المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قوله: ‌ ‌{الرحمن} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ، - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون - جـ ١٠

[السمين الحلبي]

الفصل: قوله: ‌ ‌{الرحمن} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ،

قوله: ‌

{الرحمن}

فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: اللَّهُ الرحمنُ. الثاني: أنه مبتدأٌ، وخبرُه مضمرٌ، أي: الرحمنُ ربُّنا. وهذان الوجهان عند مَنْ يرى أنَّ «الرحمن» آيةٌ مع هذا المضمرِ معه، فإنهم عَدُّوا «الرحمن» آيةً ولا يُتَصَوَّرُ ذلك إلَاّ بانضمامِ خبرٍ أو مُخْبَرٍ عنه إليه، إذ الآيةُ لا بُدَّ أَنْ تكونَ مفيدةً، وسيأتي ذلك في قولِه «مُدْهامَّتان» . الثالث أنه ليس بآيةٍ، وأنه مع ما بعده كلامٌ واحدٌ، وهو مبتدأٌ خبرُه «عَلَّم القرآنَ» .

ص: 153

قوله: {عَلَّمَ القرآن} : فيه وجهان، أظهرُهما: أنها عَلَّم المتعديةُ إلى اثنين أي: عَرَّف، من التعليم، فعلى هذا المفعولُ الأولُ محذوف فقيل: تقديره: عَلَّم جبريلَ القرآنَ. وقيل: علَّم محمداً. وقيل: عَلَّم الإِنسانَ. وهذا أَوْلَى لعُمومِه، ولأنَّ قولَه «خَلَق الإِنسانَ» دالٌّ عليه. والثاني: أنها من العلامةِ. فالمعنى: جَعَله علامةً وآيةً يُعْتنى بها.

وهذه الجملُ التي جيْءَ بها من غيرِ عاطفٍ لأنها سِيْقَتْ لتعديدِ نعمةٍ كقولك: فلانٌ أَحْسَنَ إلى فلانٍ: أكرمه، أشاد ذِكْرَه، رَفَعَ مِنْ قَدْرِه،

ص: 153

فلشِدَّةِ الوصلِ تَرَكَ العاطفَ. والظاهر أنها أخبارٌ. وقال أبو البقاء: و «خَلَق الإِنسان» مستأنفٌ وكذلك «عَلَّمه» يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الإِنسان مقدرةً و «قد» معها مرادةٌ «. انتهى. وهذا ليس بظاهرٍ بل الظاهرُ ما قدَّمتهُ ولم يذكُرْ الزمخشريُّ غيرَه. فإن قيل: لِمَ قَدَّم تعليمَ القرآنِ للإِنسان على خَلْقِه وهو متأخرٌ عنه في الوجودِ؟ قيل: لأنَّ التعليمَ هو السببُ في إيجادِه وخَلْقِه.

ص: 154

قوله: {بِحُسْبَانٍ} : فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أن «الشمس» مبتدأ و «بحُسْبان» خبرُها على حَذْفِ مضافٍ تقديره: جَرْيُ الشمس والقمر بحُسْبانٍ، أي: كائن أو مستقر أو استقرَّ بحُسْبان. الثاني: أنَّ الخبرَ محذوفٌ يتعلَّق به هذا الجارُّ تقديره: يَجْريان بحسبان، وعلى هذين القولَيْن فيجوز في الحُسْبان وجهان، أحدهما: أنه مصدرٌ مفردٌ بمعنى الحُسْبان، فيكونُ كالشُّكران والكُفْران. والثاني: أنه جمعُ حِساب كشِهاب وشُهْبان. / والثالث: أنَّ الحُسْبَانَ خبرُه، والباءُ ظرفيةٌ بمعنى في، أي: كائنان في حُسْبان، وحُسْبان، وحُسْبان على هذا اسمٌ مفرد، اسمٌ للفَلَكِ المستدير، شَبَّهه بحُسْبان الرَّحى الذي باستدارته تستدير الرحى، قاله مجاهد.

ص: 154

قوله: {والسمآء رَفَعَهَا} : العامَّةُ على النصب على الاشتغال مراعاً لعَجُزِ الجملةِ التي يُسَمِّيها النحاةُ ذاتَ وجهين. وفيها

ص: 154

دليلٌ لسيبويه حيث يُجَوِّزُ النصبَ، وإنْ لم يكنْ في جملةِ الاشتغالِ ضميرٌ عائدٌ على المبتدأ الذي تضمَّنَتْه الجملةُ ذاتُ الوجهين. والأخفشُ يقول: لا بُدَّ من ضميرٍ، مثالُه:«هند قامَتْ وعمراً أكرمْتُه لأجلها» قال: «لأنك راعَيْتَ الخبرَ، وعَطَفْتَ عليه، والمعطوفُ على الخبرِ خبرٌ فيُشْترط فيه ما يُشْترط فيه، ولم يَشْتَرِطِ الجمهورُ ذلك وهذا دليلُهم، قال الفراء:» كلهم نَصَبُوا مع عدم الرابط إلَاّ مَنْ شذَّ منهم. وقد تقدَّمَ هذا محرراً في سورة يس عند قولِه تعالى: {والقمر قَدَّرْنَاهُ} [يس: 39] فهناك اختلف السبعةُ في نَصْبِه ورفعِه ولله الحمدُ.

قوله: {وَوَضَعَ الميزان} العامَّةُ على «وَضَع» فعلاً ماضياً. و «الميزانَ» نُصِبَ على المفعولِ به. وقرأ إبراهيم. «ووَضْعَ الميزانِ» بسكون الضاد وخفض «الميزانِ» . وتخريجُها: على أنه معطوفٌ على مفعولِ «رَفَعَها» ، أي: وَرَفَعَ وَضْعَ الميزان، أي: جَعَلَ له مكانةً ورِفْعَةً لأَخْذِ الحقوق به، وهو مِنْ بديعِ اللفظِ، حيث يصير التقديرُ: ورَفَعَ وَضْعَ الميزان.

وقال الزمخشري: «فإن قلتَ: كيف أَخَلَّ بالعاطف في الجمل الأُوَل وجِيْءَ به بعدُ؟ قلت: بَكَّتَ بالجملِ الأُوَلِ واردةً على سَنَنِ التعديد الذين أنكروا الرحمنَ وآلاءَه كما يُبَكَّتُ مُنْكِرُ أيادي المُنْعَمِ [عليه] من

ص: 155

الناسِ بتعدُّدها عليه في المثالِ الذي قَدَّمْتُه، ثم رَدَّ الكلامَ إلى منهاجِه بعد التبكيت في وَصْلِ ما يجب وَصْلُه للتناسُبِ والتقارُب بالعاطفِ. فإنْ قلت: أيُّ تناسُبٍ بين هاتَيْنِ الجملتَيْن حتى وَسَّط بينهما العاطفَ؟ قلت: إن الشمسَ والقمرَ سماويان، والنجمَ والشجرَ أَرْضيان فبينهما تناسُبٌ من حيث التقابلُ، وأن السماءَ والأرضَ لا تزالان قرينتَيْن، وأنَّ جَرْيَ الشمسِ والقمرِ بحُسْبان مِنْ جنسِ الانقيادِ لأمرِ اللهِ، فهو مناسِبٌ لسُجودِ النجمِ والشجرِ» .

ص: 156

قوله: {أَلَاّ تَطْغَوْاْ} : في «أنْ» هذه وجهان، أحدُهما: أنَّها الناصبةُ، و «لا» بعدها نافيةٌ، و «تَطْغَوْا» منصوبٌ ب «أنْ» ، وأنَّ قبلَها لامَ العلةِ مقدرةً، تتعلَّقُ بقولِه:«ووَضَع الميزانَ» التقدير: لئلا تَطْغَوا، وهذا بَيِّنٌ. وأجاز الزمخشريُّ وابنُ عطية أَنْ تكونَ المفسِّرَةَ، وعلى هذا تكونُ «لا» ناهيةً والفعلُ مجزومٌ بها. إلَاّ أنَّ الشيخَ رَدَّه: بأنَّ شَرْطَها تقدُّمُ جملةٍ متضمنةٍ لمعنى القول، وليسَتْ موجودةً. قلت: وإلى كونِها مفسِّرةً ذهبَ مكي وأبو البقاء: إلَاّ أنَّ أبا البقاءِ كأنَّه تَنَبَّه للاعتراضِ فقال: «وأَنْ بمعنى أَيْ، والقولُ مقدَّرٌ» ، فجعل الشيءَ المفسَّرَ ب «أَنْ» مقدَّراً لا ملفوظاً بها، إلَاّ أنه قد يُقال: قولُه/ «والقولُ مقدَّرٌ» ليس

ص: 156

بجيدٍ، لأنها لا تُفَسِّرُ القولَ الصريحَ، فكيف يُقَدِّر ما لا يَصِحُّ تفسيرُه؟ فإِصْلاحُه أَنْ يقولَ: وما هو بمعنى القول مقدرٌ.

ص: 157

قوله: {وَلَا تُخْسِرُواْ} : العامَّةُ على ضَمِّ التاءِ وكسرِ السينِ مِنْ أَخْسَرَ، أي: نَقَصَ كقولِه: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} وقرأ زيد بن علي وبلال بن أبي بردة بفتح التاءِ وكسرِ السين فيكون فَعَلَ وأَفْعَلَ بمعنىً. يقال: خَسِر الميزانَ وأخسَره، بمعنىً واحدٍ نحو: جَبَر وأَجْبَر. ونقل أبو الفتح وأبو الفضل عن بلال فتحَ التاءِ والسينِ. وفيها وجهان، أحدُهما: أنه على حَذْفِ حرفِ الجر تقديره: ولا تَخْسَروا في الميزان. ذكره الزمخشري وأبو البقاء: إلَاّ أنَّ الشيخَ قال: «لا حاجةَ إلى ذلك؛ لأنَّ» خَسِرَ «جاء متعدياً. قال تعالى: َ {خسروا أَنْفُسَهُمْ} [الأنعام: 12] . و {خَسِرَ الدنيا والآخرة} [الحج: 11] . قلت: وهذا ليس مِنْ ذاك. ألا ترى أنّ {خَسِروا أنفسَهم} {وخَسِر الدنيا والآخرةَ} معناه: أنَّ الخُسْران واقعٌ بهما، وأنَّهما معدومان. وهذا المعنى ليس مُراداً في الآيةِ قطعاً، وإنما المرادُ: لا تُخْسِروا الموزونَ في الميزان. وقُرِىء» تَخْسُروا «

ص: 157

بفتح التاء وضمِّ السينِ. قال الزمخشري:» وقُرِىء ولا تَخْسروا بفتح التاء وضم السين وكسرِها وفتحِها. يقال: خَسِر الميزانَ يَخْسِره ويَخْسُره. وأمَّا الفتحُ: فعلى أنَّ الأصلَ «في الميزان» فحذف الجارَّ ووصلَ الفعلَ إليه «وكَرَّر لفظ الميزان، ولم يُضْمِرْه في الجملتَيْن بعده تقويةً لشَأْنِه وهذا كقولِه:

4170 -

لا أَرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ

نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنى والفقيرا

ص: 158

قوله: {والأرض وَضَعَهَا} : كقولِه: {والسمآء رَفَعَهَا} [الرحمن: 7] . وقرأ أبو السَّمَّال بالرفع مبتدأً. و «للأَنام» علةٌ للوَضْع. والأَنام. قيل: الحيوان. وقيل: بنوا آدمَ خاصةً. وقيل: هم الإِنسُ والجنُّ، ووزنُه فَعال كقَذال، فيُجْمع في القلة على آنِمَة بزنة: امرأةٌ آثِمة وفي الكثرة: على أُنُم، كقَذال وأَقْذِلَة وقُذُل.

ص: 158

قوله: {فِيهَا فَاكِهَةٌ} : يجوزُ أَنْ تكون هذه الجملةُ حالاً من الأرض، إلَاّ أنَّها حالٌ مقدَّرَةٌ. ويجوزُ وهو الأحْسَنُ أَنْ يكونَ الجارُّ والمجرورُ هو الحالَ، و «فاكهةٌ» رَفْعٌ بالفاعليَّةِ، ونُكِّرَتْ؛ لأنَّ الانتفاعَ بها دونَ الانتفاعِ بما ذُكِرَ بعدها، وهو من باب الترقِّي مِنْ الأَدْنى إلى الأعلَى، والأَكْمام: جمعُ كِمّ بالكسر وهو وعاءُ الثمرة.

ص: 158

قوله: {والحب ذُو العصف والريحان} : قرأ ابنُ عامر بنصب الثلاثة. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ: النصبُ على الاختصاص، أي: وأخُصُّ الحبَّ، قاله الزمخشري. وفيه نظرٌ؛ لأنه لم يَدْخُلْ في مُسَمَّى الفاكهة والنخل حتى يَخُصَّه مِنْ بَيْنِها، وإنما أراد إضمارَ فعلٍ وهو أَخَصُّ، فليس هو الاختصاصَ الصناعيَّ. الثاني: أنَّه معطوفٌ على الأرض. قال مكي: «لأنَّ قولَه» والأرضَ وَضَعَها «، أي: خلقها، فعطف» الحَبَّ «على ذلك» . الثالث: أنَّه منصوبٌ ب «خَلَق» مضمراً، أي: وخلق الحَبَّ. قال مكي: «أو وخَلَقَ الحَبَّ» وقرأ به موافقةً لرَسْم مصاحِف بلده، فإنَّ مصاحفَ الشامِ «ذا» بالألف. وجَوَّزوا في «الرَّيْحان» أن يكونَ على حَذْفِ مضافٍ، أي: وذا الريحان فحُذِفَ/ المضافُ، وأٌقيم المضافُ إليه مُقامَه ك {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82] .

وقرأ الأخَوان برفع الأَوَّلين وجَرِّ «الرَّيْحان» عطفاً على «العَصْفِ» ، وهي تؤيِّدُ قولَ مَنْ حذفَ المضافَ في قراءةِ ابنِ عامرٍ. والباقون برفع الثلاثةِ عطفاً على فاكهة، أي: وفيها أيضاً هذه الأشياءُ. ذكر أولاًّ ما يتلذَّذُون به من الفواكه، وثانياً الشيءَ الجامعَ بين التلذُّذِ والتغذِّي وهو ثَمَرُ النَخْلِ، وثالثاً ما يَتَغَذَّى به فقط، وهو أعظمُها، لأنه قُوْتُ غالبِ

ص: 159

الناسِ. ويجوز في الرَّيْحان على هذه القراءةِ أَنْ يكونَ معطوفاً على ما قبلَه، أي: وفيها الرَّيْحانُ أيضاً، وأَنْ يكونَ مجروراً بالإِضافةِ في الأصلِ، أي: وذو الرَّيحْان ففُعِلَ به ما تقدَّم.

والعَصْفُ: وَرَقُ الزَّرْعِ. وقيل: التِّبْنُ. وأصلُه كما قال الراغب: مِن «العَصْفِ والعَصِيْفة وهو ما يُعْصَفُ، أي: يُقْطَعُ من الزَرْع» وقيل: هو حُطامُ النباتِ. والريحُ العاصف: التي تكسِرُ ما تمرُّ عليه وقد مَرَّ ذلك. والرَّيْحان في الأصل: مصدرٌ ثم أُطْلِقَ على الرزق كقولهم: «سُبْحانَ الله ورَيْحَانَه» ، أي: استِرْزاقُه وقيل: الرَّيْحان هنا هو المَشْمومُ.

وفي الرَّيْحان قولان، أحدُهما: أنه على فَعْلان كاللَّيَّان مِنْ ذواتِ الواوِ. والأصلُ: رَوْحان. قال أبو علي: «فأُبْدِلَتْ الواوُ ياءً، كما أَبْدَلوا الياءَ واواً في» أَشاوى «. والثاني: أن يكون أصلُه رَيْوِحان، على وزن فَيْعِلان، فأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ فيها الياءُ، ثم خُفِّفَ بحَذْفِ عينِ الكلمةِ كما قالوا: كَيْنُوْنة وبَيْنُونة. والأصلُ تشديدُ الياءِ فخفِّفَتْ كما خُفِّف هَين ومَيْت. قال مكي:» ولَزِم تَخْفِيْفُه لطولِه بلَحاق الزيادتَيْنِ «. ثم رَدَّ قولَ الفارسيِّ بأنه لا مُوْجبَ لقَلْبِها ياءً ثم قال:» وقال بعضُ الناسِ «فذكَر ما قَدَّمْتُه عن أبي علي إلى آخره.

ص: 160

قوله: {فَبِأَيِّ} : متعلقٌ ب «تُكذِّبان» والعامَّةُ على إضافة «أيّ» إلى الآلاء. وقُرِىء في جميع السورة بتنوينِ «أيّ» وتخريجُها: على أنه قَطَع أيَّاً عن الإِضافةِ إلى شيء مقدر، ثم أَبْدَل منه «آلاء ربِّكما» بدلَ معرفةٍ مِنْ نكرةٍ. وتقدَّم الكلامُ في «الآلاء» وما مفردُها في الأعراف ولله الحمد. والخطابُ في «رَبِّكما» قيل: للثَّقَلَيْن من الإِنس والجنِّ، لأنَّ الأنامَ يتضمَّنُهما على القول المشهور. وقيل: للذكر والأنثى. وقيل: هو مثنَّى مُرادٌ به الواحدُ، كقولِه تعالى:{أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} [ق: 24] وقولِ الخبيث الثقفي: «يا حَرَسيُّ اضْربا عُنُقَه» وقد تقدَّم ما فيه. و «كالفَخَّار» نعتٌ لصَلْصال وتقدَّم تفسيرُه.

ص: 161

والجانُّ قيل: هو اسم جنس كالإِنسان. وقيل: هو أبو الجنِّ إبليسُ. وقيل: هو أبوهم وليس بإبليسَ.

قوله: {مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} «مِنْ» الأولى لابتداء الغاية. وفي الثانيةِ وجهان، أحدهما: أنها للبيانِ. والثاني: أنها للتبعيض. والمارِجُ قيل: ما اختْلَطَ مِنْ أحمرَ وأَصفَر وأخضرَ، وهذا مُشاهَدٌ في النار، تُرى الألوانُ الثلاثةُ مختلِطاً بعضُها ببعض. وقيل: الخالِصُ. وقيل: الأحمرُ. وقيل: الحُمْرَةُ في طرفِ النار. وقيل: المختلطُ بسواد. وقيل: الخالصُ. وقيل: اللهبُ المضطربُ. و «مِنْ نار» نعتٌ ل «مارج» . وقوله: فبأيِّ «إلى آخره.

ص: 161

توكيدٌ وتكريرٌ، كما تقدَّم في قوله:{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن} [القمر: 21] وكقولِه فيما سيأتي: {َوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 15] . وذهبَ جماعةٌ منهم ابنُ قتيبة إلى أنَّ التكريرَ لاختلافِ النِّعَم، فلذلك كَرَّر التوقيفَ مع واحدةٍ واحدةٍ.

ص: 162

قوله: {رَبُّ المشرقين} : العامَّةُ على رَفْعِه. وفيه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأٌ، خبرُه «مَرَج البحرَيْن» وما بينهما/ اعتراضٌ. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هوَ رَبُّ أي: ذلك الذي فَعَلَ هذه الأشياء. والثالث: أنه بدلٌ من الضمير في «خَلَق» . وابن أبي عبلة «ربِّ» بالجر بدلاً أو بياناً ل «ربِّكما» . قال مكي: «ويجوزُ في الكلام الخفضُ على البدلِ مِنْ» ربِّكما «كأنَّه لم يَطَّلعْ على أنها قراءةٌ منقولةٌ والمَشْرقان، قيل: مَشرِقُ الشتاءِ والصيفِ ومَغْرباهما. وقيل: مَشْرقا الشمس والقمر ومَغْربهما. وقيل: مَشرقا الشمس فقط ومَغْرباها. قال الشيخ:» وعن عباس: للشمس مَشْرِقٌ في الصيفِ مُصْعِدٌ، ومَشْرِقٌ في الشتاءِ مُنْحَدرٌ، تنتقل فيهما مُصْعِدةً ومُنحَدرة «. وقال الشيخ:» فالمشرقان والمغربان للشمس «قلت: وهذا هو القولُ الذي يقول: مَشْرِقُ الصيفِ ومَشْرِقُ الشتاء فإنه إنَّما يعني بهما شُروق الشمسِ والقمرِ فيهما، أو شروق الشمسِ وحدَها فيهما، فهو داخلٌ في أحدِ القولَيْن المذكورَيْن ضرورةً.

ص: 162

قوله: {يَلْتَقِيَانِ} : حالٌ من «البحرَيْنِ» وهي قريبةٌ من الحال المقدرةِ. ويجوز بتجوُّزِ أَنْ تكونَ مقارنَةً. و «بينهما بَرْزَخٌ» يجوز أن تكونَ جملةً مستأنفةً، وأَنْ تكونَ حالاً، وأَنْ يكونَ الظرفُ وحدَه هو الحالَ. والبَرْزَخ: فاعلٌ به وهو أحسنُ لقُرْبه من المفرد. وفي صاحبِ الحال وجهان، أحدُهما: هو «البحرَيْن» ، والثاني: هو فاعلُ «يَلْتقيان» ولا «يَبْغِيان» حالٌ أخرى كالتي قبلَها أي: مَرَجَهما غيرَ باغيَيْن، أو يلتقيان غيرَ باغيين، أو بينهما بَرْزَخٌ في حالِ عَدَمِ بَغْيهما. وهذه الحالُ في قوة التعليل؛ إذ المعنى: لئلا يَبْغِيا. وقد تَمَحَّل بعضُهم وقال: أصلُ ذلك لئلا يَبْغِيا، ثم حَذَفَ حرفَ العلة، وهو مُطَّرِدٌ مع «أَنْ» و «أَنَّ» ، ثم حُذِفَتْ «أَنْ» أيضاً وهو حَذْفٌ مُطَّرِد كقولِه تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ} [الروم: 24] فلمَّا حُذِفَتْ «أَنْ» ارتفع الفعلُ، وهذا غيرُ ممنوعٍ، إلَاّ أنه يتكرَّرُ فيه الحَذْفُ، وله أَنْ يقولَ: قد جاء الحَذْفُ أكثرَ مِنْ ذلك فيما هو أَخْفَى من هذا، كما تقدَّم في {قَابَ قَوْسَيْنِ} [النجم: 9] ، وكما سيأتي في قولِه:{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} [الواقعة: 82] .

ص: 163

قوله: {يَخْرُجُ} : قرأ نافع وأبو عمرو «يُخْرَج» مبنياً للمفعول. والباقون مبنياً للفاعل على المجاز. قالوا: وثَمَّ مضافٌ

ص: 163

محذوفٌ أي: مِنْ أحدِهما؛ لأنَّ ذلك لم يُؤْخَذْ من البحرِ العَذْبِ، حتى عابُوا قولَه:

4171 -

فجاءَ بها ما شِئتَ مِنْ لَطَمِيَّةٍ

على وَجْهِها ماءُ الفُراتِ يموجُ

قال مكي: «كما قال تعالى: {على رَجُلٍ مِّنَ القريتين} [الزخرف: 31] أي: مِنْ إحدى القريَتيْن، وحَذْفُ المضافِ كثيرٌ شائعٌ» وقيل: هو كقوله: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف: 61] وإنما الناسِي فتاه، ويُعْزَى هذا لأبي عبيدة. وقيل: يَخْرُجُ من أحدِهما اللؤلؤ، ومن الآخر المَرْجانُ. وقيل: بل يَخْرجان منهما جميعاً، ثم ذكروا تآويلَ منها: أنهما يَخْرُجان من المِلْح في الموضعِ الذي يقع فيه العَذْبُ، وهذا مشاهَدٌ عند الغوَّاصين، وهو قولُ الجمهورِ فناسَبَ ذلك إسنادَه إليهما. ومنها قولُ ابنِ عباس: تكون هذه الأشياءُ في البحرِ بنزول المطر، والصَّدَفُ تفتح أفواهَها للمطر وقد شاهده الناسُ. ومنها: أنَّ العَذْبَ في المِلْح كاللِّقاح كما يُقال: الولدُ يخرُجُ من الذَّكر والأنثى. ومنها أنه قيل «منهما» من حيث هما نوعٌ واحدٌ، فخروجُ هذه الأشياءِ إنما هي مِنْهما، كما قال تعالى:{وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً} [نوح: 16] وإنما هو في واحدةٍ منهن.

ص: 164

وقد الزمخشري: «فإنْ قلتَ: لِمَ قال» منهما «وإنما يَخْرجان من المِلْح؟ قلت: لَمَّا التَقَيا وصارا كالشيء الواحدِ جاز أَنْ يُقال: يَخْرجان منهما، كما يقال: يَخْرجان من البحر ولا يَخْرجان من جميع البحر، وإنما يخرجان مِنْ بعضِه. وتقول: خَرَجْتُ من البلد، وإنما خَرَجْتُ مِنْ مَحَلَّةٍ مِنْ محالِّه، مِنْ دارٍ واحدة من دُوْره. وقيل: لا يخرجان إلَاّ مِنْ ملتقى المِلْح والعَذْب» انتهى. وقال بعضُهم: كلامُ الله أَوْلى بالاعتبارِ من كلامِ بعض الناس فمن الجائز أنه يَسُوقُها من البحرِ العَذْب إلى المِلْحِ، واتفق أنهم لم يُخْرجوها إلَاّ من المِلْح، وإذا كان في البرِّ أشياءُ تَخْفَى على التجار المتردِّدين القاطعِين للمَفاوُز، فكيف بما في قَعْر البحرِ؟ والجوابُ عن هذا: أنَّ اللَّهَ تعالى لا يُخاطِبُ الناسَ ولا يَمْتَنُّ عليهم إلَاّ بما يَأْلَفُون ويشاهِدُون.

واللؤلؤ قيل: / كبارُ الجوهر. والمَرْجانُ صغاره، وقيل بالعكس، وأنشدوا قولَ الأعشى:

4172 -

مِنْ كلِّ مَرْجانةٍ في البحرِ أَحْرَزها

تَيَّارُها ووقاها طِيْنَها الصَّدَفُ

أراد اللؤلؤةَ الكبيرةَ. وقيل: المَرْجان حجرٌ أحمرُ. وقيل: حجرٌ شديد البياض، والمَرْجانُ أعجميُّ. قال ابن دريرد: «لم أسمَعْ فيه فعلاً متصرفاً. واللؤلؤ بناءٌ غريبٌ، لم يَرِدْ على هذه الصيغة إلَاّ خمسةُ ألفاظٍ:

ص: 165

اللُّؤلُؤ، والجُؤْجُؤ وهو الصَّدْر، والدُّؤْدُؤُ، واليُؤْيُؤُ لطائر، والبُؤْبؤ بالموحَّدتين، وهو الأصلُ. واللؤلؤُ بضمتين والهمز هو المشهورُ، وإبدال الهمزةِ واواً شائعٌ فصيحٌ وقد تقدَّم ذلك.

وقرأ طلحة» اللُّؤْلِىءُ «بكسر اللام الثالثة، وهي لغةٌ محفوظةٌ. ونَقَل عنه أبو الفضلِ» اللُّؤْلِيْ «بقَلْبِ الهمزة الأخيرة ياءً ساكنة كأنه لَمَّا كسَر ما قبل الهمزة قلبها ياءً استثقالاً. وقرأ أبو عمرو في رواية» يُخْرِجُ «أي الله تعالى. ورُوِي عنه أيضاً وعن ابن مقسم» نُخْرِجُ «بنون العظمة. واللؤلؤُ والمَرْجان في هاتين القراءتَيْن منصوبان.

ص: 166

قوله: {الجوار} : العامَّة على كسرِ الراء لأنه منقوصٌ على مَفاعِل، والياءُ محذوفةٌ لفظاً لالتقاءِ الساكنين. وقرأ عبد الله والحسن وتُروَى عن أبي عمروٍ «الجَوارُ» برفع الراء تناسياً للمحذوف ومنه:

4173 -

لها ثنايا أربعٌ حِسانُ

وأربعٌ فثَغْرُها ثَمانُ

ص: 166

وهذا كما قالوا: «هذا شاكٌ» وقد تقدَّم تقريرُ هذا في الأعراف عند قولِه: {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41] .

قوله: {المنشئات} قرأ حمزةُ وأبو بكر بخلافٍ عنه بكسرِ الشينِ بمعنى: أنها تُنْشِىءُ الموجَ بجَرْيِها، أو تُنْشِىء السيرَ إقبالاً وإدباراً، أو التي رَفَعَتْ شُرُعَها أي: قِلاعَها. والشِّراع: القِلْع. وعن مجاهد: كلما رَفَعتْ قِلْعَها فهي من المُنْشَآت، وإلَاّ فليسَتْ منها. ونسبةُ الرَّفْع إليها مجازٌ كما يقال: أنْشَأتِ السحابةُ المطرَ. والباقون بالفتح وهو اسمُ مفعول أي: أنشأها اللَّهُ أو الناسُ، أو رفعوا شُرُعَها. وقرأ ابن أبي عبلة «المُنَشَّآت» بتشديد الشين مبالغةً. والحسنُ «المُنْشات» بالإِفراد، وإبدالِ الهمزة ألفاً وتاءٍ مجذوبة خَطَّاً فأْفَردَ الصفةَ ثقةً بإفهام الموصوف الجمعيةَ، كقولِه {أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] وأمَّا إبدالُه الهمزةَ ألفاً، وإن كان قياسُها بينَ بينَ فمبالَغَةٌ في التخفيف، كقوله:

4174 -

إنَّ السِّباعَ لَتَهْدَا في مَرابِضِها

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ص: 167

أي: لتهدَأ. وأمَّا كَتْبُها بالتاءِ المجذوبة فإتباعاً للفظها في الوصلِ. و «في البحر» متعلقٌ بالمُنْشِئات أو المنشَآت. ورسمُه بالياء بعد الشين في مصاحفِ العراقِ يُقَوِّي قراءةَ الكسرِ ورَسْمُه بدونِها يُقَوِّي قراءةَ الفتح، وحَذَفُوا الألفَ كا تُحْذَفُ في سائر جمع المؤنث السالم. و «كالأَعْلام» حالٌ: إمَّا من الضميرِ المستكنِّ في «المُنْشَآت» ، وإمَّا مِنْ «الجوار» وكلاهما بمعنىً واحد. والأَعلام: الجبالُ جمعُ عَلَم. قال:

4175 -

رُبَّما أَوْفَيْتُ في عَلَم

تَرْفَعَنْ ثوبي شَمالاتُ

ص: 168

وقوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} : غَلَّبَ مَنْ يَعْقِلُ على غيره، وجميعُهم مُرادٌ. والضميرُ في «عليها» للأرضِ. قال بعضُهم. «وإنْ لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ كقولِه:{حتى تَوَارَتْ بالحجاب} [ص: 32] . وقد رُدَّ على هذا القائلِ وقالوا: بل تَقَدَّم ذِكْرُها في قولِه: {والأرض وَضَعَهَا} [الرحمن: 10] .

ص: 168

قوله: {ذُو الجلال} : العامَّةُ على «ذو» بالواو صفةً للوجه. وأبَيٌّ وعبدُ الله «ذي» بالياءِ صفةً ل «ربِّك» وسيأتي خلافٌ بين السبعةِ في آخر السورة إنْ شاءَ الله تعالى.

ص: 168

قوله: {يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات} : فيه وجهان: أحدهما: هو مستأنفٌ. والثاني: أنه حالٌ مِنْ «وَجْه» والعاملُ فيه «يَبْقَى أي: يَبْقَى مَسْؤولاً مِنْ أهلِ السماواتِ والأرضِ.

ص: 168

قوله: {كُلَّ يَوْمٍ} منصوبٌ بالاستقرارِ الذي تضمَّنه الخبرُ وهو قولُه» في شَأْنٍ «والشَّأْنُ: الأَمْرُ.

ص: 169

قوله: {سَنَفْرُغُ} : قرأ سَيَفْرُغُ بالياءِ الأخَوان أي: سَيَفْرُغُ اللَّهُ تعالى. والباقون من السبعة بنون العظمة، والراءُ مضمومةٌ في القراءتَيْن، وهي اللغةُ الفُصْحى لغة الحجازِ. وقرأها مفتوحة الراء مع النونِ الأعرجُ، وتحتمل وجهَيْن، أحدهما: أَنْ تكونْ مِنْ فَزَغَ بفتحِ الراء في الماضي، وفُتِحت في المضارع لأَجْلِ حرفِ الحَلْقِ. والثاني: أنه سُمِعَ فيه فَرِغَ بكسرِ العينِ، فيكون هذا مضارعه/ وهذه لغةُ تميمٍ. وعيسى بن عمر وأبو السَّمَّال «سَنِفْرَغُ» بكسر حرفِ المضارعةِ وفتحِ الراءِ. وتوجيهُها واضحٌ مِمَّا تقدَّم في الفاتحة قال أبو حاتم:«وهي لُغَةُ سُفْلى مُضَرَ. والأعمش وأبو حيوةَ وإبراهيمُ» سَنِفْرَغُ «بضم الياء مِنْ تحتُ مبنياً للمفعولِ. وعيسى أيضاً بفتح نونِ العظمةِ وكسرِ الراء. والأعرجُ أيضاً بفتح الياء والراء. ورُوي عن أبي عمروٍ. وقد تقدَّم قراءةُ» أيها «في النور. والفَراغُ هنا استعارةٌ. وقيل: هو القَصْدُ. وأُنْشِد لجرير:

4176 -

ألانَ وقد فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ

فهذا حينَ كُنْتُ لهمُ عَذاباً

ص: 169

وأنشد الزجاج:

4177 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فَرَغْتُ إلى العبدِ المقيَّدِ في الحِجْلِ

ويَدُلُّ عليه قراءةُ أُبَيّ» سَنَفْرُغُ إليكم «أي: سَنَقْصِدُ إليكم. والثَّقَلان: الجن والإِنس لأنهما ثَقَلا الأرضِ. وقيل: لثِقَلِهم بالذنوب. وقيل: الثَّقَلُ: الإِنسُ لشَرَفَهم. وسُمِّيَ الجنُّ بذلك مجازاً للمجاورة. والثَّقَل. العظيم الشريف. وفي الحديث:» إني تاركٌ فيكم ثَقَلَيْن كتابَ الله وعِتْرتي «

ص: 170

قوله: {فانفذوا} : أمرُ تعجيزٍ: والنُّفوذُ: الخروج بسرعة وقد تقدَّم في أولِ البقرة: أنَّ ما فاؤُه نونٌ وعينُه فاءٌ يَدُلُّ على الخروج كنَفَق ونَفَرَ. و «إلَاّ بسُلْطان» حالٌ أو متعلِّقٌ بالفعلِ قبلَه. وقرأ زيد بن علي «إنْ اسْتَطَعْتما» خطاباً للثَّقَلَيْن، وحَقُّه أَنْ يمشيَ على سَنَنٍ واحدٍ فيَقْرأَ «أنْ تَنْفَذا، لا تنفُذان» والعامَّةُ جعلوه كقولِه: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9] إذ تحت كلِّ واحدٍ أفرادٌ كثيرةٌ وقد رُوْعي لفظُ التثنية في قوله بعدُ: «يُرْسَلُ عليكما» فلا تبعدُ قراءةُ زيدٍ.

ص: 170

قوله: {شُوَاظٌ} : قرأ ابن كثير بكسر الشين. والباقون بضمِّها، وهما لغتان بمعنىً واحدٍ. والشُواظُ: قيل: اللَّهَبُ معه دُخانٌ. وقيل: بل هو اللهبُ الخالِصُ. وقيل: اللَّهَبُ الأحمرُ. وقيل: هو الدخانُ الخارجُ مِن اللهَب. وقال رؤبة:

4178 -

ونارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظا

وقال حسان:

4179 -

هَجَوتُكَ فاخْتَضَعْتَ لها بذُلٍّ

بقافِيَة تَأَجَّجُ كالشُّواظِ

و «يُرْسَلُ» مبنيٌّ للمفعولِ؛ وهو قراءةُ العامَّةِ. وزيد بن علي «نُرْسِلُ» بالنونِ، «شواظاً ونُحاساً» بالنصب. و «مِنْ نار» صفةٌ لشواظ أو متعلِّقٌ ب «يُرْسَلُ» .

ص: 171

قوله: «ونُحاس» قرأ ابنُ كثير وأبو عمروٍ بجرِّه عطفاً على «نارٍ» ، والباقون برفعِه عطفاً على «شُواظ» . والنحاس قيل: هو الصُّفْرُ المعروفُ، يذيبه اللَّهُ تعالى ويُعَذِّبهم به. وقيل: الدخان الذي لا لَهَبَ معه. قال الخليل: وهو معروفٌ في كلامِ العرب، وأنشد للأعشى:

4180 -

يُضيْءُ كضَوْءِ سراجِ السَّلِيْ

طِ لم يَجْعَلِ اللَّهُ فيه نُحاسا

وتُضَمُّ نونُه وتُكْسَرُ، وبالكسرِ قرأ مجاهد وطلحة والكلبي. وقرأ ابن جندب «ونَحْسٌ» كقولِه:{فِي يَوْمِ نَحْسٍ} [القمر: 19] وابن أبي بكرة وابن أبي إسحاق «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددةً من قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} [آل عمران: 152] أي: ونقتلُ بالعذاب. وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً «ونَحَُِسٍ» بضمِّ الحاء وفتحِها وكسرِها، وجرِّ السين. والحسن والقاضي.

ص: 172

«ونُحُسٍ» بضمتين وجرِّ السين. وتقدَّمَتْ قراءةُ زيدٍ «ونُحاساً» بالنصبِ لِعَطْفِه على «شواظاً» في قراءته.

ص: 173

قوله: {فَإِذَا انشقت} : جوابُه مقدرٌ أي: رأيت هَوْلاً عظيماً، أو كان ما كان.

قوله: {وَرْدَةً} أي: مثلَ وَرْدَةٍ فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تُشَمُّ، شَبَّهها بها في الحُمْرة، وأنشد:

4181 -

فلو كُنْتُ وَرْداً لَوْنُه لعَشِقْنَني

ولكنَّ ربي شانَني بسَواديا

وقيل: هي من لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْد، وإنما أُنِّثَ لكونِ السماءِ مؤنثةً. وقال الفراء:«أراد لونَ الفرسِ الوَرْدِ، يكون في الربيع إلى الصفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي اشتدادِ البَرْدِ إلى الغُبْرة، فشبَّه تلوُّنَ السماءِ بتلَوُّنِ الوَرْدَةِ من الخيل» . وقرأ عبيد بن عمير «وَرْدَةٌ» بالرفع. قال الزمخشري: «بمعنى: فَحَصَلَتْ سماءٌ وردةٌ، وهو من الكلام الذي يُسَمَّى التجريدَ، كقوله:

4182 -

فَلَئِنْ بَقِيْتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوةٍ

تَحْوِي الغنائمَ أو يموتَُ كريمُ

ص: 173

قوله: {كالدهان} يجوز أن يكونَ خبراً ثانياً، وأَنْ يكونَ نعتاً لوردة. وأَنْ يكونَ حالاً من اسم» كانت «. وفي» الدِّهان «قولان، أحدُهما: أنه جمعُ دُهْن نحو: قُرْط وقِراط، ورُمْح ورِماح، وهو في معنى قوله:{يَوْمَ تَكُونُ السمآء كالمهل} [المعارج: 8] .

وهو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. والثاني: أنه اسمٌ مفردٌ، فقال الزمخشري:» اسمُ ما يُدْهَنُ به كالجِزام والإِدام وأنشد:

4183 -

كأنَّهما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ

فَرِيَّانِ لَمَّا تُدْهَنا بدِهان

/ وقال غيرُه: هو الأديمُ الأحمرُ، وأنشد للأعشى:

4184 -

وأَجْرَدَ مِنْ كِرامِ الخَيْلِ طِرْفٍ

كأنَّ على شَواكِله دِهانا

أي: أديماً أحمرَ، وهذا يَحْتمل أنْ يكونَ جمعاً. ويؤيِّده ما أنشده منذرُ بنُ سعيد:

ص: 174

4185 -

يَبِعْنَ الدِّهانَ الحُمْرَ كلَّ عَشِيَّةٍ

بموسِمِ بَدْرٍ أو بسُوْقِ عُكاظِ

فقوله «الحُمْرَ» يؤيِّدُ كونَه جمعاً، وقد يُقال: هو كقولِهم: «أهلك الناسَ الدينارُ الحُمْرُ والدرهمُ البِيْضُ» ، إلَاّ أنَّه خِلافُ الأصلِ. وقيل: شُبِّهَتْ بالدِّهانِ، وهو الزَيْتُ لذَوْبِها ودَوَرانِها، وقيل: لبَريقِها.

ص: 175

قوله: {فَيَوْمَئِذٍ} : التنوينُ عِوَضٌ من الجملةِ، أي: فيومَ إذ انشَقَّت السَّماءُ. والفاء في «فيومئذٍ» جوابُ الشرط. وقيل: هو محذوفٌ، أي: فإذا انشَقَّتِ السماءُ رَأَيْتَ أَمْراً مَهُولاً، ونحو ذلك. والهاءُ في «ذَنْبه» [تعودُ على أحد المذكورِيْن] . وضميرُ الآخرِ مقدرٌ، أي: ولا يُسْأَل عن ذنبِه جانٌّ أيضاً. وناصبُ الظرفِ «لا يُسأَلُ» و «لا» غيرُ مانعةٍ. وقد تقدَّم خلافُ الناسِ فيها في الفاتحة. وتقَدَّمَتْ قراءة «جأَنّ» بالهمز فيها أيضاً.

ص: 175

وقرأ حماد بن أبي سليمان «بسِيْمائِهم» بالمدِّ. وتقدَّم الكلامُ على ذلك في آخر البقرة.

قوله: {فَيُؤْخَذُ بالنواصي} «يُؤْخَذُ» متعدٍّ، ومع ذلك تَعَدَّى بالباء؛

ص: 175

لأنه ضُمِّنَ معنى يُسْحَبُ، قاله الشيخ. وسحب إنما يُعَدَّى ب «على» قال تعالى:{يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ} [القمر: 48] فكان يَنْبغي أَنْ يقولَ: ضُمِّنَ معنى يُدَعُّوْن، أي: يُدْفَعون. وقال مكي: «إنما يُقال: أَخَذْتُ الناصِيةَ وأخَذْتُ بالناصية. ولو قلت: أَخَذْتُ الدابَّةَ بالناصيةِ لم يَجُزْ. وحُكي عن العرب: أَخَذْتُ الخِطامَ، وأَخَذْتُ بالخِطام بمعنى. وقد قيل: إنَّ تقديرَه: فيُؤْخَذُ كلُّ واحدٍ بالنَّواصي، وليس بصوابٍ، لأنه لا يَتَعَدَّى إلى مفعولَيْنِ أحدُهما بالباء، لِما ذكَرْنا. وقد يجوز أَنْ يتعدَّى إلى مفعولَيْنِ أحدُهما بحرفِ جرّ غيرِ الباء نحو: أَخَذْتُ ثوباً من زيد.

فهذا المعنى غيرُ الأولِ، فلا يَحْسُن مع الباء مفعولٌ آخرُ، إلَاّ أَنْ تجعلَها بمعنى: مِنْ أَجْل، فيجوزُ أن تقولَ: أَخَذْتُ زيداً بعمروٍ، أي: مِنْ أجلِه وبذنبِه» انتهى. وفيما قاله نَظَرٌ، لأنك تقولُ: أَخَذْتُ الثوبَ بدرهمٍ، فقد تعدَّى بغير «مِنْ» أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.

وأل في النواصي والأقدام ليسَتْ عِوَضاً مِنْ ضمير عند البَصْريين فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عِوَضٌ. والنَّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرأسِ. وقد تقدَّم هذا مستوفى في هود. وفي حديث عائشة رضي الله عنها: «ما لكم لا تَنْصُون مَيِّتكم» ، أي: لا تَمُدُّون ناصِيته. والنَّصِيُّ

ص: 176

مَرْعى طيب. وقولهم: «فلانٌ ناصيةُ القوم» يُحتمل أن يكونَ من هذا، يَعْنون أنه طيب مُنْتَفَعٌ به، أو مثلَ قولِهم: هو رأسُ القوم.

ص: 177

قوله: {هذه جَهَنَّمُ} : أي: يُقال لهم و «آن» بمعنى: حار متناهٍ في الحرارة، وهو منقوصٌ كقاضٍ يُقال: أنى يَأْني فهو آن كقَضى يَقْضي فهو قاضٍ. وقد تَقَدَّمَ في الأحزاب. والعامَّةُ يَطوفون مِنْ طاف. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو عبد الرحمن «يُطافُون» مبنياً للمفعول، مِنْ أطافهم غيرُهم. والأعمش وطلحة وابن مقسم «يُطَوِّفُون» بضمِّ الياء وفتح الطاءِ وكسرِ الواوِ مشددةً، أي: يُطَوِّفُون أنفسَهم. وقرأت فرقةٌ «يَطَّوَّون» بتشديد الطاء والواو. والأصلُ: يتطَوَّفون.

ص: 177

قوله: {مَقَامَ رَبِّهِ} : يجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً، وأَنْ يكونَ مكاناً. فإِنْ كان مصدراً، فيُحْتمل أَنْ يكونَ مضافاً لفاعلِه، أي: قيامَ ربِّه عليه وحِفْظَه لأعمالِه مِنْ قولِه: {أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33] ويُرْوَى هذا المعنى عن مجاهد، وأن يكونَ مضافاً لمفعولِه. والمعنى: القيام بحقوق الله فلا يُضَيِّعُها. وإنْ كان مكاناً فالإِضافةُ بأَدْنى مُلابسة لَمَّا كان الناسُ يقومون بين يَدَيِ اللهِ تعالى للحاسب في عَرَصات القيامة. قيل: فيه مَقامُ الله. والظاهرُ أن الجنَّتَيْن لخائفٍ واحدٍ. وقيل:

ص: 177

جنةٌ لخائفِ الناسِ، وأُخرى لخائفِ الجنِّ، فيكون من بابِ التوزيعِ. وقيل «مَقام» هنا مُقْحَمٌ والتقدير: ولِمَنْ خاف ربَّه وأنشد:

4186 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ونَفَيْتُ عنه

مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللعينِ

أي: نَفَيْتُ الذئبَ، وليس بجيدٍ؛ لأنَّ زيادةَ الاسمِ ليسَتْ بالسهلة.

ص: 178

قوله: {ذَوَاتَآ} : صفةٌ ل جَنَّتان، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هما ذواتا. وفي تثنية «ذات» لغتان: الردُّ إلى الأصلِ، فإنَّ أصلَها «ذَوْيَة» فالعينُ واوٌ، واللامُ ياءٌ، لأنَّها مؤنثةُ ذو. والثانية: التثنيةُ على اللفظِ فيُقال: ذاتا.

والأَفْنان: فيه وجهان، أحدُهما: أنه جمعُ فَنَن كطَلَل وهو الغُصْنُ. قال النابغة الذبياني:

4187 -

بكاءَ حمامةٍ تَدْعو هَدِيلاً

مُفَجَّعةٍ على فَنَنٍ تُغَنِّي

وقال آخر:

4188 -

رُبَّ وَرْقاءَ هَتُوفٍ بالضُّحى

ذاتِ شَجْوٍ صَدَحَتْ في فَنَنِ

ص: 178

وقال آخر:

4189 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

على كلِّ أفنانِ العِضاهِ تَرُوْقُ

والثاني: أنه جمعُ فَنّ كدَنّ، وإليه أشار ابنُ عباس. والمعنى: ذواتا أنواعٍ وأشكالٍ. وأنشدوا:

4190 -

ومِنْ كلِّ أفنانِ اللَّذاذَةِ والصِّبا

لَهَوْتُ به والعيشُ أخضرُ ناضِرُ

إلَاّ أنَّ الكثيرَ في «فَنّ» أَنْ يُجْمع على «فُنون» .

ص: 179

قوله: {مُتَّكِئِينَ} : يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ «مَنَ» في قولِه: «ولِمَنْ خافَ» ، وإنَّما جُمعَ حَمْلاً على معنى «مَنْ» بعد الإِفراد حَمْلاً على لفظها. وقيل: حالٌ عامِلُها محذوفٌ أي: يَتَنَعَّمون مُتَّكئين. وقيل: منصوبٌ على الاختصاصِ. والعامَّةُ على «فُرُش» بضمَّتين. وأبو حيوة بضمةٍ وسكونٍ وهي تخفيفٌ منها. /

قوله: {بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفةً. والظاهر أنَّها صفةٌ ل «فُرُش» . و «مِنْ إستبرق» قد تَقَدَّم الكلام في الاستبرق وما قيل فيه في سورة الكهف. وقال أبو البقاء هنا: «أصلُ

ص: 179

الكلمةِ فِعْلٌ على اسْتَفْعَلَ فلمَّا سُمِّي به قُطِعَتْ همزتُه. وقيل: هو أعجميُّ. وقرِىء بحَذْفِ الهمزةِ وكسر النونِ، وهو سَهْوٌ؛ لأنَّ ذلك لا يكون في الأسماءِ بل في المصادرِ والأفعال» . انتهى. أمَّا قولُه «وهو سهوٌ لأن ذلك لا يكون» إلى آخرِه، يَعْني أنَّ حَذْفِ الهمزةِ في الدَّرْجِ لا يكونُ إلَاّ في الأفْعال والمصادرِ، وأمَّا الأسماءُ فلا تُحْذَفُ هَمَزاتُها لأنَّها هَمَزات قَطْعٍ. وهذا الكلامُ أحقُّ بأن يكونَ سَهْواً؛ لأنَّا أولاً لا نُسَلِّمُ أنَّ هذه القراءةَ مِنْ حَذْفِ همزةِ القطعِ إجراءً لها مُجْرى همزةِ الوَصْلِ. وإنَّما ذلك مِنْ بابِ نَقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى الساكن قبلَها، وحركةُ الهمزةِ كانَتْ كسرةً فحركةُ النونِ حركةُ نَقْلٍ لا حركةُ التقاءِ ساكنين. ثم قولُه:«إلَاّ في الأفعال والمصادرِ» ليس هذا الحصرُ بصحيح اتفاقاً لوجودِ ذلك في أسماءٍ عشرةٍ ليسَتْ بمصادرَ، ذكرْتُها في أولِ هذا الموضوع.

قوله: {وَجَنَى الجنتين دَانٍ} مبتدأٌ وخبرٌ. ودانٍ أصلهُ دانِوٌ مثلَ غازٍ، فأُعِلَّ كإِعلالِه. وقرأ عيسى بن عمر «وجَنِيَ» بكسر النون. وتوجيهُها: أن يكونَ أمال الفتحة لأجل الألف، ثم حذف الألف لالتقاءِ السَّاكنين، وأبقى إمالة النون فَظُنَّتْ كسرةً. وقُرِىء «وجِنَى» بكسر الجيم، وهي لغة. والجَنى: ما يُقْطَفُ من الثمار. وهو فَعَل بمعنى مَفْعُول كالقَبَض والنَقَص.

ص: 180

قوله: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ} : اختُلِفَ في هذا الضمير، فقيل: يعود على الجنات، فيقال: كيف تَقَدَّمَ تثنيةٌ ثم أُتِي بضمير جَمْع؟

فالجوابُ: أنَّ أقلَّ الجمعِ اثنان على قولٍ، وله شواهدُ قد تقدَّم أكثرُها. وإمَّا أن يقالَ: عائدٌ على الجنات المدلولِ عليها بالجنتْين، وإمَّا أَنْ يقالَ: إنَّ كل فردٍ فردٍ له جنتان فصَحَّ أنها جناتٌ كثيرة، وإمَّا أنَّ الجنةَ تشتمل على مجالسَ وقصورٍ ومنازلَ فأطلقَ على كلِّ واحدٍ منها جنة. وقيل: يعودُ على الفُرُش. وهذا قولٌ حَسَنٌ قليلُ الكُلْفَةِ.

وقال الزمشخري: «فيهِنَّ: في هذه الآلاءِ المعدودة من الجنَّتَيْن والعينَيْن والفاكهةِ والفُرُشِ والجَنَى» . قال الشيخ: «وفيه بُعْدٌ» وكان قد اسْتَحْسَنَ الوجهَ الذي قبله. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الاستعمالَ أَنْ يُقال: على الفِراش كذا، ولا يقال: في الفِراش كذا إلَاّ بتكلُّف؛ فلذلك جَمَعَ الزمخشريُّ مع الفُرُش غيرَها حتى صَحَّ له أَنْ يقولَ: «فيهن» بحرف الظرفيَّة، ولأن الحقيقةَ أنَّ الفُرُشَ يكون الإِنسانُ عليها؛ لأنه مُستَعْلٍ عليها. وأمَّا كونُه فيها فلا يقال إلَاّ بمجازٍ. وقال الفراء: «كلُّ موضع في الجنةِ جنةٌ، فلذلك صَحَّ أَنْ يُقالَ: فيهِنَّ، والقاصِراتُ: الحابساتُ الطرفِ، أي: أعينُهُنَّ عن غيرِ أَزْواجهن. ومعناه: قَصَرْنَ ألحاظَهُنَّ على أزواجِهنَّ. قال امرؤ القيس:

ص: 181

4191 -

مِن القاصِراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌ

من الذَّرِّ فوق الإِتْبِ منها لأَثَّرا

وقاصراتُ الطرفِ: مِنْ إضافةِ اسم الفاعلِ لمنصوبِه تخفيفاً إذ يقال: قَصَرَ طَرْفَه على كذا. وحُذِف متعلَّقُ القَصْرِ للعلمِ به، أي: على أزواجِهِنَّ، كما تقدَّم تقريرُه. وقيل: المعنى: قاصراتٌ طَرْفَ غيرِهن عليهنَّ، أي: إذا رآهن أحدٌ لم يتجاوَزْ طرفُه إلى غيرِهنَّ.

قوله: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} هذه الجملةُ يجوز أَنْ تكونَ نعتاً لقاصِرات؛ لأن إضافتَها لفظيةٌ، كقولِه {هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24] و [وقوله] :

4192 -

يا رُبَّ غابطِنا لو كان يَطْلُبُكمْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وأَنْ تكونَ حالاً لتخصُّصِ النكرةِ بالإِضافة. واخْتُلِفَ في هذا الحرفِ والذي بعدَه عن الكسائيِّ: فنُقِل عنه أنَّه كان يُخَيِّرُ في ضَمِّ أيِّهما شاءَ القارىءَ. ونَقَل عنه الدُّوريُّ ضمَّ الأولِ فقط ونَقَل عنه أبو الحارث ضمَّ الثاني فقط، وهما لغتان. يُقال: طَمَثَها يَطْمِثُها ويَطْمُثُها إذا جامَعَها. وأصلُ الطَّمْثِ: الجماعُ المؤدِّي إلى خروجِ دمِ البِكْرِ، ثم أُطْلِقَ على كلِّ جِماع: طَمْثٌ، وإنْ لم يَكُنْ معه دمٌ. وقيل: الطَمْثُ دَمُ الحَيْضِ أو دمُ الجِماع. وقيل: الطَمْثُ المَسُّ الخاص. وقرأ الجحدري» يَطْمَثْهُنَّ «بفتح

ص: 182

الميم في الحرفَيْن، وهو شاذٌّ إذ ليسَتُ عينُه ولا لامُه حرفَ حَلْقٍ. والضميرُ في» قبلَهُمْ «عائدٌ على الأزواجِ الدالِّ عليهم قولُه» قاصراتُ الطَّرْفِ «أو الدالِّ عليه» مُتَّكئين «.

ص: 183

قوله: {كَأَنَّهُنَّ الياقوت} : هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكون نعتاً لقاصِرات، وأن تكونَ حالاً منها. ولم يَذْكُرْ مكيٌّ غيرَه. والمَرْجان تقدَّم ما هو؟ والياقوتُ: جوهرٌ نفيسٌ. يُقال: إن النارَ لم تُؤَثِّرْ فيه، ولذلك قال الحريري:

4193 -

وطالما أُصْلِيَ اليقاوتُ جَمْرَ غَضَا

ثم انْطفا الجمرُ والياقوتُ ياقوتُ

أي: باقٍ على حالِه لم يتأثَّرْ بها. ووجهُ التشبيهِ كما قال الحَسَنُ. في صفاءِ الياقوتِ/ وبياضِ المَرْجان. وهذا على القول بأنه أبيضُ وقد تقدَّم، وقيل: الوجهُ في. . . ونفاسَتِهما ولذلك سَمَّوْا بمَرْجانة ودُرَّة وشبهِ ذلك.

ص: 183

وقرأ ابن أبي إسحاق «إلَاّ الحِسانُ» ، أي: إلَاّ الحُوْرُ الحِسان.

ص: 183

قوله: {وَمِن دُونِهِمَا} : أي: مِنْ دونِ تَيْنَكَ

ص: 183

الجَنَّتَيْن المتقدِّمتين: جَنَّتان في المنزلةِ وحُسْنِ المنظرِ. وهذا على الظاهر مِنْ أنَّ الأُوْلَيَيْنِ أفضلُ من الأُخْرَيَيْنِ. وقيل بالعكس، ورَجَّحه الزمخشري.

ص: 184

والنَّضْخُ: فوق النَّضْحِ بالحاءِ، لأنَّ النَّضْحَ بالحاءِ: الرَّشُّ والرَّشْحُ، والنَّضْخُ بالخاء: فَوَرانُ الماء. والادْهِيْمامُ: السَّوادُ وشدةُ الخضرةِ، جُعِلا مُدْهامَّتيْن لشدَّة رِيِّهما، وهذا مُشاهَدٌ بالنظر، ولذلك قالوا:«سوادُ العراق» لكثرةِ شَجَره وزروعِه.

ص: 184

قوله: {وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} : استدلَّ بعضُهم بها على أنهما ليسا من الفاكهة لاقتضاءِ العطفِ المغايرة. فلو حَلَفَ: «لا يأكلُ فاكهةً» لم يَحْنَثْ بأَكْلهما. وبعضُهم يقول: هو من باب ذِكْر الخاص بعد العام تفصيلاً له كقولِه: {وملائكته} [البقرة: 97] ثم قال: «وجبريلَ وميكَال» وهو تَجَّوُّزٌ؛ لأنَّ فاكهة ليس عامَّاً؛ لأنه نكرةٌ في سياقِ الإِثْبات، وإنما هو مُطْلَقٌ، ولكنْ لَمَّا كان صادقاً على النخل والرمَّان قيل فيه ذلك.

ص: 184

قوله: {خَيْرَاتٌ} : فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه جمعُ «خَيْرَة» . بزِنةِ فَعْلَة بسكونِ العين. يقال: امرأةٌ خَيْرَةٌ وأخرى شَرَّةٌ. والثاني: أنه جمعُ خَيْرة المخففة مِنْ خَيِّرة. ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ ابن مقسم واليزيدي وبكر بن حبيب «خَيِّرات» تشديد الياء. وقرأ أبو عمروٍ «خَيَرات» بفتح الياء جمع «خَيْرَة» وهي شاذَّةٌ، لأن العين

ص: 184

معتلةٌ؛ إلَاّ أن بني هُذَيلٍ تُعامِله معاملةَ الصحيح فيقولون، جَوَزات وبَيَضات وأُنْشِد:

4194 -

أخو بَيَضاتٍ رائِحٌ مُتَأَوِّبُ

رفيقٌ بمَسْحِ المَنْكِبَيْنِ سَبُوْحُ

ص: 185

ومَقْصورات، أي: مَحْبوسات، ومنه «القَصْر» لأنه يَحْبِسُ مَنْ فيه، ومنه قولُ النحاة «المقصور» لأنه حُبِس عن المدِّ أو حُبس عن الإِعراب، أو حُبِس الإِعرابُ فيه، والنساء تُمْدَحُ بملازَمَتِهِنَّ البيوتَ كما قال [أبو] قيس بن الأسلت:

4195 -

وتَكْسَلُ عن جيرانِها فيَزُرْنَها

وتَعْتَلُّ عن إتْيانِهِنَّ فتُعْذَرُ

ويقال: امرأةٌ مَقْصورة وقَصيرة وقَصورة، بمعنىً واحد. قال كثير عزة:

4196 -

وأنتِ التي حَبَّبْتِ كلَّ قصيرةٍ

إليَّ ولم تَعْلَمْ بذاك القَصائرُ

عَنَيْتُ قصيراتِ الحِجالِ ولم أُرِدْ

قِصارَ الخُطا شَرُّ النساءِ البَحاتِرُ

والخِيام: جمعُ خَيْمة وهي تكونُ مِنْ نَمَّام وسائرِ الحَشيش، فإنْ

ص: 185

كانَتْ مِنْ شَعْرٍ فلا يُقال لها: خَيْمةٌ بل بَيْتٌ. وقال جرير:

4197 -

متى كان الخيامُ بذي طُلوحٍ

سُقِيْتِ الغَيْثَ أيتها الخيامُ

ص: 186

قوله: {رَفْرَفٍ} : الرَّفْرَفُ جمع رَفْرَفَة فهو اسمُ جنسٍ. وقيل: بل هو اسمُ جمعٍ، نقلهما معاً مكيٌّ، وهي ما تَدَلَّى من الأسِرَّة مِنْ عالي الثياب. وقال الجوهريُّ:«ثيابٌ خُضْرٌ يُتَّخَذُ منها المجالِسُ، الواحدةُ رَفْرَفة» واشتقاقُه مِنْ رَفَّ الطائرُ: أي: ارتفع في الهواء. ورَفْرَفَ بجناحَيْه: إذا نَشَرهما للطيران ورَفْرَفُ السَّحابِ هُبوبُه، ويَدُلُّ على كونه جمعاً وصفُه بالجمع. وقال الراغب:«رفيفُ الشجر: انتشارُ أغصانِه. ورَفَّ الطائرُ: نَشَرَ جناحَه يَرِفُّ بالكسرِ. ورَفَّ فَرْخَه يَرُفُّه بالضم تَفَقَّده، ثم اسْتُعير للتفَقُّدِ. ومنه» ماله حافٌّ ولا رافٌّ «، أي: مالَه مَنْ يَحُفُّه ويتفقَّدُه. والرَّفْرَفُ: المنتشِرُ من الأوراقِ. وقولُه {على رَفْرَفٍ خُضْرٍ} : ضَرْبٌ من الثياب مُشَبَّه بالرياض. وقيل: الرَّفْرَفُ طرفُ الفُسْطاطِ والخِباءِ الواقعِ على الأرض دونَ الأَطنْابِ والأوتادِ. وذكر الحسن أنه المَخادُّ» انتهى. وقال ابن جُبير: «رياضُ الجنَّة، مِنْ رَفَّ البيتُ إذا تَنَعَّمَ وحَسُن. وعن ابن عُيَيْنة هي الزَّرابِيُّ. ونُعِت هنا بخُضْر لأنَّ اسمَ الجنسِ يُنْعَتُ بالجمعِ كقولِه:{والنخل بَاسِقَاتٍ} [ق: 10] وبالمفرِد. وحَسَّنَ جَمْعَه هنا

ص: 186

جَمْعُ حِسان. وقرأ العامَّةُ» رَفْرَفٍ «وقرأ عثمان بن عفان ونصر ابن عاصم وعاصم والجحدري والفرقبي وغيرهم» رَفارِفَ خُضْرٍ «بالجمع وسكونِ الضاد. وعنهم أيضاً» خُضُرٍ «بضم الضاد وهو إتباعٌ للخاء. وقيل: هي لغةٌ في جمع أَفْعَلَ الصفةِ. وأُنْشد لطرفة:

4198 -

أيها الفتيانُ في مَجْلِسِنا

جَرِّدُوا منها وِراداً وشُقُرْ

وقال آخر:

4199 -

وما انْتَمَيْتُ إلى خُوْرٍ ولا كُسُف

ولا لئامٍ غداةَ الرَّوْع أَوْزاعِ

وقرؤوا» عباقِرِيَّ «بكسر القاف وفتحِها وتشديدِ الياءِ متوحةً/ على مَنْعِ الصرفِ. وهي مُشْكِلَةٌ؛ إذ لا مانعَ من تنوينِ ياءَيْ النسَبِ، وكأنَّ هذا القارىءَ تَوَهَّمَ كَوْنَها في مَفاعِل فمنعَها من الصرفِ. وقد رَوَى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وجماعةٍ» وعباقِرِيٍّ «منوناً ابنُ خالويه ورُوِي عن عاصمٍ» رَفارِفٍ «بالصرف. وقد يُقال في مَنْ مَنَعَ» عباقِرِيَّ «إنَّه لما جاوزَ» رفارِفَ «الممتنعَ امتنع مُشاكلةً. وفي مَنْ صَرَفَ رفارِفَ:

ص: 187

إنَّه لما جاوَزَ عباقِريَّاً المنصرفَ صَرَفَه للتناسُب ك {سَلاسلاً وأَغْلالاً} [الإِنسان: 4] كما سيأتي.

وقرأ أبو محمد المروزي وكان نَحْوياً» خَضَّارٍ «كضَرَّاب بالتشديد. وأَفْعَلُ وفَعَّالٌ لا يُعْرَفُ.

والجمهورُ» وعَبْقِرِيٍّ «منسوب إلى عَبْقَر، تَزْعُم العربُ أنه بلدُ الجن فكلُّ ما عَظَّموه وتعجَّبوا منه قالوا: هذا عَبْقريٌّ. وفي الحديث:» فلم أرَ عَبْقَريَّاً يَفْري فَرِيَّه «والمرادُ به هنا قيل: البُسُط التي فيها صُوَرٌ وتماثيلُ. وقيل: هي الزَّرابِيُّ. وقيل: الطَّنافِسُ. وقيل: الدِّيباج. وعَبْقريّ جمع عَبْقَريَّة، يعني فيكونُ اسمَ جنسٍ، كما تقدَّم في رَفْرفَ. وقيل: هو واحدٌ دالٌّ على الجمع، ولذلك وُصِف بحسان.

ص: 188

قوله: {ذِي الجلال} : قرأ ابن عامر «ذو الجَلال» بالواو، وجَعَله تابعاً للاسم، وهكذا هي مرسومةٌ في مصحف الشاميين. والباقون بالياء صفةً للرَّبِّ، فإنه هو الموصوفُ بذلك، وأَجْمَعوا على الواوِ في الأول إلَاّ مَنْ ذكَرْتُه فيما تقدَّم.

ص: 188

قوله: {إِذَا وَقَعَتِ} : فيها أوجهٌ أحدها: أنها ظرفٌ محْضٌ ليس فيه معنى الشرط والعامل فيها «ليس» . والثاني: أنَّ العاملَ فيها اذْكُر مقدراً. قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: بم انتصبت» إذا «؟ قلت: بليس، كقولك:» يومَ الجمعة ليس لي شُغْلٌ «ثم قال:» أو بإضمارِ اذكُرْ «. قال الشيخ:» ولا يقول هذا نَحْوِيٌّ، ولا مَنْ شدا شيئاً مِنْ صناعةِ النحوِ «. قال:» لأن «لَيْسَ» مثل «ما» النافية، فلا حَدَثَ فيها، فكيف يعملُ في الظرف مِنْ غير حَدَثٍ؟ وتَسْمِيتُها فِعْلاً مجازٌ. فإنَّ حَدَّ الفعل غير مُنْطَبِقٍ عليها «، وكَثَّرَ الشيخُ عليه من هذا المعنى. ثم قال:» وأما المثال الذي نَظَّر به فالظرف ليس معمولاً ل «ليس» بل للخبر، وتقَدَّمَ معمولُ خبرِها عليها، وهي مسألةُ خلاف «انتهى. قلت: الظروفُ تعملُ فيها روائحُ الأفعالِ. ومعنى كلامِ الزمخشريِّ: أنَّ النفي المفهومَ مِنْ» ليس «هو العاملُ في» إذا «كأنه قيل: ينفي كَذِبُ وقوعِها إذا

ص: 189

وَقَعَتْ. ويدلُّ على ما قُلْتُه قولُ أبي البقاء:» والثاني ظرفٌ لِما دَلَّ عليه {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} ، أي: إذا وقعت لم تكذبْ «فإنْ قيل فَلْيَجُزْ ذلك في» ما «النافية أيضاً، فالجواب: أنَّ الفعلَ أقربُ إلى الدلالةِ على الحَدَثِ من الحرفِ.

الثالث: أنَّها شرطيةٌ. وجوابُها مقدرٌ، أي: إذا وقعَتْ كان كيتَ وكيتَ، وهو العاملُ فيها. والرابع: أنها شرطيةٌ، والعاملُ فيها الفعلُ الذي بعدَها ويليها، وهو اختيارُ الشيخ، وتبَع في ذلك مكيَّاً. قال مكي:» والعاملُ فيها «وَقَعَتْ» لأنها قد يُجازى بها، فعَمِل فيها الفعلُ الذي بعدها كما يَعْمل في «ما» و «مَنْ» اللتَيْن للشرط في قولك: ما تفعَلُ أفعَلْ، ومَنْ تُكرِمْ أُكْرِمْ «، ثم ذكر كلاماً كثيراً. الخامس: أنها مبتدأٌ، و» إذا رُجَّتْ «خبرُها، وهذا على قولِنا: إنها تَتَصرَّفُ، وقد مَضَى القولُ فيه مُحرَّراً، إلَاّ أن هذا الوجهَ إنما جَوَّزه الشيخُ، جمالُ الدين ابن مالك وابن جني وأبو الفضل الرازي على قراءةِ مَنْ نصب» خافضةً رافعةً «على الحالِ. وحكاه بعضُهم عن الأخفش، ولا أدري اختصاص ذلك يوجه النصب.

السادس: أنه ظرفٌ ل» خافضة «أو» رافعة «، قاله أبو البقاء، أي:

ص: 190

إذا وَقَعَتْ خَفَضَتْ ورفعَتْ. السابع: أَنْ يكونَ ظرفاً ل» رُجَّتْ «» وإذا «الثانيةُ على هذا إمَّا بدلٌ من الأولى أو تكريرٌ لها. الثامن: أنَّ العاملَ فيه ما دلَّ عليه قوله: {فأصحابُ المَيْمَنَةِ} ، أي: إذا وَقَعَتْ باتَتْ أحوالُ الناسِ فيها.

التاسع: أنَّ جوابَ الشرطِ قولُه: {فأصحابُ المَيْمنةِ} إلى آخره.

و «لِوَقْعَتِها» خبرٌ مقدمٌ و «كاذبة» اسم مؤخرٌ. و «كاذبة» يجوزُ أَنْ يكونَ اسم فاعل وهو الظاهرُ، وهو صفةٌ لمحذوف، فقَدَّره الزمخشريُّ:«نفسٌ كاذبةٌ، أي: إنه ذلك اليومَ لا يَكْذِبُ على الله أحدٌ، ولا يُكَذِّبُ بيوم القيامةِ أحد» ثم قال: «واللامُ مثلُها في قولِه {قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 24] إذ ليس لها نفسُ تُكَذِّبها وتقول: لم تكوني كما لها نفوسٌ كثيرةٌ يُكّذِّبْنَها اليومَ يَقُلْنَ لها: لم تكوني، أو هو مِنْ قولهم: كَذَّبَتْ فلاناً نفسُه في الخطر العظيم إذا شَجَّعَتْهُ على مباشرته وقالَتْ له: إنَّك تُطيقه وما فوقه فَتَعَرَّضْ له، ولا تبال به على معنى أنها وقعةٌ لا تُطاقُ شدةً وفظاعةً، وأنْ لا نفس حينئذٍ تُحدِّث صاحبَها بما تُحَدِّثه به عند عظائمِ الأمورِ، وتزيِّن له احتمالها وإطاقتها؛ لأنهم يومئذٍ أضعفُ مِنْ ذلكَ وأَذلُّ. ألا ترى إلى قولِه تعالى {كالفراش المبثوث} [القارعة: 4] والفَراشُ مَثَلٌ في الضعف» . وقَدَّره ابن عطية: «حالٌ كاذبةٌ» قال: «وَيْحتمل الكلامُ على هذا معنيين، أحدهما: كاذبة، أي: مكذوبة فيما أَخْبر به عنها فسَمَّاها كاذبةً لهذا، كما تقول: هذه قصةٌ كاذبةٌ، أي: مكذوبٌ فيها. والثاني:

ص: 191

أي: / لا يَمْضي وقوعُها كقولك: فلانٌ إذا حَلَّ لم يكذِبْ. والثاني: أن كاذبة مصدرٌ بمعنى التكذيب نحو: خائنة الأعين. قال الزمخشري:» مِنْ قولِك حَمَلَ فلانٌ على قرْنِه فما كَذَبَ، أي: فما جَبُنَ ولا تَثَبَّط. وحقيقتهُ فما كَذَّب نفسَه فيما حَدَّثَتْه به من إطاقتِه له وإقدامهِ عليه وأنشد لزهير:

4200 -

لَيْثٌ بعَثَّرَ يَصْطادُ الرجالُ إذا

ما الليثُ كَذَّب عن أقرانِه صَدَقا

أي: إذا وَقَعَتْ لم يكن لها رَجْعَةٌ ولا ارْتدادٌ «، انتهى. وهو كلامٌ حسنٌ جداً.

ثم لك في هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها لا محلَّ لها من الإِعرابِ: إمَّا لأنَّها ابتدائيةٌ ولا سيما على رَأْيِ الزمخشري، حيث جَعَلَ الظرفَ مُتَعَلِّقاً بها وإمَّا لأنَّها اعتراضيةٌ بين الشرطِ وجوابِه المحذوف. والثاني: أنَّ مَحَلَّها النصبُ على الحال، قاله ابن عطية، ولم يُبَيِّن صاحب الحال ماذا؟ وهو واضحٌ إذا لم يكُنْ هنا إلَاّ الواقعةُ، وقد صَرَّحَ أبو الفضل بذلك.

وقرأ العامَّةُ برفعِ» خافضةٌ رافعةٌ «على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ، أي: هي خافضةٌ قوماً إلى النار ورافعةٌ آخرين إلى الجنةِ، فالمفعولُ محذوفٌ لفَهْمِ المعنى، أو يكونُ المعنى: أنَّها ذاتُ خَفْضٍ ورَفْعٍ كقوله: {يُحْيِي

ص: 192

وَيُمِيتُ} [آل عمران: 156]{وكُلُواْ واشربوا} [البقرة: 187] وقرأ زيد بن علي وعيسى والحسن وأبو حيوة وابن مقسم واليزيدي بنصِبها على الحالِ، ويُروى عن الكسائيِّ أنه قال:» لولا أنَّ اليزيديَّ سَبَقني إليه لقَرَأْتُ به «انتهى. ولا أظنُّ مثلَ هذا يَصِحُّ عن مثل هذا.

واخْتُلف في ذي الحال، فقال أبو البقاء:«من الضمير في» كاذبة «أو في» وَقَعَتْ «، وإصلاحُه أن يقولَ: أو فاعل» وقعَتْ «إذ لا ضميرَ في» وقعَتْ «. وقال ابن عطية وأبو الفضل مِنْ» الواقعة «، ثم قَرَّرا مجيءَ الحالِ متعددةً من ذي حالٍ واحدةٍ كما تجيءُ الأخبارُ متعددةً. وقد بَيَّنْتُ لك هذا فيما تقدَّم فاستغْنَيْت عن كلامِهما. قال أبو الفضل:» وإذا جُعِلَتْ هذه كلُّها أحوالاً كان العامل في «إذا وَقَعَتْ» محذوفاً يَدُلُّ عليه الفحوى، أي: إذا وقعتْ يُحاسَبون.

ص: 193

قوله: {إِذَا رُجَّتِ} : يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ «إذا» الأولى، أو تأكيداً لها أو خبراً لها على أنها مبتدأةٌ كما تقدَّم تحريرُ هذا جميعِه، وأَنْ يكونَ شرطاً، والعامل فيها: إمَّا مقدَّرٌ وإمَّا فِعْلُها الذي يليها كما تقدَّم في نظيرتِها. وقال الزمشخري: «ويجوز أَنْ تنتصِب بخافضة رافعة، أي: تَخْفِضُ وترفعُ وقتَ رَجِّ الأرض وبَسِّ الجبالِ، لأنه عند ذلك

ص: 193

ينخفضُ ما هو مرتفعٌ ويرتفعُ ما هو منخفضٌ» . قال الشيخ: «ولا يجوزُ أَنْ تنتصِبَ بهما معاً بل بأحدِهما، لأنه لا يجتمعُ مؤثِّران على أثرٍ واحد» . قلت: معنى كلامِه أنَّ كلاً منهما متسلِّطٌ عليه من جهة المعنى، وتكونُ المسألة من التنازع، وحيئنذٍ تكون العبارةُ صحيحةً إذ يَصْدُقُ أنَّ كلاً منهما عاملٌ فيه، وإن كان على التعاقُب.

والرَّجُّ: التحريكُ الشديدُ بمعنى زُلزلت. وبُسَّت الجبالُ: سُيِّرت مِنْ قولهم: بَسَّ الغنمَ، أي: ساقَها أو بمعنى فُتِّتَتْ كقوله: {يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} [طه: 105] يدلُّ عليَه {فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} . وقرأ زيد بن علي «رَجَّتْ» و «بَسِّتْ» مبنيين للفاعل على أنِّ رجَّ وبَسَّ يكونان لازمَيْن ومُتَعَدِّيَيْن، أي: اُزِيحت وذهَبَتْ. وقرأ النخعي «مْنْبَتَّاً» بنقطتين مِنْ فوق، أي: متقطعاً من البَتِّ. ومعنى الآية يَنْبو عنه.

ص: 194

قوله: {فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة} : «أصحاب» الأولى مبتدأٌ، و «ما» استفهامٌ فيه تعظيمٌ مبتدأٌ ثانٍ، و «أصحاب» الثاني خبرُه والجملةُ خبرُ الأولِ، وتكرارُ المبتدأ هنا بلفظِه مُغْنٍ عن الضمير ومثلُه {الحاقة مَا الحآقة} [الحاقة: 1-2] {القارعة مَا القارعة} [القارعة: 1-2] ولا يكون ذلك إلَاّ في مواضعِ التعظيم. وهنا سؤالٌ: وهو أنَّ «ما» نكرةٌ وما بعده معرفةٌ، فكان ينبغي أَنْ يقال «ما» خبر مقدمٌ، «وأصحاب» الثاني

ص: 194

وشبهُه مبتدأٌ؛ لأن المعرفة أحقٌّ بالابتداء من النكرةِ. وهذا السؤال واردٌ على سيبويه من مثل هذا، وفي قولك:«كم مالُك» و «مَرَرْتُ برجل خيرٌ منه أبوه» ، فإنه يُعْرِبُ ما الاستفهامية و «كم» و «أَفْعَل» مبتدأ، وما بعدها خبرُها. والجوابُ: أنه كَثُرَ وقوعُ النكرةِ خبراً عن هذه الأشياء كثرةً متزايدةً، فاطَّردَ البابُ ليجريَ على سَننٍ واحدٍ. هكذا أجابوا، وهذا لا ينهضُ مانعاً مِنْ جوازِ أَنْ تكونَ «ما» و «كم» وأفعلُ خبراً مقدماً. ولو قيل به لم يكنْ خطأ بل أقربُ إلى الصوابِ.

والمَيْمَنَةُ: مَفْعَلَةُ من لفظِ اليُمْن وكذلك المَشْأَمَة من اليدِ الشُّؤمى وهي الشِمالُ لتشاؤمِ العربِ بها، أو من الشُّؤْم.

ص: 195

قوله: {والسابقون السابقون} : فيه أوجهٌ: أحدُها: أنهما مبتدأٌ وخبرٌ. وفي ذلك تأويلان، أحدهما: أنه بمعنى السابقون، هم الذي اشْتُهِرَتْ حالُهم بذلك كقولِهم: أنت أنت، والناسُ الناسُ، وقولِه:

4201 -

أنا أبو النجمِ وشِعْري شِعْري

وهذا يُقال في تعظيمِ الأمرِ وتفخيمهِ، وهو مذهبُ سُيبويه.

التأويل الثاني: أنَّ مُتَعلَّقَ السَّبْقَتْينِ مختلفٌ، إذ التقدير: والسابقونَ

ص: 195

إلى الإِيمانِ السابقونَ إلى الجنة، / أو السابقونَ إلى طاعةِ اللَّهِ السابقون إلى رحمتِه، أو السابقون إلى الخيرِ السابقون إلى الجنة.

الوجه الثاني: أَنْ يكونَ «السابقون» الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيَّاً، و «أولئك المقرَّبون» جملةٌ ابتدائيةٌ في موضوع خبرِ الأولِ، والرابطُ اسمُ الإِشارةِ، كقولِه تعالى:{وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ} [الأعراف: 26] في قراءة مَنْ قرأ برفع «لباسُ» في أحد الأُوجه.

الثالث: أَنْ يكونَ «السابقون» نعتاً للأول، والخبرُ الجملةُ المذكورةُ. وهذا ينبغي أَنْ لا يُعَرَّجَ عليه، كيف يُوْصَفُ الشيءُ بلفِظه وأيُّ فائدةٍ في ذلك؟ والأقربُ عندي إنْ وَرَدَتْ هذه العبارةُ مِمَّن يُعتبر أَنْ يكون سَمَّى التأكيدَ صفةً، وقد فعل سيبويه قريباً من هذا.

الرابع: أَنْ يكونَ الوقفُ على قولِه «والسابقون» ويكونَ قولُه «السابقون، أولئك المقرَّبون» ابتداءً وخبراً، وهذا يقتضي أن يُعْطَفَ «والسابقون» على ما قبلَه، لكنْ لا يليق عَطْفُه على ما قبلَه ويليه، وإنما يليقُ عطفُه على «أصحابُ المَيْمنة» كأنه قيل: وأصحابُ الميمنة ما أصحابُ الميمنة، والسابقون، أي: ما السابقون تعظيماً لهم، فيكون شركاءَ لأصحابِ الميمنة في التعظيم، ويكون قولُه على هذا «وأصحابُ المَشْأمَةِ، ما أصحابُ المشأمة» اعتراضاً بين المتعاطفَيْن. وفي هذا الوجهِ تكلُّفٌ كثير جداً.

ص: 196

قوله: {ثُلَّةٌ} : خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هم. ويجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأ خبرُه مضمرٌ، أي: منهم ثُلَّةٌ، أي: من السابقين يعني: أن التقسيمَ وقع في السابقين، وأَنْ يكونَ مبتدأً خبرُه {فِي جَنَّاتِ النعيم} أو قولُه «على سُرُر» فهذه أربعةُ أوجهٍ.

والثُّلَّة: الجماعةُ من الناس. وقَيَّدها الزمخشريُّ بالكثيرة وأنشد:

4202 -

وجاءَتْ إليهم ثُلَّةٌ خِنْدِفِيَّةٌ

بجيشٍ كتَيَّارٍ مِنْ البحرِ مُزْبِدِ

ولم يُقَيِّدْها غيرُه، بل صَرَّح بأنها الجماعة قلَّت أو كَثُرَتْ. وقال الراغب: «الثُّلَّةُ قطعةٌ مجتمعةٌ من الصوف، ولذلك قيل للغنم: ثَلَّة. قلت: يعني بفتح الثاء، ومنه قولُه:

4203 -

أَمْرَعَتِ الأرضُ لَوَ أنَّ مالا

لَوْ أن نُوْقاً لك أو جِمالا

أو ثَلَّةً مِنْ غنم إمَّا لا

ص: 197

انتهى. ثم قال الراغب:» ولاعتبار الاجتماع قيل: «ثُلَّة من الأوَّلين، وثُلَّة من الآخِرين» ، أي: جماعة وثَلَّلْتُ كذا: تناوَلْتُ ثُلَّةً منه. وثَلَّ عرشَه: أسقطَ ثُلَّة منه. والثَّلَلُ: قِصَرُ الأسنانِ لسُقوط ثُلَّةٍ منها. وأثَلَّ فَمُه سَقَطَتْ أسنانُه. وتَثَلَّلَتِ الرَّكِيَّةُ: تَهَدَّمَتْ «انتهى. فقد أطلق أنها الجماعة من غيرِ قَيْدٍ بقِلَّة ولا كثرةٍ، والكثرةُ التي فهمها الزمخشريُّ قد تكونُ من السِّياق. و» مِنْ الأوَّلِين «صفةٌ لثُلَّة، وكذلك» مِنْ الآخِرين «صفةٌ لقليل.

ص: 198

وقرأ زيد بن علي وأبو السَّمَّال «سُرَر» بفتح الراء الأولى وقد تقدَّم أنها لغةٌ لبعضِ كلبٍ وتميم. والمَوْضونة: المَنْسوجة وأصلُه مِنْ: وضَّنْتُ الشيءَ، أي: رَكَّبْتُ بعضَه على بعض. ومنه قيل للدِّرْعِ: مَوْضونة لتراكُبِ حِلَقِهِا. قال الأعشى:

4204 -

ومِن نَسْجِ داودَ مَوْضَوْنَةً

تسيرُ مع الحيِّ عِيْراً فَعِيْرا

ومنه أيضاً «وَضِين الناقة، وهو حِزامُها لتراكُبِ طاقاته قال الراجز:

4205 -

إليك تَعْدُو قِلقاً وضِيْنُها

مُعْتَرضاً في بَطْنِها جنينُها

مُخالفاً دينَ النَّصارى دينُها

ص: 198

وقال الراغب:» الوَضْنُ: نَسْيجُ الدِّرعِ. ويُسْتعار لكل نَسْجٍ مُحْكَم «، فجعله أصلاً في نَسْج الدَّرْع. قال الشاعر:

4206 -

تقولُ وقد دَرَأْتُ لها وَضِيْني

أهذا دينُه أبداً ودِيني

أي: حِزامي.

ص: 199

قوله: {مُّتَّكِئِينَ، مُتَقَابِلِينَ} : حالان من الضمير في «على سُرُر» ويجوز أَنْ تكونَ حالاً متداخلةً، فيكون «متقابلين» حالاً من ضمير «متَّكئين» .

ص: 199

قوله: {يَطُوفُ} : يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً، وأنْ يكون استئنافاً.

ص: 199

و «بأكْواب» متعلقٌ ب «يَطُوف» . والأباريق: / جمع إبْريق، وهو مِنْ آنيةِ الخَمْر قال:

4207 -

أَفْنى تِلادي وما جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ

قَرْعُ القواقيزِ أَفْواهَ الأباريقِ

وقال عدي بن زيد:

4208 -

وتداعَوا إلى الصَّبوحِ فجاءتْ

قَيْنةٌ في يمينِها إبْريقُ

وقال آخر:

ص: 199

4209 -

كأن إبْريقَهم ظبيٌ على شَرَفٍ

مُفَدَّمٍ بسَبا الكَتَّانِ مَلْثُوْمُ

ووزنُه إفْعيل لاشتقاقِه مِنْ البَريق والإِبريقُ ما له خُرطومٌ. قال بعضهم: وأُذُنٌ. وتقدَّم تفسيرُ الأكواب.

ص: 200

قوله: {لَاّ يُصَدَّعُونَ} : يجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفة أخبر عنهم بذلك، وأن تكونَ حالاً من الضمير في «عليهم» ومعنى لا يُصَدَّعون عنها أي: بسببها. قال الزمخشري: «وحقيقتُه: لا يَصْدُرُ صُداعُهم عنها» والصُّداع: هو الداءُ المعروفُ الذي يَلْحَقُ الإِنسانَ في رأسِه، والخمر تؤثِّر فيه. قال علقمة بن عبدة في وصف الخمر:

4210 -

تَشْفي الصُّداعَ ولا يُؤْذِيك صالبُها

ولا يخالِطُها في الرأس تدويمُ

ولما قرأت هذا الديوان على الشيخ أثير الدين أبي حيان رحمه الله قال لي: هذه صفةُ خمر الجنة. وقال لي: لَمَّا قرأتُه على الشيخ أبي جعفر ابن الزبير قال لي: هذه صفةُ خمر الجنة. وقيل: لا يُصَدَّعون: لا يُفَرَّقون كما يتفرَّق الشَّربُ عن الشَّراب للعوارض

ص: 200

الدنيوية. ومِنْ مجيء تَصَدَّعَ بمعنى تَفَرَّق قولُه: «فتصدَّع السحابُ عن المدينة» ، أي: تفرَّق. ويُرَجِّحه قراءةُ مجاهد «لا يَصَّدَّعون» بفتح الياءِ وتشديد الصادِ. والأصلُ: يَتَصَدَّعون، أي: يتفرَّقون كقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم: 43] . وحكى الزمخشري قراءةً وهي «لا يُصَدِّعون» بضم الياء وتخفيفِ الصادِ وكسرِ الدال مشددةً. قال: أي لا يُصَدِّعُ بعضُهم بعضاً، أي: لا يُفَرِّقُونهم. وتقدَّم الخلافُ بين السبعة في «يُنزِفُونَ» وتفسيرُ ذلك.

وقرأ ابن أبي إسحاق بفتح الياء وكسر الزاي مِنْ نَزَفَ البِئْرُ، أي: اسْتُقِيَ ما فيها. والمعنى: لا تَنْفَدُ خمرُهم. قال الشيخ: «وابن أبي إسحاق أيضاً، وعبد الله والجحدريُّ والأعمش وطلحة وعيسى، بضمِّ الياء وكسر الزاي أي: لا يَفْنى لهم شراب» . قلت: وهذا عجيبٌ منه فإنَّه قد تقدَّم في الصافات أن الكوفيين يَقْرَؤون في الواقعة بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته.

ص: 201

قوله: {وَفَاكِهَةٍ} : العامَّةُ على جَرِّ «فاكهة ولحم» نَسَقاً على «أكواب» أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء: المأكول والمشروبِ والمتفكَّهِ به، وهذا كمالُ العِيشةِ الراضيةِ. وقرأ زيد بن علي وأبو عبد الرحمن برفعهما، على الابتداء، والخبرُ مقدَّرٌ أي: ولهم كذا.

ص: 202

قوله: {وَحُورٌ} قرأ الأخَوان بجرِّ «حور عين» . والباقون برفعِهما. والنخعيُّ: «وحِيرٍ عين» بقلب الواو ياءً وجرِّهما، وأُبَيٌّ وعبد الله «حُوْراً عيناً» بنصبهما. فأمَّا الجرُّ فمن أوجه، أحدها: أنه عطفٌ على {جَنَّاتِ النعيم} [الواقعة: 12] كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحمٍ وحورٍ، قاله الزمخشري. قال الشيخ:«وهذا فيه بُعْدٌ وتفكيكُ كلامٍ مرتبطٍ بعضُه ببعض، وهو فُهْمُ أعجمي» . قلت: والذي ذهب إليه معنى حسنٌ جداً، وهو على حَذْفِ مضافٍ أي: وفي مقاربة حور، وهذا هو الذي عناه الزمخشري. وقد صرَّح غيرُه بتقدير هذا المضاف. الثاني: أنه معطوفٌ على «بأكواب» وذلك بتجوُّزٍ في قوله: «يطُوفُ» إذ معناه: يُنَعَّموْن فيها باكواب وبكذا وبُحور، قاله الزمخشري. الثالث: أنه معطوفٌ عليه حقيقةً، وأن الوِلْدانَ يَطُوفون عليهم بالحور أيضاً، فإن فيه لذةً لهم، طافُوا عليهم بالمأكولِ والمشروبِ والمُتَفَكَّهِ بعد المنكوحِ، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب. ولا التفات إلى قولِ

ص: 202

أبي البقاء: «عطفاً على أكواب في اللفظ دون المعنى؛ لأنَّ الحوَر لا يُطاف بها» .

وأمَّا الرفعُ فمِنْ أوجهٍ أيضاً، عطفاً على «ولْدانٌ» ، أي: إنَّ الحورَ يَطُفْنَ عليهم بذلك، كما الوَلائدُ في الدنيا. وقال أبو البقاء:«أي: يَطُفْنَ عليهم للتنعُّمِ لا للخدمة» قلت: / وهو للخدمةِ أبْلَغُ؛ لأنهم إذا خدمهم مثلُ أولئك، فما الظنُّ بالمَوْطوءات؟ الثاني: أَنْ يُعطفَ على الضمير المستكنِّ في «مُتَّكِئين» وسَوَّغ ذلك الفصلُ بما بينهما. الثالث: أَنْ يُعْطفَ على مبتدأ وخبر حُذِفا معاً تقديرُه: لهم هذا كلُّه وحورٌ عين، قاله الشيخ، وفيه نظر؛ لأنَّه إنما عُطِف على المبتدأ وحدَهُ، وذلك الخبرُ له ولِما عُطِف هو عليه.

الرابع: أَنْ يكونَ مبتدأً، خبرُه مضمرٌ تقديرُه: ولهم، أو فيها، أو ثَمَّ حورٌ. وقال الزمخشري «على وفيها حُوْرٌ كبيت الكتاب:

4211 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

إلَاّ رَواكدَ جَمْرُهُنَّ هَباءُ

الخامس: أن يكونَ خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حورٌ، قاله

ص: 203

أبو البقاء. وأمَّا النصبُ ففيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ بإضمارِ فِعْل، أي: يَعْطَوْن، أو يَرِثُون حُوْراً، والثاني: أن يكونَ محمولاً على معنى: يَطوف عليهم؛ لأن معناه يُعْطَوْن كذا وكذا فعطف عليه هذا. وقال مكي:» ويجوز النصبُ على أَنْ يُحْمَلَ أيضاً على المعنى؛ لأنَّ معنى يَطوفُ وِلْدانٌ بكذا وكذا يُعْطَوْن كذا وكذا، ثم عطف حوراً على معناه «فكأنه لم يَطَّلعْ عليها قراءةً.

وأمَّا قراءةُ» وحِيْرٍ «فلمجاورتها» عين «ولأنَّ الياءَ أخفُّ من الواو، ونظيرهُ في التغيير للمجاورة:» أَخَذَه ما قَدُم وما حَدُث «بضم دال» حَدُث «لأجل» قَدُم «وإذا أُفْرِد منه فَتَحْتَ دالَه فقط، وقوله عليه السلام:

«وربِّ السماوات ومَنْ أَظْلَلْنَ ورَبِّ الشياطين ومَنْ أَضْلَلْنَ» وقوله عليه السلام: «أيتكنَّ صاحبةُ الجمل الأَرْبَب تَنْبَحُها كلابُ الحَوْءَب» فَكَّ «الأَرْبَبَ» لأجل «الحَوْءَب» .

وقرأ قتادة «وحورُ عينٍ» بالرفع والإِضافة ل «عين» وابن مقسم بالنصب والإِضافةِ وقد تقدَّم توجيهُ الرفع والنصب. وأمَّا الإِضافةُ فمِنْ

ص: 204

إضافة الموصوف لصفته مؤولاً. وقرأ عكرمةُ «وحَوْراءَ عَيْناءَ» بإفرادِهما على إرادةِ الجنس. وهذه القراءةُ تحتمل وجهَيْن: أحدهما: أَنْ تكونَ نصباً كقراءة أُبَيّ وعبد الله، وأن تكونَ جرَّاً، كقراءة الأخوَيْن؛ لأن هذين الاسمَيْن لا ينصرفان فهما محتملان للوجَهْين. وتقدَّم الكلام في اشتقاق العِين.

ص: 205

و {كَأَمْثَالِ} صفةٌ أو حالٌ. و «جزاءً» مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يُجْزَوْن جزاءً.

ص: 205

قوله: {إِلَاّ قِيلاً} : فيه قولان، أحدهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ وهذا واضحٌ؛ لأنه لم يندَرِجْ تحت اللَّغْو والتأثيم. والثاني: أنه متصلٌ وفيه بُعْدٌ، وكأن هذا رأى أن الأصلَ لا يَسْمعون فيها كلاماً فاندرَج عنده فيه. وقال مكي:«وقيل: منصوبٌ بيَسْمعون» وكأنه أرادَ هذا القول.

قوله: {سَلَاماً سَلَاماً} فيه أوجهٌ، أحدها: أنه بدلٌ مِنْ «قيلاً» أي: لا يسمعُون فيها إلَاّ سلاماً سلاماً. الثاني: أنه نعتٌ لقِيلا. الثالث: أنه منصوبٌ بنفس «قيلاً» أي: إلَاّ أَنْ يقولوا: سلاماً سلاماً، هو قولُ الزجَّاج. الرابع: أَنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ مقدرٍ، ذلك الفعلُ مَحْكِيٌّ ب «قيلاً» تقديره: إلَاّ قيلاً اسْلَموا سَلاماً.

وقُرىء «سَلامٌ» بالرفع قال الزمخشري: «على الحكاية» . قال

ص: 205

قوله: {مَّخْضُودٍ} : المخضودُ: الذي قُطِع شَوْكُه، مِنْ خَضَدْتُه أي: قَطَعْتُه. وقيل المُوْقَرُ من الحَمْل حتى لا يَتَبَيَّن ساقُه وتَنْثَنِيَ أغصانُه مِنْ خَضَدْت الغصنَ أي ثنيْتُه. قال أمية بن أبي الصلت:

4212 -

إن الحَدائقَ في الجِنانِ ظليلةٌ

فيها الكواعِبُ سِدْرُها مَخْضُوْدُ

والطَّلْحُ: جمع الطلحةُ وهي العظيمةُ من العِضاه. وقيل: هي أم غَيْلان. قال مجاهد: ولكنَّ ثمرَها أَحْلى من العسل. وقيل: هو المَوْزُ. ومعنى مَنْضود أي: متراكبٌ. وفي التفسير: لا يُرى له ساقٌ مِنْ كثرةِ ثمرِه. وقرأ علي رضي الله عنه وعبد الله وجعفر بن محمد «وطَلْع» بالعين، ولمَّا قرأها علي رضي الله عنه قال: وما شَأْنُ الطَّلْح؟ واستدلَّ بقولِه: {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} [ق: 10] فقيل له: أنُحَوِّلُها؟ فقال: آيُ القرآنِ لا تُهاجُ اليومَ ولا تُحَوَّلُ. ويُرْوى عن ابن عباس مثلُه. ومَسْكوب: أي مَصْبُوبٌ بكثرةٍ. وقُرِىءَ برفع «فاكهة» أي: وهناك، أولهم، أو فيها، أو ثَمَّ فاكهة.

ص: 206

قوله: {لَاّ مَقْطُوعَةٍ} : فيه وجهان، أظهرهُما: أنه

ص: 206

نعتٌ لفاكهة «ولا» للنفي، كقولك:«مَرَرْتُ برجلٍ لا طويلٍ ولا قصير» ولذلك لزم تكرارُها. والثاني: هو معطوفٌ على فاكهة، / و «لا» عاطفةٌ قاله أبو البقاء. وحينئذٍ لا بُدَّ مِنْ حَذْفِ موصوفٍ أي: لا فاكهةٍ مقطوعةٍ؛ لئلا تُعْطَفَ الصفةُ على موصوفِها.

ص: 207

قوله: {وَفُرُشٍ} : العامَّةُ على ضمِّ الراء جمع فِراش. وأبو حيوة بسكونها وهي مخففةٌ من المشهورة. والفُرُشُ قيل: هي القماشُ المعهودُ. ومرفوعة على الأَسِرَّة. وقيل: هي كنايةٌ عن النساءِ، كما كُنِي عنهنَّ باللِّباس، قاله أبو عبيدة وغيرُه. قالوا: ولذلك أعاد الضميرَ عليهنَّ في قوله: «إنَّا أنشأناهنَّ» . وأجاب غيرُهم: بأنه عائدٌ على النساءِ الدالِّ عليهنَّ الفُرُشُ. وقيل: يعودُ على «حُور» المتقدمة. وعن الأخفش: هُنَّ ضميرٌ لمَنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، يعني يدلُّ عليه السِّياقُ.

ص: 207

قوله: {عُرُباً} : جمع عَروب كصَبور وصُبُر. والعَرُوْب: المتحبِّبة إلى بَعْلِها. وقيل: الحسناءُ. وقيل: المُحْسِنة لكلامها. وقرأ حمزة وأبو بكر بسكونِ الراء، وهذا كرسُل ورُسْل،

ص: 207

وفُرُش وفُرْش، وقال ابن عباس:«هي العواتِقُ» . وأنشد للبيد:

4213 -

وفي الخُدورِ عَروبٌ غيرُ فاحِشةٍ

رَيَّا الرَّوادِفِ يَعْشى دونَها البصَرُ

قوله: {أَتْرَاباً} جمع تِرْب وهو المساوي لك في سِنِّك؛ لأنَّه يَمَسُّ جِلْدَهما الترابُ في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلافِ، وهو من الأسماءِ التي لا تتعرَّفُ بالإِضافةِ لأنه في معنى الصفةِ، إذ معناه: مُساويك، ومثلُه «خِدْنُك» لأنَّه في معنى صاحبك.

ص: 208

قوله: {لأِّصْحَابِ اليمين} : في هذه اللامِ وجهان؛ أحدهما: أنها متعلِّقةٌ ب «أَنْشَأْنَاهُنَّ» أي: لأجل. والثاني: أنها متعلقةٌ ب «أَتْراباً» كقولك: هذا تِرْبٌ لهذا أي: مُساوٍ له.

ص: 208

واليَحْموم وزنه فَيْعول. قال أبو البقاء: «مِنْ الحِمَم أو الحَميم» واليَحْموم قيل: هو الدُّخان الأسود البهيم. وقيل: وادٍ في جهنم. وقيل: اسمٌ من أسمائها، والأولُ أظهرُ.

ص: 208

قوله: {لَاّ بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} : صفتان للظلِّ كقولِه: «من يَحْموم» . وفيه أنه قد قَدَّم غيرَ الصريحة على الصريحة، فالأَوْلَى أن يُجْعَلَ صفةً ليَحْموم، وإن كان السياقُ يُرْشِدُ إلى الأول.

وقرأ ابنُ أبي عبلة «لا باردٌ ولا كريمٌ» برفعهما أي: هو لا باردٌ كقوله:

4214 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ص: 208

فأَبِيْتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرومُ

ص: 209

قوله: {الحنث} : هو في أصلِ كلامهم العِدْلُ الثقيل، وسُمِّي به الذنبُ والإِثم لثقلِهما، قاله الخطابي: وفلانٌ حَنَثَ في يمينه أي: لم يَفِ بها؛ لأنه يَأْثَمُ غالباً، ويُعَبَّرُ بالحِنْث عن البلوغِ ومنه «لم يَبْلُغوا الحنث» وإنما قيل ذلك لأنَّ الإِنسانَ عند بلوغِه إياه يُؤَاخذ بالحِنْث أي بالذنب. وتَحَنَّثَ فلانٌ أي: جانَبَ الحِنْثَ. وفي الحديث: «كان يَتَحَنَّثُ بغار حراء» أي يتعبَّد لمجانبته الإِثمَ نحو: تَحَرَّجَ ف تَفَعَّلَ في هذه كلِّها للسَلْب.

ص: 209

قوله: {أَإِذَا مِتْنَا} : قد تقدَّم تقرير هذا كلِّه في الصافات. وتقدَّم الكلامُ على الاستفهامَيْن في سورة الرعد فأغنى ذلك عن إعادةِ كلِّ ذلك ولله الحمد.

ص: 209

قوله: {مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ} : فيه أوجه، أحدها: أَنْ تكونَ «مِنْ» الأولى لابتداء الغاية، والثانية للبيان أي: مُبْتَدِئون الأكلَ من شجرٍ هو زَقُّوم. الثاني: أَنْ تكونَ «مِنْ» الثانيةُ صفةً لشجر، فتتعلَّقَ بمحذوفٍ أي: مستقرٍ. والثالث: أَنْ تكونَ «مِنْ» الأولى مزيدةً أي:

ص: 209

لآكلون شجراً، و «مِنْ» الثانيةُ على ما تقدَّم فيها من الوجهَيْن. الرابع: عكسُ هذا، وهو أَنْ تكونَ الثانيةُ مزيدةً أي: لآكلون زَقُّوماً، و «مِنْ» الأُولى للابتداء، أو في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ «زَقُّوم» أي: كائناً مِنْ شجرٍ، ولو تأخَّر لكان صفةً. الخامس: أنَّ «مِنْ شجر» صفةٌ لمفعولٍ محذوفٍ أي: لآكلون شيئاً مِنْ شجرٍ، «ومِنْ زَقُّوم» على هذا نعتٌ لشجر، أو لشيء المحذوفِ. السادس: أنَّ الأولى للتبعيض، والثانيةَ بدلٌ منها، والضميرُ في «منها» عائدٌ على الشجر. وفي «عليه» للشجر أيضاً، وقد تقدَّم أنه يجوزُ تذكيرُ اسم الجنس وتأنيثُه، وأنهما لغتان. وقيل: في «عليه» عائدةٌ على الزقوم. وقال أبو البقاء: «للمأكول» . وقال ابن عطية: «للمأكول أو الأكل» . انتهى وفي قوله: «الأكل» بُعْدٌ. وقال الزمخشري: «وأنَّثَ ضميرَ الشجر على المعنى، وذكَّره على اللفظ في» منها «و» عليه «. ومَنْ قرأ {مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ} فقد جعل الضميرين للشجرةِ، وإنما ذكَّر الثاني على تأويلِ الزَّقُّوم لأنه تفسيرُها» .

ص: 210

قوله: {شُرْبَ الهيم} : قرأ نافعٌ وعاصمٌ وحمزةُ

ص: 210

بضم الشين، وباقي السبعة بفتحِها، ومجاهد وأبو عثمان النهدي بكسرِها فقيل: الثلاثُ لغاتٌ في مصدر شَرِب، والمقيسُ منها إنما هو المفتوحُ. وقيل: المصدرُ هو المفتوحُ والمضموم والمكسورُ اسمان لِمَا يُشْرَبُ كالرِّعْي والطِّحْن. / وقال الكسائي: يُقالُ شرِبْتُ شُرباً وشَرْباً. ويروى قولُ جعفر: «أيامُ مِنى أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ وبِعال» بفتح الشين. والشَّرْب في غيرِ هذا اسمٌ للجماعة الشاربين قال:

4215 -

كأنَّه خارِجٌ من جَنْبِ صَفْحَتِهِ

سَفُّوْدُ شَرْبٍ نَسُوْهُ عند مُفْتَأَدِ

والمعنى: مثلَ شُرْبِ الهِيم. والهِيْمُ فيه أوجهٌ، أحدها: أنه جَمْعُ أَهْيمَ أو هَيْماء، وهو الجَمَلَُ والناقةُ التي أصابها الهُيامُ وهو داءٌ مُعْطِشٌ تشرب الإِبلُ منه إلى أن تموتَ أو تَسْقُمُ سُقْماً شديداً، والأصلُ: هُيْم بضمِّ الهاءِ كأَحْمر وحُمْراء وحُمْر، فقُلِبت الضمةُ كسرةً لتصِحَّ الياءُ، وذلك نحو: بِيْض في أبيض. وأُنْشد لذي الرمة:

4216 -

فأصبَحْتُ كالهَيْماءِ لا الماءُ مُبْرِدٌ

صَداها ولا يَقْضي عليها هُيامُها

الثاني: أنه جمع هائِم وهائِمة من الهُيام أيضاً، إلَاّ أنَّ جَمْعَ فاعِل

ص: 211

وفاعِلة على فُعْل قليلٌ نادرٌ نحو: بازِل وبُزْل وعائِذ وعُوْذ ومنه: العُوْذُ المَطافيل. وقيل: هو من الهُيام وهو الذَّهابُ؛ لأنَّ الجملَ إذا أصابه ذلك هامَ على وَجْهه. الثالث: أنه جمع هَيام بفتح الهاء وهو الرَّمْلُ غيرُ المتماسكِ الذي لا يُرْوَى من الماء أصلاً، فيكونُ مثلَ سَحاب وسُحُب بضمتين، ثم خُفِّف بإسكان عينه ثم كُسِرَتْ فاؤه لتصِحَّ الياء، كما فُعِلَ بالذي قبله. الرابع: أنَّه جمعُ «هُيام» بضم الهاء وهو الرَّمْل غيرُ المتماسكِ أيضاً لغةً في «الهَيام» بالفتح، حكاها ثعلب، إلَاّ أن المشهورَ الفتحُ ثم جُمع على فُعْل نحو: قُراد وقُرْد، ثم خُفِّفَ وكُسِرَتْ فاؤُه لتصِحَّ الياء والمعنى: أنَّه يُصيبهم من الجوع ما يُلجِئُهم إلى أَكْلِ الزَّقُّوم، ومن العطشِ ما يَضْطرُّهم إلى شُرْب الحميم مثلَ شُرْبِ الهِيْم. وقال الزمخشري:«فإن قلتَ: كيف صَحَّ عَطْفُ الشاربين على الشاربين، وهما لذواتٍ واحدةٍ، وصفتان متفقتان، فكان عطفاً للشيء على نفسِه؟ قلت: لَيْستا بمتفقتَيْن من حيث إنَّ كونَهم شاربين على ما هو عليه مِنْ تناهي الحرارة وقَطْع الأمعاء أمرٌ عجيبٌ، وشُرْبُهم له على ذلك كما تَشْرَب الهِيم أمرٌ عجيب أيضاً، فكانتا صفتَيْن مختلفتَيْن» انتهى يعنى قولَه: «فشاربون عليه من الحميم، فشاربون» وهو سؤالٌ حسنٌ، وجوابُه مثلُه.

وأجاب بعضُهم عنه بجواب آخر: وهو أنَّ قولَه: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم} تفسيرٌ للشُرْب قبلَه، ألا ترى أنَّ ما قبلَه يَصْلُح أن يكونَ مثلَ شُرْبِ الهيمِ ومثلَ شُرْبِ غيرِها ففَسَّره بأنه مثلُ شُرْبِ هؤلاء البهائم أو الرِّمالِ.

ص: 212

وفي ذلك فائدتان، إحداهما: التنبيهُ على كثرةِ شُرْبهم منه والثاني: عَدمُ جَدْوَى الشُّرْب، وأن المشروبَ لا يَنْجَعُ فيهم كما لا يَنْجَعُ في الهِيْم على التفسيرَين.

وقال الشيخ: «والفاءُ تقتضي التعقيبَ في الشُّرْبَيْنِ، وأنهم أولاً لمَّا عَطِشوا شَرِبوا من الحميم، ظَنّاً منهم أنه يُسَكِّنُ عَطَشَهُم، فازداد العطشُ بحرارةِ الحميمِ، فشربوا بعده شُرْباً لا يقع بعدَه رِيٌّ أبداً. وهو مِثْلُ شُرْبِ الهيم فهما شُربان مِنَ الحَميم لا شُرْبٌ واحدٌ، اختلفَتْ صفتاه فَعَطف. والمشروبُ مِنْه في {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم} محذوفٌ لفَهْمِ المعنى تقديرُه: فشاربون منه» انتهى. والظاهرُ أنه شُرْبٌ واحدٌ بل الذي نعتقدُ هذا فقط، وكيف يُناسِبُ أَنْ تكونَ زيادتُهم العطشَ بشُرْبِه مقتضيةً لشُرْبِهم منه ثانياً؟

ص: 213

وقرأ العامَّةُ «نُزُلُهم» بضمتين. ورُوي عن أبي عمروٍ من طُرُق، وعن نافعٍ وابنِ محيصنٍ بضمةٍ وسكونٍ، وهو تخفيفٌ. وقد تقدَّم أن النُّزُلَ ما يُعَدُّ للضيفِ. وقيل: هو أولُ ما يأكلُه فسُمِّي به هذا تهكُّماً بمَنْ أُعِدَّ له، وهو في المعنى كقولِ أبي السعر الضَّبِّي:

4217 -

وكُنَّا إذا الجبَّارُ أَنْزَلَ جَيْشَه

جَعَلْنَا القَنا والمُرْهَفاتِ له نُزْلا

ص: 213

قوله: {فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ} : تحضيضٌ. ومتعلَّقُ التصديقِ محذوفٌ تقديرُه: فلولا تُصَدِّقُون بخَلْقِنا.

ص: 214

وقوله: {أَفَرَأَيْتُمْ} : هي بمعنى أَخْبِرْني. ومفعولُها الأولُ «ما تُمْنُوْن» ، والثاني: الجملةُ الاستفهاميةُ، وقد تقدَّم تقريرُ هذا.

ص: 214

و {أَأَنتُمْ} : يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أنه فاعل/ فعلٍ مقدرٍ أي: أتخلقونه، فلَمَّا حُذِفَ الفعل لدلالةِ ما بعدَه عليه انفصل الضميرُ، وهذا من بابِ الاشتغال. والثاني: أنَّ «أنتم» مبتدأٌ، والجملةُ بعده خبرُه. والأولُ أرجحُ لأجلِ أداةِ الاستفهام.

وقوله: {أَم} يجوز فيها وجهان، أحدهما: أنها منقطعةٌ؛ لأن بعدها جملةً، وهي إنما تَعْطِفُ المفرداتِ. والثاني: أنها متصلةٌ. وأجابوا عن وقوعِ الجملةِ بعدها: بأنَّ مجيءَ الخبرِ بعد «نحن» أُتي به على سبيلِ التوكيدِ إذ لو قال: «أم نحنُ» لاكتُفِيَ به دونَ الخبرِ. ونظيرُ ذلك جوابُ مَنْ قال: [مَنْ] في الدار؟ زيدٌ في الدار، أو زيدٌ فيها، ولو اقْتُصِر على «زيد» لكان كافياً. قلت: ويؤيِّد كونَها متصلة أنَّ الكلامَ يَقْتَضي تأويلَه: أيُّ الأمرَيْن واقعٌ؟ وإذا صَلَحَ ذلك كانت متصلةً إذ الجملةُ بتأويلِ المفردِ.

ومفعولُ «الخالقون» محذوفٌ لفَهْم المعنى أي: الخالِقوه.

وقرأ العامَّةُ «تُمْنُوْن» بضمِّ التاء مِنْ أَمْنَى يُمْني. وابن عباس

ص: 214

ص: 215

وقرأ ابن كثير «قَدَرْنا» بتخفيفِ الدال. والباقون بالتشديد هنا، وهما لغتان بمعنىً واحدٍ في التقدير الذي هو القضاءُ.

ص: 215

قوله: {على أَن نُّبَدِّلَ} : يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ب «مَسْبوقين» وهو الظاهرُ، ولم يَسْبِقْنا أحدٌ على تبديلِنا أمثالَكم أي: يُعْجِزْنا يُقال: سبقَه على كذا أي: أَعْجَزه عنه وغَلَبه عليه. والثاني: أنه متعلِّقٌ بقوله: «قَدَّرنا» أي: قَدَّرْنا بينكم على أَنْ نُبَدِّلَ أي: نُمَوِّت طائفةً ونَخْلُقَها طائفةً أخرى، قال معناه الطبري. فعلى هذا يكون قولُه:{وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} معترضاً، وهو اعتراضٌ حسنٌ.

ويجوز في «أمثالَكم» وجهان، أحدهما: أنه جمعُ «مِثْل» بكسر الميم وسكون الثاء، أي: نحن قادرون على أن نُعدِمَكم ونَخْلُقَ قوماً

ص: 215

آخرين أمثالَكم، ويؤيِّده:«إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيها الناسُ ويَأْتِ بآخرين» والثاني: أنه جمع «مَثَل» بفتحتين، وهو الصفةُ أي: نُغَيِّرُ صفاتِكم التي أنتم عليها خَلْقاً وخُلُقاً، ونُنْشِئُكم في صفاتٍ غيرِها.

ص: 216

وتقدَّم قراءتا «النشأة» في العنكبوت.

ص: 216

قوله: {أَفَرَأَيْتُم} : وما بعده قد تَقَدَّم نظيرُه. وأُتي هنا بجواب «لو» مقروناً باللام وهو الأكثرُ؛ لأنه مُثْبَتٌ وحُذف في قولِه: «جَعَلْناه أُجاجاً» لأنَّ المِنَّةَ بالمأكولِ أعظمُ منها بالمشروب.

وقرأ طلحة «تَذْكُرُون» بسكون الذال وضمِّ الكاف.

ص: 216

قوله: {فَظَلْتُمْ} : هذه قراءةُ العامَّةِ أعني فتحَ الظاء مع لامِ واحدة. وقد تقدَّم الكلامُ عليها مستوفى في طه. وأبو حيوة وأبو بكرٍ في روايةٍ بكسرِ الظاء. وعبد الله والجحدريُّ «فظَلِلْتُمْ» على الأصل بلامَيْن، أُولاهما مكسورةٌ. ورُوي عن الجحدري فتحُها، وهي لغةٌ أيضاً.

والعامةُ «تَفَكَّهون» بالهاء، ومعناه: تَنْدَمون، وحقيقتُه: تُلْقُون الفُكاهةَ عن أَنْفسِكم، ولا تُلْقَى الفُكاهةُ إلَاّ من الخِزْيِ فهو من بابِ:

ص: 216

تَحَرَّج وتَأَثَّم وتَحَوَّب. وقيل: تَفَكَّهون: تَعْجَبون. وقيل: تَلاومون، وقيل: تَتَفَجَّعون، وهذا تفسيرٌ باللازم.

وقرأ أبو حرام العكلي «تَفَكَّنون» بالنون مثل تَتَنَدَّمون. قال ابن خالويه: «تَفَكَّهَ تَعَجَّب، وتَفَكَّن تندَّمَ» . وفي الحديث: «مَثَلُ العالِمِ مَثَلُ الحَمَّة يَأْتيها البُعَداء ويترُكها القُرَباء. فبيناهُمْ إذ غار ماؤها فانتفع بها قومٌ وبقي قومٌ يَتَفَكَّنون» أي: يَتَنَدَّمون.

ص: 217

قوله: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} : قرأ أبو بكر «أإنا» بالاستفهام وهو على أصلِه في تحقيقِ الهمزتَيْن وعَدَمِ إدْخال ألفٍ بينهما والباقون بالخبر. وقبلَ هذه الجملةِ قولٌ مقدرٌ على كلتا القراءتين. وذلك في محلِّ نصبٍ على الحالِ تقديرُه: فَظَلْتُم تَفَكَّهون قائلين أو تقولون: إنا لمُغْرَمون أي: لَمُلْزَمون غَرامةَ ما أَنْفَقْنا أو مُهْلَكون لهلاكِ رِزْقِنا، من الغَرام وهو الهلاكُ. قاله الزمخشري. ومن الغَرام بمعنى الهَلاك قولُه:

4218 -

إن يُعَذِّبْ يَكُنْ غَراماً وإنْ يُعْ

طِ جَزيلاً فإنَّه لا يُبالي

ص: 217

قوله: {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} : / قد تقدَّم عدمُ دخولِ اللامِ في جواب «لو» هذه. وقال الزمشخري: «فإن قلتَ: لِمَ أُُدخِلَتِ اللامُ في جواب» لو «في قوله: {لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} [الواقعة: 65] ونُزِعَتْ منه ههنا؟ قلت: إنَّ» لو «لمَّا كانَتْ داخلةً على جملتَيْن، مُعَلَّقةٍ ثانيتُهما بالأولى تعليقَ الجزاءِ بالشرط، ولم تكن مُخَلِّصةً للشرط ك» إنْ «ولا عاملةً مثلَها، وإنما سَرَى فيها معنى الشرطِ اتفاقاً، من حيث إفادتُها في مضومونَيْ جملَتَيْها أنَّ الثاني امتنع لامتناع الأولِ، افتقرَتْ في جوابِها إلى ما يَنْصَبُّ عَلَماً على هذا التعليقِ، فزِيْدَتْ هذه اللامُ لتكونَ عَلَماً على ذلك، فإذا حُذِفَتْ بعدما صارَتْ عَلَماً مشهوراً مكانُه فلأِنَّ الشيءَ إذا عُلِمَ وشُهِر مَوْقِعُه وصار مَأْلوفاً ومَأْنوساً به لم يُبالَ بإسقاطِه عن اللفظِ، استغناءً بمعرفةِ السامع. ألا ترى إلى ما يُحْكى عن رؤبةَ أنه كان يقول:» خير «لمَنْ يقولُ له: كيف أصبحْتَ؟ فَحَذَفَ الجارَّ لِعِلْمِ كلِّ أحدٍ بمكانِه وتَساوي حالَيْ إثباتِه وحَذْفِه لشُهْرةِ أَمْرِه. وناهِيك بقولَ أوس:

4219 -

حتى إذا الكَلَاّبُ قال لها

كاليومِ مَطْلوباً ولا طَلَبا

فحذفَ» لم أَرَ «حَذْفُها اختصارٌ لفظي، وهي ثابتةٌ في المعنى فاستوى الموضعان بلا فرقٍ بينهما. على أن تَقَدُّمَ ذِكْرِها والمسافةُ قصيرةٌ مُغْنٍ عن ذِكْرِها ثانيةً. ويجوزُ أَنْ يُقال: إنَّ هذه اللامَ مفيدةٌ معنى التوكيدِ لا مَحالةَ، فأُدْخِلَتْ في آيةِ المطعوم دونَ آيةِ المَشْروبِ، للدلالةِ على أنَّ

ص: 218

أَمْرَ المطعومِ مُقَدَّمٌ على أَمْرِ المشروبِ، وأنَّ الوعيدَ بفَقْدِهِ أشدُّ وأصعبُ من قِبَلِ أنَّ المشروبَ إنما يُحتاجُ إليه تَبَعاً للمطعوم، ألا ترى أنك إنما تَسْقي ضيفَك بعدما تُطْعِمُهُ، ولو عَكَسْتَ قَعَدْتَ تحت قولِ أبي العلاءِ:

4220 -

إذا سُقِيَتْ ضُيوفُ الناس مَحْضاً

سَقَوْا أضيافَهم شَبِماً زُلالا

وسُقِي بعضُ العربِ فقال: أنا لا أَشْرَبُ إلَاّ على ثميلة، ولهذا قُدِّمَتْ آيةُ المطعومِ على آيةِ المشروب» انتهى.

قال الشيخ: «وقد طوَّل الزمخشريُّ» فلم يَذْكُرْ هذا الكلامَ الحسنَ، ثم ذَكَر بعض كلامِه، وواخَذَه في قولِه:«إنَّ الثاني امتنع لامتناعِ الأول» وجعلها عبارةَ بعض ضعفاءِ المُعْرِبين، ثم ذكر عبارةَ سيبويه، وهي: حرفٌ لِما كان سيقعُ لوقوعِ غيرِه، وذكر أنَّ قولَ مَنْ قال:«امتناع لامتناع» فاسدٌ بقولك: لو كان هذا إنساناً لكان حيواناً، يعني أنه لا يَلْزَمُ مِن امتناع الإِنسانية امتناعُ الحيوانية. ومِثْلُ هذه الإِيراداتِ سهلةٌ وإذا تَبِعَ الرجلُ الناسَ في عبارتهم لا عليه. على أنها عبارةُ المتقدِّمين من النحاة، نَصَّ على ذلك غيرُ واحدٍ.

وقوله: {مِنَ المزن} : السحاب وهو اسم جنس واحدُه مُزْنة. قال الشاعر:

ص: 219

4221 -

فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها

ولا أرضَ أَبْقَلَ إبْقالَها

وقال الآخر:

4222 -

ونحن كماءِ المُزْنِ ما في نِصابِنا

كَهامٌ ولا فينا يُعَدُّ بخيلُ

ص: 220

قوله: {تُورُونَ} : مِنْ أَوْرَيْتُ الزَّنْدَ أي: قَدَحْتَه فاستخرجتَ نارَه، ووَرِي الزَّنْدُ يَرِي أي: خَرَجَتْ نارُه. وأصلُ تُوْرُوْن تُوْرِيُون.

ص: 220

قوله: {لِّلْمُقْوِينَ} : يُقال: أَقْوَى الرجلُ: إذا حلَّ في الأرض القِواءِ، وهي القَفْرُ، كأصْحَرَ: دَخَلَ في الصحراء. وأَقْوَتِ الدار: خَلَتْ، مِنْ ذلك لأنها تصير قَفْراً. قال النابغة:

4223 -

يا دارَميَّةَ بالعَلْياءِ فالسَّنَدِ

أَقْوَتْ وطال عليها سالفُ الأبَدِ

ص: 220

قوله: {فَلَا أُقْسِمُ} : قرأه العامَّةُ «فلا» ، لامَ ألفٍ، وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنها حرفُ نفي، وأنَّ المنفيَّ بها محذوفٌ، وهو كلامُ الكافرِ الجاحدِ تقديرُه: فلا حُجَّةَ لِما يقولُ الكافرُ، ثم ابتدأ قَسَماً بما ذَكَر، وإليه ذهب جماعةٌ من المفسِّرين والنَّحْويين. وضُعِّفَ هذا: بأنَّ

ص: 220

فيه حَذْفَ اسمِ «لا» وخبرِها. قال الشيخ: «ولا يجوز» ولا ينبغي؛ فإن القائلَ بذلكَ مثلُ سعيدِ بنِ جُبير تلميذِ حَبْر القرآنِ وبحرِه عبدِ اللَّهِ ابن عباس رضي الله عنهما، ويَبْعُدُ أَنْ يقولَه سعيدٌ إلَاّ بتوقيف.

الثاني: أنها زائدةٌ للتوكيدِ، مِثْلُها في قولِه تعالى:{لِّئَلَاّ يَعْلَمَ} [الحديد: 29] والتقدير: فأُقْسِمُ، وليَعْلَمَ، وكقولِه:

4224 -

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فلا وأَبي أعدائِها لا أَخُوْنُها

الثالث: أنَّها لامُ الابتداءِ. والأصلُ: فَلأُقْسِمُ فأُشْبِعَتْ الفتحةُ فتولَّد منها ألفٌ، كقولِه:

4225 -

أَعوذُ باللَّهِ من العَقْرابِ

قاله الشيخُ، واستشهدَ بقراءةِ هشام «أَفْئِيْدَة» . قلت. وهذا ضعيفٌ جداً، واستند أيضاً لقراءةِ الحسن وعيسى/ «فَلأُقْسِمُ» بلامٍ واحدةٍ. قلت: وفي هذه القراءةِ تخريجان أحدُهما: أنَّ اللامَ لامُ الابتداءِ،

ص: 221

وبعدَها مبتدأٌ محذوفٌ، والفعلُ خبرُه، فلمَّا حُذِفَ المبتدأُ اتصلَتْ اللامُ بخبرِه وتقديرُه: فلأَنا أٌقْسِمُ نحو: لَزيدٌ منطلقٌ، قاله الزمخشري وابن جني. والثاني: أنها لامُ القسمِ دخَلَتْ على الفعل الحالي. ويجوز أَنْ يكونَ القسم جواباً للقسمِ كقوله: {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا} [التوبة: 107] فنفسُ «ليَحْلِفُنَّ» قسمٌ جوابُه «إنْ أرَدْنَا» وهو جوابٌ لقسمٍ مقدرٍ، كذلك هذا، وهو قولُ الكوفيين: يُجيزون أَنْ يُقْسَم على فعلِ الحالِ. البصريُّون يَأْبَوْنه ويُخَرِّجون ما يُوهم ذلك على إضمار مبتدأ فيعود القسم على جملةٍ اسمية. ومنع الزمخشري أن تكونَ لامَ القسمِ قال: «لأمرَيْن، أحدهما: أنَّ حَقَّها أَنْ تُقْرَنَ بالنونِ المؤكدةِ، والإِخلالُ بها ضعيفٌ قبيحٌ. والثاني: أنَّ لأفعلنَّ في جواب القسم للاستقبالِ، وفعلُ القسمِ يجب أَنْ يكونَ للحال» وهذا كما تقدَّم أنه يرى مذهبَ البَصرْيين، ومعنى قولِه:«وفعلُ القَسَمِ يجبُ أنْ يكونَ للحال» يعني أنَّ فِعْلَ القسمِ إنشاءٌ والإِنشاءُ حالٌ. وإمَّا قولُه: «أَنْ يُقْرن بها النونُ» هذا مذهبُ البصريين. وأمَّا الكوفيون فيجيزون التعاقبَ بين اللام والنونِ نحو: واللَّهِ لأَضْرِبُ زيداً كقولِه:

4226 -

لَئِن تَكُ قد ضاقَتْ عليكم بيوتُكمْ

لَيَعْلَمُ ربِّي أنَّ بيتيَ واسعُ

وواللَّهِ اضربَنَّ زيداً كقولِه:

ص: 222

4227 -

وقتيلُ مُرَّةَ أَثْأَرَنَّ. . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقد تقدَّم قريبٌ من هذه الآية في قولِه تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ} [النساء: 65] ولكن هناك ما لا يُمْكن القولُ به هنا كما أنَّ هنا ما لا يمكن القولُ به هناك، وسيأتي قريبٌ منه في القيامةِ في قراءةِ ابن كثير {لأُقْسِمُ بيوم القيامة} [القيامة: 1] .

وقرأ العامَّة «بمواقِع» جمعاً، والأخَوان «بموقع» مفرداً بمعنى الجمع لأنَّه مصدرٌ فوُحِّدَ، ومواقعُها: مَساقِطُها ومَغارِبُها.

وقيل: سُقوطُها يوم تَنْكَدِرُ. وقيل: النجومُ للقرآن، ويؤيِّدُه «وإنَّه لَقَسَمٌ» ، و {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} والمُقْسَمُ عليه قولُه:{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} وعلى هذا فيكونُ في الكلام اعتراضان، أحدُهما: الاعتراضُ بقوله: «وإنه لَقَسَمٌ» بين القسمِ والمُقْسَم عليه، والثاني: الاعتراضُ بقولِه: «لو تعلمون» بين الصفةِ والموصوفِ. وأبى ابنُ عطية أَنْ يُجْعَلَ قولُه: «وإنَّه لَقَسَمٌ» اعتراضاً فقال: «وإنه لَقَسَمٌ» تأكيدٌ للأمرِ وتنبيهُ المُقْسَم به، وليس هذا باعتراضٍ بين الكلامَيْن،

ص: 223

بل هذا معنىً قُصِدَ التَّهَمُّمُ به، وإنما الاعتراضُ قولُه:«لو تعلمون» قلت: وكونُه تأكيداً ومُنَبِّهاً على تعظيمِ المُقْسَمِ به لا يُنافي الاعتراضَ بل هذا معنى الاعتراضِ وفائدتُه.

ص: 224

قوله: {لَاّ يَمَسُّهُ} : في «لا» هذه وجهان، أحدهما: أنها نافيةٌ فالضمةُ في «لا يَمَسُّه» ضمةُ إعرابٍ، وعلى هذا القولِ ففي الجملةِ وجهان، أحدهما: أنَّ محلَّها الجرُّ صفةً ل «كتاب» والمرادُ ب «كتاب» : إمَّا اللوحُ المحفوظُ، والمُطهَّرون حينئذٍ الملائكةُ أو المرادُ به المصاحف، والمرادُ بالمُطهَّرين المكلَّفون كلُّهم. والثاني: أن محلَّها الرفعُ صفةً لقرآنِ، والمرادُ بالمطهَّرينِ الملائكةُ فقط أي: لا يَطَّلع عليه أو لا يَمَسُّ لَوْحَه. لا بُدَّ من أحد هَذَيْن التجوُّزَيْن؛ لأن نسبةَ المسِّ إلى المعاني حقيقةً متعذَّرٌ. ويؤيِّد كونَ هذه نفياً قراءةُ عبد الله «ما يَمَسُّه» ب «ما» النافيةِ.

والثاني من الوجهين الأوَّلَيْن: أنها ناهيةٌ، والفعلُ بعدها مجزومٌ؛ لأنه لو فُكَّ عن الإِدغامِ لظهر ذلك فيه كقولِه:{لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء} [آل عمران: 174] ولكنه أَدْغم، ولَمَّا أُدْغِمَ حُرِّك آخرُه بالضمِّ لأجلِ هاء ضميرِ المذكرِ الغائبِ، ولم يَحْفَظْ سيبويه في نحوِ هذا إلَاّ الضمَّ. وفي الحديث: «إنَّا

ص: 224

لم نَرُدُّه عليك إلَاّ أننا حُرُمٌ» وإن كان القياسُ يَقْتضي جوازَ فَتْحِه تخفيفاً، وبهذا الذي ذكرْتُه يظهر فسادُ رَدِّ/ مَنْ رَدَّ: بأنَّ هذا لو كان نَهْياً لكان يُقال: «لا يَمَسَّه» بالفتح؛ لأنه خَفي عليه جوازُ ضَمِّ ما قبل الهاءِ في هذا النحوِ، لا سيما على رأيِ سيبويه فإنه لا يُجيز غيرَه. وقد ضَعَّفَ ابنُ عطية كونَه نهياً: بأنه إذا كان خبراً فهو في موضعِ الصفةِ، وقولُه بعد ذلك «تنْزيلٌ» صفةٌ فإذا جعلناه نَهْياً كان أجنبياً معترضاً بين الصفاتِ وذلك لا يَحْسُن في رَصْفِ الكلامِ فتدبَّرْه. وفي حرف ابن مسعود «ما يمسُّه» انتهى.

وليس فيما ذكرَه ضَعْفٌ لهذا القول؛ لأنَّا لا نُسَلِّم أنَّ «تنزيل» صفةٌ، بل هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو تنزيلٌ فلا يَلْزَم ما ذَكرَه من الاعتراضِ. ولَئِنْ سَلَّمْنَا أنه صفةٌ ف «لا يَمَسُّه» صفةٌ أيضاً، فيُعْترض علينا: بأنه طلبٌ. فيُجاب: بأنه على إضمارِ القولِ أي: مقولٌ فيه: لا يمسُّه، كما قالوا ذلك في قوله:«فتنةً لا تصيبَنَّ» على أنَّ «لا تصيبنَّ» نَهْيٌ وهو كقولِه:

4228 -

جاؤوا بمَذْقٍ هل رأيْتَ الذئبَ قطّ

وقد تقدَّم تحقيقُه في الأنفال، وهذه المسألةُ يتعلَّقُ بها خلافُ

ص: 225

العلماء في مَسِّ المُحْدِث المصحفَ، وهو مبنيٌّ على هذا، وسيأتي تحقيقُه بأشبعَ مِنْ هذا في كتاب «أحكام القرآن» إن شاء الله تعالى إتمامَه.

وقرأ العامَّةُ «المُطَهَّرون» بتخفيف الطاء وتشديد الهاء مفتوحةً اسمَ مفعول، وعن سلمان الفارسي كذلك، إلَاّ أنه بكسرِ الهاء اسمَ فاعلٍ أي: المُطَهِّرون أنفسَهم، فحذف مفعولَه. ونافع وأبو عمروٍ في رواية عنهما وعيسى بسكون الطاء وفتح الهاء خفيفة اسم مَفعول من أطهر. وزيد والحسن وعبد الله بن عون وسلمان أيضاً «المُطَّهِّرُوْن» بتشديدِ الطاءِ والهاءِ المكسورةِ، وأصلُه المتطهِّرون فأُدْغِم. وقد قُرىءَ بهذا الأصلِ أيضاً.

ص: 226

وقرِىء «تنزيلاً» بالنصب على أنه حال من النكرة. وجاز ذلك لتخصُّصِها بالصفةِ، أو أَنْ يكونَ مصدراً لعاملٍ مقدر أي: نُزِّل تنزيلاً، وغَلَب التنزيلُ على القرآن.

و «من رَبِّ» يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ به على الأول لا الثاني؛ لأن المؤكَّد لا يعملُ، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ له، وأمَّا على قراءةِ «تنزيل» بالرفعِ فيجوز الوجهان.

ص: 226

قوله: {أفبهذا} : متعلِّقٌ بالخبر، وجازَ تقديمُه على المبتدأ؛ لأنَّ عامله يجوزُ فيه ذلك. والأصل: أفأنتم مُدْهِنون بهذا الحديث وهو القرآنُ. ومعنى «مُدْهِنون» : مُتهاوِنون كمن يُدْهِنُ في الأمر أي: يُلَيِّنُ جانبَه ولا يتصلَّب فيه تهاوُناً به يقال: أَدْهَن فلانٌ أي: لايَنَ وهاوَدَ فيما لا يُحْمَلُ عند المُدْهَنِ. قال الشاعر:

4229 -

الحَزْمُ والقُوَّةُ خيرٌ من الْ

إدْهانِ والفَهَّةِ والهاعِ

وقال الراغب: «والإِدهانُ في الأصل مثلُ التدهين لكن جُعِل عبارةً عن المُداراة والمُلاينة وتَرْكِ الجدِّ، كما جُعِل التقريدُ وهو نَزْعُ القُراد، عبارةً عن ذلك» .

ص: 227

قوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه على التهكُّم بهم؛ لأنهم وَضَعوا الشيءَ غيرَ موضعِه كقولك: «شَتَمني حيث أَحْسَنْتُ إليه» أي: عَكَسَ قضيةَ الإِحسانِ ومنه:

4230 -

كأن شُكْرَ القَوْمِ عند المِنَنِ

كيُّ الصَحيحاتِ وفَقْءُ الأعينِ

أي: شُكْرَ رِزْقِكم تكذيبَكم، الثاني: أنَّ ثَمَّ مضافَيْنِ محذوفَيْنِ،

ص: 227

أي: بَدَل شُكْرِ رِزْقكم ليَصِحَّ المعنى قاله جمال الدين بن مالك، وقد تقدَّم لك في قولِه:{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} [النجم: 9] أكثرُ من هذا. الثالث: أنَّ الرِّزْقَ هو الشُّكْرُ في لغةِ أزدِ شنوءة: ما رَزَقَ فلانٌ فلاناً أي: ما شكره، فعلى هذا لا حَذْفَ البتةَ، ويُؤَيِّدُهُ قراءةُ علي بنِ أبي طالب وتلميذِه عبد الله بن عباس رضي الله عنهم «وتَجْعَلون شُكْرَكم» مكان «رِزْقَكم» .

وقرأ العامَّةُ «تُكَذِّبون» من التكذيب. وعلي رضي الله عنه وعاصمٌ في رواية المفضل عنه «تَكْذِبون» مخففاً من الكَذِب.

ص: 228

قوله: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم} : ترتيبُ الآيةِ/ الكريمة: فلولا تَرْجِعُونها أي النفسَ إذا بلغت الحلقومَ إن كنتم غيرَ مَدِيْنين. و «فلولا» الثانيةُ مكررةٌ للتوكيدِ. قاله الزمخشريُّ. قلت: فيكونُ التقدير: فلولا فلولا تَرْجِعونها، من باب التوكيد اللفظي، وتكون «إذا بَلَغَت» ظرفاً ل «تَرْجِعونها» مقدَّماً عليه؛ إذ لا مانعَ مِنْه، أي: فلولا تَرْجِعون النفسَ في وقتِ بُلوغها الحلقومَ. وقوله: {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} جملةٌ حالية مِنْ فاعل بَلَغَتْ، والتنوينُ في «حينئذٍ» عِوَضٌ من الجملة المضافِ إليها «إذا» ، أي: إذا بلغَتْ الحلقومَ خلافاً للأخفش حيث زعمَ أن التنوينَ للصَّرْفِ والكسرَ للإِعرابِ، وقد مضى تحقيقُه.

ص: 228

وقرأ العامَّةُ بفتحِ نونِ «حينئذٍ» لأنَّه منصوبٌ على الظرفِ ناصبُه «تَنْظُرون» وعيسى بكسرها، وهي مُشْكِلَةٌ لا تَبْعُدُ عن الغَلَطِ عيله، وخُرِّجَتْ على الإِتباع لحركة الهمزة، ولا غَرْوَ في ذلك فليسَتْ بأبعدَ من قراءةِ «الحمد للَّهِ» [الفاتحة: 1] بكسر الدال لتلازُمِ المتضايفَيْنِ ولكثرةِ دَوْرِهما على الخصوص.

ص: 229

قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ} : يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً أي: تَنْظُرون في هذه الحالِ التي تَخْفَى عليكم، وأن تكونَ مستأنفةً، فتكونَ اعتراضاً، والاستدراكُ ظاهرٌ. والبَصَرُ: يجوز أَنْ يكونَ من البصيرة، وأَنْ يكونَ من البَصَرِ أي: لا تَنْظُرون أعوانَ مَلَكِ الموتِ.

ص: 229

و {إِن كُنتُمْ} : شرطٌ جوابُه محذوفٌ عند البَصْريين لدلالةِ «فلولا» عليه أو مقدَّمٌ عند مَنْ يرى ذلك، كما تقدَّمَ تقريرُه. والحُلْقُوْمُ: مَجْرى الطعامِ. و «مَدِيْنين» أي: مَسُوسين، أو محاسَبين، أو مجازِين. وقد تقدَّم ذلك أولَ الفاتحة ولله الحمدُ. وهذا ما تلخص في الآية الكريمة محرَّراً. وقال أبو البقاء:«وتَرْجِعونها جوابُ» لولا «الأولى، وأغنى ذلك عن جوابِ الثانية وقيل عكسُ ذلك. وقيل: لولا الثانيةُ تكريرٌ» انتهى. وتسميةُ مثلِ هذا جواباً ليس بصحيح البتَة؛ لأنَّ هذه تحضيضيةٌ لا جوابَ لها، إنما الجوابُ للامتناعيةِ لوجودٍ نحو:{وَلَوْلَا فَضْلُ الله} [النساء: 83] .

ص: 229

وقال ابن عطية: «وقولُه:» تَرْجِعونها «سَدَّ مَسَدَّ الأجوبةِ والبياناتِ التي تَقْتَضيها التَّحْضيضاتُ، و» إذا «مِنْ قولِه:» فلولا إذا «و» إنْ «المكررة، وحَمَلَ بعضُ القولِ بعضاً إيجازاً» واقتضاباً «انتهى. فجعل» إذا «شرطيةً. وقولُه:» الأجوبة «يعني ل» إذا «ول» إنْ «ول» إنْ «في قولِه: {إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} ، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . والبياناتُ يعني الأفعالَ التي حَضَّض عليها، وهي عبارةٌ قَلِقَةٌ، ولذلك فَسَّرْتُها.

قال الشيخ:» وإذا ليسَتْ شرطاً؛ بل ظرفاً يعمل فيها «تَرْجعونها» المحذوفُ بعد «لولا» لدلالةِ «تَرْجِعونها» في التحضيض الثاني عليه، فجاء التحضيضُ الأولُ مقيَّداً بوقتِ بلوغِ الحُلْقومِ. وجاء التحضيضُ الثاني مُعَلَّقاً على انتفاء مَرْبُوْبيَّتهم وهم لا يَقْدرون على رَجْعِها إذ مَرْبُوبِيَّتُهم موجودةٌ، فهم مقْهورون لا قُدْرَةَ لهم «انتهى. فجعل» تَرْجِعونها «المذكورَ ل» لولا «الثانية، وهو دالٌّ على محذوفٍ بعد الأولى، وهو أحد الأقوالِ التي نَقَلها أبو البقاء فيما تقدم.

ص: 230

قوله: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} : شرطٌ آخرُ، وليس هذا من اعتراضِ الشرطِ على الشرطِ نحو:«إنْ ركبتِ إنْ لَبِسْتِ فأنتِ طالق» حتى يجيءَ فيه ما قَدَّمْتُه في هذه المسألةِ؛ لأنَّ المرادَ هنا: إنْ وُجِد الشرطان كيف كانا فهلا رَجَعْتُمْ بنفِس الميتِ.

قوله: {فَأَمَّآ إِن كَانَ} قد تقدَّم الكلامُ في «إمَّا» في أولِ هذا

ص: 230

الموضوعِ مستوفىً ولله الحمدُ. وهنا أمرٌ زائدٌ وهو وقوعُ شرطٍ آخرَ بعدها. واختلف النحاةُ في الجوابِ المذكورِ بعدها: هل هو ل «أمَّا» أو ل «إنْ» ، وجوابُ الأخرى محذوفٌ لدلالةِ المنطوقِ عليه، أو الجوابُ لهما معاً؟ ثلاثةُ أقوالٍ، الأولُ لسيبويه والثاني للفارسيِّ في أحدِ قولَيْه، وله قولٌ آخرُ كسيبويهِ، والثالث للأخفش، وهذا كما تقدَّم في الجوابِ بعد الشرطَيْن المتواردَيْن. وقال مكي:«ومعنى» أمَّا «عند أبي إسحاقَ الخروجُ مِنْ شيءٍ إلى شيءٍ، أي: دَعْ ما كُنَّا فيه وخُذْ في غيره» . قلت: وعلى هذا فيكونُ الجوابُ ل «إنْ» فقط لأنَّ «أمَّا» ليسَتْ شرطاً. ورجَّح بعضُهم أنَّ الجوابَ ل «أمَّا» ؛ لأنَّ «إنْ» كَثُرَ حَذْفُ جوابِها/ منفردةً، فادِّعاءُ ذلك مع شرطٍ آخرَ أَوْلَى. والضميرُ في «كان» و «كان» للمتوفَّى لدلالةِ قولِه:«فلولا تَرْجِعُونَها» .

ص: 231

والرَّوْحُ: الاستراحةُ، وقد تقدَّم ذلك في يوسف. وقرأ ابن عباس وعائشة والحسن وقتادة في جماعةٍ كثيرة بضمِّ الراءِ، وتُرْوَى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال الحسن: الرَّوْحُ: الرحمةُ؛ لأنها كالحياة للمرحومِ. وعنه أيضاً: رُوْحُه تَخْرُج في رَيْحان. وقد تقدَّم

ص: 231

الكلامُ على {رَيْحَانٌ} والخلافُ فيه وكيفيةُ تصريفِه في السورةِ قبلها.

و [قوله] : {فَرَوْحٌ} مبتدأٌ، خبرُه مقدَّر قبلَه أي: فله رَوْحٌ. ويجوزُ أَنْ يُقَدَّر بعدَه لاعتمادِه على فاءِ الجزاءِ.

ص: 232

قوله: {فَسَلَامٌ لَّكَ} : مبتدأٌ وخبرٌ. و «مِنْ أصحاب» . قال الزمخشري: «فسلامٌ لك يا صاحبَ اليمين من إخوانك إصحابِ اليمينِ، أي: يُسَلِّمون عليك» . وقال ابن جرير: «معناه فسلامٌ لكَ أنت مِنْ أصحابِ» . وهذا يَحْتمل أَنْ يكونَ كقولِ الزمخشريِّ، ويكونَ «أنت» تأكيداً للكافِ في «لك» ، ويَحْتمل أَنْ يكونَ أراد أنَّ «أنت» مبتدأٌ و «من أصحابِ» خبرُه، ويؤيِّدُ هذا ما حكاه قومٌ مِنْ أنَّ المعنى: فيُقال لهم: سلامٌ لك إنَّك من أصحاب اليمين. وأولُ هذه الأقوالِ هو الواضحُ البيِّن؛ ولذلك لم يُعرِّجْ أبو القاسمِ على غيرِه.

ص: 232

قوله: {وَتَصْلِيَةُ} : عطفٌ على «فُنُزُل» أي: فله نُزُلٌ وتَصْلِيَةٌ. وقرأ أبو عمروٍ في روايةِ اللُّؤْلؤي عنه وأحمد بن موسى والمنقري بجرِّ التاءِ عَطْفاً على «مِنْ حميمٍ» .

ص: 232

قوله: {حَقُّ اليقين} : فيه وجهان، أحدهما: هو من إضافةِ الموصوفِ لصفتِه. والثاني: أنه من باب إضافةِ المترادَفَيْن على سبيل المبالغةِ. وسهَّلَ ذلك تخالُفُ لفظِهما. وإذا كانوا فعلوا ذلك في

ص: 232

اللفظِ الواحدِ فقالوا: صوابُ الصوابِ، ونفس النفس، مبالغةً فَلأَنْ يَفْعلوه عند اختلافِ اللفظِ أَوْلَى.

ص: 233

قوله: {باسم رَبِّكَ} : يجوزُ أَنْ تكونَ الباءُ للحال أي: فسَبِّحْ مُلْتَبِساً باسمِ ربك على سبيلِ التبرُّكِ كقوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: 30] ، وأَنْ تكونَ للتعديةِ، على أنَّ «سَبَّح» يتعدَّى بنفسه تارةً كقولِه:{سَبِّحِ اسم رَبِّكَ} [الأعلى: 1] وبحرفِ الجرِّ تارةً كهذه الآيةِ، وادعاءُ زيادتها خلافُ الأصلِ.

و «العظيم» يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً للاسم، وأَنْ يكونَ لربك؛ لأنَّ كلاً منهما مجرورٌ. وقد وُصِفَ كلٌّ منهما في قوله:«تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذُو الجلال» [الرحمن: 78] و {ذي الجلال} . ولتغايُرِ المتضايفَيْن في الإِعراب ظهر الفرقُ في الوصف.

ص: 233

قوله: {للَّهِ} : يجوزُ في هذه اللامِ وجهان، أحدهما: أنها مزيدةٌ كهي في «نَصَحْتُ لزيدٍ» و «شكرْتُ له» إذ يقال: سَبَّحْت الله تعالى. قال تعالى: {وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] . والثاني: أَنْ تكونَ للتعليلِ، أي: أَحْدَثَ التسبيحَ لأجلِ الله تعالى.

ص: 235

قوله: {لَهُ مُلْكُ} : جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعرابِ.

قوله: {يُحْيِي وَيُمِيتُ} يجوزُ في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها لا مَحَلَّ لها كالتي قبلها. والثاني: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هو له مُلك. والثالث: أنها حالٌ من الضمير في «له» فالعامل فيها الاستقرارُ، ولم يُذْكَرْ مفعولا الإِحياءِ والإِماتةِ؛ إذ الغَرَضُ ذِكْرُ الفعلَيْنِ فقط.

ص: 235

قوله: {هُوَ الأول والآخر} : قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما معنى الواوِ؟ قلت: الواوُ الأولى معناها الدلالةُ على أنه الجامعُ بين الصفَتَيْن الأوَّليَّةِ والآخِريَّةِ، والثالثةُ على أنه الجامعُ بين

ص: 235

الظهورِ والخَفاءِ، وأمَّا الوُسْطى فعلى أنه الجامعُ بين مجموع الصفَتَيْن الأُوْلَيَيْن ومجموعِ الصفَتَيْن الأُخْرَيين» .

ص: 236

قوله: {تُرْجَعُ الأمور} : قد تقدَّم في البقرة أن الأخَوَين وابنَ عامر يقرؤون بفتح التاء وكسر الجيم مبنياً للفاعل، والباقون مبنياً للمفعول في جميع القرآن. وقال الشيخ هنا:«وقرأ الجمهور» تُرْجَعُ «مبنياً للمفعول. والحسن وابن أبي إسحاق والأعرج مبنياً للفاعل» وهذا عجيبٌ منه، وقد وقع له مِثْلُ ذلك كما نَبَّهْتُ عليه. /

وقوله: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ} قد تقدَّم مثلُه في سورة سبأ.

ص: 236

قوله: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ} : مبتدأ وخبرٌ، وحالٌ، أي: أيُّ شيءٍ استقر لكم غيرَ مؤمنين؟

وقوله: {والرسول يَدْعُوكُمْ} جملةٌ حاليةٌ من «يُؤمِنون» . قال الزمخشري: «فهما حالان متداخلان و» لِتُؤْمنوا «متعلِّقٌ ب» يَدْعو «أي: يدعوكم للإِيمان كقولك: دَعَوْتُه لكذا. ويجوزُ أَنْ تكونَ اللامُ للعلةِ، أي: يدعوكم إلى الجنةِ وغفرانِ اللهِ لأجلِ الإِيمانِ. وفيه بُعْدٌ.

قوله: {وَقَدْ أَخَذَ} حالٌ أيضاً. وقرأ العامَّةُ» أَخَذَ «مبنياً للفاعلِ،

ص: 236

وهو اللهُ تعالى لتقدُّم ذِكْرِه. وأبو عمرو» أُخِذ «مبنياً للمفعول، حُذِفَ الفاعلُ للعِلْم به. و» ميثاقَكم «منصوبٌ في قراءة العامةِ، مرفوعٌ في قراءة أبي عمروٍ. و» إنْ كنتم «جوابُه محذوفٌ تقديرُه: فما يَمْنَعُكم من الإِيمانِ. وقيل: تقديرُه: إنْ كنتم مؤمنين لموجِبٍ ما، فهذا هو الموجِبُ. وقدَّره ابنُ عطية:» إنْ كنتم مؤمنين فأنتم في رتبةٍ شريفةٍ. وقد تقدَّمَتْ قراءتا «يُنَزَّل» تخفيفاً وتشديداً في البقرة. وزيد بن علي «أَنْزَل» ماضياً.

ص: 237

قوله: {أَلَاّ تُنفِقُواْ} كقوله {وَمَا لَنَآ أَلَاّ نُقَاتِلَ} [البقرة: 246] فالأصلُ: في أن لا تُنْفِقُوا، فلمَّا حُذِف حرفُ الجرِّ جَرى الخلافُ المشهورُ. وأبو الحسن يرى زيادتَها كما تقدَّم تقريرُه في البقرة.

قوله: {وَللَّهِ مِيرَاثُ} جملةٌ حاليةٌ مِنْ فاعل الاستقرار ومفعولِه، أي: وأيُّ شيءٍ يمنعُكم من الإِنفاقِ في سبيلِ اللهِ والحالُ أنَّ ميراثَ السماواتِ والأرضِ له، فهذه حالٌ منافيةٌ لبُخْلِكم.

قوله: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَق} في فاعل «يَسْتوي» وجهان،

ص: 237

أظهرُهما: أنه مِنْ أَنْفَق، وعلى هذا فلا بُدَّ مِنْ حذفِ معطوفٍ يتمُّ به الكلامُ، فقدَّره الزمخشري:«لا يَسْتوي منكم مَنْ أنفقَ قبلَ فتحِ مكةَ وقوةِ الإِسلام ومَنْ أنفق مِنْ بعدِ الفتح، فَحَذَفَ لوضوحِ الدلالة» وقَدَّره أبو البقاء «ومَنْ لم يُنْفِق» قال: «ودلَّ على المحذوفِ قولُه: {مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح} والأول أحسنُ لأنَّ السِّيَاقَ إنما جيء بالآية ليُفرِّق بين المُنْفِقين في زمانَيْنِ. والثاني: أنَّ فاعلَه ضميرٌ يعود على الإِنفاقِ، أي: لا يَسْتوي جنسُ الإِنفاقِ إذ منه ما وَقَعَ قبل الفتح، ومنه ما وَقَعَ بعدَه، فهذان النوعان متفاوتان. وعلى هذا فتكون» مَنْ «مبتدأ و» أولئك «مبتدأٌ ثانٍ و» أَعظَمُ «خبرُه، والجملةُ خبرُ» مَنْ «وهذا ينبغي أن لا يجوزَ البتةَ، وكأنَّ هذا المُعْرِبَ غَفَل عن قولِه:» منكم «ولو أعربَ هذا القائلُ» منكم «خبراً مقدماً، و» مَنْ «مبتدأ مؤخراً. والتقدير: مِنْكم مَنْ أنفق من قبلِ الفتحِ، ومنكم مَنْ لم يُنْفِقْ قبلَه ولم يقاتِلْ، وحُذِف هذا لدلالةِ الكلامِ عليه لكان سديداً، ولكنه سها عن لفظةِ» منكم «.

قوله: {وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} قراءةُ العامَّةِ بالنصبِ على أنه مفعولُ مقدمٌ، وهي مرسومةٌ في مصاحفِهم» وكلاً «بألفٍ، وابنُ عامر برفعِه، وفيه وجهان، أظهرُهما: أنه ارتفعَ على الابتداءِ، والجملة بعدَه خبرٌ، والعائدُ محذوفٌ، أي: وعده اللهُ. ومثلُه:

ص: 238

4231 -

قد أصبحَتْ أمُّ الخِيار تَدَّعِي

عليَّ ذَنْباً كلُّه لم أَصْنَعِ

برفع» كلُّه «، أي: لم أَصْنَعْه. والبصريُّون لا يُجيزون هذا إلَاّ في شعرٍ كقولِه:

4232 -

وخالِدٌ يَحْمَدُ ساداتُنا

بالحقِّ لا يُحْمَدُ بالباطلِ

وقد نقل ابن مالك الإِجماعَ من البصريين والكوفيين على جواز ذلك إنْ كان المبتدأ» كلاً «أو ما أشبهَها في الافتقار والعمومِ، وهذا لم أَرَه لغيره. وقد تقدَّم نحوٌ مِنْ ذلك في سورة المائدةِ عند قولِه: {أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ} [المائدة: 50] ولم يُرْوَ قولُه:» كلُّه لم أصنَع «إلَاّ بالرفعِ مع إمكانِ أَنْ ينصبَه فيقول:» كلَّه لم أصنعِ «مفعولاً مقدَّماً. قال أهل البيان: لأنه قصد عمومَ السلبِ لا سَلْبَ العمومِ، فإن الأولَ أبلغُ، وجعلوا من ذلك قولَه عليه السلام:

«كل ذلك لم يكنْ» ولو قال: «لم يكن كلُّ ذلك» لكان سَلْباً للعُموم، والمقصودُ عمومُ السَّلْب.

والثاني: أن يكونَ «كل» خبَر مبتدأ محذوفٍ، و {وَعَدَ الله الحسنى} صفةٌ لما قبله، والعائدُ محذوف، أي: وأولئك كلٌّ وعدَه اللهُ الحسنى. فإن قيل: الحذفُ موجودٌ أيضاً وقد عُدْتم لِما فرَرْتُمْ منه. فالجوابُ: أنَّ

ص: 239

حَذْفَ العائدِ من الصفة كثيرٌ بخلاف حَذْفِه من الخبرِ. ومِنْ حَذْفِه من الصفة قولُه:

4233 -

وما أَدْري أغَيَّرهم تَناءٍ

وطولُ العَهْدِ أم مالٌ أصابوا

أي أصابوه، ومثله كثيرٌ. وهي في مصاحفِ الشامِ مرسومةٌ «وكلٌّ» بدون ألف، فقد وافق كلٌّ مصحفَه. و «الحُسْنى» مفعولٌ ثانٍ، والأولُ محذوفٌ على قراءةِ الرفعِ، وأمَّا النصبُ فالأولُ مقدَّمٌ/ على عامِله.

ص: 240

قوله: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ} : قد تقدَّم بحمدِ الله هذا وما بعده مستوفىً، واختلافُ القرَّاءِ فيه في سورةِ البقرة. وقال ابن عطية هنا:«الرفعُ على العطفِ أو القطعِ والاستئنافِ» . وقرأ عاصم «فيضاعِفَه» بالنصب بالفاء على جواب الاستفهام. وفي ذلك قَلَقٌ، قال أبو علي:«لأنَّ السؤالَ لم يقَعْ عن القَرْضِ، وإنما وقع عن فاعلِ القَرْضِ، وإنما تَنْصِبُ الفاءُ فعلاً مردوداً على فعلِ مُسْتَفْهَمٍ عنه، لكن هذه الفِرْقَةَ حَمَلَتْ ذلك على المعنى، كأنَّ قولَه {مَّن ذَا الذي يُقْرِض} بمنزلةِ قولِه أيقرِضُ اللَّهَ أحدٌ» انتهى. وهذا الذي قالَه أبو علي ممنوعٌ، ألا ترى أنه يُنْصَبُ بعد الفاءِ في جواب الاستفهام بالأسماءِ، وإن لم يتقدَّم فعلٌ

ص: 240

نحو: «أين بيتُك فأزورَك» ومثلُ ذلك: «مَنْ يَدْعوني فأستجيبَ له» و «متى تسير فأرافِقك» و «كيف تكونُ فأصْحَبَكَ» فالاستفهام إنما وقع عن ذاتِ الداعي وعن ظرفِ الزمان وعن الحال، لا عن الفعل. وقد حكى ابنُ كيسانُ عن العرب: أين ذَهَبَ زيدٌ فَنَتْبَعَه، ومَنْ أبوك فنُكْرِمَه.

ص: 241

قوله: {يَوْمَ تَرَى} : فيه أوجهٌ، أحدها: أنه معمولٌ للاستقرار العاملِ في «لهم أجرٌ» ، أي: استقرَّ لهم أجرٌ في ذلك اليوم. الثاني: أنه مضمرٌ، أي: اذكرْ فيكون مفعولاً به. الثالث: أنه يُؤْجَرون يومَ ترى فهو ظرفٌ على أصلِه. الرابع: أنَّ العاملَ فيه «يَسْعى» ، أي: يَسْعى نورُ المؤمنين والمؤمناتِ يومَ تراهم، هذا أصلُه. الخامس: أنَّ العاملَ فيه «فيضاعفَه» قالهما أبو البقاء.

قوله: {يسعى} حالٌ، لأنَّ الرؤيةَ بَصَرِيَّة، وهذا إذا لم يَجْعَلْه عامِلاً في «يوم» و «بين أيديهم» ظرفٌ للسَّعْي، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ «نورُهم» .

قوله: {وَبِأَيْمَانِهِم} ، أي: وفي جهةِ أيمانهم. وهذه قراءةُ العامَّةِ أعني بفتح الهمزةِ جمع يَمين. وقيل: الباءُ بمعنى «عن» ، أي: عن جميعِ جهاتِهم، وإنما خَصَّ الأَيمانَ لأنها أشرفُ الجهاتِ. وقرأ أبو حيوة وسهلُ بن شعيب بكسرِها. وهذا المصدرُ معطوفٌ على الظرفِ قبلَه.

ص: 241

والباءُ سببيةٌ، أي: يسعى كائناً وكائناً بسبب إيمانهم. وقال أبو البقاء تقديرُه: وبإيمانِهم استحقُّوه، أو بإيمانهم يُقال لهم: بُشْراكم.

قوله: {بُشْرَاكُمُ} مبتدأٌ، و «اليومَ» ظرفٌ. و «جناتٌ» خبرهُ على حذفِ مضافٍ، أي: دخولُ جناتٍ. وهذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ بقولٍ مقدر، وهو العاملُ في الظرفِ كما تقدَّم. وقال مكي:«وأجاز الفراءُ نصبَ» جنات «على الحال ويكون» اليومَ «خبرَ» بُشْراكم «قال: وكونُ» جنات «حالاً لا معنى له؛ إذ ليس فيها معنى فِعْل. وأجاز أَنْ يكونَ» بُشْراكم «في موضع نصبٍ على: يُبَشِّرونهم بالبُشرى، وتُنْصَبُ» جنات «بالبُشْرى. وكلُّه بعيدٌ لأنه لا يُفْصَلُ بين الصلةِ والموصولِ باليوم» انتهى. وعجيبٌ من الفراء كيف يَصْدُرُ عنه ما لا يُتَعَقَّل، ولا يجوزُ صناعةً، كيف تكون «جنات» حالاً وماذا صاحبُ الحال؟ .

ص: 242

قبلَ أَخْذِ متعلَّقاته فلا يجوزُ إعمالُه، فلو أُعْمِل وصفُه لجاز، أي: الذي عَظُمَ قَدْرُه يومَ» . قلت: وهذا الذي قاله ابنُ عطية صَرَّح به مكي فقال: «ويومَ ظرفٌ العاملُ فيه ذلك الفوزُ، أو هو بدلٌ من» اليوم «الأول» .

قوله: {خَالِدِينَ} [الحديد: 12] نصبٌ على الحالِ العاملُ فيها المضافُ المحذوف إذ التقديرُ: بُشْراكم دخولُكم جناتٍ خالدين فيها، فحذف الفاعلَ وهو ضميرُ المخاطبِ، وأُضيف المصدرُ لمفعولِه فصار: دخولُ جنات، ثم حُذِف المضافُ وقام المضافُ إليه مَقَامَه في الإِعراب، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ «بُشْراكم» هو العاملَ فيها؛ لأنه مصدرٌ قد أُخْبر عنه قبل ذِكْرِ متعلَّقاتِه، فيلزَمُ الفصلُ بأجنبي. وظاهرُ كلامِ مكي أنه عاملٌ في الحالِ فإنَّه قال:«خالدين نصبٌ على الحالِ من الكاف والميم» والعاملُ في الحالِ هو العاملُ في صاحِبها فَلَزِمَ أَنْ يكونَ «بُشْراكم» هو العاملَ، وفيه ما تقدَّمَ من الفصلِ بينَ المصدرِ ومعمولِه.

قوله: {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} اللامُ للتبليغ. و «انْظُرونا» قراءةُ العامَّةِ «انظرونا» أَمْراً من النظر. وحمزة «أَنْظِرونا» بقطع الهمزة وكَسْر الظاء من الإِنْظار بمعنى الانتظار، أي: انتظرونا لِنَلْحَقَ بكم فنستضيْءَ بنورِكم. والقراءةُ الأولى يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى هذه إذ يقال: نَظَره بمعنى انتظره، وذلك أنه يُسْرَعُ بالخُلَّصِ إلى الجنَّة على نُجُبٍ، فيقول المنافقون:

ص: 243

انتظرونا لأنَّا مُشاة لا نَسْتطيع لُحوقَكم. ويجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ النظر وهو الإِبصارُ لأنَّهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوهِهم فيضيءُ لهم المكانُ، وهذا أليقُ بقولِه {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} قال معناه الزمخشري. إلَاّ أنَّ الشيخ قال: إنَّ النظرَ بمعنى الإِبْصار لا يتعدَّى بنفسِه إلَاّ في الشعر، إنما يتعدَّى بنفسِه إلَاّ في الشعر، إنما يتعدَّى ب «إلى» /.

قوله: {وَرَآءَكُمْ} فيه وجان، أظهرُهما: أنه منصوبٌ ب ارْجِعوا على معنى: ارْجِعوا إلى الموقفِ، إلى حيث أُعطِينا هذا النورَ فالتمِسوه هناك ممَّنْ نقتبس، أو ارْجِعوا إلى الدنيا فالتمِسوا نوراً بتحصيلِ سببِه وهو الإِيمانُ، أو فارْجِعوا خائبين وتَنَحَّوْا عنا فالتمسُوا نوراً آخرَ، فلا سبيلَ لكم إلى هذا النورِ. والثاني: أنَّ «وراءكم» اسمٌ للفعلِ فيه ضميرُ فاعلٍ، أي: ارْجِعوا ارْجعوا، قاله أبو البقاء، ومنع أَنْ يكونَ ظَرْفاً ل ارْجِعوا قال: لقلةِ فائدتِه لأنَّ الرجوعَ لا يكونُ إلَاّ إلى وراء.

وهذا فاسدٌ؛ لأنَّ الفائدةَ جليلةٌ كما تقدَّم شَرْحُها.

قوله: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} العامَّةُ على بنائِه للمفعول. والقائمُ مَقامَ الفاعلِ يجوزُ أَنْ يكونَ «بسورٍ» وهو الظاهرُ، وأَنْ يكونَ الظرفَ. وقال مكي:«الباءُ مزيدةٌ، أي: ضُرِب سورٌ» ثم قال: «والباءُ متعلِّقةٌ

ص: 244

بالمصدر، أي: ضرباً بسُور» وهذا متناقضٌ، إلَاّ أَنْ يكونَ قد غُلِط عليه من النُّسَّاخ، والأصل «أو الباءُ متعلقةٌ بالمصدر» ، والقائمُ مقامَ الفاعلِ الظرفُ. وعلى الجملةِ هو ضعيفٌ.

والسُّور: البناءُ المحيطُ. وتقدَّمَ اشتقاقُه أولَ البقرةِ.

قوله: {لَّهُ بَابٌ} مبتدأ وخبرٌ في موضع جرٍّ صفةً ل سُوْر.

قوله: {بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة} هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ في موضعِ جرٍّ صفةً ثانيةً ل «سُوْر» ، ويجوز أن تكونَ في موضع رفعٍ صفةً ل «بابٌ» ، وهو أَوْلَى لقُرْبِه. والضميرُ إنما يعود على الأَقْرب إلَاّ بقرينةٍ.

وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير «فَضَرَبَ» مبنياً للفاعل وهو اللهُ أو المَلَكَ.

ص: 245

قوله: {يُنَادُونَهُمْ} : يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ في «بَيْنهم» قاله أبو البقاء، وهو ضعيفٌ لمجيءِ الحالِ من المضافِ إليه في غيرِ المواضعِ المستثناةِ، وأَنْ تكونَ مستأنفةً، وهو الظاهرُ.

قوله: {أَلَمْ نَكُن} يجوزُ أَنْ يكونَ تفسيراً للنداءِ، وأَنْ يكونَ منصوباً بقولٍ مقدرٍ.

قوله: {الغرور} قراءةُ العامَّة بفتح الغَيْن، وهو صفةٌ على فَعول،

ص: 245

والمرادُ به الشيطانُ. وقرأ سماك بن حرب «الغُرور» بالضم، وهو مصدرٌ، وتقدَّم نظيرُه.

ص: 246

قوله: {فاليوم} : منصوبٌ ب «يُؤْخَذُ» . ولا يُبالَى ب «لا» النافيةِ، وهو قولُ الجمهورِ. وقد تقدَّم أولَ هذا الموضوعَ أخرَ الفاتحةِ أنَّ فيها ثلاثةَ أقوالٍ. وقرأ ابن عامر «تُؤْخَذُ» بالتأنيثِ للفظِ الفِدْية. والباقون بالياء مِنْ تحت؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ وللفَصْلِ.

قوله: {هِيَ مَوْلَاكُمْ} يجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً، أي: ولايتكم، أي: ذاتُ وِلايتكم. وأَنْ يكونَ مكاناً، أي: مكانَ ولايتكم، وأَنْ يكونَ بمعنى أَوْلَى بكم، كقولك: هو مَوْلاه. وبئس المصيرُ، أي: هي.

ص: 246

قوله: {أَن تَخْشَعَ} : فاعلُ «يَأْنِ» ، أي: ألم يَقْرُبْ خشوعُ قلوبِهم. واللامُ قال أبو البقاء: «للتبيين» فعلى هذا تتعلَّق بمحذوفٍ، أي: أَعْني الذينَ، ولا حاجةَ إليه. والعامة «أَلَمْ» . والحسن وأبو السَّمَّال «ألَمَّا» وقد عَرَفْتَ الفرقَ بين الحرفين ممَّا تقدَّم. والعامَّةُ أيضاً «يَأْنِ» مضارعَ أنَى، أي: حان وقَرُبَ مثل: رمى يَرْمي. والحسن «يَئِنْ» مضارع آن بمعنى حانَ أيضاً مثل: باع يبيع.

ص: 246

قوله: {وَمَا نَزَلَ} قرأ نافع وحفص «نَزَل» مخففاً مبنياً للفاعلِ. وباقي السبعةِ كذلك إلَاّ أنه مشدَّدٌ. والجحدري وأبو جعفر والأعمش وأبو عمروٍ في روايةٍ «نُزِّلَ» مشدَّداً مبنياً للمفعولِ. وعبد الله «أَنْزَل» مبنياً للفاعلِ هو الله تعالى. و «ما» في «ما نَزَلَ» مخففاً يتعيَّنُ أَنْ تكونَ اسميةً. ولا يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً؛ لئلا يَخْلو الفعلُ من الفاعل، وما عداها يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً، وأَنْ تكونَ بمعنى الذي. فإن قلتَ: وقراءةُ الجحدريِّ ومَنْ معه ينبغي أَنْ تكونَ فيها اسميةً، لئلا يخلوَ الفعلُ مِنْ مرفوعٍ. فالجواب: أنَّ الجارَّ وهو قولُه «من الحق» يقوم مَقامَ الفاعل.

والعامَّةُ على الغيبة في «ولا يَكونوا» جَرْياً على ما تقدَّم. وأبو حيوة وابنُ أبي عبلة بالتاء مِنْ فوقُ على سبيل الالتفات. ثم هذا يُحْتمل أَنْ يكونَ منصوباً عطفاً على «تَخْشَعَ» كما في قراءةِ الغَيْبة وأَنْ يكونَ نهياً، فتكونَ «لا» ناهيةً والفعلُ مجزومٌ بها. ويجوزُ أَنْ يكونَ نهياً في قراءة الغَيْبة أيضاً، ويكونُ ذلك انتقالاً إلى نهيِ أولئك المؤمنين عن كونِهم مُشْبِهين لمَنْ تَقَدَّمهم نحو: لا يَقُمْ زيدٌ.

قوله: {الأمد} العامَّةُ على تخفيف الدال بمعنى العامَّة كقولك: أَمَدُ فلانٍ، أي: غايتُه. وابن كثير في روايةٍ بتشديدِها وهو الزمنُ الطويلُ.

ص: 247

قوله: {المصدقين والمصدقات} : خَفَّفَ الصاد

ص: 247

منها ابنُ كثير وأبو بكر، وثَقَّلها باقي السبعة. فقراءةُ ابنِ كثيرٍ من التصديق، أي: صَدَّقوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به كقولِه تعالى: {والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33]، وقراءةُ الباقين من الصدقة وهو مناسِبٌ لقولِه «وأَقْرَضوا» والأصل: المُتَصَدِّقين والمتُصدِّقات فَأَدْغَمَ، وبها قرأ أُبَيٌ. وقد يُرَجَّحُ الأولُ. بأنَّ الإِقراضَ مُغْنٍ عن ذِكْرِ الصدقة.

قوله {وَأَقْرَضُواْ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه معطوفٌ على اسم الفاعلِ في «المُصَّدِّقين» لأنَّه لمَّا وقع صلةً لأل حَلَّ مَحَلَّ الفعلِ، فكَأنَّه قيل: إن الذين صَدَّقوا وأَقْرضوا، وعليه جمهورُ المُعربين. وإليه ذهب الفارِسيُّ والزمخشري وأبو البقاء. وهو فاسدٌ لأنه يَلْزَمُ الفصلُ بين أَبْعاضِ الصلة بأجنبي. ألا ترى أنَّ «المُصَّدِّقات» عطفٌ على «المصَّدِّقين» قبل تمام الصلةِ، ولا يجوز أن يكونَ عطفاً على المُصَّدِّقاتِ لتغايُرِ الضمائرِ تذكيراً وتأنيثاً.

الثاني: أنه معترضٌ بين اسم «إنَّّ» وخبرها وهو «يُضاعَفُ» . قال أبو البقاء: «وإنما قيل ذلك لئلَاّ يُعْطفَ الماضي على اسم الفاعل» ولا أَدْري ما هذا المانعُ؟ لأنَّ اسمَ الفاعلِ متى وقع صلةً لأل صَلَحَ للأزمنةِ الثلاثة، ولو مَنَع بما ذكَرْتُه من الفصلِ بالأجنبي لأصابَ، ولكن خَفي عليه كما خَفي على مَنْ هو أكبرُ منه: الفارسيُّ والزمخشريُّ.

ص: 248

الثالث: أنه صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ لدلالةِ الأول عليه كأنه قيل: والذين أَقْرضوا كقولِه:

4234 -

أَمَنْ يَهْجُو رسولَ اللَّهِ مِنْكُمْ

ويَمْدَحُه ويَنْصُرُه سَواءُ

أي: ومَنْ ينصُرُه واختاره الشيخ: وهذا قد عَرَفْتَ ما فيه في أوائلِ هذا التصنيفِ.

قوله {يُضَاعَفُ لَهُمْ} القائم مقامَ الفاعلِ فيه وجهان، أحدهما: وهو الظاهرُ أنَّه الجارُّ بعده. والثاني: أنَّه ضميرُ التصديقِ، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ، أي: ثوابُ التصديق.

ص: 249

قوله: {والذين آمَنُوا} : [مبتدأ] و «أولئك» مبتدأ ثان و «هم» يجوز أَنْ يكونَ مبتدأ ثالثاً و «الصِّدِّيقون» خبرُه، وهو مع خبرِه خبرُ الثاني، والثاني وخبرُهُ خبرُ الأول. ويجوزُ أَنْ يكون «هم» فصلاً فأولئك وخبرُه خبرُ الأول.

قوله {والشهدآء} يجوز فيه وجهان: أنه معطوفٌ على ما قبلَه، ويكون الوقفُ على الشهداء تاماً. أخبر عن الذين آمنوا أنهم صِدِّيقون شهداءُ. فإنْ قيل: الشهداءُ مخصوصون بأوصافٍ أُخَرَ زائدةٍ على ذلك كالسبعَةِ المذكورين. أجيب: بأنَّ تَخْصِيصَهم بالذِّكْر لشَرَفِهم على غيرِهم لا للحَصْر.

ص: 249

والثاني: أنه مبتدأٌ، وفي خبرِه وجهان، أحدهما: أنه الظرفُ بعده. والثاني: أنه قولُه «لهم أَجْرهُم» إمَّا الجملةُ، وإمَّا الجارُّ وحدَه، والمرفوع فاعلٌ به. والوقفُ لا يَخْفَى على ما ذكَرْتُه من الإِعراب.

والصِّدِّيقُ: مثالُ مبالغةٍ، ولا يجيءُ إلَاّ من ثلاثيٍ غالباً. قال بعضُهم: وقد جاء «مِسِّيك» مِنْ أمَسْك. وهو غَلَطٌ لأنه يقال: مَسَك ثلاثياً فمِسِّيك منه.

ص: 250

قوله: {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} : العامَّةُ على تنوين «تَفاخُرٌ» موصوفٌ بالظرفِ أو عاملٌ فيه، والسُّلميُّ أضافه إليه.

قوله: {كَمَثَلِ غَيْثٍ} يجوزُ أنَّ يكونَ في موضعِ نصبٍ حالاً من الضمير في «لَعِبٌ» لأنه بمعنى الوصفِ، وأَنْ يكونَ خبراً لمبتدأ محذوف، أي: ذلك كمثَل. وجَوَّزَ ابن عطية أَنْ يكونَ في موضعِ رفع صفةً لِما تقدَّم. ولم يُبَيِّنْه مكي فقال: «نعت ل تَفاخُر» . وفيه نظرٌ لتخصيصه له مِنْ بين ما تقدَّم. وجَوَّزَ أَنْ يكون خبراً بعد خبر للحياة الدنيا.

وقُرِىء «مُصْفارَّاً» مِنْ اصفارَّ وهي أبلغُ مِنْ اصْفَرَّ.

قوله: {وَفِي الآخرة} خبرٌ مقدمٌ وما بعده مبتدأ. أخبر أنَّ في الآخرةِ عذاباً شديداً، ومغفرةً منه ورضواناً، وهذا معنىً حسنٌ، وهو أنه قابل

ص: 250

العذابَ بشيئين: بالمغفرة والرضوان فهو من باب «لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَين» .

ص: 251

قوله: {عَرْضُهَا كَعَرْضِ} : مبتدأٌ وخبرٌ. والجملةُ صفةٌ لجنة وكذلك «أُعِدَّتْ» . ويجوزُ أَنْ يكونَ «أَعِدَّتْ» مستأنفةٌ.

ص: 251

قوله: {مِن مُّصِيبَةٍ} : فاعلُ «أصاب» . و «مِنْ» مزيدةٌ لوجودِ/ الشرطين. وذَكَّر فعلَها لأنَّ التأنيث مجازيُّ.

قوله {فِي الأرض} يجوزُ أَنْ يتعلَّق ب أصاب، وأَنْ يتَعلَّقَ بنفسِ «مصيبةٍ» ، وأَنْ يتَعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لمصيبة وعلى هذا فيَصْلُح أَنْ يُحْكَمَ على موضِعه بالجرِّ نظراً إلى لفظِ موصوفِه وبالرفعِ نظراً إلى مَحَلِّه، إذ هو فاعلٌ. والمُصيبة غَلَبَتْ في الشر. وقيل: المرادُ بها جميعُ الحوادثِ مِنْ خيرٍ وشرٍ، وعلى الأول يُقال: لِمَ ذُكِرَتْ دون الخير؟ وأجيب: بأنه إنَّما خَصَّصها بالذِّكْرِ لأنها أهمُّ على البشر.

قوله {إِلَاّ فِي كِتَابٍ} حال مِنْ «مصيبة» ، وجاز ذلك وإنْ كانت نكرةً لتخصُّصِها: إمَّا بالعملِ أو بالصفةِ، أي: إلَاّ مكتوبةً.

قوله {مِّن قَبْلِ} نعتٌ ل كتاب، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ به قاله أبو البقاء؛ لأنه هنا اسمٌ للمكتوبِ، وليس بمصدرٍ. والضمير في «نَبْرَأَها» الظاهرُ عَوْدُه على المصيبة. وقيل: على الأنفس. وقيل: على الأرض أو على جميع ذلك، قاله المهدويُّ، وهو حسنٌ.

ص: 251

قوله: {لِّكَيْلَا} : هذه اللامُ متعلقةٌ بقولِه «ما أصابَ» ، أي: أَخبْرَناكم بذلك لكيلَا يَحْصُلَ لكم الحزنُ المُقْنِط أو الفرحُ المُطْغي، فأمَّا دون ذلك فالإِنسانُ غيرُ مؤاخذٍ به. و «كي» هنا ناصبةٌ بنفسِها فهي مصدريةٌ فقط لدخولِ لام الجرِّ عليها، وقرأ أبو عمرو «بما أتاكم» مقصوراً من الإِتْيان، أي: بما جاءكم. وباقي السبعة «آتاكم» ممدوداً من الإِيتاء أي: بما أعطاكم اللَّهُ إياه. وقرأ عبد الله «أُوْتيتم» .

ص: 252

قوله: {الذين يَبْخَلُونَ} : قد تقدَّم مثلُ هذا في سورة النساء، وتكلمتُ عليه بما يَكْفي، فلا معنى لإِعادته.

قوله {فَإِنَّ الله هُوَ الغني} قرأ نافع وابن عامر «فإن الله الغنيُّ» بإسقاطِ «هو» وهو ساقطٌ في مصاحف المدينةِ والشام. والباقون بإثباتِه وهو ثابتٌ في مصاحفِهم، فقد وافق كلٌّ مصحَفه. قال أبو علي:«مَنْ أثبت» هو «يَحْسُنْ أَنْ يكونَ فصلاً، ولا يَحْسُنُ أن يكونَ ابتداءً؛ لأنَّ الابتداءَ لا يَسُوغ حَذْفُه» يعني أنه تُرَجَّحُ فصليَّتُه بحذفه في القراءةِ الأخرى، إذ لو كان مبتدأً لضَعُف حَذْفُه، لا سيما إذا صَلَحَ ما بعده أَنْ يكونَ خبراً لِما قبله، ألا تراك لو قلت:«إنَّ زيداً هو القائمُ» لم يَحْسُنْ

ص: 252

حَذْفُ «هو» لصلاحيةِ «القائمُ» خبراً ل «إنَّ» : وهذا كما قالوا في الصلة: إنه يُحْذَفُ العائدُ المرفوعُ بالابتداء بشروطٍ منها: أن لا يكونَ ما بعدَه صالحاً للصلة نحو: «جاء الذي هو في الدار» أو «هو قائم أبوه» لعدمِ الدلالةِ. إلَاّ أنَّ للمنازعِ أن ينازعَ أبا عليٍ ويقول: لا ألتزم تركيب إحدى القراءتين على الأخرى، وكم مِنْ قراءتَيْنِ تغاير معناهما كقراءتَيْ:{والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران: 36] و «وضَعَتْ» ، إلَاّ أنَّ توافُقَ القراءتَيْن في معنىً واحدٍ أَوْلى، هذا ما لا نزاعَ فيه.

ص: 253

قوله: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} : جملةٌ حاليةٌ من «الحديد» .

قوله: {مَّعَهُمُ} حالٌ مقدرة، أي: صائراً معهم، وإنَّما احتَجْنا إلى ذلك لأنَّ الرسلَ لم يُنْزَلوا، ومقتضى الكلامِ أن يَصْحبوا الكتابَ في النزولِ. وأمَّا الزمخشريُّ فإنه فَسَّرَ الرسلَ بالملائكةِ الذين يَجيئون بالوحيِ إلى الأنبياءِ فالمعيَّةُ متحققةٌ.

قوله: {وَلِيَعْلَمَ} عطفٌ على قولِه «ليقومَ الناسُ» ، أي: لقد أَرْسَلْنَا رُسُلَنا وفَعَلْنا كيتَ وكيتَ ليقومَ الناسُ وليعلَمَ اللَّهُ. وقال الشيخ: «علةٌ لإِنزالِ الكتابِ والميزانِ والحديدِ» ، والأول أظهرُ لأنَّ نصرةَ اللَّهِ ورسلِه مناسبة للإِرسال.

قوله {وَرُسُلَهُ} عطفٌ على مفعولِ «يَنْصُرُه» ، أي: وينصُرُ رسُلَه. قال

ص: 253

قوله: {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ} : الضميرُ يجوزُ عَوْدُه على الذُّرِّيَّة، وهو أَوْلَى لتقدُّم ذِكْرِه لفظاً. وقيل: يعودُ على المُرْسَل إليهم لدلالة «أَرْسَلْنا» والمرسلين عليهم.

ص: 254

قوله: {الإنجيل} : قد تقدَّم أنَّ الحسنَ قرأه بفتح الهمزة في أول آل عمران. قال الزمخشري: «أَمْرُه أهونُ/ مِنْ أَمْرِ البِرْطيل والسِّكِّين فيمن رَواهما بفتح الفاء لأنَّ الكلمةَ أعجمية لا يلزَمُ فيها حِفْظُ أبنية العرب» . وقال أبو الفتح: «هو مثالٌ لا نظيرَ له» .

قوله: {وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها} في انتصابِها وجهان، أحدهما: أنها

ص: 254

معطوفةٌ على «رأْفَةً ورحمةً» . و «جَعَلَ» إمَّا بمعنى خَلق أو بمعنى صيَّر، و «ابْتدعوها» على هذا صفةٌ ل «رَهْبانية» وإنما خُصَّتْ بذِكر الابتداعِ لأنَّ الرأَفةَ والرحمةَ في القلب أمرُ غريزةٍ لا تَكَسُّبَ للإِنسانِ فيها بخلافِ الرهبانية فإنها أفعالُ البدن، وللإِنسانِ فيها تكسُّبٌ. إلَاّ أنَّ أبا البقاء منعَ هذا الوجهَ بأنَّ ما جعله اللَّهُ لا يَبْتدعونه. وجوابُه ما تَقَدَّم: مِنْ أنَّه لَمَّا كانت مكتسبةً صَحَّ ذلك فيها. وقال أيضاً: «وقيل: هو معطوفٌ عليها، وابتدعوها نعتٌ له. والمعنى: فَرَضَ عليهم لزومَ رهبانيةٍ ابتدعوها، ولهذا قال:{مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَاّ ابتغآء رِضْوَانِ الله} .

والوجه الثاني: أنه منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّره الظاهرُ وتكون المسألةُ من الاشتغالِ. وإليه نحا الفارسيُّ والزمخشريُّ وأبو البقاء وجماعةٌ إلَاّ أنَّ هذا يقولون إنه إعرابُ المعتزلة؛ وذلك أنَّهم يقولون: ما كانَ مِنْ فِعْلِ الإِنسانِ فهو مخلوقٌ له، فالرحمةُ والرأفة لَمَّا كانتْ من فِعْلِ اللَّهِ تعالى نَسَبَ خَلْقَهما إليه. والرَّهْبانِيَّة لَمَّا لم تكنْ من فِعْلِ اللَّهِ تعالى بل مِنْ فعل العبدِ يَسْتَقِلُّ بفعلِها نَسَب ابتداعَها إليه، وللردِّ عليهم موضعٌ آخرُ هو أليقُ به من هذا الموضعِ، وسأبِّينُه إنْ شاء الله في» الأحكام «.

ورَدَّ الشيخُ عليهم هذا الإِعرابَ من حيث الصناعةُ وذلك أنَّه مِنْ حَقِّ اسمِ المُشْتَغَلِ عنه أن يَصْلُح للرفع بالابتداءِ و» رهبانيةً «نكرةٌ لا مُسَوِّغ للابتداء بها، فلا يصلُحُ نصبُها على الاشتغال. وفيه نظرٌ؛ لأنَّا لا نُسَلِّمُ

ص: 255

أولاً اشتراطَ ذلك، ويَدُلُّ عليه قراءةُ مَنْ قرأ» سورةً أنزَلْناها «بالنصب على الاشتغالِ كما قَدَّمْتُ تحقيقه في موضعه. ولئِنْ سَلَّمْنا ذلك فثَمَّ مُسَوِّغٌ وهو العطفُ. ومِنْ ذلك قولُه:

4235 -

عندي اصْطِبارٌ وشكْوى عند قاتلتي

فهل بأعجبَ مِنْ هذا امرؤٌ سَمِعا

وقوله:

4236 -

تَعَشَّى ونجمٌ قد أضاء فَمُذْ بدا

مُحَيَّاكَ أَخْفَى ضوْءُه كلَّ شارقِ

ذكر ذلك الشيخُ جمال الدين بن مالك. وقرأ الحسن» رَآفة «بزنة فَعالة. والرَّهْبانيةُ منسوبةٌ إلى الرَهْبان فهو فَعْلان مِنْ رَهِب كقولِهم:» الخَشْيان «مِنْ خَشِي. وقد تقدَّم معنى هذه المادةِ في المائدة مستوفى وقُرِىء بضمِّ الراء. قال الزمخشري:» كأنَّها نِسْبةُ إلى الرُّهْبان وهو جمعُ راهبٍ كراكبِ ورُكْبان «.

قال الشيخ: «والأَوْلَى أََنْ يكونَ منسوباً

ص: 256

إلى رَهْبان يعني بالفتح وغُيِّر؛ لأنَّ النسبَ بابُ تغيير، ولو كان منسوباً لرُهبان الجمع لرُدَّ إلى مفردِه، إلَاّ إنْ كان قد صار كالعَلَم فإنه يُنْسَبُ إليه كالأَنْصار» .

قوله: {مَا كَتَبْنَاهَا} صفةٌ ل «رَهْبانيةً» ، ويجوزُ أَنْ يكونَ استئناف إخبارٍ بذلك.

قوله: {إِلَاّ ابتغآء رِضْوَانِ الله} فيه أوجه، أحدها: أنه استثناء متصلٌ ممَّا هو مفعولٌ من أجلِه. والمعنى: ما كَتَبْناها عليهم لشيءٍ من الأشياءِ إلَاّ لابتغاءِ مَرْضاتِ اللَّهِ، ويكون «كتب» بمعنى قضى، فصار: كَتَبْناها عليهم ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ، وهذا قولُ مجاهد. والثاني: أنه منقطعٌ. قال الزمخشري: ولم يذكُرْ غيرَه، أي: ولكنهم ابْتَدعوها. وإلى هذا ذهبَ قتادةُ وجماعةٌ، قالوا: معناه لم يَفْرِضْها عليهم ولكنهم ابتدعوها. الثالث: أنه بدلٌ من الضميرِ المنصوبِ في «كَتَبْنَاها» قاله مكيُّ وهو مُشْكِلٌ: كيف يكونُ بدلاً، وليس هو الأولَ ولا بعضَه ولا مشتملاً عليه؟ وقد يُقال: إنه بدلُ اشتمالٍ، لأن الرهبانيةَ الخالصةَ المَرْعِيَّةَ حَقَّ الرِّعاية قد يكون فيها ابتغاءَ رضوانِ اللَّهِ، ويصير نظيرَ قولِك «الجاريةُ ما أحببتها إلَاّ أدبَها» فإلَاّ أدبَها بدلٌ من الضمير في «أَحْبَبْتُها» بدلُ اشتمالٍ، وهذا نهايةُ التمحُّلِ لصحةِ هذا القولِ واللَّهُ أعلمُ.

والضميرُ المرفوعُ في «رَعَوْها» عائدٌ على مَنْ تَقَدَّمَ. والمعنى: أنهم لم يَدُوموا كلُّهم على رعايتها، وإنْ كان وُجِدَ هذا في بعضِهم. وقيل:

ص: 257

يعودُ على الملوكِ الذين حاربوهم. وقيل: على أحلافِهِم. و «حَقَّ» نصبٌ على المصدر.

ص: 258

قوله: {لِّئَلَاّ يَعْلَمَ} : هذه اللامُ متعلقةٌ بمعنى الجملة الطلبية المتضمنةِ لمعنى الشرطِ، إذ التقدير: إنْ تتقوا اللَّهَ وآمنتم برسلِه يُؤْتِكم كذا وكذا، لئلا يعلمَ. وفي «لا» هذه وجهان، أحدهما: / وهو المشهورُ عند النحاةِ والمفسِّرين والمُعْرِبين أنها مزيدةٌ كهي في {مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ} [الأعراف: 12]، و {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} [يس: 31] على خِلافٍ في هاتين الآيتين. والتقدير: أَعْلَمَكم اللَّهُ بذلك، ليعلمَ أهلُ الكتابِ عدمَ قدرتِهم على شيءٍ مِنْ فضلِ اللَّهِ وثبوتَ أنَّ الفَضْل بيدِ الله، وهذا واضح بَيَّنٌ، وليس فيه إلَاّ زيادةُ ما ثبتَتْ زيادتُه شائِعاً ذائعاً.

والثاني: أنها غيرُ مزيدةٍ. والمعنى لئلا يعلمَ أهلُ الكتابِ عَجْزَ المؤمنين، نقل ذلك أبو البقاء وهذا لفظُهُ، وكان قد قال قبلَ ذلك:«لا» زائدة والمعنى: ليعلمَ أهلُ الكتابِ عَجْزَهم «وهذا غيرُ مستقيم؛ لأنَّ المؤمنين عاجزون أيضاً عن شيءٍ مِنْ فضل اللَّهِ وكيف يعملُ هذا القائلُ بقولِه {وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله} ؛ فإنه معطوفٌ على مفعولِ العِلْمِ المنفيِّ فيصيرُ التقدير: ولئلا يعلمَ أهلُ الكتاب أنَّ الفضلَ بيد الله؟ هذا لا يستقيمُ نَفْيُ العِلْمِ به البتة، فلا جرم كان قولاً مُطَّرحاً ذكَرْتُه تنبيهاً على فسادِه.

وقراءةُ العامَّةِ» لئلا «بكسر لام كي وبعدها همزةٌ مفتوحةٌ مخففةٌ.

ص: 258

وورش يُبْدِلها ياءً مَحْضَة وهو تخفيفٌ قياسيٌّ نحو: مِيَة وفِيَة، في: مئة وفئة. ويدلُّ على زيادتِها قراءةُ عبد الله وابن عباس وعكرمةَ والجحدري وعبد الله بن سلمة» لِيَعْلَم «بإسقاطِها، وقراءةُ حطان ابن عبد الله» لأَنْ يعلمَ «بإظهار» أَنْ «. والجحدري أيضاً والحسن» لِيَنَّعَلَمَ «وأصلُها كالتي قبلها لأَنْ يعلم، فأبدل الهمزةَ ياءً لانفتاحِها بعد كسرة، وقد تقدم أنه قياسٌ كقراءة ورش» لِيَلَاّ «ثم أَدْغَمَ النون في الياء. قال الشيخ:» بغير غُنَّة كقراءة خلف {أَن يَضْرِبَ} [البقرة: 26] بغيرِ غُنَّة «انتهى. فصار اللفظ لِيَنَّعْلَمَ. وقوله:» بغير غنَّة «ليس عَدَمُ الغنَّةِ شرطاً في صحة هذه المسألةِ، بل جاء على سبيل الاتفاقِ ولو أَدْغَمَ بُغنَّةٍ لجاز ذلك فسقوطُها في هذه القراءاتِ يؤيِّد زيادتها في المشهورةِ.

وقرأ الحسن أيضاً فيما رَوَى عنه أبو بكر ابن مجاهد» لَيْلاً يَعْلَمَ «بلام مفتوحةٍ وياءٍ ساكنةٍ كاسم المرأة ورفعِ الفعلِ بعدها. وتخريجُها: على أنَّ أصلَها: لأَنْ لا، على أنها لامُ الجرِّ ولكنْ فُتِحَتْ على لغةٍ معروفة، وأنشدوا:

4237 -

أُريدُ لأَنْسَى ذِكْرَها. . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ص: 259

بفتح اللام، وحُذِفَت الهمزةُ اعتباطاً، وأُدْغمت النونُ في اللام فاجتمع ثلاثة أمثالٍ فثَقُلَ النطقُ به فأبدلَ الوسطَ ياءً تخفيفاً، فصار اللفظُ» لَيْلا «كما ترى ورُفِع الفعل؛ لأنَّ» أَنْ «هي المخففةُ لا الناصبةُ، واسمُها على ما تقرَّر ضميرُ الشأنِ، وفُصِل بينها وبين الفعلِ الذي هو خبرُها بحرفِ النفي.

وقرأ الحسن أيضاً فيما روى عنه قطرب «لِيْلا» بلام مكسورة وياءٍ ساكنةٍ ورفع الفعل، وهي كالتي قبلها في التخريج. غايةُ ما في الباب أنه جاء بلامٍ مكسورةٍ كما في اللغة الشهيرة. ورُوي عن ابن عباس «لكي يعلَمَ» ، و «كي يعلم» وعن عبد الله «لكيلا» وهذه كلُّها مخالِفةٌ للسوادِ الأعظمِ ولسوادِ المصحف.

وقرأ العامَّةُ {أَنْ لا يَقْدِرُون} بثوبت النون على أنَّ «أَنْ» هي المخففة وعبد الله بحَذْفِها على أَنَّ «أَنْ» هي الناصبة وهذا شاذٌّ جداً؛ لأنَّ العِلْمَ لا تقع بعده الناصبةُ.

وقوله: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} الظاهرُ أنه مستأنف. وقيل: هو خبرٌ ثانٍ عن الفضل. وقيل: هو الخبرُ وحدَه، والجارُّ قبله حالٌ وهي حالٌ لازِمةٌ؛ لأنَّ كونَه بيدِ الله تعالى لا ينتقِلُ البتة.

ص: 260