المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أحاديث النهي عن البناء على القبور والعبادة عدها سدا للذريعة الموصلة إلى الشرك - الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق

[محمد تقي الدين الهلالي]

فهرس الكتاب

- ‌خطبة الكتاب

- ‌الفصل الأول(في بيان إشراك صاحب الرسالة الإيمانية بعبادة غير الله)

- ‌ذكر بعض أنواع العبادة التي يصرفها المشركون لغير الله تعالى

- ‌أمر عمر بن الخطاب بقطع شجرة الرضوان

- ‌أحاديث النهي عن البناء على القبور والعبادة عدها سداً للذريعة الموصلة إلى الشرك

- ‌الفصل الثالث(في بيان أن كل بدعة ضلالة)

- ‌الفصل الرابعفي مسائل فرعية جاءت في رسالة البوعصامي العامي

- ‌المسألة الأولى: وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة

- ‌المسألة الثانية: قراءة البسملة في أول سورة الفاتحة وأول كل سورة في الصلاة

- ‌المسألة الثالثة: قراءة القرآن وإهداء ثوابه إلى الموتى بدعة

- ‌تنبيهات

- ‌المسألة الرابعة: التأمين والجهر به

- ‌المسألة الخامسة: نسبة السدل إلى الإمام الشافعي

- ‌المسألة السادسة: التوسل بالمخلوق

- ‌توسل عمر بالعباس

- ‌وصية النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب الاستغفار من أويس القرني

- ‌(بدعة قراءة القرآن جماعة بنغمة واحدة)

- ‌حقوق أهل البيت ما لهم وما عليهم

- ‌حديث: أذكركم الله في أهل بيتي

- ‌((القصيدة الأولى))

- ‌((القصيدة الثانية))

الفصل: ‌أحاديث النهي عن البناء على القبور والعبادة عدها سدا للذريعة الموصلة إلى الشرك

قال صاحب فتح البيان في تفسير سورة الفتح: ((وفي الصحيح عن ابن عمر أن الشجرة أخفيت، والحكمة في ذلك أن لا يحصل الافتتان بها لما وقع تحتها من الخير فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها حتى ربما اعتقدوا أن لها قوة نفع أو ضر كما نشهده الآن فيم دونها، ولذلك أشار ابن عمر بقوله كان خفاؤها رحمة من الله، كذا في فتح الباري)) ، ثم ذكر صاحب فتح البيان الحديث المتقدم عن نافع في قطع الشجرة وقال: أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه.

‌أحاديث النهي عن البناء على القبور والعبادة عدها سداً للذريعة الموصلة إلى الشرك

1-

في الصحيحين عن عائشة عن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: ((أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله)) .

قال شيخ الإسلام: ((فهؤلاء جمعوا بين فتنتين، فتنة القبور وفتنة التماثيل، وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر أو في ما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت

ص: 26

بتماثيل الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك لقبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون ويخضعون ويعبدون القبور بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله وقت السحر، ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقاً وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها لأنها أوقات يقصد فيها المشركون الصلاة للشمس فنهى أمته عن الصلاة حينئذٍ وإن لم يقصدوا ما قصده المشركون سداً للذريعة، وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركاً بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ولرسوله والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالضرورة من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذها مساجد، فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن

ص: 27

النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة.

وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهية والذي ينبغي أن تحمل عليه كراهة التحريم إحساناً للظن بالعلماء وأن لا يظن أنهم يجيزون فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن فاعله والنهي عنه)) انتهى.

2-

في الصحيحين عن عائشة أيضاً قالت: ((لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر

ص: 28

ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا)) .

قال في فتح المجيد: ((قوله ((لما نزل)) هو بضم النون وكسر الزاي أي نزل به ملك الموت والملائكة الكرام عليهم السلام. قوله ((طفق)) بكسر الفاء وفتحها والكسر أفصح، وبه جاء القرآن ومعناه: جعل. قوله ((خميصة)) بفتح المعجمة والصاد المهملة كساء له أعلام. قوله ((فإذا اغتم بها)) أي تضايق نفسه بسببها. قوله: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يبين أن من فعل ذلك حل عليه من اللعنة ما حل على اليهود والنصارى. قوله: ((يحذر ما صنعوا)) الظاهر أنه من كلام عائشة لأنها فهمت من قول النبي صلى الله عليه وسلم تحذير أمته من هذا الصنيع الذي كانت تفعله اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم فإنه من الغلو في الأنبياء ومن أعظم الوسائل إلى الشرك، ومن غربة الإسلام أن هذا الذي لعن الرسول صلى الله عليه وسلم فاعليه تحذيراً لأمته أن يفعلوه معه صلى الله عليه وسلم ومع الصالحين من أمته، قد فعله الخلق الكثير من متأخري هذه الأمة واعتقدوه قربة من القربات وهو من أعظم السيئات والمنكرات، وما شعروا أن ذلك محادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي في معنى هذا الحديث:((وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام)) انتهى. إذ لا فرق بين عبادة القبر ومن فيه وعبادة الصنم، وتأمل قول الله تعالى في يوسف بن يعقوب حيث يقول:{واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} نكرة في سياق النفي تعم كل شرك.

قوله: ((ولولا ذلك)) أي ما كان يحذر من اتخاذ قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسجداً، لأبرز قبره وجعل مع قبور الصحابة الذين

ص: 29

كانت قبورهم في البقيع. قوله: ((غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً)) روي بفتح الخاء وضمها، فعلى رواية الفتح يكون هو الذي خشى ذلك صلى الله عليه وسلم وأمرهم أن يدفنوه في المكان الذي قبض فيه، وعلى رواية الضم يحتمل أن يكون الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الأمة فلم يبرزوا قبره خوفاً على الأمة أن يقع بعضها في هذا الخطر الذي نهى عنه الرسول وحذر من فعله.

قال القرطبي: ((ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأغلقوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها وجعلوها محدقة بقبره صلى الله عليه وسلم ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة لتوجه المصلين ناحيته فتصور الصلاة بصورة العبادة فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره)) )) انتهى.

3-

أخرج مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ((إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني

ص: 30

أنهاكم عن ذلك)) .

قال شيخ الإسلام رحمه الله بعد إيراد هذا الحديث: ((فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في مرض الموت من فعله والصلاة عند القبور من ذلك وإن لم يبن مسجد، وهو معنى قولها (أي السيدة عائشة)((خشي أن يتخذ مسجدا)) فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا كما قال صلى الله عليه وسلم:((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) )) انتهى.

قال محمد تقي الدين: في هذا الحديث دليل على أن أبا بكر الصديق هو أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي يستحق أن يكون خليفة بعده.

قال العلماء: الخلة أعلى درجة من المحبة، ولذلك صرح النبي صلى الله عليه وسلم بالمحبة لأبي بكر وابنته عائشة وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل، وأبى أن يتخذ أحدا من أهل الأرض خليلا. والله سبحانه وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحب الصالحين المتواضعين للمؤمنين، الأشداء على أعداء الإسلام كما قال في سورة المائدة: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين

ص: 31

يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} (1) ومع ذلك لم يتخذ أحداً من خلقه خليلاً إلا إبراهيم ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهما وإلى تفوق مرتبة الخلة على المحبة يشير قول الشاعر:

قد تخللت مسلك الروح مني

وبذا سمي الخليل خليلا

4-

أخرج أحمد وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد)) .

قال صاحب فتح المجيد: ((قوله ((والذين يتخذون القبور مساجد)) ، معطوف على اسم (إن) في محل نصب على نية تكرار العامل، أي وإن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد أي بالصلاة عندها وإليها، وبناء المساجد عليها، وتقدم في الأحاديث الصحيحة أن هذا من عمل اليهود والنصارى، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لعنهم على ذلك تحذيراً لأمته أن يفعلوا ذلك مع نبيهم وصالحيهم مثل اليهود والنصارى، فما رفع أكثرهم بذلك رأساً، بل اعتقدوا أن هذا الأمر قربة إلى الله وهو مما يبعدهم من الله ويطردهم من رحمته ومغفرته.

(1) المائدة: 54.

ص: 32

والعجب أن أكثر من يدعي العلم ممن هو من هذه الأمة لا ينكرون ذلك، بل ربما استحسنوه ورغبوا في فعله، فلقد اشتدت غربة الإسلام وعاد المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير)) .

قال محمد تقي الدين: ومع ذلك كله لا نيأس من وجود طائفة قائمة بنصرة الحق ثابتة عليه مبلغة له، منصورة به لا يضرها من خالفها ولا من عاداها إلى يوم القيامة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشرنا بذلك لما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)) .

قال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ وقال ابن المبارك وعلي بن المديني وأحمد بن سنان والبخاري وغيرهم ((إنهم أهل الحديث)) .

وقد ظن هذا المشرك أن الجو قد خلا له فصار يبعث بالرسائل إلى اتخاذ الأولياء من دون الله وينهاهم عن اتباع سنة رسول الله، ألا ساء ما سولت له نفسه:

خلا لك الجو فبيضي واصفري

ونقري ما شئت أن تنقري

ص: 33

لابد من أخذك يوماً فاحذري

وما أحسن ما قال بعضهم:

دعاني لشب الحرب بيني وبينه

فلما أبى ألقيت فضل عنانه

فكان صريع الخيل أول وهلة

فقلت له لا لا هلم إلى السلم

إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم

فبعدا له مختار جهل على علم

5-

روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم

مساجد)) .

وله شاهد عند أحمد بسنده عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد)) وقد استجاب الله دعاء رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله:

ودعا بأن لا يجعل القبر الذي

فأجاب رب العالمين دعاءه

قد ضمه وثنا من الأوثان

وأحاطه بثلاثة الجدران

ص: 34

حتى غدت أرجاؤه بدعائه

في عزة وحماية وصيان

ودل الحديث على أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لو عبد كان وثنا، لكن حماه الله بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه. ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي عليها. وقد عظمت الفتنة بالقبور بتعظيمها وعبادتها.

6-

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) رواه أبو داود بإسناد حسن، رواته ثقات. وعن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم)) رواه الضياء في المختارة ورواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل.

وقال سعيد بن منصور في سننه حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن صالح قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء

ص: 35

فقلت: لا أريده فقال: ما لي رأيتك عند القبر فقلت سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله قال: ((لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم. لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. وقال سعيد أيضاً: حدثنا حبان بن علي حدثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني)) .

في هذا الحديث فوائد:

الأولى: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يجعلوا بعض عبادتهم كالصلاة والدعاء وقراءة القرآن في بيوتهم، هذا في غير الفرائض الخمس، أما هي فالأفضل أن تكون في المساجد إجماعاً.

الثانية: تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم البيت الذي لا يصلى فيه ولا يقرأ فيه القرآن بالمقبرة دليل مفهومه النهي عن الصلاة وقراءة القرآن في المقابر، وقد مر التصريح بذلك في الأحاديث السابقة.

الثالثة: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن اتخاذ قبره عيدا يحج الناس إليه كالمسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفات فإنها

ص: 36

أعياد مكانية يعود الناس إليها في كل عام. والأعياد الزمانية هي التي تعود على الناس كعيد الأضحى وعيد الفطر. ومن المعلوم أن الرحال لا تشد إلى بقعة لفضل فيها إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجد النبي والمسجد الأقصى.

الرابعة: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة المصلين وسلام المسلمين عليه يوصلهما الله إليه، وإن كان المصلي في أقصى مشارق الأرض ومغاربها فلا فرق بين بعيد وقريب، ولذلك قال الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب:((ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء)) ، يعني أن من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ملتصق بحائط حجرته الشريفة أو في مسجده كمن سلم عليه في الأندلس.

الخامسة: إذا امتنع تحري الدعاء عند حجرة النبي صلى الله عليه وسلم فامتناعه عند قبور الصالحين أولى. وقد تقدم لعن من يفعله على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وكون فاعله من شرار الخلق عند الله، واشتداد غضب الله عليهم فليبؤ بإثم ذلك كل من دعا إلى ضلالة كمرسل الرسالة المنكرة إلى إمام مسجد أرفود، يدعوهم فيها إلى الشرك وترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.

السادسة: قال شيخ الإسلام رحمة الله عليه عقب تخريج هذا الحديث: ((فانظر إلى هذه السنة كيف أن مخرجها

ص: 37

أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط)) انتهى.

السابعة: عن ابن عباس قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)) رواه أهل السنن الثلاثة (أبو داود والترمذي وابن ماجة) ورواه أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة، ورواه ابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه.

وفيه مسائل:

الأولى: لعن النبي صلى الله عليه وسلم لزائرات القبور يقتضي تحريم زيارة القبور على النساء مطلقاً، وفي الباب أحاديث متعددة، وقد اختلف الأئمة في ذلك، والحق مع القائلين بالتحريم.

الثانية: لعن النبي صلى الله عليه وسلم لمن يبني مسجداً أو غيره على قبر كيفما كان ذلك القبر. وقد تقدمت الأحاديث في ذلك بما فيه الغنية.

الثالثة: لعن النبي صلى الله عليه وسلم لكل من يوقد سراجاً أو شمعة أو نحوهما على قبر تعظيماً له، وكذلك من يعظمه بإهداء الأموال إليه والتصدق لوجه صاحبه إلى غير ذلك مما يفعله المشركون لآلهتهم وأوليائهم الذين اتخذوهم من دون الله ولنقتصر على هذا القدر في الرد على ما جاء في رسالة المفتون من إباحة الشرك والترغيب فيه.

ص: 38

الفصل الثاني

(في تحريم الإفتاء والقضاء بالتقليد وبيان أن التمذهب بدعة وأن من عجز عن أخذ الحكم من الكتاب والسنة يجوز له أن يقلد عالما من علماء زمانه يسأله مشافهة عما جاء عن الله ورسوله في تلك المسألة ولا يلتزم شخصا بعينه ولا جماعة بأعيانها)

اعلم أيها الطالب للحق المتبرئ من الشرك والبدعة وأهلهما! أن الله أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فبلغ الرسالة ولم يخص بها أحداً دون أحد وأدى الأمانة على أكمل وجه، وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه العدول الثقات الذين هم أغزر هذه الأمة علماً، وأقومها سبيلاً، وأطهرها قلوباً وأتقاها لله، اختارهم الله لصحبة نبيه وقال فيهم:{كنتم خير أمة أخرجت للناس} (1) ، وأمر كل من بعدهم

(1) آل عمران: 110.

ص: 39

باتباعهم فقال تعالى في سورة التوبة: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم} (1) .

وقال تعالى حاثاً عباده على اتباع رسوله في سورة آل عمران: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} (2) وقال تعالى في سورة الأعراف: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل} إلى أن قال: {فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} (3) وقال تعالى في سورة الأعراف: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون} (4) والآيات في هذا المعنى أكثر من أن تحصى.

ثم تحمل الرسالة بعد الصحابة الكرام التابعون، ورعوها

(1) التوبة: 100.

(2)

آل عمران: 31.

(3)

الأعراف: 156، 157.

(4)

الأعراف: 3.

ص: 40

حق رعايتها وكانوا أحق بها وأهلها، ثم حملها تابعوهم من الأئمة المجتهدين والحفاظ المبرزين نفوا عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. ولم يكن في تلك القرون المفضلة تشدد في الدين، ولا تمذهب، ولا تحزب، ولا تعصب، بل كانوا عباد الله إخوانا، وعلى طاعته أعوانا، وكان العامي في تلك العصور إذا عنت له مسألة سأل من يصادفه من العلماء، فكان الواحد يسأل في مسألة أحد الخلفاء الراشدين، وفي الأخرى عبد الله بن عباس، وفي الثالثة عبد الله بن مسعود، وفي الرابعة عبد الله بن عمر وفي الخامسة جابر بن عبد الله. وهكذا ولم يتخذ أحد منهم رجلاً بعينه يخص بالسؤال والاتباع دون غيره كأنه نبي مرسل. حاشاهم من ذلك، وإنما حدث ذلك بعد القرون المفضلة أي في القرون المذمومة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وسأذكر هنا نبذة يسيرة من البراهين التي تثلج الصدور وترفع الحجب والستور، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

الأول: كل من اتخذ رجلاً غير النبي صلى الله عليه وسلم حجة يحلل به، ويحرم به، دون أن يسأله عن دليل ما أفتى به، تحسيناً للظن به، واعتقاداً منه أنه لا يخطئ حكم الله أبداً، فقد اتخذ ذلك الشخص رباً دون الله. وإليك برهانه: قال حافظ

ص: 41

المغرب الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري الذي شرح الموطأ ثلاثة شروح في كتابه جامع بيان العلم وفضله ما نصه: ((قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع في كتابه فقال: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} (1)) ) وروى عن حذيفة وغيره قالوا: ((لم يعبدوهم من دون الله ولكن أحلوا وحرموا عليهم فاتبعوهم)) .

قال عدي بن حاتم: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب فقال يا عدي ألق هذا الإثم من عنقك وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} (2) قال: قلت: يا رسول الله، إنا لم نتخذهم أرباباً. قال: بلى، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه فقلت: بلى فقال: تلك عبادتهم)) .

قال محمد تقي الدين: وروى الإمام ابن عبد البر آثاراً في هذا المعنى، وبيان ذلك أن الحكم الشرعي لا يجوز أن يكون لأحد إلا لله فهو كالصلاة والصيام وسائر العبادات فمن جعله لغير الله فقد أشرك وقال تعالى في سورة الشورى:{أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} (3) وقال

(1) التوبة: 31.

(2)

المرجع السابق.

(3)

الشورى: 21.

ص: 42

تعالى في سورة المائدة: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيراً من الناس لفاسقون. أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} (1) وقال تعالى في سورة الشورى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} (2) ولا حجة في قول أحد كائناً من كان إلا في كلام الله وكلام رسوله لأنه معصوم. قال تعالى في سورة النجم: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} (3) .

واعلم أن ما فرضه الله على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر القرون المفضلة هو الذي فرضه الله على سائر المسلمين إلى يوم القيامة، وما ابتدع بعدهم في الدين فهو ضلال لا يقبله الله ولا يرضاه رسوله صلى الله عليه وسلم أبداً، فالتفرق إلى مذاهب وطرائق وشيع أو فرق كله ضلال وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.

ثم قال الإمام ابن عبد البر في باب فساد التقليد ((وقال عز وجل: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.

(1) المائدة: 49، 50.

(2)

الشورى: 10.

(3)

النجم: 3، 4.

ص: 43

قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء: {فقالوا إنا بما أرسلتم به كافرون} (1) وفي هؤلاء ومثلهم قال الله عز وجل: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} (2) وقال: {إذ تبرأ الذين اتُبعوا من الذين اتَبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} (3) وقال عز وجل عائباً لأهل الكفر وذاماً لهم: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} (4) وقال: {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل} (5) ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء.

وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها، لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجل رجلاً فكفر وقلد آخر فأذنب، فقلد آخر

(1) الزخرف: 23، 24.

(2)

الأنفال: 22.

(3)

البقرة: 166، 167.

(4)

الأنبياء: 52، 53.

(5)

الأحزاب: 67.

ص: 44

في مسألة دنياه فأخطأ، وجهها كان كل واحد ملوماً على التقليد بغير حجة لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضاً وإن اختلفت الأنام فيه)) .

ثم قال: ((وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا، وفي ثبوت إبطال التقليد أيضاً. فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة، أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك.

أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو بكر بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إني لأخاف عليكم من زلة العالم، ومن حكم جائر ومن هوى متبع)) . وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله)) )) .

ثم روى بسنده إلى عمر بن الخطاب قال: ((ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون)) ، ثم روى بسنده إلى معاذ بن جبل قال: ((الله حكم قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنا: يكثر المال ويفتح القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق، والمرأة والصبي، والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأت القرآن فيما أظن أن يتبعوني حتى ابتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة

ص: 45

الحكيم؟ قال: هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه؟ فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه، فإنه يوشك أن يفئ وأن يراجع الحق، وأن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة. فحسن ابتغاؤهما ووجودهما)) .

ثم بعد ذكر آثار عديدة عن الصحابة في هذا المعنى، قال الإمام أبو عمر ما نصه:((وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ لم يجز لأحد أن يفتي أو يدين بقول لا يعرف وجهه)) .

قال محمد تقي الدين: ((المراد بالوجه، الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، فجميع المسائل التي موه بذكرها المفتون ((البوعصامي)) باطلة، لأنه لا يعرف دليلاً ولا يهتدي سبيلاً، ولا يحل له الإفتاء أبداً وإلا كان داخلاً في قوله تعالى في سورة الأعراف:{قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (1) .

ثم أنشد أبو عمر للحسين بن علي من أئمة آل البيت رضوان الله عليهم قال:

(1) الأعراف: 33.

ص: 46

تريد تنام على ذي الشبه

وعلك إن نمت لم تنتبه

فجاهد وقلد كتاب الإله

لتلقى الإله إذا مت به

فقد قلد الناس رهبانهم

وكل يجادل عن راهبه

وللحق مستنبط واحد

وكل يرى الحق في مذهبه

ففيما أرى عجب غير أن

بيان التفرق من أعجبه

ثم قال أبو عمر: ((وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال: تذهب العلماء ثم يتخذ الناس رؤساء جهالا، يسألون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون، وهذا كله نفي للتقليد لمن فهمه وهدي لرشده.

حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد ابن عثمان وسعيد بن حمير قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا سفيان بن عيينة قال: ((اضطجع ربيعة مقنعاً رأسه وبكى فقيل له ما يبكيك؟ فقال: رياء ظاهر وشهوة خفية، والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم ائتمروا وقالوا لا تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره. وقال عبد الله بن المعتز: ((لا فرق بين بهيمة تنقاد وبين إنسان يقلد)) وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لا تتبين موقع الحجة لعدم الفهم لأن العلم درجات لا سبيل إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا الحائل بين العامة وبين طلب الحجة والله أعلم.

ص: 47

ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله تعالى:{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (1) وأجمعوا أن الأعمى لابد له من تقليد غيره ممن يثق بمعرفته بالقبلة – إذا أشكلت عليه – فكذلك من لا علم ولا بصر له بمعنى ما يدين به، لا بد له من تقليد غيره، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، وذلك – والله أعلم – لجهلها بالمعاني التي فيها يجوز التحليل والتحريم، والقول في العلم.

وقد نظمت في التقليد وموضعه أبياتا رجوت في ذلك جزيل الأجر لما علمت أن من الناس من يسرع إلى حفظ المنظوم ويتعذر عليه المنثور وهي من قصيدة لي:

يا سائلي عن موضع التقليد خذ

واصغ إلى قولي ودن بنصيحتي

لا فرق بين مقلد وبهيمة

تبا لقاض أو لمفت لا يرى

فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ

ثم الصحابة عند عدمك سنة

وكذلك إجماع الذين يلونهم

إجماع أمتنا وقول نبينا

وكذا المدينة حجة إن أجمعوا

وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد

وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس

والشر ما فيه فديتك أسوة

من الجواب بفهم لب حاضر

واحفظ علي بوادري ونوادري

تنقاد بين جنادل ودعائر

عللا ومعنى للمقال السائر

مبعوث بالدين الحنيف الطاهر

فأولاك أهل نهى وأهل بصائر

من تابعيهم كابرا عن كابر

مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر

متتابعين أوائلا بأواخر

ومع الدليل فمل بفهم وافر

فرعا بفرع كالجهول الحائر

فانظر ولا تحفل بزلة ماهر

(1) الأنبياء: 7.

ص: 48

)) .

ثم روى بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أفتى بفتيا عن غير تثبت فإنما إثمها على من أفتاه)) .

أقول: وهذا المفتون قد أفتى في صحيفته الكاذبة الخاطئة في مسائل كثيرة بدون تثبت ولا دليل فهو يتحمل إثمها. وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية، فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني رحمه الله تعالى:((يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك حجة فيما حكمت به؟ فإن قال: نعم. أبطل التقليد، لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد وإن قال: حكمت فيه بغير حجة قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ قال عز وجل: {إن عندكم من سلطان بهذا} (1) أي من حجة بهذا قال: فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيراً من العلماء، وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي، قيل له: إذا جاز لك تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك وجب عليك أن تقلد معلم معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، فإن قال: نعم، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم

(1) يونس: 68.

ص: 49

معلمه وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف تجوز تقليد من هو أصغر وأقل علماً ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علماً؟ وهذا متناقض. فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك، قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك. ومن جهة أخرى أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمك ومقتضى هذا جعل الأصغر ومن يحدث صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك الصحابي عنده يلزمه تقليد التابعي والتابعي لمن هو دونه، وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحاً وفساداً)) .

قال أبو عمر: ((وقال أهل العلم والنظر: حد العلم: التبيين وإدراك المعلوم على ما هو عليه، فمن بان له الشيء فقد علمه، قالوا: والمقلد لا علم له ولم يختلفوا في ذلك. ومن ها هنا قال البحتري:

عرف العالمون فضلك بالعلـ

ـم وقال الجهال بالتقليد

وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: ((التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله

ص: 50

عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبتت عليه حجة)) وقال في وضع آخر من كتابه:((كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع)) )) .

تبرؤ الإمام مالك رحمه الله من المقلدين المفترين عليه

قال الإمام ابن عبد البر في كتابه المذكور: ((حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا أبو عبد الله ابن محمد بن أحمد القاضي المالكي، حدثنا موسى بن إسحق، قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال أخبرنا معن بن عيسى قال سمعت مالك بن أنس يقول: ((إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه)) انتهى.

وقد كتب الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن قيم الجوزية في هذا المعنى، وهو الرد على المقلدين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، الكثير الطيب في كتابه ((إعلام الموقعين)) ومن أهم ذلك المناظرة العظيمة التي عقدها في المجلد الثاني بثمانين وجهاً. يكفي المؤمن الصادق إذا كان من أهل العلم وجه واحد

ص: 51

ليتوب إلى الله من تمذهبه وتعصبه، ويتبع كتاب الله وسنة رسوله، ولا يتسع المجال في هذه الرسالة المختصرة لذكر شئ من ذلك، غير أني أذكر عبارة من ذلك قليلة الألفاظ كثيرة المعاني. قال رحمه الله وأجزل ثوابه:((يا لله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب التابعين وتابعيهم إلا أربعة أنفس وهذه بدعة قبيحة)) أ. هـ.

وقال الإمام صالح بن محمد بن نوح الفلاني في كتابه ((إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار وتحذيرهم عن الابتداع الشائع في القرى والأمصار من تقليد المذاهب مع الحمية والعصبية بين فقهاء الأعصار)) بعد نقله ما مر من كلام ابن عبد البر وأكثر منه كلاما، ما نقله عن ((سند بن عنان)) شارح مدونة سحنون جاء فيه:((وأما التقليد فلا يرضاه رجل رشيد، ولسنا نقول إنه حرام على كل فرد بل نوجب معرفة الدليل، وأقاويل الرجال، ونوجب على العامي تقليد العالم)) ثم قال ((سند)) بعد ذكره الخلاف في تقليد الميت ما نصه: ((وإنما نقول نفس المقلد ليست على بصيرة، ولا يتصف من العلم بحقيقة، إذ ليس التقليد بطريق إلى العلم بوفاق أهل الآفاق، وإن نازعنا في ذلك برهانه فنقول: قال الله

ص: 52

تعالى: {فاحكم بين الناس بالحق} (1) وقال: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} (2) وقال: {ولا تقف ما ليس لك به علم} (3) وقال: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (4) ومعلوم أن العلم هو معرفة المعلوم على ما هو به، فنقول للمقلد: إذا اختلفت الأقوال وتشعبت المذاهب من أين تعلم صحة قول من قلدته دون غيره، أو صحة قولة له على قولة أخرى، ولن يبدي كلاماً في قول إلا انعكس عليه في نقيضه، خاصة إذا عرض له ذلك في قولة لإمام مذهبه الذي قلده، وقولة تخالفها لبعض أئمة الصحابة)) .

وقال الإمام الشاطبي في الاعتصام من جملة كلام طويل في رد التقليد ما نصه (ج3، ص 301) : ((ومن معنى كلام مالك: ما كان كلامي موافقاً للكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق فاتركوه، هذا معنى كلامه دون لفظه)) .

قال محمد تقي الدين: يرحم الله أبا إسحق ما أعظم ورعه فإنه لما لم يذكر لفظ مالك نبه على أنه رواه بالمعنى، ونص كلام مالك هو ما تقدم مسنداً من رواية ابن عبد البر، وعندي من النقول عن الأئمة ونصوص الكتاب والسنة في إبطال التقليد والتمذهب ما يضيق عنه الوقت فلذلك اكتفي بهذا القدر.

(1) ص: 26.

(2)

النساء: 105.

(3)

الإسراء: 36.

(4)

الأعراف: 33.

ص: 53