المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: علاقة نشأة الغلو والتطرف لدى المسلمين بالعقائد القديمة - الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف

[علي بن عبد العزيز الشبل]

الفصل: ‌ثانيا: علاقة نشأة الغلو والتطرف لدى المسلمين بالعقائد القديمة

‌ثانيا: علاقة نشأة الغلو والتطرف لدى المسلمين بالعقائد القديمة

إذا تقرر أن أول غلو نشأ عند المسلمين ، وأثر في القرون اللاحقة هو غلو عبد الله بن سبأ في ذات علي صلى الله عليه وسلم ، وأن ابن سبأ شخصية حقيقية تكاد مصادر العقائد تجمع على أنه أول من دعا إلى فكرة تقديس علي ثم آل بيته (1) ؛ وإنه يهودي أصلا - وكانت بعض العقائد القديمة موجودة عند فرق الإسلام والغلاة ، خاصة الرافضة - لما كان هذا موجودا جعل بعض المعاصرين يبحث في نظريات الغلو والتطرف الديني عند المسلمين من أين جاءت؟

فمن قائل: إنها من أصل هندي أو مجوسي أو يهودي أو نصراني أو من أصل عربي (2) .

والواقع أن ما عند الغلاة هو حصيلة أغلب تلك العقائد - مع التأثر الملحوظ باليهود - خاصة أنه دين أول فرقة غالية في الإسلام (3) .

(1) كما في «نشأة الفكر الفلسفي» 1 / 68.

(2)

بحث هذه القضية جمع من المعاصرين. منهم د. عرفان عبد الحميد في «دراسات في العقائد الإسلامية» 34-43 ، والسامرائي في «الغلو والفرق الغالية» 79-80 ، 125180 ، ود. علي النشار في «نشأة الفكر الفلسفي» 1 / 68 والجزء الثاني من أثر اليهود على مذهب الرافضة ، ونظلة الجبوري في «حركة الغلو وأصولها الفارسية» . وكامل الشيبي في «الصلة بين التصوف والتشيع» ص 128 ، وأحمد أمين في «ضحى الإسلام» 3 / 278 ، ومحمد أبو زهرة في «تاريخ المذاهب الإسلامية» 1 / 37-38. وغيرهم.

(3)

طبعت أخيرا أطروحة دكتوراه حول هذا الموضوع في مجلدين عنوانها «بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود» .

ص: 39

وإليك قول أعرف الناس بالرافضة وهو الإمام الشعبي التابعي الجليل (104هـ) . فقد روى أبو القاسم اللالكائي الطبري بسنده إلى عبد الرحمن بن مالك بن مِغول عن أبيه قال: ((قال الشعبي: يا مالك لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا أو أن يملؤوا بيتي ذهبا - يعني الرافضة - على أن أكذب لهم على عليّ لفعلوا ، ولكن والله لا أكذب عليه أبدا. يا مالك: إنني قد درست هذه الأهواء كلها فلم أر قوما هم أحمق من الخشبية - من فرق الرافضة - لو كانوا من الدواب لكانوا حُمرا ، ولو كانوا من الطير لكانوا رخما. وقال: أحذرك الأهواء المضلة وشرها الرافضة؛ وبذلك أن من يهود من يغمصون الإسلام لتحيا ضلالتهم ، كما غمص بولس بن شاؤول ملك اليهود دين النصرانية ، لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله ، ولكن مقتا لأهل الإسلام ، وطعانا عليهم ، فأحرقهم علي بن أبي طالب بالنار ، ونفاهم من البلدان: منهم عبد الله بن سبأ نفاه إلى ساباط ، وعبد الله بن يسار نفاه إلى خازر وأبو الكَروَّس وابنه إلى الجابية.

وذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود ، قالت اليهود: لا يصلح الملك إلَاّ في آل داود ، وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا في آل علي.

ص: 40

وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال ، أو ينزل عيسى من السماء. وقالت الرافضة: لا جهاد حتى يخرج المهدي ، ثم ينادي مناد من السماء.

واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم ، وكذلك الرافضة.

والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» .

واليهود يولون عن القبلة شيئا ، وكذلك الرافضة.

واليهود تسدل أثوابها ، وكذلك الرافضة.

وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد سدل ثوبه فَقمَّصه عليه أو عطفه عليه.

واليهود حرفوا التوراة ، وكذلك الرافضة حرفوا القرآن.

واليهود يستحلون دم كل مسلم ، وكذلك الرافضة.

واليهود لا يرون الطلاق ثلاثا شيئا ، وكذلك الرافضة.

واليهود لا يرون على النساء عدة ، وكذلك الرافضة.

واليهود يبغضون جبريل ويقولون: هو عدونا من الملائكة ، وكذلك صنف من الرافضة - هم الغرابية - يقولون: غلط بالوحي على محمد (1) .

وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين:

سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى.

وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواريو عيسى.

(1) وهم الغرابية قالوا: إن عليا يشبه محمدا ، كما يشبه الغراب الغراب ، فاختلط ذلك على جبريل فغلط ، حيث بدل أن ينزل الوحي على علي ، أعطاه محمدا؟ قبحهم الله! والله يقول:(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء: 193-195] .

ص: 41

وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد.

أُمروا بالاستغفار لهم فسبوهم ، فالسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة لا يثبت لهم قدم ولا تقوم لهم راية ولا تجتمع لهم كلمة ، دعوتهم مدحوضة وجمعهم متفرق ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله عز وجل) اهـ (1) .

وإليك ما قاله أبو بكر الباقلاني في كتابه فضائح الباطنية - يسر الله بعثه - بواسطة شرح الطحاوية (2) قال فيه:

((ولهذا كان الرفض باب الزندقة كما حكاه القاضي أبو بكر الطيب عن الباطنية وكيفية إفسادهم لدين الإسلام قال: فقالوا للداعي: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلما أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المتصل من جهة ظلم السلف لعلي وقتلهم الحسين والتبري من تيم وعدي - قبيلتي أبي بكر وعمر - وبني أمية وبني العباس مع أنهم من آل البيت. وقل بالرجعة وأن عليا يعلم الغيب يُفوض إليه خلق العالم! . وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم ، فإذا أنست من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ورشدا ، أوقفته على مثالب عليّ وولده رضي الله عنهم. . . . .)) اهـ (3) .

(1) ذكر ابن تيمية لهذا الأثر طريقين في «منهاج السنة» ؛ أحدهما عن ابن شاهين بسنده إلى الشعبي ، والآخر من طريق أبي عمرو الطلمنكي إليه ، وساق لفظيهما بتمامهما. وأشار إلى رواية اللالكائي هذه وقال بعدها: فهذا الأثر روي من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا ، وبعضها يزيد على بعض ، كعن عبد الرحمن بن مالك ، ضعيف ، ثم قال: وذم الشعبي لهم ثابت من طرق أخرى ا. هـ. «المنهاج» 1 / 22-36. وقال محقق كتاب اللالكائي في رقم 2823: إنه رواه الخلال بلفظ أطول من رواية اللالكائي.

(2)

«شرح الطحاوية» ص 90.

(3)

استفاد من كتاب الباقلاني الغزالي أبو حامد في «فضائح الباطنية» وهو مطبوع في مجلد لطيف.

ص: 42

وأخذ الغلاة من الرافضة عن المجوس أهل فارس - كما في حديث أبي هريرة في الموقف من الغلو - حيث صرَّح النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يأخذون عن فارس والروم.

ومن العقائد التي تأثر بها الغلاة القول بالوصيَّة أتى بها ابن سبأ حيث قال: إن عليا وصي رسول الله من عقائد يهود أنهم يقولون: إن يوشع بن نون وصيٌ لموسى عليه السلام.

وأخذوا من اليهود التشبيه - تشبه الخالق بالمخلوق - حيث قالت اليهود: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64]، وقالوا:{إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ} [آل عمران: 181] . ومتقدمو الرافضة مشبهة مجسمة ومن أشهرهم هشام بن الحكم الرافضي، والجواليقي.

وقالوا برفع عليّ إلى السماء وكذَّب ابن سبأ من قال بموته ، وأنه لو أُتي بدماغه في صرة أو بسبعين صرة لم يصدق بموته ، وأنه سينزل إلى الأرض. كقول أهل الكتاب في إيليا - عيسى - عليه وسلم - وهو عقيدة الرجعة.

وقالوا: إنه فوق السحاب ، وإن الرعد صوته ، والبرق سوطه يضرب به السحاب.

وأخذوا القول بنفي القدر وأن العبد يخلق فعل نفسه ، وهو قول فرقة من اليهود تسمى الفروشيم (1) .

وأخذوا من النصارى والهنود الحلول والتناسخ (2) .

(1) كما في «تاريخ المذاهب الإسلامي» 1 / 125 نقلا عن أحمد أمين من «فجر الإسلام» وترجمة هذه الكلمة المعتزلة.

(2)

هذا باستقراء كتب الفرق والمقالات التي وقفت عليها وما ذكرت إلا أهم العقائد ويراجع على سبيل الخصوص الكلام على فرق غلاة الروافض الذين ظهر تأثرها جليا بالعقائد القديمة والوثنية كالسبائية الكيسائية البيانية الخطابية النصيرية. . . . . وانظر فيها: «الملل والنحل» 2 / 12-13 ، و «الفصل» لابن حزم 5 / 137-144 ، و «دراسات العقائد الإسلامية» 35-41 ، و «مقالات الإسلاميين» 1 / 66-88 ، و «الزينة» للرازي 303-307 ، و «اعتقادات فرق المسلمين» 70-71 ، و «الفرق بين الفرق» 177 ، وما بعدها و «نشأة الفكر الفلسفي» 1 / الفصل الأول والثاني والرابع ، و «البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان» 67-85 ، و «التبصير في الدين» الباب الثالث عشر 123-124 ، و «تاريخ المذاهب الإسلامية» 1 / 38-43و 58-59 ، و «الفوائد المجتمعة في بيان الفرق الضالة المبتدعة» ، ورسالة ((بيان الفرق الضالة)) لليازجي و «النواقص لظهور الروافض» للبرزنجي وكلاهما خطيتان ومصورة عندي ، و «الفرق المفترقة» للأفندي ، والباكورة السليمانية وغيرها.

ص: 43

وغيرها من العقائد التي أفسدت عليهم دينهم ، ولا أخص بذلك غلاة الشيعة بل كل من أتى بفكر غالٍ ، كالمعتزلة وغلاة القدرية والحلولية والاتحادية والباطنية وعموم الزنادقة قبحهم الله!

ص: 44