المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

القول في تأويل قوله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ - تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث - جـ ١١

[ابن جرير الطبري]

الفصل: القول في تأويل قوله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ

القول في تأويل قوله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ‌

(73) }

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد، الداعيك إلى عبادة الأوثان:"أمرنا لنسلم لرب العالمين، الذي خلق السماوات والأرض بالحق، لا من لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر".

* * *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"بالحق".

فقال بعضهم: معنى ذلك، وهو الذي خلق السماوات والأرض حقًّا وصوابًا، لا باطلا وخطأ، كما قال تعالى ذكره: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا [سورة ص: 27] . قالوا: وأدخلت فيه"الباء" و"الألف واللام"، كما تفعل العرب في نظائر ذلك فتقول:"فلان يقول بالحق"، بمعنى: أنه يقول الحق. قالوا: ولا شيء في"قوله بالحق" غير إصابته الصواب فيه = لا أنّ"الحق" معنى غير"القول"، وإنما هو صفةٌ للقول، إذا كان بها القول، كان القائل موصوفًا بالقول بالحق، وبقول الحق. قالوا: فكذلك خلق السماوات والأرض، حكمة من حكم الله، فالله موصوف بالحكمة في خلقهما وخلق ما سواهما من سائر خلقه = لا أنّ ذلك حقٌّ سوى خَلْقِهما خَلَقَهما به. (1)

* * *

(1) في المطبوعة: "سوى خلقهما به"، أساء وحذف وبدل وأفسد الكلام، ثم ضبط"سوى" فعلا بتشديد الواو، وجعل"خلقهما به" مصدرًا منصوبًا بالفعل. وهو فساد وخطل.

والصواب ما في المخطوطة: "سوى"(بكسر السين) بمعنى"غير" و"خلقهما" الأولى مصدر مضاف مجرور، و"خلقهما به" فعل ماض. وهذا حق المعنى وصوابه. وهذا من عبث الناشرين والمصححين، يستعيذ المرء من مثله، فإنه ناقض للأمانة أولا، ولمعاني العقل والفقه بعد ذلك.

ص: 458

وقال آخرون: معنى ذلك: خلق السماوات والأرض بكلامه وقوله لهما: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، [سورة فصلت: 11] . قالوا: فالحق، في هذا الموضع معنيّ به: كلامه. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقوله:"ويوم يقول كن فيكون قوله الحق"،"الحق" هو قوله وكلامه. (1) قالوا: والله خلق الأشياء بكلامه وقيله، فما خلق به الأشياء فغير الأشياء المخلوقة. (2) قالوا: فإذْ كان ذلك كذلك، وجب أن يكون كلام الله الذي خلق به الخلق غيرَ مخلوق.

* * *

وأما قوله:"ويوم يقول كن فيكون"، فإن أهل العربية اختلفوا في العامل في"يوم يقول"، وفي معنى ذلك.

فقال بعض نحويي البصرة:"اليوم" مضاف إلى"يقول كن فيكون". (3) قال: وهو نصب، وليس له خبر ظاهر، والله أعلم، وهو على ما فسرت لك = كأنه يعني بذلك أن نصبه على: واذكر يوم يقول كن فيكون. قال: وكذلك:"يوم ينفخ في الصور"، قال: وقال بعضهم: يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة. (4)

* * *

وقال بعضهم:"يقول كن فيكون" للصور خاصة (5) = فمعنى الكلام على تأويلهم: يوم يقول للصور كن فيكون، قوله الحق يوم ينفخ فيه عالم الغيب والشهادة =

(1) هذه العبارة فيها في المخطوطة سقط وتكرار، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب.

(2)

كانت هذه العبارة في المطبوعة: "كما خلق به الأشياء غير المخلوقة"، وهو كلام ساقط جدًا، فاسد المعنى بل هو غاية في فساد المعنى. والذي في المخطوطة:"مما خلق به الأشياء بغير الأشياء المخلوقة"، وهي محرفة، صواب قراءتها ما أثبت، يدل على ذلك الجملة الآتية. ويعني أن الذي خلق به الأشياء - هو غير الأشياء المخلوقة، وإذا كان غيرها، فهو غير مخلوق.

(3)

في المخطوطة: "مضاف إلى كن فيكون"، والصواب ما في المطبوعة.

(4)

هذه الجملة الأخيرة لم أعرف لها هنا موقعًا، ولكني تركتها على حالها. وهي منقطعة عما بعدها بلا شك، فإن الذي يليها هو مقالة الفراء من الكوفيين. وأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء.

(5)

هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 340.

ص: 459

فيكون"القول" حينئذ مرفوعًا ب"الحق" و"الحق" ب"القول"، وقوله:"يوم يقول كن فيكون"، و"يوم ينفخ في الصور"، صلة"الحق".

* * *

وقال آخرون: بل قوله:"كن فيكون"، معنيٌّ به كل ما كان الله مُعِيده في الآخرة بعد إفنائه، ومنشئه بعد إعدامه = فالكلام على مذهب هؤلاء، متناهٍ عند قوله:"كن فيكون"، وقوله:"قوله الحق"، خبر مبتدأ = وتأويله: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق، ويوم يقول للأشياء كن فيكون خلقهما بالحق بعد فنائهما. ثم ابتدأ الخبر عن قوله ووعده خلقَه أنه معيدهما بعد فنائهما عن أنه حق فقال: قوله هذا، الحقّ الذي لا شك فيه. وأخبر أن له الملك يوم ينفخ في الصور = ف يوم ينفخ في الصور"، يكون على هذا التأويل من صلة"الملك".

وقد يجوز على هذا التأويل أن يكون قوله:"يوم ينفخ في الصور" من صلة"الحق".

* * *

وقال آخرون: بل معنى الكلام: ويوم يقول لما فني:"كن"، فيكون قوله الحق، فجعل"القول" مرفوعًا بقوله"ويوم يقول كن فيكون"، وجعل قوله:"كن فيكون"، للقول محلا وقوله:"يوم ينفخ في الصور"، من صلة"الحق" = كأنه وجه تأويل ذلك إلى: ويومئذ قوله الحق يوم ينفخ في الصور. وإن جعل على هذا التأويل"يوم ينفخ في الصور" بيانًا عن اليوم الأول، كان وجهًا صحيحًا. ولو جعل قوله:"قوله الحق"، مرفوعًا بقوله:"يوم ينفخ في الصور"، وقوله:"يوم ينفخ في الصور"، محلا وقوله:"ويوم يقول كن فيكون" من صلته، كان جائزًا.

* * *

ص: 460

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ أنه المنفرد بخلق السماوات والأرض دون كل ما سواه، معرِّفًا من أشرك به من خلقه جهلَه في عبادة الأوثان والأصنام، وخطأ ما هم عليه مقيمون من عبادة ما لا يضر ولا ينفع، ولا يقدر على اجتلاب نفع إلى نفسه، ولا دفع ضر عنها = ومحتجًّا عليهم في إنكارهم البعثَ بعد الممات والثوابَ والعقاب، بقدرته على ابتداع ذلك ابتداءً، وأن الذي ابتدع ذلك غير متعذر عليه إفناؤه ثم إعادته بعد إفنائه، فقال:"وهو الذي خلق"، أيها العادلون بربهم من لا ينفع ولا يضر ولا يقدر على شيء ="السماوات والأرض بالحق"، حجة على خلقه، ليعرفوا بها صانعها، وليستدلُّوا بها على عظيم قدرته وسلطانه، فيخلصوا له العبادة ="ويوم يقول كن فيكون"، يقول: ويوم يقول حين تبدل الأرض غير الأرض والسماوات كذلك:"كن فيكون"، كما شاء تعالى ذكره، فتكون الأرض غير الأرض = ويكون [الكلام] عند قوله:"كن فيكون" متناهيًا. (1)

وإذا كان كذلك معناه، وجب أن يكون في الكلام محذوفٌ يدلّ عليه الظاهر، ويكون معنى الكلام: ويوم يقول كذلك:"كن فيكون" تبدل [السماوات والأرض] غير السماوات والأرض. (2) ويدلّ على ذلك قوله:" وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق"، ثم ابتدأ الخبر عن القول فقال:"قوله الحق"، بمعنى وعدُه هذا الذي وَعدَ تعالى ذكره، من تبديله السماوات والأرض غير الأرض والسماوات، الحقُّ الذي لا شك فيه ="وله الملك يوم ينفخ في الصور"، فيكون قوله:"يوم ينفخ في الصور"، من صلة"الملك" = ويكون معنى

(1) في المطبوعة: "فتكون الأرض غير الأرض عند قوله: كن فيكون، متناهيًا"، وهي كلام سقيم، أسقط من المخطوطة:"ويكون"، هي ثابتة فيها، ولكن أسقط الناسخ ما وضعته بين القوسين، وبذلك استقامت العبارة. وهذا بين من السياق.

(2)

ما بين القوسين زيادة لا بد منها، وفي المخطوطة:"تبدله" مكان"تبدل" والصواب ما في المطبوعة. والناسخ في هذا الموضع قد أسقط الكلام وأفسده.

ص: 461

الكلام: ولله الملك يومئذ، لأن النفخة الثانية في الصور حال تبديل الله السماوات والأرض غيرهما.

وجائز أن يكون"القول" أعنى:"قوله الحق"، = مرفوعًا بقوله:"ويوم يقول كن فيكون"، ويكون قوله:"كن فيكون" محلا للقول مرافعًا، فيكون تأويل الكلام: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق، ويوم يبدلها غير السماوات والأرض، فيقول لذلك:"كن فيكون"،"قوله الحق".

* * *

وأما قوله:"وله الملك يوم ينفخ في الصور"، فإنه خُصّ بالخبر عن ملكه يومئذ، وإن كان الملك له خالصًا في كل وقت في الدنيا والآخرة، لأنه عنى تعالى ذكره أنه لا منازع له فيه يومئذ ولا مدّعي له، وأنه المنفرد به دون كل من كان ينازعه فيه في الدنيا من الجبابرة، فأذعن جميعهم يومئذ له به، وعلموا أنهم كانوا من دعواهم في الدنيا في باطل.

* * *

واختلف في معنى"الصور" في هذا الموضع.

فقال بعضهم: هو قرن ينفخ فيه نفختان: إحداهما لفناء من كان حيًّا على الأرض، والثانية لنشر كل مَيْتٍ. واعتلوا لقولهم ذلك بقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [سورة الزمر: 68]، وبالخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذ سئل عن الصور: هو قرن يُنفخ فيه. (1)

* * *

(1) رواه أحمد في مسند عبد الله بن عمرو رقم: 6507، وانظر تعليق أخي السيد أحمد عليه.

ورواه أبو داود في سننه 4: 326، رقم: 326 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والترمذي في باب"ما جاء في الصور"، وقال:"هذا حديث حسن صحيح". ورواه الحاكم في المستدرك 4: 560، وقال:"حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. و"القرن"، البوق يتخذ من القرون، ينفخ فيه.

ص: 462

وقال آخرون:" الصور" في هذا الموضع جمع"صورة"، ينفخ فيها روحها فتحيا، كقولهم:(1)"سور" لسور المدينة، وهو جمع"سورة"، كما قال جرير:

سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعَ (2)

* * *

والعرب تقول:"نفخ في الصور" و"نفخ الصور"، ومن قولهم:"نفخ الصور"(3)

قول الشاعر: (4)

لَوْلا ابْنُ جَعْدَةَ لَمْ تُفْتَحْ قُهُنْدُزُكُمْ

وَلا خُرَاسَانَ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ (5)

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"إن إسرافيلَ قد التقم الصور وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ"، (6) وأنه قال:"الصور قرن ينفخ فيه". (7)

* * *

وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله:"يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة"، يعني: أن عالم الغيب والشهادة، هو الذي ينفخ في الصور.

13432 -

حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله:"عالم الغيب والشهادة"،

(1) في المطبوعة والمخطوطة: "لقولهم"، والصواب بالكاف كما أثبته.

(2)

مضى تخريجه وتمامه فيما سلف 2: 17، 242.

(3)

انظر تفسير"نفخ" فيما سلف 6: 426، 427.

(4)

لم أعرف قائله.

(5)

معاني القرآن للفراء 1: 340، نسب قريش: 345، المعرب للجواليقي: 267 اللسان (صور) . و"ابن جعدة"، هو:"عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي"، وكان أبوه"جعدة بن هبيرة" على خراسان، ولاه علي بن أبي طالب. و"القهندز"(بضم القاف والهاء وسكون النون، وضم الدال) . من لغة أهل خراسان، يعنون بها: الحصن أو القلعة.

(6)

رواه الترمذي في باب"ما جاء في الصور"، وفي أول تفسير سورة الزمر وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 337، ثم قال:"رواه مسلم في صحيحه"، ولم أستطع أن أعرف مكانه في صحيح مسلم.

(7)

انظر التعليق السالف ص: 462، تعليق: 1

ص: 463

يعني: أنّ عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور.

* * *

= فكأن ابن عباس تأوّل في ذلك أن قوله:"عالم الغيب والشهادة"، اسم الفاعل الذي لم يسمَّ في قوله:"يوم ينفخ في الصور"، وأن معنى الكلام: يوم ينفخ الله في الصور، عالم الغيب والشهادة. كما تقول العرب:"أُكلَ طعامك، عبدُ الله"، فتظهر اسم الآكل بعد أن قد جرى الخبر بما لم يسم آكله. وذلك وإن كان وجهًا غير مدفوع، فإن أحسن من ذلك أن يكون قوله:"عالم الغيب والشهادة"، مرفوعًا على أنه نعت ل"الذي"، في قوله:"وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق".

* * *

وروي عنه أيضًا أنه كان يقول:"الصور" في هذا الموضع، النفخة الأولى.

13433 -

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة"، يعني بالصور: النفخة الأولى، ألم تسمع أنه يقول: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى يعني الثانية فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [سورة الزمر: 68] .

* * *

ويعني بقوله:"عالم الغيب والشهادة"، عالم ما تعاينون: أيها الناس، فتشاهدونه، (1) وما يغيب عن حواسكم وأبصاركم فلا تحسونه ولا تبصرونه (2) ="وهو الحكيم"، في تدبيره وتصريفه خلقه من حال الوجود إلى العدم، ثم من حال العدم والفناء إلى الوجود، ثم في مجازاتهم بما يجازيهم به من ثواب أو عقاب (3) ="

(1) انظر تفسير"الشهادة" فيما سلف من فهارس اللغة (شهد) .

(2)

انظر تفسير"الغيب" فيما سلف ص: 402، تعليق: 2، والمراجع هناك.

(3)

انظر تفسير"الحكيم" فيما سلف من فهارس اللغة (حكم) .

ص: 464

الخبير"، بكل ما يعملونه ويكسبونه من حسن وسيئ، حافظ ذلك عليهم ليحازيهم على كل ذلك. (1) يقول تعالى ذكره: فاحذروا، أيها العادلون بربكم، عقابَه، فإنه عليم بكل ما تأتون وتذرون، وهو لكم من وراء الجزاء على ما تعملون.

* * *

(1) انظر تفسير"الخبير" فيما سلف من فهارس اللغة (خبر) .

ص: 465

القول في تأويل قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ}

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر، يا محمد = لحجاجك الذي تحاجّ به قومك، وخصومتك إياهم في آلهتهم، وما تراجعهم فيها، مما نلقيه إليك ونعلمكه من البرهان والدلالة على باطل ما عليه قومك مقيمون، وصحة ما أنت عليه مقيم من الدين، وحقيقة ما أنت عليهم به محتج (1) = (2) حِجَاج إبراهيم خليلي قومَه، ومراجعته إياهم في باطل ما كانوا عليه مقيمين من عبادة الأوثان، وانقطاعه إلى الله والرضا به وليًّا وناصرًا دون الأصنام، (3) فاتخذه إمامًا واقتد به، واجعل سيرته في قومك لنفسك مثالا = إذ قال لأبيه مفارقًا لدينه، وعائبًا عبادته الأصنام دون بارئه وخالقه: يا آزر. (4)

* * *

(1) في المطبوعة: "وحقية ما أنت عليهم محتج"، وفي المخطوطة:"وحقيقة أنعم عليهم محتج". فعل ناشر المطبوعة في"حقيقة" ما فعل في أشباهها، كما سلف ص: 434، تعليق: 3، والمراجع هناك. وأما ما كان في المخطوطة:"ما أنعم عليهم محتج"، فالصواب فيما أرجح أن الناسخ جمع الكلمتين في كلام واحد، فكتب"ما أنت به"، "ما أنعم".

(2)

السياق: "واذكر، يا محمد،. . . حجاج إبراهيم".

(3)

في المطبوعة والمخطوطة: "واليا وناصرًا"، والصواب ما أثبت.

(4)

السياق: "واذكر يا محمد،. . . حجاج إبراهيم. . . إذ قال لأبيه. . . يا آزر"

ص: 465

ثم اختلف أهل العلم في المعنيّ ب"آزر"، وما هو، اسم هو أم صفة؟ (1) وإن كان اسمًا، فمن المسمى به؟ فقال بعضهم: هو اسم أبيه.

* ذكر من قال ذلك:

13434 -

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر"، قال: اسم أبيه"آزر".

13435 -

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق قال:"آزر"، أبو إبراهيم. وكان، فيما ذكر لنا والله أعلم، رجلا من أهل كُوثَى، من قرية بالسواد، سواد الكوفة.

13436 -

حدثني ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يذكر قال: هو"آزر"، وهو"تارح"، مثل"إسرائيل" و"يعقوب".

* * *

وقال آخرون: إنه ليس أبا إبراهيم.

* ذكر من قال ذلك:

13437 -

حدثنا محمد بن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال: ليس"آزر"، أبا إبراهيم.

13437-

حدثني الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا الثوري قال، أخبرني رجل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر"، قال:"آزر" لم يكن بأبيه، إنما هو صنم.

13439-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان،

(1) في المطبوعة: "اسم أم صفة"، حذف"هو"!

ص: 466

عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:"آزر" اسم، صنم.

13440 -

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال:"وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر"، قال: اسم أبيه، ويقال: لا بل اسمه"تارح"، واسم الصنم"آزر". يقول: أتتخذ آزرَ أصنامًا آلهة. (1)

* * *

وقال آخرون: هو سبٌّ وعيب بكلامهم، ومعناه: معوَجٌّ. كأنه تأوّل أنه عابه بزَيْغه واعوجاجه عن الحق. (2)

* * *

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الأمصار: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} بفتح"آزر" على اتباعه"الأب" في الخفض، ولكنه لما كان اسمًا أعجميًّا فتحوه، إذ لم يجروه، وإن كان في موضع خفض.

* * *

وذكر عن أبي زيد المديني والحسن البصري أنهما كانا يقرآن ذلك: (آزَرُ) بالرفع على النداء، بمعنى: يا آزر.

* * *

فأما الذي ذكر عن السديّ من حكايته أن"آزر" اسم صنم، وإنما نصبَه بمعنى: أتتخذ آزر أصنامًا آلهة = فقولٌ من الصواب من جهة العربية بعيدٌ. وذلك أن العرب لا تنصب اسمًا بفعلٍ بعد حرف الاستفهام، لا تقول:"أخاك أكلمت"؟ وهي تريد: أكلمت أخاك.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءةُ من قرأ بفتح

(1) في المخطوطة: "أتتخذ أصنامًا آلهة"، ليس فيها"آزر"، وما في المطبوعة قريب من الصواب إن شاء الله، لما سيأتي في نقد أبي جعفر مقالة السدي بعد قليل.

(2)

انظر معاني القرآن للفراء 1: 340.

ص: 467

" الراء" من (آزَرَ) ، على اتباعه إعراب"الأب"، وأنه في موضع خفض ففتح، إذ لم يكن جاريًا، لأنه اسم عجمي. وإنما اخترتُ قراءة ذلك كذلك، (1) لإجماع الحجة من القرأة عليه.

وإذْ كان ذلك هو الصواب من القراءة، وكان غير جائز أن يكون منصوبًا بالفعل الذي بعد حرف الاستفهام، صحَّ لك فتحه من أحد وجهين:

إما أن يكون اسمًا لأبي إبراهيم صلوات الله عليه وعلى جميع أنبيائه ورسله، فيكون في موضع خفض ردًّا على"الأب"، ولكنه فتح لما ذكرت من أنه لمّا كان اسمًا أعجميًّا ترك إجراؤه ففتح، كما تفعل العرب في أسماء العجم. (2)

= أو يكون نعتًا له، فيكون أيضًا خفضًا بمعنى تكرير اللام عليه، (3) ولكنه لما خرج مخرج"أحمر" و"أسود" ترك إجراؤه، وفعل به كما يفعل بأشكاله. فيكون تأويل الكلام حينئذ: وإذ قال إبراهيم لأبيه الزائغ: أتتخذ أصنامًا آلهة. (4)

وإذ لم يكون له وِجهة في الصواب إلا أحد هذين الوجهين، فأولى القولين بالصواب منهما عندي قولُ من قال:"هو اسم أبيه"، لأن الله تعالى ذكره أخبر أنه أبوه، وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم، دون القول الآخر الذي زعم قائلُه أنه نعتٌ.

* * *

فإن قال قائل: فإن أهل الأنساب إنما ينسبون إبراهيم إلى"تارح"، فكيف يكون"آزر" اسمًا له، والمعروف به من الاسم"تارح"؟

(1) في المطبوعة: "وإنما أجيزت قراءة ذلك"، وهو كلام فاسد، والصواب ما أثبت وهو في المخطوطة غير منقوط بتمامه.

(2)

في المطبوعة: "كما فتح العرب"، والصواب من المخطوطة.

(3)

في المخطوطة: "تكرير الأمر عليه"، والصواب ما في المطبوعة.

(4)

في المطبوعة والمخطوطة: "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصنامًا آلهة"، وهو نص الآية، لا تأويل لها على النعت. وأما تأويل النعت الذي ذكره آنفًا في أن"آزر" سب وعيب في كلامهم ومعناه"معوج"، لزيغه واعوجاجه عن الحق = فهو الذي أثبت، وهو الصواب إن شاء الله.

ص: 468

قيل له: غير محال أن يكون له اسمان، كما لكثير من الناس في دهرنا هذا، وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم. وجائز أن يكون لقبًا يلقّب به. (1)

* * *

القول في تأويل قوله: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) }

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيل إبراهيم لأبيه آزر أنه قال:"أتتخذ أصنامًا آلهة"، تعبدها وتتخذها ربًّا دون الله الذي خلقك فسوَّاك ورزقك؟

و"الأصنام": جمع"صنم"، و"الصنم" التمثال من حجر أو خشب أو من غير ذلك في صورة إنسان، وهو"الوثن". وقد يقال للصورة المصوّرة على صورة الإنسان في الحائط وغيره:"صنم" و"وثن".

* * *

="إني أراك وقومَك في ضلال مبين"، يقول:"إني أراك"، يا آزر،"وقومَك" الذين يعبدون معك الأصنام ويتخذونها آلهة ="في ضلال"، يقول: في زوال عن محجّة الحق، وعدول عن سبيل الصواب =" مبين"، يقول: يتبين لمن أبصَره أنه جوْرٌ عن قصد السبيل، وزوالٌ عن محجة الطريق القويم. يعني بذلك أنه قد ضلّ هو وهم عن توحيد الله وعبادته، الذي استوجب عليهم إخلاص العبادة له بآلائه عندهم، دون غيره من الآلهة والأوثان. (2)

* * *

(1) في المطبوعة: "وجائز أن يكون لقبا والله تعالى أعلم"، حذف"يلقب به"، وهو وهو ثابت في المخطوطة، وزاد ما ليس في المخطوطة.

(2)

انظر تفسير"الضلال" و"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل)(بين) .

ص: 469