاء أذْهبه من المنافقين عقوبةً لهم على نفاقهم وكفرهم، وعيدًا من الله لهم، كما توعَّدهم في الآية التي قبلها بقوله:"والله مُحيط بالكافرين"، واصفًا بذلك جل ذكره نفسَه، أنه المقتدر عليهم وعلى جمعهم، لإحلال سَخَطه بهم، وإنزال نِقْمته عليهم، ومُحذِّرَهم بذلك سَطوته، ومخوِّفَهم به عقوبته، ليتقوا بأسَه، ويُسارعوا إليه بالتوبة.

470-

كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن حبير، عن ابن عباس:"ولو شاء الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم"، لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته (2) .

471-

وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: ثم قال -يعني قال الله- في أسماعهم، يعني أسماعَ المنافقين، وأبصارِهم التي عاشوا بها في الناس:"ولو شاءَ الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم"(3) .

قال أبو جعفر: وإنما معنى قوله:"لذهب بسمعهم وأبصارهم"، لأذهب سَمعَهم وأبصارَهم. ولكن العرب إذا أدخلوا الباء في مثل ذلك قالوا: ذهبتُ ببصره، وإذا حذفوا الباء قالوا: أذهبتُ بصره. كما قال جل ثناؤه: (آتِنَا غَدَاءَنَا)[سورة الكهف: 62]، ولو أدخلت الباء في الغداء لقيل: ائتنا بغدَائنا (4) .

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل:" لذهب بسمعهم" فوحَّد، وقال:"وأبصارهم" فجمع؟ وقد علمتَ أن الخبر في السمع خبرٌ عن سَمْع جماعة (5) ، كما الخبر عن الأبصار خبرٌ عن أبصار جماعة؟ (6)

قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعض نحويي الكوفة: وحَّد السمعَ لأنه عَنَى به المصدرَ وقصَد به الخَرْق، وجمع الأبصار لأنه عَنَى به الأعينَ. وكان بعض نحويي البصرة يزعم: أنّ السمع وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى جماعة (7) . ويحتج في ذلك بقول الله:(لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ)[سورة إبراهيم: 43]، يريد: لا ترتد إليهم أطرافهم، وبقوله:(وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)[سورة القمر: 45] ،

(1) في المخطوطة: "دون سائر أجسامهم".

(2)

الخبر 470- من تمام الخبر الذي ساقه في الدر المنثور 1: 32 - 33، وقد مضى صدره آنفًا: 451، 467.

(3)

الأثر 471- هو من الأثر السالف رقم: 460.

(4)

انظر معاني القرآن للفراء 1: 19. وانظر ما مضى ص 357 تعليق: 3

(5)

في المخطوطة: "أن الخبر بالسمع"، وهذه أجود، وأجودهن"الخبر عن السمع" كما سيأتي في الذي يلي.

(6)

في المطبوعة: "كما الخبر في الأبصار"، والذي في المخطوطة أجود.

(7)

في المخطوطة: "لمعنى جماعة"، وهي صواب جيد.

ص: 360

يراد به أدْبارُهم. وإنما جاز ذلك عندي، لأن في الكلام ما يَدُلّ على أنه مُرادٌ به الجمع، فكان في دلالته على المراد منه، وأداء معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة، مُغنيًا عن جِمَاعه (1) . ولو فعل بالبصر نظيرَ الذي فعل بالسمع، أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار -من الجمع والتوحيد- كان فصيحًا صحيحًا، لما ذكرنا من العلة، كما قال الشاعر:

كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا

فَإِنَّ زَمَانَنَا زَمَنٌ خَمِيصُ (2)

فوحّد البطن، والمرادُ منه البطون، لما وصفنا من العلة.

* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) }

قال أبو جعفر: وإنما وَصف الله نفسه جلّ ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذَّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم مُحيطٌ، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قَديرٌ. ثم قال: فاتقوني أيُّها المنافقون، واحذرُوا خِداعي وخداعَ رسولي وأهلِ الإيمان بي، لا أحِلَّ بكم نقمتي، فإني على ذلك وعلى غيره من الأشياء قدير. ومعنى"قدير" قادر، كما معنى"عليم" عالم، على ما وصفتُ فيما

(1) في المطبوعة: "فكان فيه دلالة على المراد منه، وأدى معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة، مغنيًا عن جماعة"، وهو كلام لا معنى له. وفي المخطوطة:". . على المراد منه واوا معنى الواحد. . "، وقد صححت قراءتها كما ترى. وقوله" مغنيًا عن جماعه" أي عن جمعه، والطبري يكثر استعمال"جماع" مكان جمع، كما مضى وكما سيأتي.

(2)

البيت من أبيات سيبويه التي لا يعلم قائلها، سيبويه 1: 108، والخزانة 3: 379 - 381، وانظر أمالي ابن الشجري 1: 311، 2: 35، 38، 343، وروايته:"في نصف بطنكم". وفي المخطوطة: "تعيشوا"، مكان"تعفوا"، وهي رواية ذكرها صاحب الخزانة. وروايتهم جميعًا "فإن زمانكم. . ".

ص: 361

تَقدم من نظائره، من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذم (1) .

* * *

القول في تأويل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}

قال أبو جعفر: فأمرَ جل ثناؤه الفريقين - اللذين أخبرَ الله عن أحدهما أنه سواءٌ عليهم أأنذروا أم لم يُنذروا أنهم لا يؤمنون (2) ، لطبْعِه على قلوبهم وعلى سمعهم (3)، وعن الآخرِ أنه يُخادع اللهَ والذين آمنوا بما يبدي بلسانه من قيله: آمنّا بالله وباليوم الآخر، مع استبطانه خلافَ ذلك، ومرض قلبه، وشكّه في حقيقة ما يُبدي من ذلك; وغيرهم من سائر خلقه المكلَّفين - بالاستكانة، والخضوع له بالطاعة، وإفراد الربوبية له والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة. لأنه جلّ ذكره هو خالقهم وخالقُ مَنْ قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالقُ أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم. فقال لهم جل ذكره: فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادَكم وسائرَ الخلق غيرَكم، وهو يقدرُ على ضرّكم ونَفعكم - أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نَفع ولا ضرّ (4) .

وكان ابن عباس: فيما رُوي لنا عنه، يقول في ذلك نظيرَ ما قلنا فيه، غير أنه ذُكر عنه أنه كان يقول في معنى"اعبُدوا ربكم": وحِّدوا ربكم. وقد دللنا -فيما مضى من كتابنا هذا- على أن معنى العبادة: الخضوعُ لله بالطاعة،

(1) انظر تفسير قوله تعالى: "الرحيم"، فيما مضى: ص 126.

(2)

في المخطوطة: "أأنذرتهم أم لم تنذرهم"، وهما سواء في المعنى.

(3)

في المطبوعة: ". . وعلى سمعهم وأبصارهم"، والصواب حذف"وأبصارهم"، لأنها غير داخلة في معنى الطبع، كما مضى في تفسير الآية.

(4)

في المخطوطة: "على ضرر ولا نفع"، وهما سواء.

ص: 362

والتذلل له بالاستكانة (1) . والذي أراد ابن عباس -إن شاء الله- بقوله في تأويل قوله:"اعبدوا ربكم" وحِّدوه، أي أفردُوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه (2) .

472-

حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال الله:"يا أيها الناسُ اعبدُوا رَبكم"، للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي وَحِّدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم (3) .

473-

وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس اعبدُوا ربّكم الذي خَلقكم والذين منْ قبلكم" يقول: خَلقكم وخَلق الذين من قبلكم (4) .

قال أبو جعفر: وهذه الآيةُ من أدلّ دليل على فساد قول من زعم: أنّ تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله غيرُ جائز، إلا بَعد إعطاء الله المكلف المعُونةَ على ما كلَّفه. وذلك أنّ الله أمرَ من وَصفنا، بعبادته والتوبة من كفره، بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون، وأنهم عن ضَلالتهم لا يَرْجعون.

* * *

(1) مضى في تفسير قوله تعالى"إياك نعبد" ص: 160.

(2)

في المخطوطة"وحدوه له أفردوا. . "، وليس لها معنى.

(3)

الخبر 472- في الدر المنثور 1: 33، وابن كثير 1: 105، والشوكاني 1:38. وفي الدر والشوكاني: "من الكفار والمؤمنين"، ووافق ابن كثير أصول الطبري.

(4)

الخبر 473- في الدر المنثور 1: 33، ولم ينسب إخراجه لابن جرير. وفي المخطوطة:"خلقكم والذين. . ".

ص: 363

القول في تأويل قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) }

قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: لعلكم تتقون بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم، وطاعتِكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، وإفرادكُم له العبادة (1) لتتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم.

وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويل قوله:"لعلكم تتقون": تُطيعون.

474-

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قوله:"لعلكم تتقون"، قال: لعلكم تطيعون (2) .

قال أبو جعفر: والذي أظن أنّ مجاهدًا أراد بقوله هذا: لعلكم أنْ تَتقوا رَبَّكم بطاعتكم إياه، وإقلاعِكم عن ضَلالتكم.

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فكيف قال جل ثناؤه:"لعلكم تتقون"؟ أو لم يكن عالمًا بما يصيرُ إليه أمرُهم إذا هم عبدوه وأطاعُوه، حتى قال لهم: لعلكم إذا فعلتم ذلك أن تتقوا، فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إياه مخرج الشكّ؟

قيل له: ذلك على غير المعنى الذي توهَّمتَ، وإنما معنى ذلك: اعبدُوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة (3)، كما قال الشاعر:

وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ، لَعَلَّنَا

نَكُفُّ! وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ (4) فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ

كَلَمْحِ سَرَابٍ فِي الْفَلا مُتَأَلِّقِ (5)

(1) في المطبوعة: "له بالعبادة" وهو خطأ.

(2)

الأثر 474- في الدر المنثور 1: 34.

(3)

يريد الطبري أن العرب تستعمل"لعل" مجردة من الشك، بمعنى لام كي، كما قال ابن الشجري في أماليه 1:51.

(4)

لم أعرف قائلهما، ورواهما ابن الشجري نقلا عن الطبري، فيما أرجح، في أماليه 1:51.

(5)

رواية ابن الشجري"في الملا". والفلا جمع فلاة: وهي الأرض المستوية ليس فيها شيء والصحراء الواسعة. والملا: الصحراء والمتسع من الأرض - فهما سواء في المعنى.

ص: 364

يريد بذلك: قلتم لنا كُفُّوا لنكفّ. وذلك أن"لعل" في هذا الموضع لو كان شَكًّا، لم يكونوا وثقوا لهم كل مَوْثق.

* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا}

وقوله:"الذي جَعل لكم الأرض فِرَاشًا" مردود على"الذي" الأولى في قوله"اعبدُوا ربكم الذي خَلقَكم"، وهما جميعًا من نَعت"ربكم"، فكأنّه قال: اعبدُوا ربكم الخالقكُم، والخالقَ الذين من قبلكم، الجاعلَ لكم الأرض فراشًا. يعني بذلك أنّه جعل لكم الأرض مهادًا مُوَطَّأً (1) وقرارًا يُستقرّ عليها. يُذكِّرُ ربّنا جلّ ذكره -بذلك من قِيله- عبادَهُ نعمَه عندهم وآلاءه لديهم (2) ليذْكروا أياديَه عندهم، فينيبوا إلى طاعته -تعطُّفًا منه بذلك عليهم، ورأفةً منه بهم، ورحمةً لهم، من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم، ولكن ليُتم نعمته عليهم ولعلهم يهتدون.

475-

كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة (3) ، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"الذي جعل لكم الأرض فراشًا" فهي فراشٌ يُمشى عليها، وهي المهاد والقرار (4) .

476-

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة:"الذي جَعل لكم الأرض فراشًا"، قال: مهادًا لكم.

(1) في المطبوعة: "مهادًا وموطئًا"، وفي المخطوطة"مهادًا توتطا"، وكأن الصواب ما أثبتناه. والموطأ: المهيأ الملين الممهد. وسيأتي أن الفراش هو المهاد.

(2)

في المطبوعة"زيادة نعمه عندهم، وآلائه لديهم"، والصواب ما في المخطوطة. وقوله"عباده" مفعول:"يذكر ربنا. . ".

(3)

قوله"وعن مرة"، ساقطة من المطبوعة، وهذا هو الصواب.

(4)

الخبر 475- في الدر المنثور 1: 34، والشوكاني 1:38.

ص: 365

477-

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"الذي جعل لكم الأرض فراشًا"، أي مهادًا.

* * *

القول في تأويل قوله: {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً}

قال أبو جعفر: وإنما سُميت السماءُ سماءً لعلوها على الأرض وعلى سُكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخرَ فهو لما تحته سَمَاءٌ. ولذلك قيل لسقف البيت: سَمَاوةٌ (1)، لأنه فوقه مرتفعٌ عليه. ولذلك قيل: سَمَا فلان لفلان، إذا أشرف له وقَصَد نحوه عاليًا عليه، كما قال الفرزدق:

سَمَوْنَا لِنَجْرَانَ الْيَمَانِي وَأَهْلِهِ

وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيَّثْ مَقَاوِلُهْ (2)

وكما قال نابغة بني ذُبيانَ:

سَمَتْ لِي نَظْرَةٌ، فَرَأيتُ مِنْهَا

تُحَيْتَ الْخِدْرِ وَاضِعَةَ الْقِرَامِ (3)

يريد بذلك: أشرفتْ لي نظرةٌ وبدت، فكذلك السماء سُميت للأرض: سماءً، لعلوها وإشرافها عليها.

(1) في المطبوعة"سماؤه"، وكلتاهما صواب، سماء البيت، وسماوته: سقفه.

(2)

ديوانه: 735، والنقائض:600. ونجران: أرض في مخاليف اليمن من ناحية مكة. وذكر نجران، على لفظه وأصل معناه، والنجران في كلام العرب: الخشبة التي يدور عليها رتاج الباب. وديث البعير: ذلله بعض الذل حتى تذهب صعوبته. والمقاول: جمع مقول. والمقول والقيل: الملك من ملوك حمير. يقول: هي أرض عز عزيز، لم يلق ملوكها ضيما يذلهم ويحني هاماتهم.

(3)

ديوانه: 86، وروايته:"صفحت بنظرة". وقوله"صفحت"، أي تصفحت الوجوه بنظرة، أو رميت بنظرة متصفحًا. والقرام: ستر رقيق فيه رقم ونقوش. والخدر: خشبات تنصب فوق قتب البعير مستورة بثوب، وهو الهودج. ووضع الشيء: ألقاه. وتحيت: تصغير"تحت"، وصغر"تحت"، لأنه أراد أن ستر الخدر بعد وضع القرام لا يبدى منها إلا قليلا، وهذا البيت متعلق بما قبله وما بعده. وقبله: فَلَوْ كَانَتْ غَدَاةَ الْبَيْنِ مَنَّتْ

وَقَدْ رَفَعُوا الْخُدُورَ عَلَى الْخِيَامِ

صَفَحْتُ بنظرةٍ. . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تَرَائِبَ يستضئُ الحليُ فيها

كَجمْرِ النارِ بُذِّرَ فِي الظَّلامِ

ص: 366

478-

كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"والسّماء بناء"، فبناءُ السماء على الأرض كهيئة القبة، وهي سقف على الأرض. (1)

479-

حدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة في قول الله:"والسماءَ بناءً"، قال: جعل السماء سَقفًا لكَ.

وإنما ذكر تعالى ذكره السماءَ والأرض فيما عدّد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوامُ دُنياهم. فأعلمهم أن الذي خَلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم، هو المستحقّ عليهم الطاعة، والمستوجبُ منهم الشكرَ والعبادةَ، دون الأصنام والأوثان، التي لا تضرُّ ولا تنفع.

* * *

القول في تأويل قول الله جلّ ثناؤه: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ}

يعني تعالى ذكره بذلك أنه أنزل من السماء مطرًا، فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغَرْسهم ثمرات (2) - رزقًا لهم، غذاءً وأقواتًا. فنبههم بذلك على قدرته وسُلطانه، وذكَّرهم به آلاءَه لديهم، وأنه هو الذي خلقهم، وهو الذي يَرزقهم ويكفُلُهم، دون من جعلوه له نِدًّا وعِدْلا من الأوثان والآلهة.

(1) الخبر 478- في الدر المنثور 1: 34، جمعه مع الخبر: 475 خبرًا واحدًا.

(2)

في المخطوطة: "زرعهم وغروسهم"، وهما سواء.

ص: 367

ثم زَجَرهم عن أن يجعلوا له ندًّا، مع علمهم بأن ذلك كما أخبرهم، وأنه لا نِدَّ له ولا عِدْل، ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ ولا خالقٌ ولا رازقٌ سِواه.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا}

قال أبو جعفر: والأنداد جمع نِدّ، والنِّدّ: العِدْلُ والمِثل، كما قال حسان بن ثابت:

أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ?

فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ (1)

يعني بقوله:"ولستَ له بند"، لست له بمثْلٍ ولا عِدْلٍ. وكل شيء كان نظيرًا لشيء وله شبيهًا فهو له ند (2) .

480-

كما حدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، أي عُدَلاء (3) .

481-

حدثني المثنى، قال: حدثني أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبل، عن ابن أبي نَحيح، عن مجاهد:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، أي عُدَلاء (4) .

482-

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، قال: أكفاءً من الرجال تطيعونهم في معصية الله (5) .

(1) ديوانه: 8، روايته"بكفء"، وكذلك في رواية الطبري الآتية (18: 69 - 70 بولاق) وقصيدة حسان هذه، يهاجى بها أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، قبل إسلامه، وكان هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(2)

في المطبوعة: "كان نظيرًا لشيء وشبيهًا".

(3)

الأثر 481- في الدر المنثور 1: 35، والعدلاء: جمع عديل، وهو النظير والمثيل، كالعدل.

(4)

الأثر- 481- في الدر المنثور 1: 35، والعدلاء: جمع عديل، وهو النظير والمثيل، كالعدل.

(5)

الخبر 482- في الدر المنثور 1: 34 - 35، والشوكاني 1:39.

ص: 368

483-

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد (1) في قول الله:"فلا تَجعلوا لله أندادًا"، قال: الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.

484-

حُدِّثت عن المنجاب، قال: حدثنا بِشر، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، قال: أشباهًا (2) .

485-

حدثني محمد بن سنان، قال: حدثنا أبو عاصم، عن شَبيب، عن عكرمة:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، أن تقولوا: لولا كلبنا لَدَخل علينا اللصّ الدارَ، لولا كلبنا صَاح في الدار، ونحو ذلك (3) .

فنهاهم الله تعالى أن يُشركوا به شيئًا، وأن يعبدوا غيرَه، أو يتخذوا له نِدًّا وَعِدلا في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم، وفي رزقكم الذي أرزقكم وملكي إياكم، ونعمي التي أنعمتها عليكم (4) - فكذلك فأفردوا ليَ الطاعة،

(1) في المطبوعة: "ابن يزيد"، وهو خطأ.

(2)

الخبر 484- في الدر المنثور 1: 34، والشوكاني 1:39.

(3)

الأثر 485- جاء مثله في خبر عن ابن عباس في ابن كثير 1: 105، والشوكاني 1:39. وفي المطبوعة: "أي تقولوا: لولا كلبنا. . "، وليست بشيء. وفي المخطوطة"ونحو هذا" مكان"ونحو ذلك". والخبر الذي في ابن كثير، ساقه مطولا بالإسناد من تفسير ابن أبي حاتم، من طريق الضحاك بن مخلد، وهو أبو عاصم النبيل الذي في هذا الإسناد، عن شبيب، وهو ابن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، ولعل الطبري قصر بهذا الإسناد، لأنه يروي مثل هذه الروايات، بهذا الإسناد إلى عكرمة، عن ابن عباس، كما مضى برقم: 157. وعن ذلك إعراض ابن كثير عن نقل رواية الطبري، واختياره رواية ابن أبي حاتم. وسياق رواية ابن أبي حاتم -عن ابن عباس- فيها فوائد جمة. ولفظها: "قال: الأنداد، هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها"فلان". هذا كله به شرك". ثم قال ابن كثير: "وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت! قال: أجعلتني لله ندًّا؟! ". والحديث الذي يشير إليه ابن كثير، رواه أحمد في المسند بأسانيد صحاح، عن ابن عباس: 1839، 1964، 2561، 3247. وكذلك رواه البخاري في الأدب المفرد ص: 116 ونسبه الحافظ ابن حجر في الفتح 11: 470 للنسائي وابن ماجه.

(4)

في المطبوعة: "ونعمتي" بالإفراد.

ص: 369

وأخلصُوا ليَ العبادة، ولا تجعلوا لي شريكًا ونِدًّا من خلقي، فإنكم تعلمون أن كلّ نعمةٍ عليكم فمنِّي (1) .

* * *

القول في تأويل قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) }

اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية:

فقال بعضهم: عَنَى بها جميع المشركين من مُشركي العرب وأهل الكتاب.

وقال بعضهم: عنى بذَلك أهلَ الكتابين، أهلَ التوراة والإنجيل (2) .

ذكر من قال: عنى بها جميعَ عبَدَة الأوثان من العرب وكفار أهل الكتابين:

486-

حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نَزَل ذلك في الفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين. وإنما عَنى تعالى ذكره بقوله:"فلا تَجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون"، أي لا تشركوا بالله غيرَه من الأنداد التي لا تَنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنه لا ربّ لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه (3) .

487-

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة في قوله:"وأنتمْ تعلمون" أي تعلمون أنّ الله خَلقكم وخلق السموات والأرض، ثم تجعلون له أندادًا (4) .

(1) في المطبوعة: ". . كل نعمة عليكم مني". وهذه أجود.

(2)

في المطبوعة: "أهل الكتابين التوراة والإنجيل".

(3)

الخبر 486- مضى صدره في رقم: 472، وتمامه في ابن كثير 1: 105، والدر المنثور 1: 34، والشوكاني 1:39.

(4)

الأثر 487- في الدر المنثور 1: 35.

ص: 370

ذكر من قال: عني بذلك أهلَ الكتابين:

488-

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد:"فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون"، أنه إله واحدٌ في التوراة والإنجيل.

489-

حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا قَبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد، مثله (1) .

490-

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"وأنتم تعلمون"، يقول: وأنتم تعلمون أنّه لا ندّ له في التوراة والإنجيل (2) .

قال أبو جعفر: وأحسَِب أن الذي دَعا مجاهدًا إلى هذا التأويل، وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دُون غيرهم - الظنُّ منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أنّ اللهَ خالقها ورازقها، بجحودها وحدانيةَ ربِّها، وإشراكها معه في العبادة غيره. وإنّ ذلك لَقولٌ! ولكنّ الله جلّ ثناؤه قد أخبرَ في كتابه عنها أنها كانت تُقر بوحدانيته، غير أنها كانت تُشرك في عبادته ما كانت تُشرك فيها، فقال جل ثناؤه:(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)[سورة الزخرف: 87]، وقال:(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ)[سورة يونس: 31] .

(1) الإسناد 489- قبيصة، بفتح القاف: هو ابن عقبة بن محمد السوائي الكوفي، وهو ثقة معروف، من شيوخ البخاري، وأخرج له أصحاب الكتب الستة، تكلم بعضهم في روايته عن سفيان الثوري، بأنه يخطئ في بعض روايته، بأنه سمع من الثوري صغيرًا، ولكن لم يجرحه البخاري في الكبير 4/1/177، وقال ابن سعد في الطبقات 6: 281: "كان ثقة صدوقًا، كثير الحديث عن سفيان الثوري". وسأل ابن أبي حاتم (الجرح 3/2/126) أباه عن قبيصة وأبي حذيفة، فقال:"قبيصة أجل عندي، وهو صدوق. لم أر أحدًا من المحدثين يأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره، سوى قبيصة بن عقبة، وعلي بن الجعد، وأبي نعيم - في الثوري".

(2)

الأثر 490- ذكره ابن كثير 1: 105، والدر المنثور 1: 35، بنحوه.

ص: 371

فالذي هو أولى بتأويل قوله:"وأنتم تعلمون" - إذْ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانِيَّة الله، وأنه مُبدعُ الخلق وخالقهم ورازقهم، نظيرَ الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين، ولم يكن في الآية دلالة على أنّ الله جل

ص: 372

ثناؤه عني بقوله:"وأنتم تعلمون" أحدَ الحزبين، بل مُخرَج الخطاب بذلك عامٌّ للناس كافةً لهم، لأنه تحدَّى الناس كلهم بقوله:"يا أيها الناس اعبدُوا ربكم" - أن يكون تأويلُهُ ما قاله ابنُ عباس وقتادة، من أنه يعني بذلك كل مكلف، عالم بوحدانية الله (1) ، وأنه لا شريكَ له في خلقه، يُشرِك معه في عبادته غيرَه، كائنًا من كان من الناس، عربيًّا كان أو أعجميًّا، كاتبًا أو أميًّا، وإن كان الخطابُ لكفار أهل الكتابِ الذين كانوا حَواليْ دَار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل النفاق منهم، وممن بينَ ظَهرانيهم ممّن كان مشركًا فانتقل إلى النفاق بمقدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* * *

القول في تأويل قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}

قال أبو جعفر: وهذا من الله عز وجل احتجاجٌ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي قومه من العرب ومنافقيهم، وكفار أهل الكتاب وضُلالهم، الذين افتتح بقصَصهم قولَه جل ثناؤه:"إنّ الذين كفروا سَواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم"، وإياهم يخاطب بهذه الآيات، وضُرباءَهم يَعني بها (2)، قال الله جلّ ثناؤه: وإن كنتم أيها المشركون من العرب والكفارُ من أهل الكتابين، في شكٍّ -وهو الريب- مما نزّلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم من النور والبرهان وآيات الفرقان: أنه من عندي، وأنّي الذي أنزلته إليه، فلم تُؤمنوا به ولم تصدّقوه فيما يقول، فأتوا بحجة تدفع حُجته، لأنكم تعلمون أن حجةَ كلّ ذي نبوّة على صدقه في دعوَاه النبوة: أن يأتي ببرهان يَعجز عن أن يأتيَ بمثله جَميعُ الخلق. ومن حجة محمد صلى الله عليه وسلم على صدقه، وبُرْهانه على حقيقة نبوته (3) ، وأنّ ما جاء به من عندي - عَجزُ جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم، عن أن تَأتوا بسورةٍ من مثله. وإذا عَجزتم عن ذلك -وأنتم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة والذَّرابة (4) - فقد علمتم أن غيركم عما عَجزتم عنه من ذلك أعْجزُ. كما كانَ برهانُ من سَلف من رُسلي وأنبيائي على صدْقه، وحُجتهُ على نبوته من الآيات، ما يَعجز عن الإتيان بمثله جميعُ خلقي. فيتقرر حينئذ عندكم أنّ محمدًا لم يتقوَّله ولم يختلقْه، لأنّ ذلك لو كان منه اختلافًا وتقوُّلا لم تعجزوا وجميع خلقي عن الإتيان بمثله. لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يَعْدُ أن يكون بَشرًا مثلكم، وفي مثل حالكم في الجسم وبَسطة الخلق وذرَابة اللسان - فيمكن أن يُظنّ به اقتدارٌ على ما عَجزْتم عنه، أو يتوهم منكم عجزٌ عما اقتدر عليه.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"فأتوا بسورَة من مثله".

491-

فحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"فأتوا بسورة من مثله"، يعني: من مثل هذا القرآن حقًّا وصدْقًا، لا باطل فيه ولا كذب.

492-

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا

(1) في المخطوطة: "من أنه معنى بذلك. . "، وهما سواء.

(2)

في المطبوعة: "وأخبر بأهم نعوتها"، وهي في المخطوطة"+وحرناهم تعنى بها" غير منقوطة ولا بينة، فاختار المصححون لها قراءة لا تحمل معنى! والضرباء: جمع ضريب؛ فلان ضريب فلان: نظيره أو مثله.

(3)

في المطبوعة: "وبرهانه على نبوته".

(4)

في المطبوعة: "والدارية"، ولا معنى لها هنا، وستأتي بعد أسطر على الصواب. والذرابة: الحدة في كل شيء، وحدة اللسان وفصاحته ولدده. ذرب الرجل يذرب ذربًا وذرابة: فصح وصار حديد اللسان، فهو ذرب اللسان (بفتح الذال وكسر الراء) .

ص: 373

مَعمر، عن قتادة في قوله:"فأتوا بسورة من مثله"، يقول: بسورة مثلِ هذا القرآن (1) .

493-

حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد:"فأتوا بسورة من مثله"، مثلِ القرآن.

494-

حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله.

495-

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"فأتوا بسورة مِنْ مثله"، قال:"مثله" مثلِ القرآن (2) .

فمعنى قول مجاهد وقتادة اللذين ذكرنا عنهما (3) : أن الله جلّ ذكره قال لمن حاجَّه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من الكفار: فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن من كلامكم أيتها العرب، كما أتى به محمد بلغاتكم ومعاني منطقكم.

وقد قال قوم آخرون: إن معنى قوله:"فأتُوا بسورة من مثله"، من مثل محمد من البشر، لأن محمدًا بشر مثلكم (4) .

قال أبو جعفر: والتأويل الأول، الذي قاله مجاهد وقتادة، هو التأويل الصحيح. لأن الله جَل ثناؤه قال في سُورة أخرى:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ)[سورة يونس: 38] ، ومعلومٌ أنّ السورة ليست لمحمد بنظير ولا شبيه، فيجوزُ أنْ يقال: فأتُوا بسورة مثل محمد.

فإن قال قائل: إنك ذكرتَ أن الله عني بقوله (5)"، فأتوا بسورة من مثله"،

(1) الأثر 492- في الدر المنثور 1: 35، والشوكاني 1:40.

(2)

الآثار 493 - 495 في الدر المنثور 1: 35، والشوكاني 1: 40، وابن كثير 1:108.

(3)

في المطبوعة: "اللذين ذكرنا عنهما".

(4)

يعني فأتوا بسورة من عند بشر مثل محمد.

(5)

في المطبوعة: "إنك ذكرت"، بغير فاء.

ص: 374

من مثل هذا القرآن، فهل للقرآن من مثل فيقال: ائتوا بسورة من مثله؟

قيل: إنه لم يعنِ به: ائتُوا بسورة من مثله في التأليف والمعاني التي باينَ بها سائرَ الكلام غيرَه، وإنما عنى: ائتوا بسورة من مثله في البيان، لأنّ القرآن أنزله الله بلسان عربيّ، فكلام العرب لا شك له مثلٌ في معنى العربية. فأمّا في المعنى الذي باين به القرآن سائرَ كلام المخلوقين، فلا مثلَ له من ذلك الوجه ولا نظيرَ ولا شبيه.

وإنما احتجّ الله جلّ ثناؤه عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم بما احتج به لهُ عليهم من القرآن (1) ، إذْ ظهر عجز القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله في البيان، إذْ كان القرآن بيانًا مثلَ بيانهم، وكلامًا نزل بلسانهم، فقال لهم جلّ ثناؤه: وإن كنتم في رَيب من أنّ ما أنزلتُ على عَبدي من القرآن من عندي، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثلُه في العربية، إذْ كنتم عربًا، وهو بيانٌ نظيرُ بيانكم، وكلامٌ شبيهُ كلامِكم. فلم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظيرُ اللسان الذي نزل به القرآن، فيقدِرُوا أن يقولُوا: كلفتنا ما لو أحسنَّاه أتينا به، وإنا لا نقدر على الإتيان به لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتيان به، فليس لك علينا بهذا حجة (2) . لأنا - وإن عَجزنا عن أن نأتي بمثله من غير ألسنتنا لأنّا لسنا من أهله (3) - ففي الناس خلقٌ كثير من غير أهل لساننا يقدرُ على أن يأتيَ بمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتيان به. ولكنه جل ثناؤه قال لهم: ائتوا بسورة مثله، لأن مثله من الألسن ألسنكم (4) ، وأنتم - إن كان محمدٌ اختلقه وافتراه، إذا اجتمعتم وتظاهرتُم على الإتيان بمثل سورة منه من لسانكم وبيانكم -

(1) في المطبوعة: "بما احتج له عليهم"، أسقط"به".

(2)

في المطبوعة: "حجة بهذا" على التأخير.

(3)

في المطبوعة: "لسنا بأهله".

(4)

في المطبوعة: "ألسنتكم".

ص: 375

أقدرُ على اختلاقه ورَصْفِه وتأليفه من محمد صلى الله عليه وسلم (1) ، وإن لم تكونوا أقدرَ عليه منه، فلن تعجزوا -وأنتم جميعٌ- عما قدَر عليه محمدٌ من ذلك وهو وحيدٌ (2) ، إن كنتم صادقين في دعواكم وزعمكم أنّ محمدًا افتراه واختلقه، وأنه من عند غيرِي.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) }

فقال ابن عباس بما:

496-

حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد، عن ابن عباس:"وادعوا شُهداءكم من دون الله"، يعني أعوانكم على ما أنتم عليه، إن كنتم صادقين.

497-

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"وادعوا شُهداءكم"، ناس يَشهدون.

498-

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله.

499-

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، قال: قوم يشهدون لكم.

(1) يقول: "وأنتم. . . أقدر على اختلاقه. . "، مبتدأ وخبر، وما بينهما فصل. وفي المطبوعة مكان"ورصفه"، "ووضعه". والرصف: ضم الشيء بعضه إلى بعض ونظمه وإحكامه حتى يستوي. ومنه: كلام رصيف: أي محكم لا اختلاف فيه.

(2)

في المطبوعة"وهو وحده"، وهذه أجود.

ص: 376

500-

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"وادعوا شهداءكم"، قال: ناس يشهدون. قال ابن جُريج:"شهداءكم" عليها إذا أتيتم بها - أنها مثلُه، مثل القرآن (1) .

وذلك قول الله لمن شكّ من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله"فادعوا"، يعني: استنصروا واستغيثوا (2)، كما قال الشاعر:

فَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسَانُنَا وَرِجَالُهُمْ

دَعَوْا: يَا لَكَعْبٍ! وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرِ (3)

يعني بقوله:"دعوْا يالكعب"، استنصرُوا كعبًا واستغاثوا بهم (4) .

وأما الشهداء، فإنها جمعُ شهيد، كما الشركاء جمع شريك (5) ، والخطباء جمع خطيب. والشهيد يسمى به الشاهدُ على الشيء لغيره بما يحقِّق دَعواه. وقد يسمَّى به المشاهِدُ للشيء، كما يقال: فلان جليسُ فلان -يعني به مُجالسَه، ونديمه - يعني به مُنادِمَه، وكذلك يقال: شهيده - يعني به مُشاهِدَه.

فإذا كانت"الشهداء" محتملةً أن تكون جمعَ"الشهيد" الذي هو منصرف للمعنيين اللذين وصفتُ، فأولى وجهيه بتأويل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن يكون معناه: واستنصروا على أن تأتوا بسورة من مثله أعوانَكم وشُهداءكم الذين يُشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم، إن كنتم مُحقّين في جُحودكم أنّ ما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم اختلاق وافتراء، لتمتحنوا أنفسكم وغيرَكم: هل تقدرون على أن تأتوا بسورة من

(1) الآثار 496 - 500: في ابن كثير 1: 108 بعضها، والدر المنثور 1: 35، والشوكاني 1: 40، وفي المخطوطة في بعض المواضع:"أناس" مكان"ناس"، وهما سواء.

(2)

في المطبوعة: "واستعينوا"، وهما متقاربتان، والأولى أجود، وهي كذلك في معاني القرآن للفراء 1:19.

(3)

البيت للراعي النميري، اللسان (عزا) . واعتزى: انتسب، ودعا في الحرب بمثل قوله: يا لفلان، أو يا للمهاجرين، أو يا للأنصار، والاسم العزاء والعزوة، وهي دعوى المستغيث.

(4)

في المطبوعة: "واستعانوا"، كما سلف في أختها قبل.

(5)

في المطبوعة: "كالشركاء".

ص: 377

مثله، فيقدرَ محمد على أن يأتي بجميعه من قِبَل نَفسه اختلاقًا؟

وأما ما قاله مجاهد وابن جُريج في تأويل ذلك، فلا وجه له. لأن القوم كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافًا ثلاثة: أهل إيمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهلَ نفاق بين ذلك. فأهل الإيمان كانوا بالله وبرسوله مؤمنين، فكان من المحال أن يدّعي الكفار أن لهم شُهداء - على حقيقة ما كانوا يأتون به، لو أتوا باختلاق من الرسالة، ثم ادَّعوا أنه للقرآن نَظير - من المؤمنين (1) . فأما أهلُ النفاق والكفر، فلا شكّ أنهم لو دُعُوا إلى تَحقيق الباطل وإبطال الحق لتتارعوا إليه مع كفرهم وضَلالهم (2) ، فمن أي الفريقين كانت تكون شُهداؤهم لو ادعوْا أنهم قد أتوْا بسورة من مثل القرآن (3) ؟

ولكنْ ذلك كما قال جل ثناؤه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)[سورة الإسراء: 88] ، فأخبر جل ثناؤه في هذه الآية، أنّ مثل القرآن لا يأتي به الجنّ والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان به، وتحدَّاهم بمعنى التوبيخ لهم في سورة البقرة فقال تعالى:"وإنْ كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إنْ كنتمْ صَادقين". يعني بذلك: إن كنتم في شَكّ في صدق محمد فيما جاءكم به من عندي أنه من عندي، فأتوا بسورة

(1) قوله"من المؤمنين" متعلق بقوله آنفًا "أن لهم شهداء. . "، يعني شهداء من المؤمنين. ثم فصل، لأن قوله"على حقيقة ما كانوا يأتون به. . " متعلق أيضًا، بشهداء.

(2)

في المطبوعة: "لسارعوا إليه مع كفرهم وضلالهم". وتترع إلى الشيء: تسرع إليه، يقال في التسرع إلى الشر وما لا ينبغي. وما في المخطوطة"تتارعوا" صحيح في اشتقاق العربية، وإن لم تذكره المعاجم، وهو مثل تسرع وتسارع، سواء.

(3)

في المطبوعة"فمن أي الفرق. . "، وكلام الطبري استفهام واستنكار. لأن من المحال أن يشهد المؤمنون على هذا الباطل، والكفار وأهل النفاق يتسرعون إلى الشهادة بالباطل لإبطال الحق، فكان محالا أن يكون معنى"الشهداء" هنا: الذين يشهدون لهم، أن ما جاءوا به نظير ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى. وصار حتما أن يكون معنى"الشهداء": الذين يظاهرونهم ويعاونونهم، كما جاء في الآية التالية.

ص: 378

من مثله، وليستنصر بعضُكم بعضًا على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم، حتى تعلموا أنكم إذْ عَجزتم عن ذلك - أنّه لا يقدر على أن يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم، ولا من البشر أحدٌ، ويَصحَّ عندكم أنه تنزيلي وَوحيي إلى عبدي.

* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا}

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فإن لم تفعلوا"، إن لم تأتوا بسورة من مثله، فقد تظاهرتم أنتم وشركاؤكم عليه وأعوانكم (1) ، فتبين لكم بامتحانكم واختباركم عجزكم وعَجزُ جميع خلقي عنه، وعلمتم أنه من عندي، ثم أقمتم على التكذيب به.

وقوله:"ولن تفعلوا"، أي لن تأتوا بسورة من مثله أبدًا.

501-

كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"فإن لم تفعلوا ولنْ تفعلوا"، أي لا تقدرون على ذلك ولا تطيقونه (2) .

502-

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا"، فقد بَين لكم الحق (3) .

* * *

(1) في المطبوعة: "وقد تظاهرتم"، وما في المخطوطة أجود، وسيأتي بعد قليل بيان ذلك.

(2)

الأثر 501- ذكره السيوطي 1: 35 بنحوه، ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير. وكتب فيه خطأ مطبعيًّا"ابن جريج".

(3)

الأثران 501، 502- في الدر المنثور 1: 35، والشوكاني 1:40. ولفظ الطبري في تفسير هذه الآية وفي التي تليها، وما استدل به من الأثر الأخير، يدل على أنه يرى أن جواب الشرط محذوف، لأنه معلوم قد دل عليه السياق؛ وجواب الشرط"فقد بين لكم الحق، وأقمتم على التكذيب به وبرسولي"، ثم قال مستأنفًا: "فاتقوا أن تصلوا النار بتكذيبكم رسولي، أنه جاءكم بوحيي وتنزيلي، بعد أن تبين لكم أنه كتابي ومن عندي".

ولم أجد من تنبه لهذا غير الزمخشري، فإنه قال في تفسير الآية من كتابه"الكشاف" ما نصه:"فإن قلت: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار، انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ قلت: إنهم إذا لم يأتوا بها، وتبين عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا صح عندهم صدقه، ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا، استوجبوا العقاب بالنار. فقيل لهم: إن استبنتم العجز فاتركوا العناد. فوضع"فاتقوا النار" موضعه، لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد، من حيث إنه من نتائجه. لأن من اتقى النار ترك المعاندة. ونظيره أن يقول الملك لحشمه: "إن أردتم الكرامة عندي، فاحذروا سخطي". يريد: فأطيعوني واتبعوا أمري، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط. وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة. وفائدته: الإيجاز، الذي هو حلية القرآن، وتهويل شأن العناد، بإنابة اتقاء النار منابه، وإبرازه في صورته، مشيعًا ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها".

فقد تبين بهذا مراد الطبري، وأنه أراد أن يبين أن اتقاء النار غير داخل في الشرط، ولا هو من جوابه، ليخرج بذلك من أن يكون معنى الكلام: قصر اتقائهم النار، على عجزهم عن الإتيان بمثله. وتفسير الآتي دال على هذا المعنى تمام الدلالة. وهو من دقيق نظر الطبري رحمه الله وغفر للزمخشري.

ص: 379

القول في تأويل قوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله"فاتقوا النار"، يقول: فاتقوا أن تَصْلَوُا النار بتكذيبكم رسولي بما جاءكم به من عندي أنه من وحيي وتنزيلي، بعدَ تبيُّنكم أنه كتابي ومن عندي، وقيام الحجة عليكم بأنه كلامي ووحيي، بعجزكم وعجز جميع خلقي عن أن يأتوا بمثله.

ثم وصف جل ثناؤه النارَ التي حَذرهم صِلِيَّها فأخبرهم أنّ الناس وَقودها، وأن الحجارة وَقُودها، فقال:"التي وَقودها الناس والحجارة"، يعني بقوله:"وَقُودُها" حَطبها، والعرب تَجعله مصدرًا وهو اسم، إذا فتحت الواو، بمنزلة الحطب.

فإذا ضَمت الواو من"الوقود" كان مصدرًا من قول القائل: وَقدَت النارُ فهي تَقِد وُقودًا وقِدَة ووَقَدانًا وَوقْدًا، يراد بذلك أنها التهبتْ.

فإن قال قائل: وكيف خُصَّت الحجارة فقرنت بالناس، حتى جعلت لنار جهنم حَطبًا؟

ص: 380

قيل: إنها حجارةُ الكبريت، وهي أشد الحجارة -فيما بلغنا- حرًّا إذا أحميت.

503-

كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن مسعر، عن عبد الملك بن مَيسرة الزرَّاد، عن عبد الرحمن بن سَابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، في قوله:"وقُودها الناس والحجارة"، قال: هي حجارة من كبريت، خَلقها الله يومَ خلق السموات والأرض في السماء الدنيا، يُعدّها للكافرين.

504-

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا ابن عُيينة، عن مِسعر، عن عبد الملك الزرَّاد، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود في قوله:"وقودها الناسُ والحجارة"، قال: حجارة الكبريت، جعلها الله كما شاء (1) .

(1) الخبر 503، 504- مسعر، بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين: هو ابن كدام - بكسر الكاف وتخفيف الدال، وهو ثقة معروف، أحد الأعلام. عبد الملك بن مَيسرة الهلالي الكوفي الزراد، نسبة إلى عمل الزرود: ثقة كثير الحديث، من صغار التابعين. عبد الرحمن بن سابط الجمحي المكي: تابعي ثقة. عمرو بن ميمون الأودي: من كبار التابعين المخضرمين، كان مسلمًا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يره.

وهذا الخبر رواه الطبري بهذين الإسنادين وبالإسناد الآتي: 507. وفي الأول والثالث أن عبد الملك ابن ميسرة يرويه عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون، وفي الثاني: 504"عبد الملك الزراد عن عمرو بن ميمون" مباشرة، بحذف"عبد الرحمن بن سابط". ولو كان هذا الإسناد وحده لحمل على الاتصال، لوجود المعاصرة، فإن عبد الملك الزراد يروي عن ابن عمر المتوفى سنة 74، وعمرو بن ميمون مات سنة 74 أو 75. ولكن هذين الإسنادين: 503، 504 دلا على أنه إنما رواه عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون.

والخبر رواه الحاكم في المستدرك 2: 261، من طريق محمد بن عبيد عن مسعر عن عبد الملك الزراد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود. فهذه طريق ثالثة تؤيد الطريقين اللذين فيهما زيادة عبد الرحمن في الإسناد. وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وذكره ابن كثير 1: 1101 - 111 من رواية الطبري، ونسبه لابن أبي حاتم والحاكم، ونقل تصحيحه إياه ولم يتعقبه. وذكره السيوطي 1: 36 وزاد نسبته إلى: عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والفريابي، وهناد بن السري في كتاب الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب.

ص: 381

505-

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"اتقوا النار التي وَقودُها الناس والحجارة"، أما الحجارة، فهي حجارةٌ في النار من كَبريت أسْوَد، يُعذبون به مع النار (1) .

506-

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج في قوله:"وقودها الناس والحجارة"، قال: حجارة من كبريت أسودَ في النار، قال: وقال لي عمرو بن دينار: حجارةٌ أصلب من هذه وأعظم (2) .

507-

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن مسعر، عن عبد الملك بن مَيسرة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، قال: حجارةٌ من الكبريت خَلقها الله عنده كيفَ شاء وكما شاء (3) .

* * *

القول في تأويل قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) }

قد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا، على أن"الكافر" في كلام العرب، هو الساتر شيئًا بغطاء (4) ، وأن الله جل ثناؤه إنما سمى الكافر كافرا، لجحوده آلاءه عنده، وتغطيته نَعماءَه قِبَله.

فمعنى قوله إذًا:"أعدت للكافرين"، أعدّت النارُ للجاحدين أنّ الله رَبُّهم المتوحِّدُ بخلقهم وخلق الذين من قبلهم، الذي جَعل لهم الأرض فراشًا، والسماء

(1) الخبر 505- ذكره ابن كثير 1: 111 دون أن ينسبه، والسيوطي 1: 36، ونسبه لابن جرير وحده.

(2)

الأثر 506- في ابن كثير 1: 111 دون نسبة.

(3)

الخبر 507- سبق تفصيل إخراجه مع 503، 504.

(4)

انظر ما مضى: 255.

ص: 382

بناءً، وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لهم - المشركينَ معه في عبادته الأندادَ والآلهة (1) ، وهو المتفرد لهم بالإنشاء، والمتوحِّد بالأقوات والأرزاق (2) .

508-

كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد، عن ابن عباس:"أعدت للكافرين"، أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر (3) .

* * *

(1) قوله"المشركين" من صفة قوله آنفًا: "للجاحدين".

(2)

في المخطوطة: "بالأشياء"، وهو خطأ.

(3)

الخبر 508- في ابن كثير 1: 111، والدر المنثور 1: 36، والشوكاني 1:41.

ص: 383

القول في تأويل قوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ}

قال أبو جعفر: أما قوله تعالى:"وبشِّر"، فإنه يعني: أخبرهم. والبشارة أصلها الخبرُ بما يُسَرُّ به المخبَرُ، إذا كان سابقًا به كل مخبِرٍ سواه.

وهذا أمر من الله تعالى نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ بشارته خلقَه الذين آمنوا به وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند ربه، وصدّقوا إيمانهم ذلك وإقرَارهم بأعمالهم الصالحة، فقال له: يا محمد، بشِّرْ من صدَّقك أنك رسولي - وأن ما جئتَ به من الهدى والنور فمن عندي، وحقَّق تصديقَه ذلك قولا بأداء الصالح من الأعمال التي افترضتُها عليه، وأوجبتُها في كتابي على لسانك عليه - أن له جنات تجري من تحتها الأنهار، خاصةً، دُون من كذَّب بك وأنكرَ ما جئته به من الهدى من عندي وعاندك (1) ، ودون من أظهر تصديقك (2) ، وأقرّ

(1) في المطبوعة: "ما جئت به من الهدى".

(2)

في المخطوطة: "دون من أظهر. . " بحذف الواو، وهو قريب في المعنى.

ص: 383

أن ما جئته به فمن عندي قولا وجحده اعتقادًا، ولم يحققه عملا. فإن لأولئك النارَ التي وقُودها الناسُ والحجارة، مُعدةً عندي. والجنات: جمع جنة، والجنة: البستان.

وإنما عَنى جلّ ذكره بذكر الجنة: ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها، دون أرضها - ولذلك قال عز ذكره (1) ": تجري من تحتها الأنهار". لأنّه معلومٌ أنه إنما أراد جل ثناؤه الخبرَ عن ماء أنهارها أنه جارٍ تحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جارٍ تحت أرضها. لأن الماء إذا كان جاريًا تحت الأرض، فلا حظَّ فيها لعيون منْ فَوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه. على أنّ الذي تُوصف به أنهارُ الجنة، أنها جارية في غير أخاديد.

509-

كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عُبيدة، عن مسروق، قال: نخل الجنة نَضيدٌ من أصْلها إلى فرعها، وثمرها أمثالُ القِلال، كلما نُزعت ثمرة عادتْ مكانها أخرى، وماؤها يَجري في غير أخدود (2) .

510-

حدثنا مجاهد [بن موسى]، (3) قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا مِسعر بن كدام، عن عمرو بن مرة، عن أبي عُبيدة، بنحوه.

511-

وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت عمرو بن مُرَّة يحدث، عن أبي عبيدة -فذكر مثله- قال: فقلت لأبي عُبيدة: من حدّثك؟ فغضب، وقال: مسروق.

(1) في المطبوعة: "فلذلك قال. . "، وما في المخطوطة أجود.

(2)

الأثر 509- في الدر المنثور 1: 38. وقال ابن كثير في تفسيره 1: 113: "وقد جاء في الحديث أن أنهارها تجري في غير أخدود"، ولم يبين، وانظر ما سيأتي رقم: 517.

(3)

الإسناد 510- الزيادة بين القوسين من المخطوطة، وهو مجاهد بن موسى بن فروخ الخوارزمي، أبو علي الختلي (بضم ففتح) ، وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما. مترجم في التهذيب، وترجمه البخاري في الكبير 4/1/413، والصغير: 245، والخطيب في تاريخ بغداد 13: 265 - 266 وابن الأثير في اللباب 1: 345. مات مجاهد هذا في رمضان سنة 244. وشيخه يزيد: هو يزيد بن هارون.

ص: 384

فإذا كان الأمر كذلك، في أنّ أنهارَها جارية في غير أخاديد، فلا شكّ أنّ الذي أريدَ بالجنات: أشجارُ الجنات وغروسها وثمارها دون أرضها، إذ كانت أنهارُها تجري فوق أرضها وتحتَ غروسها وأشجارها، على ما ذكره مسروق. وذلك أولى بصفة الجنة من أن تكون أنهارها جاريةً تحت أرضها.

وإنما رغَّب الله جل ثناؤه بهذه الآية عبادَه في الإيمان، وحضّهم على عبادته بما أخبرهم أنه أعدّه لأهل طاعته والإيمان به عنده، كما حذّرهم في الآية التي قبلها بما أخبر من إعداده ما أعدّ - لأهل الكفر به، الجاعلين معه الآلهةَ والأنداد - من عقابه عن إشراك غيره معه، والتعرّض لعقوبته بركوب معصيته وتَرك طاعته (1) .

* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"كلما رُزقوا منها": من الجنات، والهاء راجعةٌ على الجنات، وإنما المعنيّ أشجارها، فكأنه قال: كلما رُزقوا - من أشجار البساتين التي أعدّها الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في جناته - من ثمرة من ثمارها رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل.

ثم اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله:"هذا الذي رُزقنا من قَبل".

فقال بعضهم: تأويل ذلك: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا.

* ذكر من قال ذلك:

512-

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا

(1) في المخطوطة: "والتفريق لعقوبته"، ولا معنى لها.

ص: 385

أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا:"هذا الذي رُزقنا من قبل"، قال: إنهم أتوا بالثمرة في الجنة، فلما نظروا (1) إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبلُ في الدنيا.

513-

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُريع، عن سعيد، عن قتادة:"قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل"، أي في الدنيا.

514-

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"قالوا هذا الذي رزقنا من قبل"، يقولون: ما أشبهه به.

515-

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، مثله.

516-

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:"قالوا هذا الذي رزقنا من قَبل"، في الدنيا، قال:"وأتوا به مُتشابهًا"، يعرفونه (2) .

قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل تأويلُ ذلك: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا، لشدة مشابهة بعض ذلك في اللون والطعم بعضًا. ومن علة قائلي هذا القول: أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيءٌ عاد مكانه آخرُ مثله.

517-

كما حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت عمرو بن مُرَّة يحدث، عن أبي عُبيدة، قال: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرُها مثل القلال، كلما نُزعت منها ثمرةٌ عادتْ مكانها أخرى (3) .

(1) في الدر المنثور: "فينظروا"، وفي الشوكاني:"فنظروا"، وكذلك في المخطوطة.

(2)

الآثار 512 - 516: في تفسير ابن كثير 1: 113 - 114، والدر المنثور 1: 38، والشوكاني 1:42.

(3)

انظر الآثار السالفة رقم: 509 - 511. وفي المخطوطة: "أمثال القلال" كما مر آنفًا.

ص: 386

قالوا: فإنما اشتبهت عند أهل الجنة، لأن التي عادت، نظيرةُ التي نُزعت فأكِلت، في كل معانيها. قالوا: ولذلك قال الله جل ثناؤه:"وأتوا به متشابهًا"، لاشتباه جميعه في كل معانيه.

وقال بعضهم: بل قالوا:"هذا الذي رزقنا من قبل"، لمشابهته الذي قبله في اللون، وإن خالفه في الطعم.

* ذكر من قال ذلك:

518-

حدثنا القاسم بن الحسين، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنا شيخ من المِصِّيصة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتِينا به من قبل. فيقول الملك: كُلْ، فاللونُ واحد والطعمُ مختلف (1) .

وهذا التأويل مذهب من تأوّل الآية. غير أنه يدفَع صحته ظاهرُ التلاوة. والذي يدل على صحته ظاهرُ الآية ويحقق صحته، قول القائلين: إن معنى ذلك: هذا الذي رزقنا من قبلُ في الدنيا. وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال:"كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقًا"، فأخبر جل ثناؤه أنّ مِنْ قِيل أهل الجنة كلما رزقوا من ثمر الجنة رزقًا، أن يقولوا: هذا الذي رُزقا من قبلُ. ولم يخصص بأن ذلك من قِيلهم في بعض ذلك دون بعض. فإذْ كان قد أخبر جلّ ذكره عنهم أن ذلك من قيلهم في كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شكّ أن ذلك من قيلهم في أول رزق رُزقوه من ثمارها أتُوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها، الذي لم يتقدّمه عندهم من ثمارها ثمرة. فإذْ كان لا شك أنّ ذلك من قيلهم في أوله، كما هو من قيلهم في أوْسطه وَما يَتلوه (2) - فمعلومٌ أنه مُحال أن يكون من قيلهم لأول رزق رُزقوه من ثمار الجنة: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا من ثمار

(1) الأثر 518- في ابن كثير 1: 114، والدر المنثور 1:38.

(2)

في المطبوعة: "في وسطه".

ص: 387

الجنة! وكيف يجوز أن يقولوا لأول رزق رُزقوه من ثمارها ولمَّا يتقدمه عندهم غيره: هذا هو الذي رُزقناه من قبل؟ إلا أن ينسُبهم ذُو غَيَّة وضَلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله منه (1) ، أو يدفعَ دافعٌ أن يكونَ ذلك من قيلهم لأول رزق رُزقوه منها مِن ثمارها، فيدفعَ صحة ما أوجب الله صحّته بقوله:"كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقًا"، من غير نَصْب دلالة على أنه معنيّ به حالٌ من أحوال دون حال.

فقد تبيّن بما بيَّنا أنّ معنى الآية: كلما رُزق الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا (2) .

فإن سألنا سائل، فقال: وكيف قال القوم: هذا الذي رُزقنا من قبل، والذي رُزقوه من قبل قد عُدم بأكلهم إياه؟ وكيف يجوز أن يقول أهل الجنة قولا لا حقيقة له؟

قيل: إن الأمر على غير ما ذهبتَ إليه في ذلك. وإنما معناه: هذا من النوع الذي رُزقناه من قَبل هذا، من الثمار والرزق. كالرجل يقول لآخر: قد أعدّ لك فلانٌ من الطعام كذا وكذا من ألوان الطبيخ والشواء والحلوى. فيقول المقول له ذاك: هذا طعامي في منزلي. يعني بذلك: أن النوع الذي ذكر له صاحبه أنه أعدّه له من الطعام هو طعامُه، لا أنّ أعيانَ ما أخبره صاحبه أنه قد أعده له، هو طعامه. بل ذلك مما لا يجوز لسامع سَمعه يقول ذلك، أن يتوهم أنه أراده أو قصدَه، لأن ذلك خلافُ مَخرَج كلام المتكلم. وإنما يوجَّه كلام كلّ متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه، دون المجهول من معانيه. فكذلك ذلك في قوله:"قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل"، إذ كان ما كانوا رُزقوه من قبل قد فني وعُدِم. فمعلوم أنهم عَنَوْا بذلك: هذا من النوع الذي رُزقناه من قبل، ومن جنسه

(1) في المطبوعة مكان قوله: "ذو غية"، "ذو غرة"، وفي المخطوطة:"ذو عته". والعته: نقص العقل، أو الجنون، وأجودهن ما أثبته عن كتاب حادي الأرواح لابن قيم الجوزية 1: 268، حيث نقل نص الطبري.

(2)

هذا التفصيل الذي ذكره الطبري من جيد النظر في معاني الكلام.

ص: 388

في السِّمَات والألوان (1) - على ما قد بينا من القول في ذلك في كتابنا هذا (2) .

* * *

القول في تأويل قوله: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}

قال أبو جعفر: والهاء في قوله:"وأتُوا به مُتشابهًا" عائدة على الرزق، فتأويله: وأتوا بالذي رُزقوا من ثمارها متشابهًا.

وقد اختلَفَ أهلُ التأويل في تأويل"المتشابه" في ذلك:

فقال بعضهم: تشابهه أنّ كله خيار لا رَذْلَ فيه.

* ذكر من قال ذلك:

519-

حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شُميل، قال: أخبرنا أبو عامر، عن الحسن في قوله:"متشابهًا" قال: خيارًا كُلَّها لا رَذل فيها.

520-

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيَّة، عن أبي رَجاء: قرأ الحسنُ آيات من البقرة، فأتى على هذه الآية:"وأتُوا به مُتشابهًا" قال: ألم تَروْا إلى ثمار الدنيا كيف تُرذِلُون بعضَه؟ وإن ذلك ليس فيه رَذْل.

521-

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعمر، قال: قال الحسن:"وأتوا به متشابهًا" قال: يشبه بعضه بعضًا، ليس فيه من رَذْل (3) .

522-

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"وأتوا به

(1) في المطبوعة: "في التسميات والألوان"، وهو خطأ.

(2)

يعني بذلك الذي تقدم، معنى قوله:"وإنما يوجه كلام كل متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه، دون المجهول من معانيه"، وقد مضى ذكر ذلك في ص 388.

هذا، وقد وقع في المطبوعة خطأ بين، فقد وضع في هذا المكان ما نقلناه إلى حق موضعه في ص 394 من أول قوله:"وقد زعم بعض أهل العربية. . " إلى قوله: "بخروجه عن قول جميع أهل العلم، دلالة على خطئه".

(3)

في المطبوعة: "ليس فيه مرذول".

ص: 389

متشابهًا"، أي خيارًا لا رَذلَ فيه، وإن ثمار الدنيا يُنقَّى منها ويُرْذَل منها، وثمار الجنة خيارٌ كله، لا يُرْذَل منه شيء.

523-

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج. قال: ثمر الدنيا منه ما يُرْذَل، ومنه نَقاوَةٌ، وثمرُ الجنة نقاوة كله، يشبه بعضُه بعضًا في الطيب، ليس منه مرذول (1) .

* * *

وقال بعضهم: تشابُهه في اللون وهو مختلف في الطعم.

* ذكر من قال ذلك:

524-

حدثني موسى، قال حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"وأتوا به متشابهًا" في اللَّوْن والمرْأى، وليس يُشبه الطعمَ.

525-

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وأتوا به متشابهًا" مِثلَ الخيار.

526-

حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: وأتوا به متشابهًا لونه مختلفًا طعمُه، مثلَ الخيار من القثّاء.

527-

حُدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"وأتوا به متشابهًا"، يشبه بعضه بعضًا ويختلف الطعم.

528-

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:"متشابهًا"، قال: مشتبهًا في اللون، ومختلفًا في الطعم.

(1) الآثار: 519 - 523 بعضها في الدر المنثور 1: 38، وبعضها في الشوكاني 1:42.

ص: 390

529-

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"وأتوا به متشابهًا"، مثل الخيار (1) .

* * *

وقال بعضهم: تشابُهه في اللون والطعم.

* ذكر من قال ذلك:

530-

حدثنا ابن وكيع. قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، قوله:"متشابهًا" قال: اللونُ والطعمُ.

531-

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزّاق، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ويحيى بن سعيد:"متشابهًا" قالا في اللون والطعم.

* * *

وقال بعضهم: تشابهه، تشابه ثمر الجنة وثمر الدنيا في اللون، وإن اختلف طعومهما.

* ذكر من قال ذلك:

532-

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:"وأتوا به متشابهًا" قال: يشبه ثمر الدنيا، غيرَ أن ثمر الجنة أطيب.

533-

حدثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: قال حفص بن عمر، قال: حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله:"وأتوا به متشابهًا"، قال: يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيبُ.

* * *

وقال بعضهم: لا يُشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا، إلا الأسماء.

* ذكر من قال ذلك:

534-

حدثني أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعيّ -ح- وحدثنا محمد

(1) الآثار: 524 - 529 بعضها في ابن كثير 1: 114 - 115، والدر المنثور 1: 38، والشوكاني 1:42.

ص: 391

بن بشار، قال، حدثنا مؤمَّل، قالا جميعًا: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيَان، عن ابن عباس - قال أبو كريب في حديثه عن الأشجعي -: لا يشبه شيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا، إلا الأسماء. وقال ابن بشار في حديثه عن مؤمل، قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء.

535-

حدثنا عباس بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عُبيد، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: ليس في الدنيا من الجنة شيء إلا الأسماء.

536-

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أنبأنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد، في قوله:"وأتوا به متشابهًا"، قال: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا، التُّفاح بالتفاح والرُّمان بالرمان، قالوا في الجنة:"هذا الذي رزقنا من قبل" في الدنيا،"وأتوا به متشابهًا" يعرفونه، وليس هو مثله في الطعم (1) .

قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية، تأويلُ من قال: وأتوا به متشابهًا في اللون والمنظر، والطعمُ مختلف. يعني بذلك اشتباهَ ثمر الجنة وثمر الدنيا في المنظر واللون، مختلفًا في الطعم والذوق، لما قدّمنا من العلة في تأويل قوله:"كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل" وأن معناه: كلما رُزقوا من الجِنان من ثمرة من ثمارها رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا: فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك، ومن أجل أنهم أتُوا بما أتوا به من ذلك في الجنة متشابهًا، يعني بذلك تشابه ما أتوا به في الجنة منه، والذي كانوا رُزقوه في الدنيا، في اللون والمرأى والمنظر، وإن اختلفا في الطعم والذوق، فتباينا، فلم يكن لشيء مما في الجنة من ذلك نظير في الدنيا.

وقد دللنا

(1) الآثار: 530 - 536 بعضها في الدر المنثور 1: 38، والشوكاني 1:42.

ص: 392

على فساد قول من زعم أنّ معنى قوله:"قالوا هذا الذي رزقنا من قبل"، إنما هو قول من أهل الجنة في تشبيههم بعض ثَمر الجنة ببعض (1) . وتلك الدلالة على فساد ذلك القول، هي الدلالة على فساد قول من خالف قولنا في تأويل قوله:"وأتوا به متشابهًا"، لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر عن المعنى الذي من أجله قال القوم:"هذا الذي رُزقنا من قبل" بقوله:"وأتوا به متشابهًا".

ويُسأل من أنكر ذلك (2) ، فزعم أنه غير جائز أن يكون شيء مما في الجنة نظيرًا لشيء مما في الدنيا بوجه من الوجوه، فيقال له: أيجوز أن يكون أسماءُ ما في الجنة من ثمارها وأطعمتها وأشربتها نظائرَ أسماء ما في الدنيا منها؟

فإن أنكر ذلك خالف نصّ كتاب الله، لأن الله جل ثناؤه إنما عرّف عبادَه في الدنيا ما هو عنده في الجنة بالأسماء التي يسمى بها ما في الدنيا من ذلك.

وإن قال: ذلك جائز، بل هو كذلك.

قيل: فما أنكرتَ أن يكون ألوانُ ما فيها من ذلك، نظيرَ ألوان ما في الدنيا منه (3) ، بمعنى البياض والحمرة والصفرة وسائر صنوف الألوان، وإن تباينت فتفاضلت بفضل حسن المَرآة والمنظر، فكان لما في الجنة من ذلك من البهاء والجمال وحسن المَرآة والمنظر، خلافُ الذي لما في الدنيا منه، كما كان جائزًا ذلك في الأسماء مع اختلاف المسميات بالفضْل في أجسامها؟ ثم يُعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله.

وكان أبو موسى الأشعري يقول في ذلك بما:

537-

حدثني به ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عديّ، وعبد الوهاب، ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن قَسَامةَ، عن الأشعري، قال: إن الله لما أخرج آدم من الجنة زوّده من ثمار الجنة، وعلّمه صَنعةَ كل شيء، فثمارُكم هذه من ثمار الجنة، غيرَ أن هذه تغيَّرُ وتلك لا تغيَّرُ (4) .

(1) انظر ما مضى ص 387 وما بعدها.

(2)

في المطبوعة: "وسأل من أنكر. . "، وهو خطأ بين.

(3)

في المطبوعة: "نظائر ألوان".

(4)

الحديث 537- هذا إسناد صحيح. وهو وإن كان موقوفًا لفظًا فإنه مرفوع حكمًا، لأنه إخبار عن غيب لا يعلم بالرأي ولا القياس. والأشعري: هو أبو موسى، ولم يكن ممن يحكى عن الكتب القديمة. عوف: هو ابن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة. قسامة - بفتح القاف وتخفيف السين المهملة: هو ابن زهير المازني التميمي البصري، وهو ثقة تابعي قديم، بل ذكره بعضهم في الصحابة فأخطأ. وله ترجمة في الإصابة 5: 276 وابن سعد 7/1/110، وقال:"كان ثقة إن شاء الله، وتوفي في ولاية الحجاج على العراق"، وابن أبي حاتم 3/2/147، وروى توثيقه عن ابن معين.

والحديث ذكره ابن كثير في التاريخ 1: 80، من رواية عبد الرزاق عن معمر عن عوف، بهذا الإسناد. وذكره ابن القيم في حادي الأرواح 1: 273 (ص 125 من الطبعة الثانية، طبعة محمود ربيع سنة 1357) من رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن عقبة بن مكرم العمى الحافظ، عن ربعى بن إبراهيم بن علية عن عوف، بهذا الإسناد، مرفوعًا صراحة:"قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم". وكذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8: 197 - 198"عن أبي موسى رفعه"، وقال:"رواه البزار، والطبراني، ورجاله ثقات". وذكره ابن القيم في حادي الأرواح قبل ذلك (ص 30 - 31) ، من رواية"هوذة بن خليفة عن عوف" بهذا الإسناد، موقوفًا لفظًا. ورواية هوذة بن خليفة: رواها الحاكم في المستدرك 2: 543، ولكن إسنادها عندي أنه مغلوط، والظاهر أنه غلط من الناسخين. لأن الذي فيه:"هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن قسامة بن زهير عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، قال: إن الله لما أخرج آدم" إلخ. ثم قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي! ولا يمكن -فيما أعرف وأعتقد- أن يصحح الحاكم هذا الإسناد، ثم يوافقه الذهبي، إن كان على هذا الوجه، لأن أبا بكر بن أبي موسى الأشعري تابعي ثقة، فلو كان الإسناد هكذا كان الحديث مرسلا لا حجة فيه، سواء أرفعه أم قاله من قبل نفسه، فالظاهر أن الناسخين القدماء للمستدرك أخطئوا في زيادة"أبي بكر بن"، وأن صوابه:"عن أبي موسى الأشعري"، كما تبين من نقل ابن القيم رواية هوذة، وكما تبين من الروايات الأخر التي سقناها. والحمد لله على التوفيق.

ص: 393

(1)

وقد زعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله:"وأتوا به متشابهًا"، أنه متشابهٌ في الفضل، أي كل واحد منه له من الفضْل في نحوه، مثلُ الذي للآخر في نحوه.

قال أبو جعفر: وليس هذا قولا نستجيز التشاغلَ بالدلالة على فساده، لخروجه عن قول جميع علماء أهل التأويل. وحسبُ قولٍ - بخروجه عن قول جميع أهل العلم - دلالةٌ على خطئه.

* * *

(1) هذه الفقرة كلها من أول قوله: "وقد زعم بعض أهل العربية. . " كانت في المطبوعة في الموضع الذي أشرنا إليه آنفًا ص 389.

ص: 394

القول في تأويل قوله: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}

قال أبو جعفر: والهاء والميم اللتان في"لهم" عائدتان على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والهاء والألف اللتان في"فيها" عائدتان على الجنات. وتأويل ذلك: وبشِّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنّ لهم جنات فيها أزواجٌ مطهرة.

والأزواج جمع زَوْج، وهي امرأة الرجل. يقال: فلانة زَوْجُ فلان وزوجته.

وأما قوله:"مطهَّرة" فإن تأويله أنهن طُهِّرن من كل أذًى وقَذًى وريبةٍ، مما يكون في نساء أهل الدنيا، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمنيّ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره.

538-

كما حدثنا به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أما أزواجٌ مطهرة، فإنهن لا يحضْن ولا يُحْدِثن ولا يتنخَّمن.

539-

حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله:"أزْواج مطهرة". يقول: مطهرة من القذَر والأذى.

540-

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى القطان (1) ، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولهم فيها أزواجٌ مطهرة" قال: لا يبلن ولا يتغوّطن ولا يَمذِين.

541-

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيري، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه - إلا أنه زَاد فيه: ولا يُمنِين ولا يحضْنَ.

(1) في المخطوطة: "يحيى العطار"، وهو خطأ.

ص: 395

542-

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره:"ولهم فيها أزواج مطهرة" قال: مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والبُزاق والمنيّ والولد.

543-

حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: حدثنا ابنُ المبارك، عن ابن جُريج، عن مجاهد، مثله.

544-

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: لا يَبُلْنَ ولا يتغوّطنَ ولا يحضْنَ ولا يلدن ولا يُمْنِين ولا يبزُقنَ.

545-

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوَ حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم.

546-

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُريع، عن سعيد، عن قتادة:"ولهم فيها أزواج مطهرة"، إي والله من الإثم والأذى.

547-

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ولهم فيها أزواجٌ مطهرة"، قال: طهّرهن اللهُ من كل بول وغائط وقذَر، ومن كل مأثم.

548-

حُدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، قال مطهرة من الحيض والحبَل والأذى.

549-

حُدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد، قال: المطهرة من الحيض والحبَل.

550-

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد:"ولهم فيها أزواجٌ مطهَّرة" قال: المطهَّرة التي لا تحيض. قال: وأزواج الدنيا ليست بمطهرة، ألا تراهنّ يدمَيْنَ ويتركن الصلاة والصيامَ؟ قال ابن زيد: وكذلك خُلقت حواء حتى عصَتْ، فلما عصَتْ قال الله: إني خلقتك مطهَّرة

ص: 396

وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة (1) .

551-

حُدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن الحسن في قوله:"ولهم فيها أزواج مطهرة"، قال يقول: مطهَّرة من الحيض.

552-

حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا خالد بن يزيد، قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن الحسن في قوله:"ولهم فيها أزواجٌ مطهرة"، قال: من الحيض.

553-

حدثنا عمرو، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا ابن جُريج، عن عطاء قوله:"ولهم فيها أزواج مطهرة"، قال: من الولد والحيض والغائط والبول، وذكر أشياءَ من هذا النحو (2) .

* * *

القول في تأويل قوله: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) }

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنات خالدون. والهاء والميم من قوله"وهم"، عائدة على الذين آمنوا وعملوا

(1) في المخطوطة: "كما دميت" بتشديد الميم، وهما سواء، ويعني بذلك دم الحيض. وهذا الأثر نقله ابن كثير 1: 115 عن هذا الموضع، وفيه"أدميت"، كما في المطبوعة هنا. وقال ابن كثير بعد سياقه:"وهذا غريب".

(2)

الآثار 538 - 553: بعضها في ابن كثير 1: 115، والدر المنثور 1: 39، والشوكاني 1: 42 وكرهنا الإطالة بتفصيل مراجعها واحدًا واحدًا. ونقل ابن كثير 1: 115 - 116 حديثًا مرفوعًا بهذا المعنى: يعني مطهرة"من الحيض والغائط والنخاعة والبزاق"، من تفسير ابن مردويه بإسناده - من طريق محمد بن عبيد الكندي عن عبد الرزاق بن عمر البزيعي عن عبد الله بن المبارك عن شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد، مرفوعًا. وقال:"هذا حديث غريب". ثم نقل عن الحاكم أنه رواه في المستدرك، من هذا الوجه، وأنه صححه على شرط الشيخين. ثم قال:"وهذا الذي ادعاه فيه نظر، فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا - قال فيه أبو حاتم بن حبان البستي: لا يجوز الاحتجاج به. قلت: والأظهر أن هذا من كلام قتادة، كما تقدم". وهو كما قال ابن كثير. انظر الميزان 2: 126.

ص: 397

الصالحات. والهاء والألف في"فيها" على الجنات. وخلودهم فيها دوام بقائهم فيها على ما أعطاهم الله فيها من الْحَبْرَةِ والنعيم المقيم (1) .

* * *

القول في تأويل قوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ

(1) في الدر المنثور 1: 41، والشوكاني 1: 42، أن ابن جرير أخرج عن ابن عباس في قوله"وهم فيها خالدون" -"أي خالدون أبدًا، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له".

وهذا الخبر سيأتي عند تفسير الآية: 82 من هذه السورة (1: 307 بولاق) . فنقله السيوطي إلى هذا الموضع، وتبعه الشوكاني.

ص: 398

مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أنزل الله جل ثناؤه فيه هذه الآية وفي تأويلها.

فقال بعضهم بما:

554-

حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدّي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لَما ضرَب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله:"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا" وقوله:"أو كصيِّب من السماء"، الآيات الثلاث - قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أنْ يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله:"إن الله لا يستحي أنْ يضرب مثَلا ما بعوضةً" إلى قوله:"أولئك همُ الخاسرُون".

وقال آخرون بما:

555-

حدثني به أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا قُرَاد، عن أبي جعفر الرازي، عن الرّبيع بن أنس، في قوله تعالى:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها". قال: هذا مثل ضربه الله للدنيا، إن البعوضة تحيا ما جاعتْ، فإذا سمنت ماتتْ. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن: إذا امتلأوا من الدنيا رِيًّا أخذَهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)[سورة الأنعام: 44](1) .

556-

حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس بنحوه - إلا أنه قال: فإذا خلتْ آجالهم وانقطعت مُدّتهم (2) ، صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت، وتموت إذا رَويت، فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا المثل، إذا امتلئوا من الدنيا ريًّا أخذهم الله فأهلكهم. فذلك قوله:(حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)[سورة الأنعام: 44] .

وقال آخرون بما:

557-

حدثنا به بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد عن سعيد، عن قتادة، قوله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها"، أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكرَ منه شيئًا ما قل منه أو كثر (3) . إن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله:

(1) الأثر 555-"قراد" بضم القاف وفتح الراء مخففة: لقب له، واسمه"عبد الرحمن بن غزوان بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي، الخزاعي"، وهو ثقة، وقال أحمد:"كان عاقلا من الرجال". وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2/2/274.

(2)

في المطبوعة: "خلى آجالهم"، وفي المخطوطة"خلا"، والصواب ما أثبته. وخلا العمر يخلو خلوا: مضى وانقضى.

(3)

في المخطوطة: "شيئًا قل منه أو كثر" بحذف"ما"، وفي ابن كثير"مما قل أو كثر" وكلها متقاربة.

ص: 399

"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها".

558-

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها"(1) .

وقد ذهب كلّ قائل ممن ذكرنا قوله في هذه الآية، وفي المعنى الذي نزلت فيه، مذهبًا؛ غير أنّ أولى ذلك بالصواب وأشبهه بالحقّ، ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عباس.

وذلك أنّ الله جلّ ذكره أخبر عباده أنه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها، عَقِيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة، ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها. فلأن يكون هذا القول - أعني قوله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما" - جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال في هذه السورة، أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور.

فإن قال قائل: إنما أوْجبَ أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرَب من الأمثال في سائر السور، لأن الأمثال التي ضربها الله لهم ولآلهتهم في سائر السور أمثالٌ موافقة المعنى لما أخبر عنه: أنه لا يستحي أن يضربه مثلا إذ كان بعضها تمثيلا لآلهتهم بالعنكبوت، وبعضها تشبيهًا لها في الضّعف والمهانة بالذباب. وليس ذكر شيء من ذلك بموجود في هذه السورة، فيجوزَ أنْ يقال: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا (2) .

(1) الآثار: 554 - 558 أكثرها في ابن كثير 1: 117، وبعضها في الدر المنثور 1: 41، والشوكاني 1:45.

(2)

في المطبوعة: "أن يضرب مثلا ما"، وليست بشيء.

ص: 400

فإن ذلك بخلاف ما ظنّ. وذلك أنّ قول الله جلّ ثناؤه:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها"، إنما هو خبرٌ منه جلّ ذكره أنه لا يستحي أن يضرب في الحقّ من الأمثال صغيرِها وكبيرِها، ابتلاءً بذلك عبادَه واختبارًا منه لهم، ليميز به أهل الإيمان والتصديق به من أهل الضلال والكفر به، إضلالا منه به لقوم، وهدايةً منه به لآخرين.

559-

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"مثلا ما بعوضة"، يعني الأمثال صغيرَها وكبيرَها، يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها ويُضل بها الفاسقين. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به.

560-

حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله.

561-

حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج عن مجاهد، مثله (1) .

قال أبو جعفر:- لا أنه جلّ ذكره قصَد الخبرَ عن عين البعوضة أنه لا يستحي من ضرْب المثل بها، ولكن البعوضة لما كانت أضعف الخلق -

562-

كما حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال: البعوضة أضعفُ ما خلق الله.

563-

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، بنحوه (2) .

(1) الآثار: 559 - 561، وهي واحد كلها، في الدر المنثور 1: 42، والشوكاني 1: 45، وسيأتي برقم:566.

(2)

الأثر: 562 في الدر المنثور 1: 41.

ص: 401

- (1) خصها الله بالذكر في القِلة، فأخبر أنه لا يستحي أن يضرب أقلّ الأمثال في الحق وأحقرَها وأعلاها إلى غير نهاية في الارتفاع، جوابًا منه جل ذكره لمن أنكر من منافقي خلقه ما ضرَب لهم من المثل بمُوقِد النار والصيِّب من السماء، على ما نَعَتهما به من نَعْتهما.

فإن قال لنا قائل: وأين ذكر نكير المنافقين الأمثالَ التي وصفتَ، الذي هذا الخبر جوابه، فنعلم أنّ القول في ذلك ما قلت؟

قيل: الدلالة على ذلك بينة في قول الله تعالى ذكره (2)": فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا". وإن القوم الذين ضرَب لهم الأمثال في الآيتين المقدَّمتين - اللتين مثَّل ما عليه المنافقون مقيمون فيهما (3) ، بمُوقِد النار وبالصيِّب من السماء (4)، على ما وصف من ذلك قبل قوله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا" - قد أنكروا المثل وقالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ فأوضح لهم تعالى ذكره خطأ قِيلهم ذلك، وقبّح لهم ما نطقوا به، وأخبرهم بحكمهم في قيلهم ما قالوا منه، وأنه ضلال وفسوق، وأن الصواب والهدى ما قاله المؤمنون دون ما قالوه.

وأما تأويل قوله:"إن الله لا يستحيي"، فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى"إن الله لا يستحيي": إن الله لا يخشى أن يضرب مثلا ويستشهدُ على ذلك من قوله بقول الله تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ)[سورة الأحزاب: 37]، ويزعم أن معنى ذلك: وتستحي الناسَ والله أحقُّ أن تستحيه - فيقول: الاستحياء بمعنى الخشية، والخشية بمعنى الاستحياء (5) .

(1) قوله: "خصها. . " جواب قوله آنفًا: ". . لما كانت أضعف الخلق".

(2)

في المطبوعة: "الدلالة على ذلك بينها جل ذكره في قوله".

(3)

قوله: "فيهما" متعلق بقوله"مثل"، أي: اللتين مثل فيهما -ما عليه المنافقون مقيمون- بموقد النار. .

(4)

في المطبوعة: "وبالصيب من السماء".

(5)

لم أعرف قائل هذا القول من المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب، ولكني رأيت أبا حيان يقول في تفسيره 1: 121، يزعم أن هذا المعنى هو الذي رجحه الطبري، ومن البين أنه أخطأ فيما توهمه، فإن لفظ الطبري دال على أنه لم يحقق معناه، ولم يرضه، ولم ينصره. هذا على أني أظن أن مجاز اللفظ يجيز مثل هذا الذي قاله المنسوب إلى المعرفة بلغة العرب، وإن كنت أكره أن أحمل هذه الآية على هذا المعنى.

ص: 402

وأما معنى قوله:"أن يضرب مثلا"، فهو أن يبيِّن ويصف، كما قال جل ثناؤه:(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ)[سورة الروم: 28] ، بمعنى وصف لكم، وكما قال الكُمَيْت:

وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرِيدَتْ

لأَسْدَاسٍ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا (1)

بمعنى: وصف أخماس.

والمثَل: الشبه، يقال: هذا مَثَل هذا ومِثْله، كما يقال: شبَهُه وشِبْهه، ومنه قول كعب بن زهير:

كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلا

وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلا الأَبَاطِيلُ (2)

يعني شَبَهًا، فمعنى قوله إذًا:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا": إن

(1) هذا بيت استرقه الكميت استراقًا، على أنه مثل اجتلبه. وأصله: أن شيخًا كان في إبله، ومعه أولاده رحالا يرعونها، قد طالت غربتهم عن أهلهم. فقال لهم ذات يوم:"ارعوا إبلكم ربعا"(بكسر فسكون: وهو أن تحبس عن الماء ثلاثًا، وترد في اليوم الرابع)، فرعوا ربعًا نحو طريق أهلهم. فقالوا: لو رعيناها خمسًا! (بكسر فسكون: أن تحبس أربعًا وترد في الخامس) فزادوا يومًا قبل أهلهم. فقالوا: لو رعيناها سدسًا! (أن تحبس خمسًا وترد في السادس) . ففطن الشيخ لما يريدون، فقال: ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس، ما همتكم رعيها، إنما همتكم أهلكم! وأنشأ يقول: وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرَاهُ،

لأَسْدَاسٍ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا

فصار قولهم: "ضرب أخماس لأسداس" مثلا مضروبًا للذي يراوغ ويظهر أمرًا وهو يريد غيره.

وحقيقة قوله"ضرب: بمعنى وصف"، أنه من ضرب البعير أو الدابة ليصرف وجهها إلى الوجه الذي يريد، يسوقها إليه لتسلكه. فقولهم: ضرب له مثلا، أي ساقه إليه، وهو يشعر بمعنى الإبانة بالمثل المسوق. وهذا بين.

(2)

ديوانه: 8، وفي المخطوطة:"وما مواعيده"، وعرقوب -فيما يزعمون-: هو عرقوب ابن نصر، رجل من العمالقة، نزل المدينة قبل أن تنزلها يهود بعد عيسى ابن مريم عليه السلام. وكان يحتال في إخلاف المواعيد بالمماطلة، كما هو معروف في قصته.

ص: 403

الله لا يخشى أن يصف شبهًا لما شبّه به (1) .

وأما "ما" التي مع "مثل"، فإنها بمعنى "الذي"، لأن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضةً في الصغر والقِلة فما فوقها - مثلا.

فإن قال لنا قائل: فإن كان القول في ذلك ما قلت (2) ، فما وجه نصب البعوضة، وقد علمتَ أنّ تأويل الكلام على ما تأولت (3) : أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا الذي هو بعوضة؛ فالبعوضةُ على قولك في محل الرفع؟ فأنى أتاها النصب؟

قيل: أتاها النصب من وجهين: أحدُهما، أن"ما" لما كانت في محل نصْب بقوله"يضرب"، وكانت البعوضة لها صلة، عُرِّبت بتعريبها (4) فألزمت إعرابها، كما قال حسان بن ثابت:

وَكَفَى بِنَا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا

حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا (5)

فعُرِّبت"غيرُ" بإعراب"من". والعرب تفعل ذلك خاصة في"من" و"ما"(6) ، تعرب صِلاتهما بإعرابهما، لأنهما يكونان معرفة أحيانًا، ونكرة أحيانًا.

(1) هذا بقية تفسير الكلمة على مذهب من قال إن الاستحياء بمعنى الخشية، لا ما أخذ به الطبري، وتفسير الطبري صريح بين في آخر تفسير الآية.

(2)

في المطبوعة: "كما قلت".

(3)

في المطبوعة: "على ما تأولت"، وليست بجيدة.

(4)

في المطبوعة"أعربت بتعريبها". وقوله"عربت": أي أجريت مجراها في الإعراب، وهذا هو معنى"التعريب" في اصطلاح قدماء النحاة، وستمر بك كثيرًا فاحفظها، وهي أوجز مما اصطلح عليه المحدثون منهم.

(5)

ليس في ديوانه، ويأتي في الطبري 4: 99 غير منسوب، وفي الخزانة: 2: 545 - 546 أنه لكعب بن مالك، ونسب إلى حسان بن ثابت ولم يوجد في شعره. ونسب لبشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ونسب أيضًا لعبد الله بن رواحة. وذكره السيوطي في شرح شواهد المغني: 116، 252، وأثبت بيتا قبله: نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ بِنَصْرِ وَلِيِّهِ

فالله، عَزَّ، بِنَصْرِهِ سَمَّانَا

قال: يعني أن الله عز وجل سماهم"الأنصار"، لأنهم نصروا النبي صلى الله عليه وسلم ومن والاه. والباء في"بنصر وليه"، بمعنى"مع".

(6)

في المطبوعة: "فالعرب تفعل. . . ".

ص: 404

وأما الوجه الآخر، فأن يكون معنى الكلام: إن الله لا يستحْيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها، ثم حذف ذكر"بين" و"إلى"، إذ كان في نصب البعوضة ودخول الفاء في"ما" الثانية، دلالة عليهما، كما قالت العرب:"مُطِرنا ما زُبالة فالثَعْلَبِيَّة" و"له عشرون ما ناقة فجملا"، و"هي أحسنُ الناس ما قرنًا فقدمًا"، يعنون: ما بين قرنها إلى قدمها (1) . وكذلك يقولون في كل ما حسُن فيه من الكلام دخول:"ما بين كذا إلى كذا"، ينصبون الأول والثاني، ليدلّ النصبُ فيهما على المحذوف من الكلام (2) . فكذلك ذلك في قوله:"ما بعوضة فما فوقها"(3) .

وقد زعم بعضُ أهل العربية أنّ "ما" التي مع المثَل صلةٌ في الكلام بمعنى التطوُّل (4) وأن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضربَ بعوضةً مثلا فما فوقها. فعلى هذا التأويل، يجب أن تكون"بعوضةً" منصوبةً بـ "يضرب"، وأن تكون"ما" الثانية التي في"فما فوقها" معطوفة على البعوضة لا على"ما".

وأما تأويل قوله"فما فوقها": فما هو أعظم منها (5) -عندي- لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جُريج: أن البعوضة أضعف خلق الله، فإذْ كانت أضعف خلق الله فهي نهايةٌ في القلة والضعف. وإذ كانت كذلك، فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء، لا يكون إلا أقوى منه. فقد يجب أن يكون المعنى

(1) في المخطوطة: "يعنون بذلك من قرنها. . ".

(2)

في المخطوطة: "ليدل النصب في الأسماء على المحذوف. . . "، وهما سواء

(3)

أكثر هذا من كلام الفراء في معاني القرآن 1: 21 - 22، وذكر الوجهين السالفين جميعًا، وكلامه أبسط من كلام الطبري وأبين.

(4)

قد مضى قديمًا شرح معنى التطول (انظر: 18، 224 وما يأتي ص: 406، 154 من بولاق)، وهو الزيادة في الكلام. وهذا الذي قال عنه:"زعم بعض أهل العربية"، هو الفراء نفسه، فقد ذكر هذا أول وجه من ثلاثة وجوه في الآية في معاني القرآن 1: 21، وقال:"أولها: أن توقع الضرب على البعوضة، وتجعل ما صلة، كقوله: "عما قليل ليصبحن نادمين"، يريد: عن قليل. المعنى -والله أعلم-: إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة فما فوقها مثلا".

والذي يسميه الطبري البغدادي المذهب في النحو"تطولا"، يسميه الفراء الكوفي المذهب في النحو"صلة"، وهي الزيادة في الكلام.

(5)

في المخطوطة: "فهو ما قد عظم منها"، وهو خطأ بلا معنى.

ص: 405

-على ما قالاه- فما فوقها في العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهايةً في الضعف والقلة.

وقيل في تأويل قوله"فما فوقها"، في الصغر والقلة. كما يقال في الرجل يذكرُه الذاكرُ فيصفه باللؤم والشحّ، فيقول السامع:"نعم، وفوقَ ذاك"، يعني فوقَ الذي وصف في الشحّ واللؤم (1) ، وهذا قولٌ خلافُ تأويل أهل العلم الذين تُرْتَضى معرفتهم بتأويل القرآن.

فقد تبين إذًا، بما وصفنا، أن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يصف شبَهًا لما شبَّه به الذي هو ما بين بعوضةٍ إلى ما فوق البعوضة.

فأما تأويل الكلام لو رفعت البعوضة، فغير جائز في"ما"، إلا ما قلنا من أن تكون اسما، لا صلة بمعنى التطول (2) .

* * *

القول في تأويل قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا}

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فأما الذين آمنوا"، فأما الذين صدّقوا الله ورسوله. وقوله:"فيعلمون أنه الحق من ربهم". يعني: فيعرفون أن المثَل الذي ضرَبه الله، لِما ضرَبه له، مثَل.

564-

كما حدثني به المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"فأما الذين آمنوا

(1) في المطبوعة: "فوق الذي وصف". وهذا التأويل الذي ذكره الطبري، قد اقترحه الفراء في معاني القرآن 1: 20 - 21 وأبان عنه، وقال:"ولو جعلت في مثله من الكلام"فما فوقها"، تريد أصغر منها، لجاز ذلك. ولست أستحبه"، يعني: أنه لا يستحبه في هذا الموضع من تفسير كتاب الله.

(2)

قد شرحنا معنى"صلة" و"تطول" فيما مضى ص: 405.

ص: 406

فيعلمون أنه الحق من ربهم"، أنّ هذا المثلَ الحقُّ من ربهم، وأنه كلامُ الله ومن عنده (1) .

565-

وكما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله"فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم"، أي يعلمون أنه كلامُ الرحمن، وأنه الحق من الله (2) .

"وأما الذين كفروا فيقولونَ ماذا أرَاد الله بهذا مثلا".

قال أبو جعفر: وقوله"وأما الذين كفرُوا"، يعني الذين جحدوا آيات الله، وأنكرُوا ما عرفوا، وستروا ما علموا أنه حق، وذلك صفةُ المنافقين، وإياهم عَنَى الله جلّ وعز - ومن كان من نظرائهم وشركائهم من المشركين من أهل الكتاب وغيرهم - بهذه الآية، فيقولون: ماذا أراد الله بهذا مثلا كما قد ذكرنا قبل من الخبر الذي رويناه عن مجاهد الذي:-

566-

حدثنا به محمد عن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فأما الذين آمنوا فيعلمونَ أنه الحقّ من ربهم" الآية، قال: يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها، ويَضلّ بها الفاسقون. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به (3) .

وتأويل قوله:"ماذا أراد الله بهذا مثلا"، ما الذي أراد الله بهذا المثل مثلا."فذا"، الذي مع"ما"، في معنى"الذي"، وأراد صلته، وهذا إشارةٌ إلى المثل (4) .

* * *

(1) الأثر: 564- هو عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، كما مر كثيرًا، وكذلك جاء في الدر المنثور 1:43.

(2)

الأثر 565- في ابن كثير 1: 118.

(3)

الأثر 566- قد مضى برقم: 559.

(4)

في المطبوعة: "فذا مع ما في معنى. . "

ص: 407

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا}

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل وعز:"يضلّ به كثيرًا"، يضلّ الله به كثيرًا من خلقه. والهاء في"به" من ذكر المثل. وهذا خبر من الله جل ثناؤه مبتدَأٌ، ومعنى الكلام: أن الله يُضلّ بالمثل الذي يضربه كثيرًا من أهل النفاق والكفر:-

567-

كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدّي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"يضلّ به كثيرًا" يعني المنافقين،"ويهدي به كثيرًا"، يعني المؤمنين (1) .

- فيزيد هؤلاء ضلالا إلى ضلالهم، لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لما ضرَبه له، وأنه لما ضرَبه له موافق. فذلك إضْلال الله إياهم به. و"يهدي به"، يعني بالمثل، كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هُداهم وإيمانًا إلى إيمانهم. لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق ما ضرَبه الله له مثلا وإقرارُهم به. وذلك هدايةٌ من الله لهم به.

وقد زعم بعضهم أنّ ذلك خبرٌ عن المنافقين، كأنهم قالوا: ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد، يضلّ به هذا ويهدي به هذا. ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله، فقال الله:"وما يضل به إلا الفاسقين". وفيما في سورة المدثر - من قول الله:"وليقولَ الذينَ في قلوبهمْ مَرَضٌ والكافرونَ ماذا أرَاد الله بهذا مثلا. كذلك يُضلّ اللهُ مَن يشاءُ ويهدي من يشاء" - ما ينبئ عن أنه في سورة البقرة كذلك، مبتدأٌ - أعني قوله:"يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا".

* * *

(1) الخبر: 567- في ابن كثير 1: 119، والدر المنثور 1: 42، والشوكاني 1: 45، وهو فيها تام متصل، وتمامه الأثر الذي يليه:568. ولكن ابن كثير أخطأ، فوصل هذا الخير بكلام الطبري الذي يليه، كأنه كله من تفسير ابن عباس وابن مسعود، وهو خطأ محض. فقول الطبري بعد"فيزيد هؤلاء ضلالا. . " هو من تمام قوله قبل هذا"أن الله يضل بالمثل الذي يضربه كثيرا من أهل النفاق والكفر".

ص: 408

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ (26) }

وتأويل ذلك ما:-

568-

حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"وما يُضلّ به إلا الفاسقين"، هم المنافقون (1) .

569-

وحدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"وما يُضِلّ به إلا الفاسقين"، فسقوا فأضلَّهم الله على فِسقهم (2) .

570-

حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"وما يضل به إلا الفاسقين"، هم أهل النفاق (3) .

قال أبو جعفر: وأصلُ الفسق في كلام العرب: الخروجُ عن الشيء. يقال منه: فسقت الرُّطَبة إذا خرجت من قشرها. ومن ذلك سُمّيت الفأرةُ فُوَيْسِقة، لخروجها عن جُحرها (4) ، فكذلك المنافق والكافر سُمّيا فاسقيْن، لخروجهما عن طاعة ربهما. ولذلك قال جل ذكره في صفة إبليس:(إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)[سورة الكهف: 50] ، يعني به خرج عن طاعته واتباع أمره.

571-

كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق،

(1) الخبر 568- تمام الأثر السالف، وقد ذكرنا موضعه.

(2)

الأثر: 569- في ابن كثير 1: 119، وفي الدر المنثور 1: 42، والشوكاني 1: 45، وفيهما مكان"على فسقهم"، "بفسقهم".

(3)

الأثر: 570- في ابن كثير 1: 119.

(4)

انظر الطبري 15: 170 (بولاق) . وقوله: "يحكى عن العرب سماعًا: فسقت الرطبة من قشرها، إذا خرجت. وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها"، وسائر ما قال هناك.

ص: 409

عن داود بن الحُصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس في قوله:(بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)[سورة البقرة: 59]، أي بما بعُدوا عن أمري (1) . فمعنى قوله:"وما يُضلّ به إلا الفاسقين"، وما يضلّ الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق، إلا الخارجين عن طاعته، والتاركين اتباعَ أمره، من أهل الكفر به من أهل الكتاب، وأهل الضّلال من أهل النفاق.

* * *

القول في تأويل قوله: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ}

قال أبو جعفر: وهذا وصف من الله جل ذكره الفاسقين الذين أخبر أنه لا يُضلّ بالمثَل الذي ضربه لأهل النفاق غيرَهم، فقال: وما يُضِلّ الله بالمثل الذي يضربه - على ما وصف قبلُ في الآيات المتقدمة - إلا الفاسقين الذين ينقُضُون عهد الله من بعد ميثاقه.

ثم اختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه:-

فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته، في كتبه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. ونقضُهم ذلك، تركُهم العمل به.

وقال آخرون: إنما نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وإياهم عَنى الله جل ذكره بقوله:"إنّ الذين كفرُوا سواءٌ عليهم أأنذرتهم"، وبقوله:"ومن الناس مَنْ يَقول آمنَّا بالله وباليوم الآخر". فكل ما في هذه الآيات، فعَذْل لهم وتوبيخ إلى انقضاء قَصَصهم. قالوا: فعهدُ الله الذي

(1) الخبر: 571- لم أجده في مكانه من تفسير آية البقرة، ولا في أية آية ذكر فيها هذا الحرف. ولم يخرجه أحد ممن اعتمدنا ذكره. وفي المخطوطة:"من أمري".

ص: 410

نقضوه بعدَ ميثاقه، هو ما أخذه الله عليهم في التوراة - منَ العمل بما فيها، واتباع محمد صلى الله عليه وسلم إذا بُعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم. ونقضُهم ذلك، هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علمَ ذلك الناسَ (1) ، بعد إعطائهم اللهَ من أنفسهم الميثاق لَيُبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه ورَاء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا.

وقال بعضهم: إن الله عنى بهذه الآية جميعَ أهل الشرك والكفر والنفاق. وعهدُه إلى جميعهم في توحيده: ما وضعَ لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته. وعهدُه إليهم في أمره ونهيه: ما احتجّ به لرسله من المعجزات التي لا يقدرُ أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها، الشاهدةِ لهم على صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك، تركهم الإقرارَ بما قد تبيَّنت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبُهم الرسلَ والكُتُب، مع علمهم أن ما أتوا به حقّ.

وقال آخرون: العهدُ الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهدُ الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صُلب آدم، الذي وصفه في قوله:(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)[سورة الأعراف: 172-173] . ونقضُهم ذلك، تركهم الوفاء به.

وأولى الأقوال عندي بالصواب في ذلك قولُ من قال: إن هذه الآيات نزلت في كفّار أحبار اليهود الذين كانوا بين ظَهْرَانَيْ مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم،

(1) في المطبوعة: "عن الناس"، و"الناس" منصوب، مفعول ثان، للمصدر"كتمانهم". والفعل"كتم" يتعدى إلى مفعول ومفعولين، تقول: كتمت فلانًا سرى، وكتمت عن فلان سرى، وهما سواء.

ص: 411

وما قرُب منها من بقايا بني إسرائيل، ومن كان على شِركه من أهل النفاق الذين قد بينا قصَصهم فيما مضى من كتابنا هذا.

وقد دللنا على أن قول الله جل ثناؤه:"إنّ الذين كفروا سواء عليهم"، وقوله:"ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر"، فيهم أنزِلت، وفيمن كان على مثل الذي هم عليه من الشرك بالله. غيرَ أن هذه الآيات عندي، وإن كانت فيهم نزلتْ، فإنه معنيٌّ بها كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الضّلال، ومعنيٌّ بما وافق منها صفة المنافقين خاصّةً، جميعُ المنافقين (1) ؛ وبما وافق منها صفة كفار أحبار اليهود، جميعُ من كان لهم نظيرًا في كفرهم.

وذلك أن الله جلّ ثناؤه يعم أحيانًا جميعَهم بالصّفة، لتقديمه ذكر جميعهم في أول الآيات التي ذكرتْ قَصَصهم، ويخصّ أحيانا بالصفة بعضَهم، لتفصيله في أول الآيات بين فريقيْهم، أعني: فريقَ المنافقين من عبدة الأوثان وأهل الشرك بالله، وفريقَ كفار أحبار اليهود. فالذين ينقضون عهدَ الله، هم التاركون ما عهد الله إليهم من الإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وتبيين نبوته للناس، الكاتمون بيان ذلك بعدَ علمهم به، وبما قد أخذَ الله عليهم في ذلك، كما قال الله جل ذكره:(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)[سورة آل عمران: 187] ، ونبذُهم ذلك وراء ظهورهم، هو نقضُهم العهدَ الذي عهد إليهم في التوراة الذي وصفناه، وتركُهم العمل به.

وإنما قلت: إنه عنى بهذه الآيات من قلتُ إنه عنى بها، لأن الآيات - من مبتدأ الآيات الخمس والست من سورة البقرة (2) - فيهم نزلتْ، إلى تمام قصصهم.

(1) سياق العبارة: "ومعنى جميع المنافقين، بما وافق منها صفة المنافقين" وعبارة الطبري أعرب.

(2)

في المطبوعة: "من ابتداء الآيات"، وكأنه تغيير من المصححين.

ص: 412

وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانِهِ في قوله (1) . (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)[سورة البقرة: 40] . وخطابه إياهم جلّ ذكره بالوفاء في ذلك خاصّة دون سائر البشر (2) - ما يدل على أن قوله:"الذين ينقضُون عَهدَ الله من بعد ميثاقه" مقصودٌ به كفارهم ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم. غيرَ أنّ الخطاب - وإن كان لمن وصفتُ من الفريقين - فداخلٌ في أحكامهم، وفيما أوجبَ الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ، كلّ من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي.

فمعنى الآية إذًا: وما يُضِلّ به إلا التاركين طاعةَ الله، الخارجين عن اتباع أمره ونهيه، الناكثين عهود الله التي عهدها إليهم، في الكتب التي أنزلها إلى رُسله وعلى ألسن أنبيائه، باتباع أمر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس، وإخبارِهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبًا عندهم أنه رسولٌ من عند الله مفترضةٌ طاعتُه، وترك كتمان ذلك لهم (3) . ونكثُهم ذلك ونقضُهم إياه، هو مخالفتهم الله في عهده إليهم - فيما وصفتُ أنه عهد إليهم - بعد إعطائهم ربهم الميثاقَ بالوفاء بذلك. كما وصفهم به ربنا تعالى ذكره بقوله:(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ) . [سورة الأعراف: 169] .

(1) في المطبوعة"عن خلق آدم وأبنائه في قوله"، وهو خطأ محض. وقوله"وبيانه"، مجرور معطوف على قوله:"وفي الآية التي بعد الخبر. . " أي، "وفي بيانه في قوله:. . ".

(2)

قوله: "وخطابه" مجرور معطوف على قوله: "وفي الآية. . " و"وبيانه. . " كما أسلفنا في التعليق قبله. وفي المطبوعة: "في ذلك خاصة". ولست بشيء.

(3)

هكذا في الأصول، ولعل الأجود أن يقول: وترك كتمان ذلك عنهم.

ص: 413

جميعًا: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وَعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضُوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمرَ اللهُ به أن يوصل، وأفسدُوا في الأرض. وإذا كانت عليهم الظَّهَرَةُ، أظهروا الخلالَ الثلاثَ إذا حدّثوا كذَبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا (1) .

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ}

قال أبو جعفر: والذي رَغب اللهُ في وَصْله وذمّ على قطعه في هذه الآية: الرحم. وقد بين ذلك في كتابه، فقال تعالى:(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)[سورة محمد: 22] . وإنما عَنى بالرّحم، أهل الرّحم الذين جمعتهم وإياه رَحِمُ والدة واحدة. وقطعُ ذلك: ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها، وأوجبَ من بِرِّها. وَوَصْلُها: أداءُ الواجب لها إليها من حقوق الله التي أوجبَ لها، والتعطفُ عليها بما يحقُّ التعطف به عليها.

"وأن" التي مع"يوصل" في محل خفض، بمعنى رَدِّها على موضع الهاء التي في"به": فكان معنى الكلام (2) : ويقطعون الذي أمرَ الله بأن يُوصَل. والهاء التي في"به"، هي كناية عن ذكر"أن يوصل". وبما قلنا في تأويل قوله:"ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل"، وأنه الرّحم، كان قتادة يقول:

(1) الأثر: 573- في ابن كثير 1: 120 - 121 عن أبي العالية، ثم قال:"وكذا قال الربيع بن أنس أيضًا". هذا، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور، والشوكاني خبرًا خرجوه عن ابن جرير عن سعد بن أبي وقاص قال:"الحرورية هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، قال: إياكم ونقض هذا الميثاق. وكان يسميهم: الفاسقين" الدر المنثور 1: 42، والشوكاني 1:45. أما ابن كثير فقد رواه في تفسيره 1: 119 نقلا عن ابن أبي حاتم؛ بإسناده، ولم ينسبه إلى الطبري. وأخشى أن يكون وهمًا من السيوطي والشوكاني.

(2)

في المطبوعة: "وكان معنى الكلام" بالواو.

ص: 415

574-

حدثنا بشر بن معاذ، قال حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"ويقطعون ما أمر الله به أنْ يوصَل"، فقطع والله ما أمر الله به أن يوصل بقطيعة الرحم والقرابة (1) .

وقد تأول بعضهم ذلك: أن الله ذمهم بقطعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به وأرحامَهم. واستشهد على ذلك بعموم ظاهر الآية، وأن لا دلالة على أنه معنيٌّ بها بعضُ ما أمر الله وصله دون بعض (2) .

قال أبو جعفر: وهذا مذهبٌ من تأويل الآية غيرُ بعيد من الصواب، ولكن الله جل ثناؤه قد ذكر المنافقين في غير آية من كتابه، فوصفهم بقطع الأرحام. فهذه نظيرةُ تلك، غير أنها -وإن كانت كذلك- فهي دَالَّةٌ على ذمّ الله كلّ قاطعٍ قطعَ ما أمر الله بوصله، رَحمًا كانتْ أو غيرَها.

* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ}

قال أبو جعفر: وفسادُهم في الأرض: هو ما تقدم وَصَفْناه قبلُ من معصيتهم ربَّهم، وكفرهم به، وتكذيبهم رسوله، وجحدهم نبوته، وإنكارهم ما أتاهم به من عند الله أنه حقٌّ من عنده.

* * *

(1) الأثر: 574- في الدر المنثور 1: 42، والشوكاني 1: 46 مختصرًا، ونصه هناك:"ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، قال: الرحم والقرابة".

(2)

في المخطوطة: "واستشهد على ذلك عموم ظاهر الآية، ولا دلالة. . ".

ص: 416

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) }

قال أبو جعفر: والخاسرون جمع خاسر (1)، والخاسرون: الناقصُون أنفسَهم حظوظَها -بمعصيتهم الله- من رحمته، كما يخسرُ الرجل في تجارته، بأن يوضَع من رأس ماله في بيعه (2) . فكذلك الكافر والمنافق، خسر بحرمان الله إياه رحمتَه التي خلقها لعباده في القيامة، أحوج ما كان إلى رحمته. يقال منه: خَسِرَ الرجل يَخْسَرُ خَسْرًا وخُسْرَانا وخَسَارًا، كما قال جرير بن عطية:

إِنَّ سَلِيطًا فِي الْخَسَارِ إِنَّهُ

أَوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ (3)

يعني بقوله:"في الخسار"، أي فيما يوكسهم حظوظهم من الشرف والكرم. وقد قيل: إن معنى"أولئك هم الخاسرون": أولئك هم الهالكون. وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف الله صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية، بحرمان الله إياه ما حرَمه من رحمته، بمعصيته إياه وكفره به. فحمل تأويلَ الكلام على معناه، دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها، فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه.

وقال بعضهم في ذلك بما:

575-

حُدِّثت به عن المنجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل"خاسر"، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذنب.

* * *

(1) في المطبوعة: "جمع الخاسر"، وليست بشيء.

(2)

وضع في البيع يوضع (مبني للمجهول) وضيعة: إذا خسر خسارة من رأس المال.

(3)

ديوانه: 598، والنقائض: 4، واللسان (قنن)، وروايته:"أبناء قوم". وسليط: بطن من بني يربوع قوم جرير، واسم سليط: كعب بن الحارث بن يربوع. وكان غسان ابن ذهيل السليطي هجا بني الخطفي، فهجاه جرير بهذا الرجز. وأقنة جمع قن (بكسر القاف)، والقن: العبد الذي ملك هو وأبواه. والأنثى، قن أيضًا بغير هاء.

ص: 417