المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

إنَّك لرسول الله، واللَّهُ يَشْهد إنَّهم لكاذبون، لكان يُوْهِم أنَّ - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون - جـ ١٠

[السمين الحلبي]

الفصل: إنَّك لرسول الله، واللَّهُ يَشْهد إنَّهم لكاذبون، لكان يُوْهِم أنَّ

إنَّك لرسول الله، واللَّهُ يَشْهد إنَّهم لكاذبون، لكان يُوْهِم أنَّ قولَهم هذا كذبٌ، فوَسَّط بينهما قولَه:{والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} ليُميط هذا الإِبْهام» .

ص: 336

قوله: {اتخذوا} : قد تقدَّم أنه يجوزُ أَنْ يكونَ جواباً للشرط، ويجوز أَنْ يكون مستأنفاً، جيْءَ به لبيانِ كذبِهم وحَلْفِهم عليه، أي: إنَّ الحاملَ لهم على الإِيمان/ اتِّقاؤهم بها عن أنفسِهم. والعامَّةُ على فتح الهمزة جمعَ «يمين» والحسن بكسرِها مصدراً. وتقدَّم مثله في المجادلة. والجُنَّةُ: التُّرْسُ ونحوُه، وكلُّ ما يَقيك سوءاً. ومن كلامِ الفصحاء:«جُبَّةُ البُرْدِ جُنَّةُ البَرْدِ» وقال أعشى همدان:

4‌

‌2

63 - إذا أنتَ لم تجعلْ لِعرْضِكَ جُنَّةً

من المالِ سار الذَّمُّ كلَّ مَسِيرِ

قوله: {سَآءَ مَا كَانُواْ} يجوز أن تكونَ الجاريةَ مَجْرَى بئْسَ، وأَنْ تكونَ على بابها، والأولُ أظهرُ، وقد تقدَّم حكمُ كلٍ منهما ولله الحمد، وقوله:«فطُبِعَ» هذه قراءةُ العامَّة أعني بناءَه للمفعول. والقائمُ مقامَ الفاعلِ الجارُّ بعدَه. وزيد بن علي «وطَبَعَ» مبنياً للفاعل. وفي الفاعلِ وجهان، أحدهما: أنه ضميرٌ عائدٌ على الله تعالى، ويَدُلُّ عليه قراءةُ الأعمشِ، وقراءتُه هو في روايةٍ عند «فَطَبَعَ اللَّهُ» مُصَرَّحاً بالجلالةِ. والثاني: أنَّ الفاعلَ ضميرٌ يعودُ على المصدرِ المفهومِ مِمَّا قبلَه، أي: فطَبَعَ هو، أي: تَلْعابُهم بالدين.

ص: 336

قوله: {تَسْمَعْ} : العامَّةُ بالخطاب، و «لِقولهم» متعلِّقٌ به وضُمِّنَ «تَسْمَعْ» معنى تُصْغي وتميلُ، فلِذلك عُدِّيَ باللام. وقيل: بل هي مزيدةٌ، أي: تسمعُ قولَهم. وليس بشيءٍ؛ لنَصاعةِ معنى الأول. وقرأ عطيةُ العَوْفيُّ وعكرمةُ بالياء مِنْ تحت مبنياً للمفعول، والقائم مَقامَ الفاعلِ الجارُّ لأجلِ التضمينِ المتقدِّمِ. ومَنْ اعتقد زيادةَ اللامِ أولاً لم يَجُزْ أَنْ يعتقدَها هنا، أي: تَسمعْ قَوْلَهم؛ لأنَّ اللامَ لا تُزادُ في الفاعلِ ولا فيما أشبهه.

قوله: {كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ} في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها مستأنفةٌ. والثاني: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هم كأنَّهم، قالهما الزمخشري. والثالث: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال، وصاحبُ الحالِ الضميرُ في «قولِهم» قاله أبو البقاء. وقرأ أبو عمروٍ والكسائيُّ وقنبلٌ «خُشْب» بضمٍ وسكونٍ، وباقي السبعةِ بضمتين. وقرأ السعيدان: ابنُ جبير وابنُ المسيَّب بفتحتين، ونسبها الزمخشريُّ لابن عباس ولم يذكُرْ غيرَه. فأمَّا القراءةُ بضمتَيْن فقيل: يجوزُ أَنْ تكونَ جمع خشَبَة نحو: ثَمَرَة وثُمُر، قاله الزمشخريُّ، وفيه نظرٌ؛ لأن هذه الصيغةَ محفوظةٌ في فَعَلَة لا تَنْقاس نحو: ثَمَرَة وثُمُر. ونقل الفاسيُّ عن الزبيدي

ص: 337

أنه جمعُ خَشْباء، وأَحْسَبُه غَلِطَ عليه لأنه قد يكون قال «خُشْب» بالسكون جمع خَشْباء نحو: حَمْراء وحُمْر؛ لأنَّ فَعْلاء الصفةَ لا تُجْمع على فُعُل بضمتين بل بضمةٍ وسكونٍ. وقوله «الزبيدي» تصحيفٌ: إمَّا منه وإمَّا من الناسخِ، إنما هو اليزيديُّ تلميذُ أبي عمرو بن العلاء، نقل ذلك الزمخشري. وقال أبو البقاء:«وخُشْب بالضمِّ والإِسكان جمعُ خَشَب مثل: أَسَد وأُسْد» انتهى. فهذا يُوهم أنه يقال: أُسُد بضمتين وليس كذلك.

وأمَّا القراءةُ بضمةٍ وسكونٍ فقيل: هي تخفيفُ الأُولى. وقيل: هي جمعُ خَشْباء وهي الخَشَبةُ التي نُخِر جَوْفُها، أي: فُرِّغَ، شُبِّهوا بها لفراغِ بَواطنِهم مِمَّا يُنْتَفَعُ به. وقيل: هي جمعُ خَشَبة نحو بَدَنَة وبُدْن، قاله الزمخشري.

وأمَّا القراءةُ بفتحتَيْن فهو اسمُ جنسٍ، وأُنِّثَتْ صفتُه كقولِه:{نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7] وهو أحدُ الجائزَين.

وقوله: {مُّسَنَّدَةٌ} تنبيهٌ على أنها لا يُنْتَفَعُ بها، كما يُنتفع بالخَشَبِ في سَقْفٍ وغيرِه، أو شبهوا بالأصنامِ؛ لأنهم كانوا يُسْنِدونها إلى الحِيطان.

قوله: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} فيه وجهان، أظهرهما: أنَّ «

ص: 338

عليهم» هو المفعولُ الثاني للحُسْبان، أي: واقعةً وكائنةً عليهم، ويكون قولُه:«هم العدوُّ» جملةً مستأنفةً، أخبر تعالى بذلك. والثاني: أَنْ يكونَ «عليهم» متعلقاً بصيحة، و «هم العدوُّ» الجملةُ في موضعِ المفعول الثاني للحُسبان. قال الزمخشري:«ويجوزُ أَنْ يكونَ» هم العدوُّ «هو المفعولَ الثاني: كما لو طَرَحْتَ الضميرَ. فإنْ قلتَ: فحقُّه أن يُقالَ: هي العدو قلت: منظورٌ فيه إلى الخبر، كما ذُكِر في قوله:

{هذا رَبِّي} [الأنعام: 77] ، وأَنْ يُقَدَّرَ مضافٌ محذوفٌ على «يَحْسَبُون كلَّ أهلِ صحيةٍ» انتهى. وفي الثاني بُعْدٌ بعيدٌ.

قوله: {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} «أنَّى» بمعنى كيف. وقال ابن عطية: ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ «أنَّى» ظرفاً ل «قاتَلَهم» كأنَّه قال: قاتلهم اللهُ كيف انصَرفوا، أو صُرِفوا؟ فلا يكونُ في القولِ استفهامٌ على هذا «انتهى. وهذا لا يجوزُ؛ لأنَّ» أنَّى «إنما هي بمعنى كيف، أو بمعنى أين الشرطيةِ أو الاستفهاميةِ، وعلى التقادير الثلاثةِ فلا تَتَمَحَّضُ للظرفِ فلا يعملُ فيها ما قبلَها البتةَ، كما لا تعمل في أسماءِ الشرطِ والاستفهامِ.

ص: 339

قوله: {يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله} : هذه المسألةُ عَدَّها النحاةُ من الإِعمالِ، وذلك أنَّ «تعالَوا» يطلبُ «رسولُ الله» مجروراً ب إلى، أي: تعالَوا إلى رسولِ الله، و «يَسْتغفر» يَطْلبه فاعلاً، فأعمل الثاني، ولذلك رفعَه، وحَذَف من الأول؛ إذ التقدير: تعالَوْا إليه، ولو أَعْمل الأولَ لقيل: إلى رسولِ الله/ يَسْتغفر، فيُضمر في «يَسْتغفر»

ص: 339

فاعلٌ ويمكن أَنْ يقال: ليَستْ هذه من الإِعمال في شيء لأنَّ قولَه: «تعالَوْا» أمرٌ بالإِقبال من حيث هو، لا بالنَّظر إلى مُقْبَلٍ عليه.

قوله: {لَوَّوْا} هذا جوابُ «إذا» . وقرأ نافع «لَوَوْا» مخففاً، والباقون مشدَّداً على التكثير و «يَصُدُّون» حال لأنَّ الرؤيةَ بَصَريَّةٌ، وكذا قولُه «وهم مُستكبرون» حالٌ أيضاً: إمَّا من صاحب الحالِ الأولى، وإمَّا مِنْ فاعل «يَصُدُّون» فتكونُ متداخلةً. وأتى ب «يَصُدُّون» مضارعاً دلالةً على التجدُّدِ والاستمرار. وقرِىء «يَصِدُّون» بالكسر وقد تقدَّمنا في الزخرف.

ص: 340

قوله: {أَسْتَغْفَرْتَ} : قراءةُ العامَّةُ بهمزةٍ مفتوحةٍ مِنْ غير مَدّ، وهي همزةُ التسويةِ التي أصلُها الاستفهامُ. وقرأ يزيد ابن القعقاع «آسْتَغْفَرْت» . بهمزةٍ ثم ألفٍ، فاختلف الناس في تأويلِها، فقال الزمخشري:«إشْباعاً لهمزة الاستفهام للإِظهارِ والبيان، لا قَلْباً لهمزة الوصل كما في» آلسحرُ «و» آللهُ «يعني أنه أشبع فتحةَ همزةِ التسويةِ فتولَّد منها ألفٌ، وقَصْدُه بذلِك إظهارُ الهمزةِ وبيانُها، لا أنه قَلَبَ الوصَل

ص: 340

ألفاً كما قَلَبها في قولِه:» آلسحرُ «» آللهُ أَذِنَ لكم «لأنَّ هذه الهمزةَ للوَصْلَ، فهي تَسْقُط في الدَّرْج. وأيضاً فهي مكسورةٌ فلا يَلْتبسُ معها الاستفهامُ بالخبر: بخلاف» آلسحر «و» آلله «. وقال آخرون: هي عِوَضٌ من همزةِ الوصلِ. كما في» آلذَّاكَرَيْن «وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ هذه مكسورةٌ فكيف تُبْدَلُ ألفاً؟ وأيضاً فإنما قَلَبْناها هناك ألفاً ولم نحذِفْها، وإن كان حَذْفُها مُسْتحقاً، لئلا يلتبسَ الاستفهامُ بالخبر، وهنا لا لَبْسَ.

وقال ابن عطية:» قرأ أبو جعفر يعني يزيد بن القعقاع «آستغفرْتَ» بمَدَّة على الهمزةِ. وهي ألفُ التسوية. وقرأ أيضاً بوَصْلِ الألف دون همز على الخبر، وفي هذا كلِّه ضَعْفٌ؛ لأنه في الأولى أثبت هَمزةَ الوصلِ، وقد أغنتْ عنها همزةُ الاستفهام، وفي الثانية حَذَفَ همزةَ الاستفهام، وهو يُريدها، وهذا ممَّا لا يُسْتعملُ إلَاّ في الشعر «. قلت: أمَّا قراءتُه» استغفرْتَ «بوَصْلِ الهمزة فرُوِيَتْ أيضاً عن أبي عمروٍ، إلَاّ أنه هو يضُمُّ ميم» عليهم «عند وَصْلِه الهمزةَ؛ لأن أصلَها الضمُّ، وأبو عمرو يكسِرُها على أصلِ التقاء الساكنين. وأمَّا قولُه:» وهذا ممَّا لا يُسْتعمل إلَاّ في شعرٍ «فإنْ أراد بهذا مَدَّ هذه الهمزةِ في هذا المكانِ فصحيحٌ، بل لا نجده أيضاً، وإن أرادَ حَذْفَ همزةَ الاستفهام فليس بصحيحٍ لأنَّه يجوزُ حَذْفُها إجماعاً قبل» أم «نثراً ونَظْماً، وأمَّا دونَ» أم «ففيه خلافٌ، والأخفشُ يُجَوِّزُهُ ويجعلُ منه {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ} [الشعراء: 22] وقولَه:

ص: 341

4264 -

طَرِبْتُ وما شَوْقاً إلى البيضِ أَطْرَبُ

ولا لَعِباً مني وذو الشَّيْبِ يَلْعَبُ

وقول الآخر:

4265 -

أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الكرامَ وأَنْ

أُوْرَثَ ذَوْداً شصائِصاً نَبْلا

وأمَّأ قبل» أم «فكثير كقولِه:

4266 -

لَعَمْرُكَ ما أَدْري وإنْ كنتُ داريا

بسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْر أم بثمانٍ

وقد مَرَّتْ هذه المسألةُ مستوفاةً ولله الحمدُ

ص: 342

قوله: {يَنفَضُّواْ} : قرأ العامَّةُ من الانْفِضاض وهو التفرُّقُ. وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي «يُنْفِضُوا» مِنْ أَنْفَضَ القومُ: فَنِيَ زادُهم. ويقال: نَفَضَ الرجلُ وعاءَه من الزاد، فأَنْفَضَ، فيتعدَّى دونَ الهمزةِ ولا يتعدَّى معها، فهو من بابِ: كَبَبْتُه فأَكَبَّ. قال الزمخشري: «وحقيقتُه: حانَ لهم أَنْ يَنْفُضُوا مَزاوِدَهُم» .

ص: 342

قوله: {لَيُخْرِجَنَّ الأعز} : قراءةُ العامَّةُ بضمِّ الياءِ وكسرِ الراءِ، مسْنداً إلى «الأعزُّ» ، و «الأذلَّ» مفعولٌ به، والأعزُّ بعض

ص: 342

المنافقين على زعمه. وقرأ الحسن وابن أبي عبلة والمسيبيُّ «لَنُخْرِجَنَّ» بنون العظمة وبنصبِ «الأعَزَّ» على المفعول به ونصبِ الأذلّ على الحالِ، وبه استشهد مَنْ جَوَّز تعريفَها. والجمهورُ جَعلوا أل مزيدةً على حَدِّ:

4267 -

فَأَرْسَلَها العِراكَ. . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وادخلوا الأَوَّلَ فالأَوَّلَ. وجَوَّز أبو البقاء أَنْ يكونَ منصوباً على المفعول به، وناصبُه حالٌ محذوفةٌ، أي: مُشْبِهاً الأذلَّ. وقد خَرَّجَه الزمخشريُّ على حَذْفِ مضافٍ، أي: خروجَ الأذلِّ، أو إخراجَ الأذَلِّ، يعني بحسَبِ القراءتَيْن: مِنْ خَرَجَ وأَخْرَجَ. فعلى هذا ينتصبُ على المصدرِ لا على الحالِ. ونَقَلَ الدانيُّ عن الحسن أيضاً/ «لنَخْرُجَنَّ» بفتح نونِ العظمة وضمِّ الراء ونصبِ «الأعزَّ» على الاختصاصِ كقولهم: «نحن العربَ أَقْرى الناس للضيفِ» ، و «الأذلَّ» نصبٌ على الحالِ أيضاً، قاله الشيخ، وفيه نظرٌ كيف يُخْبرون عن أنفسِهم: بأنهم يَخْرُجون في حالِ الذُّلِّ مع قولهم الأعزّ، أي: أخصُّ الأعزَّ، ويَعْنُون بالأعزِّ أنفسَهم؟ وقد حكى هذه القراءةَ أيضاً أبو حاتمٍ، وحكى الكسائي والفراء أنَّ قوماً قرؤوا «ليَخْرُجَنَّ» بفتح الياء وضم الراء ورفع «الأعزُّ» فاعلاً ونصب الأول

ص: 343

حالاً وهي واضحةٌ. وقُرِىء ليُخْرَجَنَّ بالياء مبنياً للمفعول «الأعزُّ» قائماً مَقام الفاعل، «الأذلَّ» حالٌ أيضاً.

ص: 344

قوله: {وَأَكُن} : قرأ أبو عمروٍ «وأكونَ» بنصب الفعل عطفاً على «فأصَّدَّقَ» و «فأصَّدَّقَ» منصوبٌ على جوابِ التمني في قوله: «لولا أَخَّرتني» والباقون «وأكُنْ» مجزوماً، وحُذِفَتِ الواوُ لالتقاء الساكنين. واختلفت عبارات الناس في ذلك، فقال الزمخشري:«عطفاً على محلِّ» فأصَّدَّقَ «كأنه قيل: إنْ أخَّرْتَني أصَّدَّقْ وأكنْ» . وقال ابنُ عطية: «عطفاً على الموضع؛ لأنَّ التقديرَ: إنْ أخَّرتني أصَّدَّقْ وأكن، هذا مذهب أبي علي الفارسي: فأمَّا ما حكاه سيبويه عن الخليلِ فهو غيرُ هذا وهو أنه جزمٌ على توهُّمِ الشرطِ الذي يَدُلُّ عليه التمني، ولا موضعَ هنا لأن الشرطَ ليسَ بظاهرٍ، وإنما يُعْطَفُ على الموضع حيث يَظْهَرُ الشرطُ كقولِه: {مَن يُضْلِلِ الله فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ} [الأعراف: 186] فمَنْ جَزَمَ عَطَفه على موضع {فَلَا هَادِيَ لَهُ} لأنه لو وقع موقعَه فِعْلٌ لانجزم» انتهى. وهذا الذي نَقَله عن سيبويهِ هو المشهورُ عند النَّحويين. ونَظَّر سيبويه ذلك بقول زهير:

ص: 344

4268 -

بَداليَ أني لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضَى

ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائيا

فخفضَ «ولا سابقٍ» عطفاً على «مُدْرِكَ» الذي هو خبر ليس على توهُّمِ زيادةِ الباء فيه؛ لأنه قد كَثُرَ جَرُّ خبرِها بالباء المزيدة، وهو عكسُ الآيةِ الكريمةِ؛ لأنه في الآية جُزِمَ على توهُّمِ سقوط الفاء، وهنا خُفِضَ على تَوَهُّمِ وجودِ الباءِ، ولكنَّ الجامعَ توهُّمُ ما يَقْتضي جوازَ ذلك، ولكني لا أُحِبُّ هذا اللفظَ مستعملاً في القرآن، فلا يُقال: جُزم على التوهُّم، لقُبْحه لفظاً. وقال أبو عبيد:«رأيتهُ في مصحف عثمان» وأكُنْ «بغير واوٍ. وقد فَرَّق الشيخ بين العطفِ على الموضعِ والعطفِ على التوهُّمِ بشيءٍ فقال:» الفرقُ بينهما: أنَّ العاملَ في العطف على الموضع موجودٌ، وأثرُه مفقودٌ، والعاملُ في العطفِ على التوهُّمِ مفقودٌ، وأثرُه موجودٌ «انتهى. قلت: مثالُ الأول:» هذا ضاربُ زيدٍ وعمراً «فهذا من العطفِ على الموضع، فالعاملُ وهو» ضارب «موجودٌ، وأثرُه وهو النصبُ مفقودٌ. ومثالُ الثاني ما نحن فيه؛ فإنَّ العاملَ للجزمِ مفقودٌ، وأثُره موجودٌ. وأَصْرَحُ منه بيتُ زهير فإنَّ الباءَ مفقودةٌ وأثُرها موجودٌ، ولكن أثرَها إنما ظهر في المعطوفِ لا في المعطوفِ عليه، وكذلك في الآية الكريمة. ومن ذلك بيتُ امرىء القيس:

4269 -

فظلَّ طُهاةُ اللحمِ مِنْ بينِ مُنْضِجٍ

صَفيفِ شِواءٍ قَديرٍ مُعَجَّلِ

ص: 345

فإنهم جعلوه مِن العطفِ على التوهُّم؛ وذلك: أنه توهَّم أنه أضاف» منضج «إلى» صَفيف «، وهو لو أضافَه إليه لَجَرَّه فعطفَ» قدير «على» صفيف «بالجرِّ تَوَهماً لجرِّه بالإِضافة. /

وقرأ عبيد بن عمير» وأكونُ «برفع الفعل على الاستئناف، أي: وأنا أكونُ، وهذا عِدَةٌ منه بالصَّلاح.

ص: 346

وقرأ أبو بكر «بما يعملون» بالغَيْبة، والباقون بالخطاب، وهما واضحتان. وقرأ أُبَي وعبد الله وابن جبير «فأَتَصَدَّقَ» وهي أصلُ قراءةِ العامةِ ولكنْ أُدْغِمَتْ التاءُ في الصاد.

ص: 346

قوله: {لَهُ الملك} : مبتدأٌ وخبرٌ. وقدَّمَ الخبر ليفِيد اختصاصَ المُلْكِ والحمدِ بالله، إذ المُلْكُ والحمدُ لله حقيقةٌ.

ص: 347

قوله: {صُوَرَكُمْ} : قرأه العامَّةُ بضم الصادِ، وهو القياسُ في فُعْلَة. وقرأ زيدُ بن علي والأعمش وأبو زيد بكسرِها، وليس بقياسٍ، وهو عكسُ «لُحَى» بالضمِّ، والقياسُ لِحى بالكسر.

ص: 347

قوله: {مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} : العامَّةُ على الخطابِ في الحرفَيْن. ورُوِي عن أبي عمروٍ وعاصمٍ بياء الغَيْبةِ، فتحتملُ الالتفاتَ وتحتملُ الإِخبارَ عن الغائبين.

ص: 347

قوله: {بِأَنَّهُ} : الهاءُ للشأنِ والحديثِ، و {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم} خبرُها و «استغنى» بمعنى المجرَّد. وقال الزمخشري:«ظَهَر غِناه فالسين ليسَتْ للطلبِ» .

ص: 347

قوله: {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} يجوزُ أَنْ يرتفعَ على الفاعلية، ويكونَ من الاشتغال، وهو الأرجحُ لأنَّ الأداةَ تطلبُ الفعلَ، وأن يكونَ مبتدأً وخبراً. وجُمع الضميرُ في «يَهْدوننا» إذ البشرُ اسمُ جنسٍ.

ص: 348

قوله: {أَن لَّن يُبْعَثُواْ} : «أنْ» مخففةٌ، لا ناصبةٌ لئلا يَدْخُلَ ناصبٌ على مثلِه، و «أنْ» وما في حَيِّزها سادَّةٌ مَسَدّ المفعولَيْنِ للزعمِ أو المفعول. و «بلى» إيجابٌ للنفي، و «لَتُبْعَثُنَّ» . جوابُ قسم مقدرٍ.

ص: 348

قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ} : منصوبٌ بقولِه: «لَتُنَبَّؤُنَّ» عند النحاس وب «خَبيرٌ» عند الحوفي، وب «اذكُر» مضمراً عند الزمخشري، فيكون مفعولاً به، وبما دَلَّ عليه الكلامُ، أي: تتفاوتون يومَ يجمعُكم، قاله أبو البقاء. والعامَّةُ بفتح الياءِ وضمِّ العين. ورُوِي سكونُها وإشمامُها عن أبي عمروٍ. وهذا منقولٌ عنه في الراء نحو {يَنصُرُكُمْ} [الملك: 20] وبابِه كما تقدَّم في البقرة. وقرأ يعقوب وسلام وزيد بن علي والشعبي «نجمعكم» بنونِ العظمة.

ص: 348

والتَّغابُنُ: تفاعُلٌ من الغَبْن في البيعِ والشراءِ على الاستعارة وهو أَخْذُ الشيءِ بدون قيمتِه. وقيل: الغَبْنُ: الإِخفَاءُ ومنه: غَبْنُ البيعِ لاستخفائِه. والتفاعُل هنا من واحدٍ لا من اثنين ويقال: غَبَنْتُ الثوبَ وخَبَنْتُه، أي: أخَذْتُ ما طالَ منه مقدارِك فهو نقصٌ وإخفاءٌ. وفي التفسير: هو أن يكتسبَ الرجلُ مالاً مِنْ غيرِ وجهه، فَيَرِثَه غيرُه فيعملَ فيه بطاعةِ اللهِ، فيَدْخلَ الأولُ النارَ والثاني الجنةَ بذلك المالِ، فذلك هو الغَبْنُ البيِّنُ.

ص: 349

قوله: {يَهْدِ قَلْبَهُ} : بالياءِ مجزوماً جواباً للشرط قراءة العامَّة. وابن جبير وابن هرمز وطلحة والأزرق بالنون والضحاك وأبو جعفر وأبو عبد الرحمن «يُهْدَ» مبنياً للمفعولِ «قلبُه» قائم مقامَ الفاعلِ. ومالك بن دينار وعمرو بن دينار «يَهْدَأْ» بهمزة ساكنة، «قلبُه» فاعلٌ به بمعنى يطمئنُّ ويَسْكُن. وعمرو بن فائد «يَهْدا» بألفٍ مبدلة من الهمزة كالتي قبلَها، ولم يَحْذِفْها نظراً إلى الأصل وهي أفصح اللغتين. وعكرمة ومالك بن دينار أيضاً يَهْدَ بحذفِ هذه الألفِ إجراءً لها مُجرى الألفِ الأصليةِ كقولِ زهير:

4270 -

جَريءٌ متى يُظْلَمْ يُعاقِبْ بِظُلْمِه

سريعاً وإنْ لا يُبْدَ بالظلمِ يُظْلَمِ

وقد تقدَّم إعرابُ ما قبلَ هذه الآيةِ وما بعدها.

ص: 349

قوله: {خَيْراً لأَنفُسِكُمْ} : فيه أوجهٌ، أحدها: وهو قولُ سيبويه أنه مفعولٌ بفعل مقدرٍ، أي: وَأْتُوا خيراً كقولِه: {انتهوا خَيْراً لَّكُمْ} [النساء: 171] . الثاني: تقديرُه: يكنِ الإِنفاقُ خيراً، فهو خبرُ كان المضمرة، وهو قولُ أبي عبيد. الثالث: أنه نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، وهو قولُ الكسائيِّ والفراء، أي: إنفاقاً خيراً. الرابع: أنه حالٌ وهو قولُ الكوفيين. الخامس: أنه مفعولٌ بقولِه: «أَنْفِقوا» ، أي: أَنْفقوا مالاً خيراً. وقد تقدَّم الخلافُ في قراءةِ {يُضَاعِفَهُ} [الحديد: 11] و {يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [الحشر: 9] .

ص: 350