المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

أخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عَائِشَة - الدر المنثور في التفسير بالمأثور - جـ ٨

[الجلال السيوطي]

الفصل: أخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عَائِشَة

أخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عَائِشَة قَالَت: كَانَت غَزْوَة بني النَّضِير وهم طَائِفَة من الْيَهُود على رَأس سِتَّة أشهر من وقْعَة بدر وَكَانَ منزلهم ونخلهم فِي نَاحيَة الْمَدِينَة فَحَاصَرَهُمْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى نزلُوا على الْجلاء وعَلى أَن لَهُم مَا أقلت الإِبل من الْأَمْتِعَة وَالْأَمْوَال إِلَّا الْحلقَة يَعْنِي السِّلَاح فَأنْزل الله فيهم {سبح لله مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض} إِلَى قَوْله: {لأوّل‌

‌ الْحَشْر

مَا ظننتم أَن يخرجُوا} فَقَاتلهُمْ النَّبِي صلى الله عليه وسلم حَتَّى صَالحهمْ على الْجلاء وأجلاهم إِلَى الشَّام وَكَانُوا من سبط لم يصبهم جلاء فِيمَا خلا وَكَانَ الله قد كتب ذَلِك عَلَيْهِم وَلَوْلَا ذَلِك لعذبهم الله فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ والسبي وَأما قَوْله: {لأوّل الْحَشْر} فَكَانَ جلاؤهم ذَلِك أول حشر فِي الدُّنْيَا إِلَى الشَّام

وَأخرجه عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن عُرْوَة مُرْسلا قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهُوَ الْمَحْفُوظ

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن قَالَ: لم أجلى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بني النَّضِير قَالَ: هَذَا أوّل الْحَشْر وَأَنا على الْأَثر

وَأخرج الْبَزَّار وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: من شكّ أَن الْمَحْشَر بِالشَّام فليقرا هَذِه الْآيَة {هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر} قَالَ لَهُم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمئِذٍ: اخْرُجُوا قَالُوا: إِلَى أَيْن قَالَ: إِلَى أَرض الْمَحْشَر

ص: 89

وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن قيس قَالَ: قَالَ جرير لِقَوْمِهِ فِيمَا يَعِظهُمْ: وَالله إِنِّي لَوَدِدْت أَنِّي لم أكن بنيت فِيهَا لبنة مَا أَنْتُم إِلَّا كالنعامة استترت وَإِن أَرْضكُم هَذِه خراب يسراها ثمَّ يتبعهَا يمناها وَإِن الْمَحْشَر هَهُنَا وَأَشَارَ إِلَى الشَّام

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج فِي قَوْله: {لأوّل الْحَشْر} قَالَ: فتح الله على نبيه فِي أول حشر حشر عَلَيْهِم فِي أول مَا قَاتلهم وَفِي قَوْله: {مَا ظننتم} النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه أَن يخرجُوا من حصونهم أبدا

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عُرْوَة قَالَ: أَمر الله رَسُوله بإجلاء بني النَّضِير وإخراجهم من دِيَارهمْ وَقد كَانَ النِّفَاق كثيرا بِالْمَدِينَةِ فَقَالُوا: أَيْن تخرجنا قَالَ: أخرجكم إِلَى الْمَحْشَر فَلَمَّا سمع المُنَافِقُونَ مَا يُرَاد بإخوانهم وأوليائهم من أهل الْكتاب أرْسلُوا إِلَيْهِم فَقَالُوا: إِنَّا مَعكُمْ محيانا ومماتنا إِن قوتلتم فلكم علينا النَّصْر وَإِن أخرجتم لَا نتخلف عَنْكُم ومناهم الشَّيْطَان الظُّهُور فَنَادوا النَّبِي صلى الله عليه وسلم: إِنَّا وَالله لَا نخرج وَلَئِن قَاتَلْتنَا لنقاتلنك فَمضى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فيهم لأمر الله وَأمر أَصْحَابه فَأخذُوا السِّلَاح ثمَّ مضى إِلَيْهِم وتحصنت الْيَهُود فِي دُورهمْ وحصونهم فَلَمَّا انْتهى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى أزقتهم أَمر بالأدنى من دُورهمْ أَن يهدم وبالنخل أَن يحرق وَيقطع وكفّ الله أَيْديهم وأيدي الْمُنَافِقين فَلم ينصروهم وَألقى الله فِي قُلُوب الْفَرِيقَيْنِ الرعب ثمَّ جعلت الْيَهُود كلما خلص رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من هدم مَا يَلِي مدينتهم ألْقى الله فِي قُلُوبهم الرعب فهدموا الدّور الَّتِي هم فِيهَا من أدبارها وَلم يستطيعوا أَن يخرجُوا على النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا كَادُوا أَن يبلغُوا آخر دُورهمْ وهم ينتظرون الْمُنَافِقين وَمَا كَانُوا منوهم فَلَمَّا يئسوا مِمَّا عِنْدهم سَأَلُوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الَّذِي كَانَ عرض عَلَيْهِم قبل ذَلِك فقاضاهم على أَن يجليهم وَلَهُم أَن يتحملوا بِمَا اسْتَقَلت بِهِ الإِبل من الَّذِي كَانَ لَهُم إِلَّا مَا كَانَ من حَلقَة السِّلَاح فَذَهَبُوا كل مَذْهَب وَكَانُوا قد عيروا الْمُسلمين حِين هدموا الدّور وَقَطعُوا النّخل فَقَالُوا: مَا ذَنْب شَجَرَة وَأَنْتُم تَزْعُمُونَ أَنكُمْ مصلحون فَأنْزل الله {سبح لله مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض} إِلَى قَوْله: {وليخزي الْفَاسِقين} ثمَّ جعلهَا نفلا لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلم يَجْعَل مِنْهَا سَهْما لأحد غَيره فَقَالَ: {وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم} إِلَى قَوْله: {قدير} فَقَسمهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِيمَن أرَاهُ الله من الْمُهَاجِرين الأوّلين

وَأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من طَرِيق الْعَوْفِيّ عَن ابْن

ص: 90

عَبَّاس قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قد حَاصَرَهُمْ حَتَّى بلغ مِنْهُم كل مبلغ فَأَعْطوهُ مَا أَرَادَ مِنْهُم فَصَالحهُمْ على أَن يحقن لَهُم دِمَاءَهُمْ وَأَن يخرجهم من أَرضهم وأوطانهم وَأَن يسيرهم إِلَى أَذْرُعَات الشَّام وَجعل لكل ثَلَاثَة مِنْهُم بَعِيرًا وسقاء

وَأخرج الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه عَن مُحَمَّد بن مسلمة أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم بَعثه إِلَى بني النَّضِير وَأمره أَن يؤجلهم فِي الْجلاء ثَلَاثًا

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن جرير وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النَّضِير والجلاء إخراجهم من أَرضهم إِلَى أَرض أُخْرَى

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النَّضِير وَقطع وَهِي البويرة وَلها يَقُول حسان بن ثَابت: فهان على سراة بني لؤيّ حريق بالبويرة مستطير فَأنْزل الله {مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة على أُصُولهَا فبإذن الله وليخزي الْفَاسِقين}

وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن أبي حَاتِم وان مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَول الله: {مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة على أُصُولهَا} قَالَ: اللينة النَّخْلَة {وليخزي الْفَاسِقين} قَالَ: استنزلوهم من حصونهم وَأمرُوا بِقطع النّخل فحاك فِي صُدُورهمْ فَقَالَ الْمُسلمُونَ: قد قَطعنَا بَعْضًا وَتَركنَا بَعْضًا فلنسألن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم هَل لنا فِيمَا قَطعنَا من أجر وَهل علينا فِيمَا تركنَا من وزر فَأنْزل الله {مَا قطعْتُمْ من لينَة} الْآيَة

وَأخرج أَبُو يعلى وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر قَالَ: رخص لَهُم فِي قطع النّخل ثمَّ شدد عَلَيْهِم فَقَالُوا: يَا رَسُول الله علينا إِثْم فِيمَا قَطعنَا أَو فِيمَا تركنَا من وزر فَأنْزل الله {مَا قطعْتُمْ من لينَة} الْآيَة

وَأخرج ابْن إِسْحَق عَن يزِيد بن رُومَان قَالَ: لم نزل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ببني النَّضِير تحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُون فَأمر بِقطع النّخل وَالتَّحْرِيق فِيهَا فَنَادَوْهُ يَا مُحَمَّد قد كنت تنْهى عَن الْفساد وتعيبه فَمَا بَال قطع النّخل وَتَحْرِيقهَا فَنزلت {مَا قطعْتُمْ من لينَة}

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن مُجَاهِد

ص: 91

قَالَ: نهى بعض الْمُهَاجِرين بَعْضًا عَن قطع النّخل وَقَالُوا: إِنَّمَا هِيَ من مَغَانِم الْمُسلمين وَقَالَ الَّذين قطعُوا: بل هِيَ غيظ للعدوّ فَنزل الْقُرْآن بِتَصْدِيق من نهى عَن قطعه وَتَحْلِيل من قطعه من الإِثم فَقَالَ: إِنَّمَا قطعه وَتَركه بِإِذن الله

وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس أَن سُورَة الْحَشْر نزلت فِي النَّضِير وَذكر الله فِيهَا الَّذِي أَصَابَهُم من النِّعْمَة وتسليط رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِم حَتَّى عمل بهم الَّذِي عمل بِإِذْنِهِ وَذكر الْمُنَافِقين الَّذين كَانُوا يراسلونهم ويعدونهم النَّصْر فَقَالَ: {هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر} إِلَى قَوْله: {وأيدي الْمُؤمنِينَ} من هدمهم بُيُوتهم من تَحت الْأَبْوَاب ثمَّ ذكر قطع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم النّخل وَقَول الْيَهُود لَهُ يَا مُحَمَّد قد كنت تنْهى عَن الْفساد فَمَا بَال قطع النّخل فَقَالَ: {مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة على أُصُولهَا فبإذن الله وليخزي الْفَاسِقين} يُخْبِرهُمْ أَنَّهَا نعْمَة مِنْهُ ثمَّ ذكر مَغَانِم بني النَّضِير فَقَالَ: {وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم} إِلَى قَوْله: {قدير} أعلمهم أَنَّهَا لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم يضعهاحيث يَشَاء ثمَّ ذكر مَغَانِم الْمُسلمين مِمَّا يوجف عَلَيْهِ الْخَيل والركاب وَيفتح بِالْحَرْبِ فَقَالَ: {مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل} فَذا مِمَّا يوجف عَلَيْهِ الْخَيل والركاب ثمَّ ذكر الْمُنَافِقين عبد الله بن أُبي بن سلول ومالكاً داعسا وَمن كَانَ على مثل رَأْيهمْ فَقَالَ: {ألم تَرَ إِلَى الَّذين نافقوا يَقُولُونَ لإِخوانهم الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب لَئِن أُخْرِجْتُمْ لَنخْرجَنَّ مَعكُمْ} إِلَى {كَمثل الَّذين من قبلهم قَرِيبا} يَعْنِي بني قينقاع الَّذين أجلاهم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم

وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر} قبل الشَّام وهم بَنو النَّضِير حَيّ من الْيَهُود أجلاهم نَبِي الله صلى الله عليه وسلم من الْمَدِينَة إِلَى خَيْبَر مرجعه من أحد

وَأخرج عبد بن حميد عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ} قَالَ: النَّضِير إِلَى قَوْله: {وليخزي الْفَاسِقين} قَالَ: ذَلِك مَا بَين كُله وَأخرج عبد بن حميد عَن عِكْرِمَة قَالَ: من شكّ أَن الْمَحْشَر إِلَى بَيت الْقُدس فليقرا هَذِه الْآيَة {هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر}

ص: 92

فقد حشر النَّاس مرّة وَذَلِكَ حِين ظهر النَّبِي صلى الله عليه وسلم على الْمَدِينَة أجلى الْيَهُود وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَأَبُو دَاوُد وَابْن الْمُنْذر وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن كفار قُرَيْش كتبُوا إِلَى عبد الله بن أُبي بن سلول وَمن كَانَ يعبد الْأَوْثَان مَعَه من الْأَوْس والخزرج وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمئِذٍ بِالْمَدِينَةِ قبل وقْعَة بدر يَقُولُونَ: إِنَّكُم قد آويتم صاحبنا وَإِنَّكُمْ أَكثر أهل الْمَدِينَة عددا وَإِنَّا نقسم بِاللَّه لنقاتلنه أَو لنخرجنه ولنستعدين عَلَيْكُم الْعَرَب ثمَّ لنسيرن إِلَيْكُم بأجمعنا حَتَّى نقْتل مُقَاتِلَتكُمْ ونستبيح نساءكم وأبناءكم

فَلَمَّا بلغ ذَلِك عبد الله بن أبيّ وَمن مَعَه من عَبدة الْأَوْثَان تراسلوا واجتمعوا وَأَجْمعُوا لقِتَال النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه

فَلَمَّا بلغ ذَلِك النَّبِي صلى الله عليه وسلم لَقِيَهُمْ فِي جمَاعَة من أَصْحَابه فَقَالَ: لقد بلغ وَعِيد قُرَيْش مِنْكُم المبالغ مَا كَانَت لتكيدكم بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَن تكيدوا بِهِ أَنفسكُم فَأنْتم هَؤُلَاءِ تُرِيدُونَ أَن تقاتلوا أبناءكم وَإِخْوَانكُمْ

فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك من النَّبِي صلى الله عليه وسلم تفَرقُوا فَبلغ ذَلِك كفار قُرَيْش وَكَانَت وقْعَة بدر بعد ذَلِك فَكتبت كفار قُرَيْش بعد وقْعَة بدر إِلَى الْيَهُود: إِنَّكُم أهل الْحلقَة والحصون وَإِنَّكُمْ لتقاتلن صاحبنا أَو لنفعلن كَذَا وَكَذَا وَلَا يحول بَيْننَا وَبَين خدم نِسَائِكُم شَيْء وَهِي الخلاخيل

فَلَمَّا بلغ كِتَابهمْ الْيَهُود اجْتمعت بَنو النَّضِير بالغد وَأَرْسلُوا إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن اخْرُج إِلَيْنَا فِي ثَلَاثِينَ من أَصْحَابك وليخرج إِلَيْك منا ثَلَاثُونَ حبرًا حَتَّى نَلْتَقِي بمَكَان نصف بَيْننَا وَبَيْنك ويسمعوا مِنْك فَإِن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا

فَخرج النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي ثَلَاثِينَ من أَصْحَابه وَخرج إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ حبرًا من الْيَهُود حَتَّى إِذا برزوا فِي برَاز من الأَرْض قَالَ بعض الْيَهُود لبَعض: كَيفَ تخلصون إِلَيْهِ وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ رجلا من أَصْحَابه كلهم يحب أَن يَمُوت قبله فأرسلوا: كَيفَ نفهم وَنحن سِتُّونَ رجلا أخرج فِي ثَلَاثَة من أَصْحَابك وَنخرج إِلَيْك فِي ثَلَاثَة من عُلَمَائِنَا فيسمعوا مِنْك فَإِن آمنُوا بك آمنا كلنا وَصَدَّقنَاك

فَخرج النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي ثَلَاثَة من أَصْحَابه وَخرج ثَلَاثَة من الْيَهُود واشتملوا على الخناجر وَأَرَادُوا الفتك برَسُول الله صلى الله عليه وسلم

فَأرْسلت امْرَأَة ناصحة من بَين [بني] النَّضِير إِلَى أَخِيهَا وَهُوَ رجل مُسلم من الْأَنْصَار فَأَخْبَرته خبر مَا أَرَادَ بنوا النَّضر من الْغدر برَسُول الله صلى اللله عَلَيْهِ وَسلم فَأقبل أَخُوهَا سَرِيعا حَتَّى أدْرك النَّبِي صلى الله عليه وسلم فسارّه بخبرهم قبل أَن يصل إِلَيْهِم فَرجع النَّبِي صلى الله عليه وسلم

فَلَمَّا كَانَ الْغَد غَدا عَلَيْهِم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِالْكَتَائِبِ فحصرهم فَقَالَ لَهُم: إِنَّكُم وَالله لَا تأمنون عِنْدِي إِلَّا بِعَهْد تعاهدونني

ص: 93

عَلَيْهِ فَأَبَوا أَن يعطوه عهدا فَقَاتلهُمْ يَوْمه ذَلِك هُوَ والمسلمون ثمَّ غَدا الْغَد على بني قُرَيْظَة بِالْكَتَائِبِ وَترك بني النَّضِير ودعاهم إِلَى أَن يعاهدواه فعاهدوه فَانْصَرف عَنْهُم إِلَى بني النَّضِير بِالْكَتَائِبِ فَقَاتلهُمْ حَتَّى نزلُوا على الْجلاء وعَلى أَن لَهُم مَا أقلت الإِبل إِلَّا الْحلقَة وَالْحَلقَة السِّلَاح فَجلت بَنو النَّضِير وَاحْتَملُوا مَا أقلت الإِبل من أمتعتهم وأبواب بُيُوتهم وخشبها وَكَانُوا يخربون بُيُوتهم فيهدمونها فيحتملون مَا وافقهم من خشبها وَكَانَ جلاؤهم ذَلِك أول حشر النَّاس إِلَى الشَّام وَكَانَ بَنو النَّضِير من سبط من أَسْبَاط بني إِسْرَائِيل لم يصبهم جلاء مُنْذُ كتب الله الْجلاء على بني إِسْرَائِيل فَلذَلِك أجلاهم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فلولا مَا كتب الله عَلَيْهِم من الْجلاء لعذبهم فِي الدُّنْيَا كَمَا عذبت بَنو قُرَيْظَة فَأنْزل الله {سبح لله مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض} حَتَّى بلغ {وَالله على كل شَيْء قدير} فَكَانَ نخيل بني النَّضِير لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم خَاصَّة فَأعْطَاهُ الله إِيَّاهَا وخصّه بهَا فَقَالَ: {وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب} يَقُول: بِغَيْر قتال فَأعْطى النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَكْثَرهَا الْمُهَاجِرين وَقسمهَا بَينهم وَقسم مِنْهَا لِرجلَيْنِ من الْأَنْصَار كَانَا ذَوي حَاجَة لم يقسم لأحد من الْأَنْصَار غَيرهمَا وَبَقِي مِنْهَا صَدَقَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الَّتِي فِي أَيدي بني فَاطِمَة

وَأخرج عبد بن حميد عَن أبي مَالك أَن قُرَيْظَة وَالنضير قبيلتين من الْيَهُود كَانُوا حلفاء لقبيلتين من الْأَنْصَار الْأَوْس والخزرج فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا قدم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَة وَأسْلمت الْأَنْصَار وأبت الْيَهُود أَن يسلمُوا سَار الْمُسلمُونَ إِلَى بني النَّضِير وهم فِي حصونهم فَجعل الْمُسلمُونَ يهدمون مَا يليهم من حصونهم ويهدم الْآخرُونَ مَا يليهم [] سقط أَن يَقع عَلَيْهِم حَتَّى أفضوا إِلَيْهِم فَنزلت {هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ} إِلَى قَوْله: {شَدِيد الْعقَاب} فَلَمَّا أفضوا إِلَيْهِم نزلُوا على عهد بَينهم وَبَين نَبِي الله صلى الله عليه وسلم على أَن يجلوهم وأهليهم ويأخذوا أَمْوَالهم وأرضهم فأجلوا ونزلوا خَيْبَر وَكَانَ الْمُسلمُونَ يقطعون النّخل فَحَدثني رجال من أهل الْمَدِينَة أَنَّهَا نخل أصفر كَهَيئَةِ الدقل تدعى اللينة

فاستنكر ذَلِك الْمُشْركُونَ فَأنْزل الله عذر الْمُسلمين {مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة على أُصُولهَا فبإذن الله وليخزي الْفَاسِقين} فَأَما قَول الله {فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب} قَالَ: لم يَسِيرُوا إِلَيْهِم على خيل وَلَا ركاب إِنَّمَا كَانُوا فِي نَاحيَة الْمَدِينَة وَبقيت قُرَيْظَة بعدهمْ عَاما أَو

ص: 94

عَاميْنِ على عهد بَينهم وَبَين نَبِي الله صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا جَاءَ الْمُشْركُونَ يَوْم الْأَحْزَاب أرسل الْمُشْركُونَ إِلَيْهِم أَن اخْرُجُوا مَعنا على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأرْسلت إِلَيْهِم الْيَهُود أَن ارسلوا إِلَيْنَا بِخَمْسِينَ من رهنكم فجَاء نعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ إِلَى الْمُسلمين فَحَدثهُمْ وَكَانَ نعيم يَأْمَن فِي الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين فَبلغ ذَلِك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنهم قد أرْسلُوا إِلَى المشكرين يَسْأَلُونَهُمْ خمسين من رهنهم لِيخْرجُوا مَعَهم فَأَبَوا أَن يبعثوا إِلَيْهِم بِالرَّهْنِ فصاروا حَربًا للْمُسلمين وَالْمُشْرِكين فَبعث إِلَيْهِم النَّبِي صلى الله عليه وسلم سعد بن معَاذ وخوات بن جُبَير

فَلَمَّا أتياهم قَالَ عظيمهم كَعْب بن الْأَشْرَف: إِنَّه قد كَانَ لي جَنَاحَانِ فقطعتم أَحدهمَا فإمَّا أَن تردوا عليّ جناحي وَإِمَّا أَن أَتَّخِذ عَلَيْكُم جنَاحا فَقَالَ خَوات بن جُبَير: إِنِّي لأهم أَن أطعنه بحربتي

فَقَالَ لَهُ سعد: إِذن يسْبق الْقَوْم وَيَأْخُذُونَ فَمَنعه فَرَجَعَا إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فحدثاه بِالَّذِي كَانَ من أَمرهمَا وَأذن الله فيهم وَرجع الْأَحْزَاب وَوضع النَّبِي صلى الله عليه وسلم سلاحه فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ: وَالَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مَا نزلت عَن ظهرهَا مُنْذُ نزل بك الْمُشْركُونَ حَتَّى هَزَمَهُمْ الله فسر فَإِن الله قد أذن لَك فِي قُرَيْظَة

فَأَتَاهُم النَّبِي صلى الله عليه وسلم هُوَ وَأَصْحَابه فَقَالَ لَهُم: يَا إخْوَة القردة والخنازير

فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِم مَا كنت فحاشاً

فنزلوا على حكم سعد بن معَاذ وَكَانَ من الْقَبِيلَة الَّذين هم حلفاؤهم فَحكم فيهم أَن تقتل مُقَاتلَتهمْ وتقسم غنائمهم وَأَمْوَالهمْ

ويذكرون أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: حكم بِحكم الله فَضرب أَعْنَاقهم وَقسم غنائمهم وَأَمْوَالهمْ

وَأخرج عبد بن حميد عَن يحيى بن سعيد قَالَ: أَتَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بني النَّضِير فِي حَاجَة فَهموا بِهِ فأطلعه الله على ذَلِك فندب النَّاس إِلَيْهِم فَصَالحهُمْ على أَن لَهُم الصَّفْرَاء والبيضاء وَمَا أقلت الْإِبِل ولرسول الله صلى الله عليه وسلم النّخل وَالْأَرْض وَالْحَلقَة قسمهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بَين الْمُهَاجِرين وَلم يُعْط أحدا من الْأَنْصَار مِنْهَا شَيْئا إِلَّا سهل بن حنيف وَأَبا دُجَانَة

وَأخرج عبد بن حميد عَن عِكْرِمَة أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم غَدا يَوْمًا إِلَى النَّضِير ليسألهم كَيفَ الدِّيَة فيهم فَلَمَّا لم يرَوا مَعَ رَسُول الله كثير أحد أبرموا بَينهم على أَن يقتلوه ويأخذوا أَصْحَابه أُسَارَى ليذهبوا بهم إِلَى مَكَّة ويبيعوهم من قُرَيْش

فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك إِذا [إِذْ] جَاءَ من الْيَهُود من الْمَدِينَة فَلَمَّا رأى أَصْحَابه يأتمرون بِأَمْر النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُم: مَا تُرِيدُونَ قَالُوا: نُرِيد أَن نقْتل مُحَمَّدًا ونأخذ أَصْحَابه

فَقَالَ لَهُم: وَأَيْنَ

ص: 95

مُحَمَّد قَالُوا: هَذَا مُحَمَّد قريب

فَقَالَ لَهُم صَاحبهمْ: وَالله لقد تركت مُحَمَّدًا دَاخل الْمَدِينَة

فأسقط بِأَيْدِيهِم وَقَالُوا: قد أخبر أَنه انْقَطع مَا بَيْننَا وَبَينه من الْعَهْد

فَانْطَلق مِنْهُم سِتُّونَ حبرًا وَمِنْهُم حييّ بن أَخطب والعاصي بن وَائِل حَتَّى دخلواعلى كَعْب وَقَالُوا: يَا كَعْب أَنْت سيد قَوْمك ومدحهم احكم بَيْننَا وَبَين مُحَمَّد

فَقَالَ لَهُم كَعْب: أخبروني مَا عنْدكُمْ قَالُوا: نعتق الرّقاب ونذبح الكوماء وَإِن مُحَمَّدًا انبتر من الْأَهْل وَالْمَال

فشرفهم كَعْب على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فانقلبوا فَأنْزل الله {ألم ترَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت} سُورَة النِّسَاء الْآيَة 51 إِلَى {فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا} وَنزل عَلَيْهِ لما أَرَادوا أَن يقتلوه {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ هم قوم أَن يبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم} الْآيَة

فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: من يَكْفِينِي كَعْبًا فَقَالَ نَاس من أَصْحَابه فيهم مُحَمَّد بن مسلمة: نَحن نكفيك يَا رَسُول الله ونستحل مِنْك شَيْئا

فجاؤوه فَقَالُوا: يَا كَعْب إِن مُحَمَّدًا كلفنا الصَّدَقَة فبعنا شَيْئا

قَالَ عِكْرِمَة: فَهَذَا الَّذين اسْتَحَلُّوهُ من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم

فَقَالَ لَهُم كَعْب: أرهنوني أَوْلَادكُم

فَقَالُوا: إِن ذَاك عَار فِينَا غَدا تبيح أَن يَقُولُوا عبد وسق ووسقين وَثَلَاثَة

قَالَ كَعْب: فاللامة

قَالَ عِكْرِمَة: وَهِي السِّلَاح

فأصلحوا أَمرهم على ذَلِك فَقَالُوا: موعد مَا بَيْننَا وَبَيْنك الْقَابِلَة

حَتَّى إِذا كَانَت الْقَابِلَة راحوا إِلَيْهِ وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْمصلى يَدْعُو لَهُم بالظفر فَلَمَّا جاؤوا نادوه يَا كَعْب

وَكَانَ عروساً فأجابهم فَقَالَت امْرَأَته: وَهِي بنت عُمَيْر: أَيْن تنزل قد أَشمّ السَّاعَة ريح الدَّم

فهبط وَعَلِيهِ ملحفة مورسة وَله نَاصِيَة فَلَمَّا نزل إِلَيْهِم قَالَ الْقَوْم: مَا أطيب رِيحك

ففرح بذلك فَقَامَ إِلَيْهِ مُحَمَّد بن مسلمة فَقَالَ قَائِل الْمُسلمين: أشمونا من رِيحه فَوضع يَده على ثوب كَعْب وَقَالَ: شموا فشموا وَهُوَ يظنّ أَنهم يعْجبُونَ بريحه ففرح بذلك

فَقَالَ مُحَمَّد بن مسلمة: بقيت أَنا أَيْضا

فَمضى إِلَيْهِ فَأخذ بناصيته ثمَّ قَالَ: اجلدوا عُنُقه

فجلدوا عُنُقه

ثمَّ أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم غَدا إِلَى النَّضِير فَقَالُوا: ذرنا نبك سيدنَا

قَالَ: لَا

قَالُوا فحزة على حزة

قَالَ: نعم حزة على حزة

فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك جعلُوا يَأْخُذُونَ من بطُون بُيُوتهم الشَّيْء لينجوا بِهِ والمؤمنون يخربون بُيُوتهم من خَارج ليدخلوا عَلَيْهِم

فلولا أَن كتب الله عَلَيْهِم الْجلاء

قَالَ عِكْرِمَة: والجلاء يجلون مِنْهُم ليقتلهم

ص: 96

بِأَيْدِيهِم

وَقَالَ عِكْرِمَة: إِن نَاسا من الْمُسلمين لما دخلُوا على بني النَّضِير أخذُوا يقطعون النّخل فَقَالَ بَعضهم لبَعض: وَإِذا تولى سعى فِي الأَرْض ليفسد فِيهَا

وَقَالَ قَائِل من الْمُسلمين: لَا يقطعون وَاديا ولاينالون من عدوّ نيلاً إِلَّا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح فَأنْزل الله {مَا قطعْتُمْ من لينَة} وَهِي النَّخْلَة {أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة على أُصُولهَا فبإذن الله} قَالَ: مَا قطعْتُمْ فبإذني وَمَا تركْتُم فبإذني

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ} قَالَ: كَانَ الْمُسلمُونَ يخربون مَا يليهم من ظَاهرهَا ليدخلوا عَلَيْهِم ويخربها الْيَهُود من داخلها

أخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن مقَاتل بن حَيَّان فِي قَول الله عزوجل: {يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ} قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يقاتلهم فَإِذا ظهر على درب أَو دَار هدم حيطانها ليتسع الْمَكَان لِلْقِتَالِ وَكَانَت الْيَهُود إِذا غلبوا على درب أَو دَار نقبوها من أدبارها ثمَّ حصنوها ودربوها فَيَقُول الله عز وجل: {فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار} وَقَوله: {مَا قطعْتُمْ من لينَة} إِلَى قَوْله: {وليخزي الْفَاسِقين} يَعْنِي باللينة النّخل وَهِي أعجب إِلَى الْيَهُود من الْوَصْف يُقَال لثمرها اللَّوْن فَقَالَت الْيَهُود عِنْد قطع النَّبِي صلى الله عليه وسلم نَخْلهمْ وعقر شجرهم: يَا مُحَمَّد زعمت أَنَّك تُرِيدُ الإِصلاح أَفَمَن الإِصلاح عقر الشّجر وَقطع النّخل وَالْفساد فشق ذَلِك على النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَوجد الْمُسلمُونَ من قَوْلهم فِي أنفسهم من قطعهم النّخل خشيَة أَن يكون فَسَادًا فَقَالَ بَعضهم لبَعض: لَا تقطعوا فَإِنَّهُ مِمَّا أَفَاء الله علينا فَقَالَ الَّذين يقطعونها: نغيظهم بقطعها فَأنْزل الله {مَا قطعْتُمْ من لينَة} يَعْنِي النّخل فبإذن الله وَمَا تركْتُم قَائِمَة على أُصُولهَا فبإذن الله فطابت نفس النَّبِي صلى الله عليه وسلم وأنفس الْمُؤمنِينَ

{وليخزي الْفَاسِقين} يَعْنِي يهود أهل النَّضِير

وَكَانَ قطع النّخل وعقر الشّجر خزياً لَهُم

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر عَن الزُّهْرِيّ فِي قَوْله: {يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم} قَالَ: مَا صَالحُوا النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانُوا لَا يعجبهم خَشَبَة إِلَّا أخذوها فَكَانَ ذَلِك تخريبها

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج فِي قَوْله: {يخربون بُيُوتهم} من دَاخل الدَّار لَا يقدرُونَ على قَلِيل وَلَا كثير يَنْفَعهُمْ إِلَّا خربوه وأفسدوا لِئَلَّا يدعوا شَيْئا يَنْفَعهُمْ إِذا رحلوا وَفِي قَوْله: {وأيدي الْمُؤمنِينَ} وَيخرب الْمُؤْمِنُونَ دِيَارهمْ من خَارِجهَا كَيْمَا يخلصوا إِلَيْهِم وَفِي قَوْله: {وَلَوْلَا أَن كتب الله عَلَيْهِم الْجلاء لعذبهم فِي الدُّنْيَا}

ص: 97

قَالَ: لسلط عَلَيْهِم فَضربت أَعْنَاقهم وسبيت ذَرَارِيهمْ وَلَكِن سبق فِي كِتَابه الْجلاء لَهُم ثمَّ أجلوا إِلَى أَذْرُعَات وَأَرِيحَا

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة فِي قَوْله: {يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ} قَالَ: كَانَت بُيُوتهم مزخرفة فحسدوا الْمُسلمين أَن يسكنوها وَكَانُوا يخربونها من دَاخل والمسلمون من خَارج

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة قَالَ: الْجلاء خُرُوج النَّاس من الْبَلَد إِلَى الْبَلَد

وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس {مَا قطعْتُمْ من لينَة} قَالَ: هِيَ النَّخْلَة

وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن سعيد بن جُبَير مثله

وَأخرج عبد بن حميد عَن عَطِيَّة وَعِكْرِمَة وَمُجاهد وَعَمْرو ابْن مَيْمُون مثله

وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {من لينَة} قَالَ: نوع من النّخل

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة قَالَ: اللينة مَا دون الْعَجْوَة من النّخل

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: اللينة ألوان النّخل كلهَا إِلَّا الْعَجْوَة

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس {مَا قطعْتُمْ من لينَة} قَالَ: نَخْلَة أَو شَجَرَة وَأخرج عبد بن حميد عَن الْأَعْمَش أَنه قَرَأَ مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قواماً على أُصُولهَا

وَأخرج عبد بن حميد عَن ابْن شهَاب قَالَ: يلغني أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أحرق بعض أَمْوَال بني النَّضِير فَقَالَ قَائِل: فهان على سراة بني لؤيّ حريق بالبويرة مستطير وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة قَالَ: قطع الْمُسلمُونَ يَوْمئِذٍ النّخل وَأمْسك أنَاس كَرَاهِيَة أَن يكون فَسَادًا فَقَالَت الْيَهُود: الله أذن لكم فِي الْفساد فَقَالَ الله: {مَا قطعْتُمْ من لينَة} قَالَ: واللينة مَا خلا الْعَجْوَة من النّخل إِلَى قَوْله: {وليخزي الْفَاسِقين} قَالَ: لتغيظوهم {وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب}

ص: 98

قَالَ: مَا قطعْتُمْ إِلَيْهَا وَاديا وَلَا سيرتم إِلَيْهَا دَابَّة وَلَا بَعِيرًا إِنَّمَا كَانَت حَوَائِط لبني النَّضِير أطعمها الله رَسُوله صلى الله عليه وسلم

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قسم بَين قُرَيْش والمهاجرين النَّضِير فَأنْزل الله {مَا قطعْتُمْ من لينَة} قَالَ: مَا هِيَ الْعَجْوَة والفنيق والنخيل وَكَانَا مَعَ نوح فِي السَّفِينَة وهما أصل التَّمْر وَلم يُعْط رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من الْأَنْصَار أحدا إِلَّا رجلَيْنِ أَبَا دُجَانَة وَسَهل بن حنيف

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: أَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَهُودِيّ فَسَأَلَهُ عَن الْمَشِيئَة قَالَ: الْمَشِيئَة لله قَالَ: فَإِنِّي أَشَاء أَن أقوم قَالَ: قد شَاءَ الله أَن تقوم قَالَ: فَإِنِّي أَشَاء أَن أقعد قَالَ: فقد شَاءَ الله أَن تقعد قَالَ: فَإِنِّي أَشَاء أَن أقطع هَذِه النَّخْلَة قَالَ: فقد شَاءَ الله أَن تقطعها قَالَ: فَإِنِّي أَشَاء أَن أتركها قَالَ: فقد شَاءَ الله أَن تتركها قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيل عليه السلام فَقَالَ: قد لقنت حجتك كَمَا لقنها إِبْرَاهِيم عليه السلام قَالَ: وَنزل الْقُرْآن {مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة على أُصُولهَا فبإذن الله وليخزي الْفَاسِقين}

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن الْمُنْذر عَن الزُّهْرِيّ فِي قَوْله: {فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب} قَالَ: صَالح النَّبِي صلى الله عليه وسلم أهل فدك وقرى سَمَّاهَا وَهُوَ محاصر قوما آخَرين فأرسلوا بِالصُّلْحِ فأفاءها الله عَلَيْهِم من غير قتال وَلم يوجفوا عَلَيْهِ خيلاً وَلَا ركاباً فَقَالَ الله: {فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب} يَقُول: بِغَيْر قتال

وَقد كَانَت أَمْوَال بني النَّضِير للنَّبِي صلى الله عليه وسلم خَالِصا لم يفتتحوها عنْوَة إِنَّمَا فتحوها على صلح فَقَسمهَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم بَين الْمُهَاجِرين وَلم يُعْط الْأَنْصَار مِنْهَا شَيْئا إِلَّا رجلَيْنِ كَانَت بهما حَاجَة أَبُو دُجَانَة وَسَهل بن حنيف

وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن الْمُنْذر عَن عمر بن الْخطاب قَالَ: كَانَت أَمْوَال بني النَّضِير مِمَّا أَفَاء الله على رَسُوله مِمَّا لم يوجف عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ بخيل وَلَا ركاب فَكَانَت لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم خَاصَّة فَكَانَ ينْفق على أَهله مِنْهَا نَفَقَة سنتهمْ ثمَّ يَجْعَل مَا بَقِي فِي الكراع وَالسِّلَاح عدَّة فِي سَبِيل الله

وَأخرج عبد بن حميد عَن مُجَاهِد {فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب} قَالَ: يذكرهم رَبهم أَنه نَصرهم وكفاهم بِغَيْر كرَاع وَلَا عدَّة فِي قُرَيْظَة وخيبر

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب}

ص: 99

قَالَ: أَمر الله رَسُوله بالسير إِلَى قُرَيْظَة وَالنضير وَلَيْسَ للْمُؤْمِنين يَوْمئِذٍ كثير خيل وَلَا ركاب فَجعل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يحكم فِيهِ مَا أَرَادَ وَلم يكن يَوْمئِذٍ خيل وَلَا ركاب يوجف بهَا

قَالَ: والايجاف أَن يوضعوا السّير وَهِي لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَكَانَ من ذَلِك خَيْبَر وفدك وقرى عَرَبِيَّة وَأمر الله رَسُوله أَن يعد لينبع فَأَتَاهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فاحتواها كلهَا فَقَالَ أنَاس: هلا قسمهَا فَأنْزل الله عذره فَقَالَ: {مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ} إِلَى قَوْله: {شَدِيد الْعقَاب}

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى} قَالَ: من قُرَيْظَة جعله الله لمهاجرة قُرَيْش خصوا بِهِ

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر عَن الزُّهْرِيّ فِي قَوْله: {مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى} قَالَ: بَلغنِي أَنَّهَا الْجِزْيَة وَالْخَرَاج

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ مَا أَفَاء الله على رَسُوله من خَيْبَر نصف لله وَرَسُوله وَالنّصف الآخر للْمُسلمين فَكَانَ الَّذِي لله وَرَسُوله من ذَلِك الكتيبة والوطيخ وسلالة ووجدة وَكَانَ الَّذِي للْمُسلمين الشق والشق ثَلَاثَة عشر سَهْما ونطاه خَمْسَة أسْهم وَلم يقسم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من خَيْبَر لأحد من الْمُسلمين إِلَّا لمن شهد الْحُدَيْبِيَة وَلم يَأْذَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لأحد تخلف عَنهُ عِنْد مخرجه الْحُدَيْبِيَة أَن يشْهد مَعَه خَيْبَر إِلَّا جَابر بن عبد الله بن عَمْرو بن حزَام الْأنْصَارِيّ

وَأخرج أَبُو دَاوُد وَابْن مرْدَوَيْه عَن عمر بن الْخطاب قَالَ: كَانَ لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم صفايا بني النَّضِير وخيبر وفدك فَأَما بَنو النَّضِير فَكَانَت حبسا لنوائبه وَأما فدك فَكَانَت لِابْنِ السَّبِيل وَأما خَيْبَر فجزأها ثَلَاثَة أَجزَاء فقسم مِنْهَا جزأين بَين الْمُسلمين وَحبس جُزْءا لنَفسِهِ ولنفقة أَهله فَمَا فضل عَن نَفَقَة أَهله رده على فُقَرَاء الْمُهَاجِرين

وَأخرج ابْن النباري فِي الْمَصَاحِف عَن الْأَعْمَش قَالَ: لَيْسَ بَين مصحف عبد الله وَزيد بن ثَابت خلاف فِي حَلَال وَحرَام إِلَّا فِي حرفين فِي سُورَة الْأَنْفَال (وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَإِن لله خَمْسَة وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل)(سُورَة الْأَنْفَال الأية 41) وَفِي سُورَة الْحَشْر {مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل} والمهاجرين فِي سَبِيل الله

ص: 100

وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة {مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل} قَالَ: كَانَ الْفَيْء بَين هَؤُلَاءِ فنسختها الْآيَة الَّتِي: فِي الْأَنْفَال فَقَالَ: (وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَإِن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَالَّذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل)(الْأَنْفَال 41) فنسخت هَذِه الْآيَة مَا كَانَ قبلهَا فِي سُورَة الْحَشْر فَجعل الْخمس لمن كَانَ لَهُ الْفَيْء وَصَارَ مَا بَقِي من الْغَنِيمَة لسَائِر النَّاس لمن قَاتل عَلَيْهَا

وَأخرج أَبُو عبيد فِي كتاب الْأَمْوَال وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو عوَانَة وَابْن حبَان وَابْن مرْدَوَيْه عَن مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان قَالَ: بعث إليّ عمر بن الْخطاب فِي الهاجرة فَجِئْته فَدخلت عَلَيْهِ فَإِذا هُوَ جَالس على سَرِير لَيْسَ بَينه وَبَين رمل السرير فرَاش متكىء على وسَادَة من آدم فَقَالَ: يَا مَالك إِنَّه قدم علينا أهل أَبْيَات من قَوْمك وَإِنِّي قد أمرت فيهم برضخ فَخذه فأقسمه بَينهم

فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّهُم قومِي وَأَنا أكره أَن أَدخل بِهَذَا عَلَيْهِم فَمر بِهِ غَيْرِي

فَإِنِّي لَا رَاجعه [لأراجعه] فِي ذَلِك إِذْ جَاءَهُ يرفا [يرفا] غُلَامه فَقَالَ: هَذَا عُثْمَان بن عَفَّان وَطَلْحَة بن عبيد الله وَالزُّبَيْر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَأذن لَهُم فَدَخَلُوا ثمَّ جَاءَهُ يرفا [يرفا] فَقَالَ: هَذَا عَليّ وعباس قَالَ: ائْذَنْ لَهما فِي الدُّخُول فدخلا

فَقَالَ عَبَّاس: أَلا تعديني على هَذَا فَقَالَ الْقَوْم: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اقْضِ بَين هذَيْن وأرح كل وَاحِد مِنْهُمَا من صَاحبه فَإِن فِي ذَلِك رَاحَة لَك وَلَهُمَا

فَجَلَسَ عمر ثمَّ قَالَ: اتئدوا

وحسر عَن ذِرَاعَيْهِ ثمَّ قَالَ: أنْشدكُمْ بِاللَّه أَيهَا الرَّهْط هَل سَمِعْتُمْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: انا لَا نورث مَا تركنَا صَدَقَة إِن الْأَنْبِيَاء لَا تورث فَقَالَ الْقَوْم: نعم قد سمعنَا ذَاك

ثمَّ أقبل على عَليّ وعباس فَقَالَ: أنشدكما بِاللَّه هَل سمعتما رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَاك قَالَا: نعم

فَقَالَ عمر: أَلا أحدثكُم عَن هَذَا الْأَمر إِن الله خص نبيه من هَذَا الْفَيْء بِشَيْء لم يُعْطه غَيره يُرِيد أَمْوَال بني النَّضِير كَانَت نفلا لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَيْسَ لأحد فِيهَا حق مَعَه فوَاللَّه مَا احتواها دونكم وَلَا اسْتَأْثر بهَا عَلَيْكُم لقد قسمهَا فِيكُم حَتَّى كَانَ مِنْهَا هَذَا المَال فَكَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يدّخر مِنْهُ قوت أَهله لسنتهم وَيجْعَل مَا بَقِي فِي

ص: 101

سَبِيل المَال حَتَّى توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم فَقَامَ أَبُو بكر فَقَالَ: أَنا وليّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أعمل بِمَا كَانَ يعْمل وأسير بسيرته فِي حَيَاته فَكَانَ يدّخر من هَذَا المَال قنية أهل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لسنتهم وَيجْعَل مَا بَقِي فِي سبل المَال كَمَا كَانَ يصنع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فوليها أَبُو بكر حَيَاته حَتَّى توفّي أَبُو بكر قلت: أَنا ولي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَولي أبي بكر أعمل بِمَا كَانَا يعملان بِهِ فِي هَذَا المَال فقبضتها فَلَمَّا أقبلتما عليّ وأدبرتما وبدا لي أَن أدفعها إلَيْكُمَا أخذت عَلَيْكُمَا عهد الله وميثاقه لتعملان فِيهَا بِمَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يعْمل بِهِ فِيهَا وَأَبُو بكر وَأَنا حَتَّى دفعتها إلَيْكُمَا

أنْشدكُمْ الله أَيهَا الرَّهْط هَل دفعتها إِلَيْهِمَا بذلك قَالُوا: اللَّهُمَّ نعمز ثمَّ أقبل عَلَيْهِمَا فَقَالَ: أنشدكما بِاللَّه هَل دفعتها إلَيْكُمَا بذلك قَالَا: نعم قَالَ: فقضاء غير ذَلِك تلتمسان مني فَلَا وَالله لَا أَقْْضِي فِيهَا قَضَاء غير ذَلِك حَتَّى تقوم السَّاعَة فَإِن كنتما عجزتما عَنْهَا فأدياها إليّ ثمَّ قَالَ عمر: إِن الله قَالَ: {وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب وَلَكِن الله يُسَلط رسله على من يَشَاء وَالله على كل شَيْء قدير} فَكَانَت لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ قَالَ: {مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} إِلَى آخر الْآيَة {وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب} ثمَّ قَالَ: وَالله مَا أَعْطَاهَا هَؤُلَاءِ وحدهم حَتَّى قَالَ: {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضواناً وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون} ثمَّ وَالله مَا جعلهَا لهَؤُلَاء وحدهم حَتَّى قَالَ: {وَالَّذين تبوؤوا الدَّار والإِيمان} إِلَى {المفلحون} ثمَّ وَالله مَا أَعْطَاهَا لهَؤُلَاء وحدهم حَتَّى قَالَ: {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا} إِلَى قَوْله: {رَحِيم} فَقَسمهَا هَذَا الْقسم على هَؤُلَاءِ الَّذين ذكر

قَالَ عمر: لَئِن بقيت ليَأْتِيَن الرويعي بِصَنْعَاء حَقه وَدَمه فِي وَجهه

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَأَبُو عُبَيْدَة وَابْن زَنْجوَيْه مَعًا فِي الْأَمْوَال وَعبد بن حميد وَأَبُو دَاوُد وَفِي ناسخه وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان قَالَ: قَرَأَ عمر بن الْخطاب {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} حَتَّى بلغ {عليم حَكِيم} ثمَّ قَالَ: هَذِه لهَؤُلَاء ثمَّ قَرَأَ {مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى} حَتَّى بلغ {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين} إِلَى آخر الْآيَة فَقَالَ: هَذِه للمهاجرين ثمَّ تَلا {وَالَّذين تبوؤوا الدَّار والإِيمان من قبلهم} إِلَى آخر الْآيَة فَقَالَ: هَذِه للْأَنْصَار ثمَّ قَرَأَ {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ} إِلَى آخر الْآيَة ثمَّ قَالَ: استوعبت هَذِه

ص: 102

الْمُسلمين عَامَّة وَلَيْسَ أحد إِلَّا لَهُ فِي هَذَا المَال حق أَلا مَا تَمْلِكُونَ من وصيتكم ثمَّ قَالَ: لَئِن عِشْت ليَأْتِيَن الرَّاعِي وَهُوَ يسير حمره (هَكَذَا فِي الأَصْل) نصِيبه مِنْهَا لم يعرق فِيهِ جَبينه

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت عمر بن الْخطاب يَقُول: اجْتَمعُوا لهَذَا المَال فأنظروا لمن تَرَوْنَهُ ثمَّ قَالَ لَهُم: إِنِّي أَمرتكُم أَن تجتمعوا لهَذَا المَال فتنظروا لمن تَرَوْنَهُ وَإِنِّي قَرَأت آيَات من كتاب الله فكفيتني سَمِعت الله يَقُول: {مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ} إِلَى قَوْله: {أُولَئِكَ هم الصادقون} وَالله مَا هُوَ لهَؤُلَاء وحدهم {وَالَّذين تبوؤوا الدَّار والإِيمان} إِلَى قَوْله: {المفلحون} وَالله مَا هُوَ لهَؤُلَاء وحدهم {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا} إِلَى قَوْله: {رَحِيم} وَالله مَا أحد من الْمُسلمين إِلَّا لَهُ حق فِي هَذَا المَال أعطي مِنْهُ أَو منع عَنهُ حَتَّى رَاع بعدن

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن سعد وَابْن أبي شيبَة وَابْن زَنْجوَيْه فِي الْأَمْوَال وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ: مَا على وَجه الأَرْض مُسلم إِلَّا وَله فِي هَذَا المَال حق إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم

وَأخرج عبد بن حميد وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن سعيد بن الْمسيب رضي الله عنه قَالَ: قسم عمر ذَات يَوْم قسما من المَال فَجعلُوا يثنون عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا أحمقكم لَو كَانَ لي مَا أَعطيتكُم مِنْهُ درهما

وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي ناسخه عَن ابْن أبي نجيح رضي الله عنه قَالَ: المَال ثَلَاثَة: مغنم أَو فَيْء أَو صَدَقَة

فَلَيْسَ مِنْهُ دِرْهَم إِلَّا بيّن الله مَوْضِعه

وَأخرج أَحْمد وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن سَمُرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: يُوشك أَن يمْلَأ الله أَيْدِيكُم من الْعَجم ثمَّ يجعلهم أسداً لَا يفرون فيقتلون مُقَاتِلَتكُمْ ويأكلون فيئكم

وَأخرج ابْن سعد عَن السَّائِب بن يزِيد سَمِعت عمر بن الْخطاب رضي الله عنه يَقُول: وَالَّذِي لَا إِلَيْهِ إِلَّا هُوَ ثَلَاثًا مَا من النَّاس أحد إِلَّا لَهُ حق فِي هَذَا المَال أعْطِيه أَو مَنعه وَمَا أحد أَحَق بِهِ من أحد إِلَى عبد مَمْلُوك وَمَا أَنا فِيهِ إِلَّا كأحدكم وَلَكنَّا على مَنَازلنَا من كتاب الله وَقَسمنَا من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فالرجل وبلاؤه فِي الإِسلام وَالرجل وَقدمه فِي الْإِسْلَام وَالرجل غناهُ فِي الإِسلام وَالرجل وَحَاجته فِي الإِسلام وَالله لَئِن بقيت ليَأْتِيَن الرَّاعِي بجبل صنعاء حَظه من هَذَا المَال وَهُوَ مَكَانَهُ

ص: 103

وَأخرج ابْن سعد عَن الْحسن رضي الله عنه قَالَ: كتب عمر إِلَى حُذَيْفَة أَن أعْط النَّاس أَعطيتهم وأرزاقهم فَكتب إِلَيْهِ إِنَّا قد فعلنَا وَبَقِي شَيْء كثير فَكتب إِلَيْهِ عمر: إِن فيأهم الَّذِي أَفَاء الله عَلَيْهِم لَيْسَ هُوَ لعمر وَلَا لآل عمر اقسمه بَينهم

وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عمر بن عبد الْعَزِيز رضي الله عنه قَالَ: وجدت المَال قسم بَين هَذِه الثَّلَاثَة الْأَصْنَاف: الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ

وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الْحسن رضي الله عنه مثل ذَلِك

قَوْله تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ} الْآيَة

أخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن الْحسن رضي الله عنه {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا} قَالَ: كَانَ يُؤْتِيهم الْغَنَائِم وينهاهم عَن الْغلُول

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر عَن الْحسن رضي الله عنه فِي قَوْله: {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ} قَالَ: من الْفَيْء {وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا} قَالَ: من الْفَيْء وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج رَضِي اله عَنهُ {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول} من طَاعَتي وأمري {فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ} من معصيتي فَانْتَهوا

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَالنَّسَائِيّ وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: ألم يقل الله {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا} قَالُوا: بلَى قَالَ: ألم يقل الله: (وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم)(سُورَة الْأَحْزَاب الْآيَة 36) الْآيَة قَالَ: فَإِنِّي أشهد أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نهى عَن الدُّبَّاء والحنتم والنقير والمزفت

وَأخرج عبد بن حميد عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه أَنه سمع ابْن عمر وَابْن عَبَّاس يَشْهَدَانِ على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنه نهى عَن الدُّبَّاء والحنتم والنقير والمزفت ثمَّ تَلا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم هَذِه الْآيَة {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا}

وَأخرج أَحْمد وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَلْقَمَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ عبد الله بن مَسْعُود: لعن الله الْوَاشِمَات وَالْمُسْتَوْشِمَات وَالْمُتَنَمِّصَات وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحسنِ الْمُغيرَات لخلق الله

فَبلغ ذَلِك امْرَأَة من بني أَسد

ص: 104

يُقَال لَهَا أم يَعْقُوب فَجَاءَت إِلَيْهِ فَقَالَت: إِنَّه بَلغنِي أَنَّك لعنت كَيْت وَكَيْت قَالَ: وَمَالِي لَا ألعن من لعن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي كتاب الله

قَالَت: لقد قَرَأت مَا بَين الدفتين فَمَا وجدت فِيهِ شَيْئا من هَذَا قَالَ: لَئِن كنت قرأته لقد وجدته أما قَرَأت {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا} قَالَت: بلَى قَالَ: فَإِنَّهُ قد نهى عَنهُ وَالله أعلم

الْآيَة 8 - 9

ص: 105

أخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله: {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا} الْآيَة قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرُونَ تركُوا الديار وَالْأَمْوَال والأهلين والعشائر وَخَرجُوا حبا لله وَلِرَسُولِهِ واختاروا الإِسلام على مَا كَانَ فِيهِ من شدَّة حَتَّى لقد ذكر لنا أَن الرجل كَانَ يعصب الْحجر على بَطْنه ليقيم بِهِ صلبه من الْجُوع وَإِن كَانَ الرجل ليتَّخذ الْحفر فِي الشتَاء مَا لَهُ دثار غَيرهَا

قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين تبوؤوا الدَّار والإِيمان}

أخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {وَالَّذين تبوؤوا الدَّار والإِيمان} إِلَى آخر الْآيَة قَالَ: هم هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار أَسْلمُوا فِي دِيَارهمْ وابتنوا الْمَسَاجِد قبل قدوم النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِسنتَيْنِ وَأحسن الله عَلَيْهِم الثَّنَاء فِي ذَلِك وَهَاتَانِ الطائفتان الأولتان من هَذِه الْآيَة أخذتا بفضلهما ومضنا على مهلهما وَأثبت الله حظهما فِي هَذَا الْفَيْء ثمَّ ذكر الطَّائِفَة الثَّالِثَة فَقَالَ: {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا ولإِخواننا} إِلَى آخر الْآيَة

قَالَ: إِنَّمَا أمروا أَن يَسْتَغْفِرُوا لأَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَلم يؤمروا بسبهم

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد {وَالَّذين تبوؤوا الدَّار والإِيمان من قبلهم}

ص: 105

قَالَ: الْأَنْصَار نعت سخاوة أنفسهم عِنْدَمَا رأى من ذَلِك وإيثارهم إيَّاهُم وَلم يصب الْأَنْصَار من ذَلِك الْفَيْء شَيْء

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن يزِيد بن الْأَصَم أَن الْأَنْصَار قَالُوا: يَا رَسُول الله أقسم بَيْننَا وَبَين إِخْوَاننَا الْمُهَاجِرين الأَرْض نِصْفَيْنِ قَالَ: لَا وَلَكِن يكفونكم الْمُؤْنَة وتقاسمونهم الثَّمَرَة وَالْأَرْض أَرْضكُم قَالُوا: رَضِينَا فَأنْزل الله {وَالَّذين تبوؤوا الدَّار والإِيمان من قبلهم} إِلَى آخر الْآيَة

أخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن الْحسن قَالَ: فضل الْمُهَاجِرين على الْأَنْصَار فَلم يَجدوا فِي صُدُورهمْ حَاجَة قَالَ: الْحَسَد

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عمر أَنه قَالَ: أوصِي الْخَلِيفَة بعدِي بالمهاجرين الْأَوَّلين أَن يعرف لَهُم حَقهم ويحفظ لَهُم حرمتهم وأوصيه بالأنصار الَّذين تبوؤا الدَّار والإِيمان من قبل أَن يُهَاجر النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن يقبل من محسنهم وَيَعْفُو عَن مسيئهم

وَأخرج الزبير بن بكار فِي أَخْبَار الْمَدِينَة عَن زيد بن أسلم قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: للمدينة عشرَة أَسمَاء هِيَ الْمَدِينَة وَهِي طيبَة وطابة ومسكينة وجابرة ومجبورة وتبدد ويثرب وَالدَّار

قَوْله تَعَالَى: {ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة}

أخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَالْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: أَتَى رجل لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله أصابني الْجهد فَأرْسل إِلَى نِسَائِهِ فَلم يجد عِنْدهن شَيْئا فَقَالَ: أَلا رجل يضيف هَذَا اللَّيْلَة رَحمَه الله تَعَالَى فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار وَفِي رِوَايَة فَقَالَ أَبُو طَلْحَة الْأنْصَارِيّ: أَنا يَا رَسُول الله فَذهب بِهِ إِلَى أَهله فَقَالَ لامْرَأَته: اكرمي ضيف رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا تدخرين شَيْئا

قَالَت: وَالله مَا عِنْدِي إِلَّا قوت الصبية

قَالَ: فَإِذا أَرَادَ الصبية الْعشَاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا اللَّيْلَة لضيف رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَفعلت ثمَّ غَدا الضَّيْف على النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لقد عجب الله من فلَان وفلانة وَأنزل الله فيهمَا {ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة}

وَأخرج مُسَدّد فِي مُسْنده وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب قري الضَّيْف وَابْن الْمُنْذر عَن

ص: 106

أبي المتَوَكل النَّاجِي رضي الله عنه أَن رجلا من الْمُسلمين مكث صَائِما ثَلَاثَة أَيَّام يُمْسِي فَلَا يجد مَا يفْطر فَيُصْبِح صَائِما حَتَّى فطن لَهُ رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ ثَابت بن قيس رضي الله عنه فَقَالَ لأَهله: إِنِّي ساجيء اللَّيْلَة بضيف لي فَإِذا وضعتم طَعَامكُمْ فَليقمْ بَعْضكُم إِلَى كَأَنَّهُ يصلحه فليطفئه ثمَّ اضربوا بأيدكم إِلَى الطَّعَام كأنكم تَأْكُلُونَ فَلَا تَأْكُلُوا حَتَّى يشْبع ضيفنا فَلَمَّا أَمْسَى ذهب بِهِ فوضعوا طعامهم فَقَامَتْ امْرَأَته إِلَى السراج كَأَنَّهَا تصلحه فأطفأته ثمَّ جعلُوا يضْربُونَ أَيْديهم فِي الطَّعَام كَأَنَّهُمْ يَأْكُلُون وَلَا يَأْكُلُون حَتَّى شبع ضيفهم وَإِنَّمَا كَانَ طعامهم ذَلِك خبْزَة هِيَ قوتهم فَلَمَّا أصبح ثَابت غَدا إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا ثَابت لقد عجب الله البارحة مِنْكُم وَمن ضيفكم فَنزلت فِيهِ هَذِه الْآيَة {ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة}

وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن عمر رضي الله عنه قَالَ: أهدي لرجل من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رَأس شَاة فَقَالَ: إِن أخي فلَانا وَعِيَاله أحْوج إِلَى هَذَا منا فَبعث بِهِ إِلَيْهِم فَلم يزل يبْعَث بِهِ وَاحِدًا إِلَى آخر حَتَّى تداولها أهل سَبْعَة أَبْيَات حَتَّى رجعت إِلَى الأول فَنزلت {ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة}

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مقَاتل رضي الله عنه فِي قَوْله: {وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة} قَالَ: فاقة

قَوْله تَعَالَى: {وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون}

أخرج الْفرْيَابِيّ وَسَعِيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه أَن رجلا قَالَ لَهُ: إِنِّي أَخَاف أَن أكون قد هَلَكت قَالَ: وَمَا ذَاك قَالَ: إِنِّي سَمِعت الله يَقُول: {وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون} وَأَنا رجل شحيح لَا يكَاد يخرج مني شَيْء فَقَالَ لَهُ ابْن مَسْعُود رضي الله عنه: لَيْسَ ذَاك بالشح وَلكنه الْبُخْل وَلَا خير فِي الْبُخْل وَإِن الشُّح الَّذِي ذكره الله فِي الْقُرْآن أَن تَأْكُل مَال أَخِيك ظلما

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر رضي الله عنه فِي قَوْله: {وَمن يُوقَ شح نَفسه} قَالَ: لَيْسَ الشحيح أَن يمْنَع الرجل مَاله وَلكنه

ص: 107

الْبُخْل وَإنَّهُ لشر إِنَّمَا الشُّح أَن تطمح عين الرجل إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن رضي الله عنه قَالَ: النّظر إِلَى الْمَرْأَة لَا يملكهَا من الشُّح

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن طَاوُوس رضي الله عنه قَالَ: البخلان يبخل الإِنسان بِمَا فِي يَدَيْهِ وَالشح أَن يشح على مَا فِي أَيدي النَّاس

وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن عَسَاكِر عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَنه كَانَ يطوف بِالْبَيْتِ يَقُول: اللَّهُمَّ قني شح نَفسِي

لَا يزِيد على ذَلِك فَقيل لَهُ فَقَالَ: إِذا وقيت شح نَفسِي لَا أسرق وَلَا أزني وَلم أفعل شَيْئا

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله: {وَمن يُوقَ شح نَفسه} قَالَ: إِدْخَال الْحَرَام وَمنع الزَّكَاة

وَأخرج ابْن االمنذر عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: من أدّى زَكَاة مَاله فقد وقِي شح نَفسه

وَأخرج الخرائطي فِي مساوئ الْأَخْلَاق عَن ابْن عَمْرو قَالَ: الشُّح أَشد من الْبُخْل لِأَن الشحيح يشح على مَا فِي يَدَيْهِ فيحبسه ويشح على مَا فِي أَيدي النَّاس حَتَّى يَأْخُذهُ وَإِن الْبَخِيل إِنَّمَا يبخل على مَا فِي يَدَيْهِ

وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب ذمّ الْبُخْل عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: خلق الله جنَّة عدن ثمَّ قَالَ لَهَا: انْطِقِي فَقَالَت: (قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ)(سُورَة الْمُؤْمِنُونَ الْآيَة) فَقَالَ الله: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يجاورني فِيك بخيل ثمَّ تَلا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم {وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون}

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر بن عبد الله رضي الله عنه: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: ثَلَاث من كن فِيهِ فقد برِئ من الشُّح من أدّى زَكَاة مَاله وقرى الضَّيْف وَأعْطى فِي النوائب

وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ وَأَبُو يعلى وَابْن مرْدَوَيْه عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: مَا محق الإِسلام محق الشُّح شَيْء قطّ وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي زرْعَة قالك قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: من كَانَ الْفقر فِي قلبه فَلَا يُغْنِيه مَا أَكثر لَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا يضر نَفسه شحها

ص: 108

وَأخرج عبد بن حميد عَن مجمع بن يحيى بن جَارِيَة قَالَ: حَدثنِي عمي خَالِد بن يزِيد بن جَارِيَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: برِئ من الشُّح من أدّى الزَّكَاة وقرى الضَّيْف وَأدّى فِي النائبة

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: لَا يجْتَمع غُبَار فِي سَبِيل الله ودخان جَهَنَّم فِي جَوف عبد أبدا وَلَا يجْتَمع الشُّح والإِيمان فِي قلب عبد أبدا

وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: خصلتان لَا يَجْتَمِعَانِ فِي جَوف مُسلم الْبُخْل وَسُوء الظَّن

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو دَاوُد وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: شَرّ مَا فِي رجل شح هَالِع وَجبن خَالع

وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب وَمُسلم وَالْبَيْهَقِيّ عَن جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: اتَّقوا الظُّلم فَإِن الظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة وَاتَّقوا الشُّح فَإِن الشُّح أهلك من كَانَ قبلكُمْ حملهمْ على أَن سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمهمْ

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: إيَّاكُمْ وَالشح وَالْبخل فَإِنَّهُ دَعَا من قبلكُمْ إِلَى أَن يقطعوا أرحامهم فقطعوها ودعاهم إِلَى أَن يستحلوا مَحَارِمهمْ فاستحلوها ودعاهم إِلَى أَن يسفكوا دِمَاءَهُمْ فسفكوها

وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن أنس رضي الله عنه أَن رجلا توفّي فَقَالُوا: اُبْشُرْ بِالْجنَّةِ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَو لَا تَدْرُونَ فَلَعَلَّهُ قد تكلم بِمَا لَا يعنيه أَو بخل بِمَا لَا يَنْفَعهُ

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من وَجه آخر عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: أُصِيب رجل يَوْم أحد فَجَاءَت امْرَأَة فَقَالَت: يَا بني لتهنك الشَّهَادَة فَقَالَ لَهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: وَمَا يدْريك لَعَلَّه كَانَ يتَكَلَّم بِمَا لَا يعنيه وَيبْخَل بِمَا لَا يُغْنِيه

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَمْرو رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: خلقان يحبهما الله وخلقان يبغضهما الله

فَأَما اللَّذَان يُحِبهَا الله فالسخاء والسماحة وَأما اللَّذَان يبغضهما الله فسوء الْخلق وَالْبخل فَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا اسْتَعْملهُ على قَضَاء حوائج النَّاس

وَأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول

ص: 109

الله صلى الله عليه وسلم: برِئ من الشُّح من أدّى الزَّكَاة وقرى الضَّيْف وَأدّى فِي النائبة

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَضَعفه عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: لَا يذهب السخاء على الله السخي قريب من الله فَإِذا لقِيه يَوْم الْقِيَامَة أَخذ بِيَدِهِ فأقله عثرته

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: صَلَاح أوّل هَذِه الْأمة بالزهد وَالتَّقوى وهلاك آخرهَا بالبخل والفجور

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَضَعفه عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: السخي قريب من الله قريب من الْجنَّة بعيد من النَّار والبخيل بعيد من الله بعيد من الْجنَّة قريب من النَّار وَالْجَاهِل السخي أحب إِلَى الله من العابد الْبَخِيل

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: السخي قريب من الله قريب من الْجنَّة قريب من النَّاس بعيد من النَّار والبخيل بعيد من الله بعيد من الْجنَّة بعيد من النَّاس قريب من النَّار ولَجَاهل سخيٌ أحب إِلَى الله من عَابِد بخيل

وَأخرج ابْن عدي فِي الْكَامِل وَالْبَيْهَقِيّ وضعَّفه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: السخي قريب من الله قريب من الْجنَّة قريب من النَّاس بعيد من النَّار والبخيل بعيد من الله بعيد من الْجنَّة بعيد من النَّاس قريب من النَّار ولفاجر سخيّ أحبّ إِلَى الله من عَابِد بخيل وَأي دَاء أدوأ من الْبُخْل

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: يَا بني سَلمَة من سيدكم الْيَوْم قَالُوا: الْجد بن قيس وَلَكنَّا نبخله قَالَ: وَأي دَاء أدوأ من الْبُخْل وَلَكِن سيدكم عَمْرو بن الجموح

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن جَابر رضي الله عنه قَالَ: لما قدم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَا بني سَلمَة من سيدكم قَالُوا: الْجد بن قيس وَإِنَّا لنبخله

قَالَ: وَأي دَاء أدوأ من الْبُخْل بل سيدكم الْخَيْر الْأَبْيَض عَمْرو بن الجموح قَالَ: وَكَانَ على أضيافهم فِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ: وَكَانَ يولم على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا تزوّج

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن كَعْب بن مَالك رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: من سيدكم يَا بني سَلمَة قَالُوا: الْجد بن

ص: 110

قيس قَالَ: وَبِمَ تسوّدونه قَالُوا: بِأَنَّهُ أكثرنا مَالا وَإِنَّا على ذَلِك لنزنه بالبخل فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: وَأي دَاء أدوأ من الْبُخْل لَيْسَ ذَاك سيدكم

قَالُوا: فَمن سيدنَا يَا رَسُول الله قَالَ: سيدكم الْبَراء بن معْرور قَالَ الْبَيْهَقِيّ مُرْسل

وَأخرج الْحَاكِم عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: من سيدكم يَا بني عبيد قَالُوا: الْجد بن قيس على أَن فِيهِ بخلا قَالَ: وَأي دَاء أدوأ من الْبُخْل بل سيدكم وَابْن سيدكم بشر بن الْبَراء بن معْرور

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي بكر الصّديق رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: لَا يدْخل الْجنَّة بخيل وَلَا خب وَلَا خائن وَلَا سيء الملكة وَأول من يقرع بَاب الْجنَّة المملوكون وَإِذا أَحْسنُوا فِيمَا بَينهم وَبَين الله وَبَين مواليهم

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي سهل الوَاسِطِيّ رفع الحَدِيث قَالَ: إِن الله اصْطنع هَذَا الدّين لنَفسِهِ وَإِنَّمَا صَلَاح هَذَا الدّين بالسخاء وَحسن الْخلق فاكرموه بهما

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من طرق وَضَعفه عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: قَالَ لي جِبْرِيل: قَالَ الله تَعَالَى: إِن هَذَا الدّين ارتضيته لنَفْسي وَلَا يصلحه إِلَّا السخاء وَحسن الْخلق فأكرموه بهما مَا صحبتموه

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَضَعفه عَن عبد الله بن جَراد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: إِذا ابتغيتم الْمَعْرُوف فابتغوه فِي حسان الْوُجُوه فوَاللَّه لَا يلج النَّار إِلَّا بخيل وَلَا يلج الْجنَّة شحيح إِن السخاء شَجَرَة فِي الْجنَّة تسمى السخاء وَإِن الشُّح شَجَرَة فِي النَّار تسمى الشُّح

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَضَعفه عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: السخاء من شجر الْجنَّة أَغْصَانهَا متدليات فِي الدُّنْيَا من أَخذ بِغُصْن مِنْهَا قَادَهُ ذَلِك الْغُصْن إِلَى الْجنَّة وَالْبخل شَجَرَة من شجر النَّار أَغْصَانهَا متدليات فِي الدُّنْيَا من أَخذ بِغُصْن مِنْهَا قَادَهُ ذَلِك الْغُصْن إِلَى النَّار

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: السخاء شَجَرَة فِي الْجنَّة فَمن كَانَ سخياً أَخذ بِغُصْن مِنْهَا فَلم يتْركهُ الْغُصْن حَتَّى يدْخلهُ الْجنَّة وَالشح شَجَرَة فِي النَّار فَمن كَانَ شحيحاً أَخذ بِغُصْن مِنْهَا فَلم يتْركهُ الْغُصْن حَتَّى يدْخلهُ النَّار

وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَضَعفه عبن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كنت قَاعِدا مَعَ

ص: 111

النَّبِي صلى الله عليه وسلم فجَاء ثَلَاثَة عشر رجلا عَلَيْهِم ثِيَاب السّفر فَسَلمُوا على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ قَالُوا: من السَّيِّد من الرِّجَال يَا رَسُول الله قَالَ: ذَاك يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم

قَالُوا: مَا فِي أمتك سيد قَالَ: بلَى رجل أعطي مَالا حَلَالا ورزق سماحة فأدنى الْفَقِير فَقلت شكايته فِي النَّاس

وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: ضرب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مثل الْبَخِيل والمتصدق كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جبتان من حَدِيد قد اضطرت أَيْدِيهِمَا إِلَى ثديهما وتراقيهما فَجعل كلما تصدق بِصَدقَة انبسطت عَنهُ حَتَّى تغشى أنامله وَتَعْفُو أَثَره وَجعل الْبَخِيل كلما هم بِصَدقَة قلصت وَأخذت كل حَلقَة مَكَانهَا فَهُوَ يوسعها وَلَا تتسع

وَأخرج الزبير بن بكار فِي الموفقيات عَن عبد الله بن أبي عُبَيْدَة بن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر قَالَ: قدم خَالِد بن الْوَلِيد من نَاحيَة أَرض الرّوم على النَّبِي صلى الله عليه وسلم بأسرى فَعرض عَلَيْهِم الإِسلام فَأَبَوا فَأمر أَن تضرب أَعْنَاقهم حَتَّى إِذا جَاءَ إِلَى آخِرهم قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: يَا خَالِد كف عَن الرجل قَالَ: يَا رَسُول الله مَا كَانَ فِي الْقَوْم أَشد عليّ مِنْهُ

قَالَ: هَذَا جِبْرِيل يُخْبِرنِي عَن الله أَنه كَانَ سخيّاً فِي قومه فَكف عَنهُ وَأسلم الرُّومِي

الْآيَة 10 - 14

ص: 112

أخرج عبد بن حميد عَن مُجَاهِد رضي الله عنه {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ} قَالَ: الَّذين أَسْلمُوا فعنوا أَيْضا عبد الله بن نَبْتَل وَأَوْس بن قيظي

وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه عَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ: النَّاس على ثَلَاثَة منَازِل قد مَضَت منزلتان وَبقيت منزلَة فَأحْسن مَا أَنْتُم كائنون عَلَيْهِ أَن تَكُونُوا بِهَذِهِ الْمنزلَة الَّتِي بقيت ثمَّ قَرَأَ {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ} الْآيَة ثمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرُونَ وَهَذِه منزلَة وَقد مَضَت ثمَّ قَرَأَ {وَالَّذين تبوؤوا الدَّار والإِيمان من قبلهم} الْآيَة ثمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَار وَهَذِه منزلَة وَقد مَضَت ثمَّ قَرَأَ {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا ولإِخواننا الَّذين سبقُونَا بالإِيمان} فقد مَضَت هَاتَانِ المنزلتان وَبقيت هَذِه الْمنزلَة فَأحْسن مَا أَنْتُم كائنون عَلَيْهِ أَن تَكُونُوا بِهَذِهِ الْمنزلَة

وَأخرج عبد بن حميد عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ} الْآيَة قَالَ: أمروا بالاستغفار لَهُم وَقد علم مَا أَحْدَثُوا

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن الْأَنْبَارِي فِي الْمَصَاحِف وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت: أمروا أَن يَسْتَغْفِرُوا لأَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم فسبوهم ثمَّ قَرَأت هَذِه الْآيَة {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا ولإِخواننا الَّذين سبقُونَا بالإِيمان} وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر أَنه سمع رجلا وَهُوَ يتَنَاوَل بعض الْمُهَاجِرين فَقَرَأَ عَلَيْهِ {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين} الْآيَة ثمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرُونَ فَمنهمْ أَنْت قَالَ: لَا ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ {وَالَّذين تبوؤوا الدَّار والإِيمان} الْآيَة ثمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَار أفأنت مِنْهُم قَالَ: لَا ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ} الْآيَة ثمَّ قَالَ: أَفَمَن هَؤُلَاءِ أَنْت قَالَ: أَرْجُو قَالَ: لَا لَيْسَ من هَؤُلَاءِ من يسب هَؤُلَاءِ

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من وَجه آخرعن ابْن عمر أَنه بلغه أَن رجلا نَالَ من عُثْمَان فَدَعَاهُ فأقعده بَين يَدَيْهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين} الْآيَة قَالَ: من هَؤُلَاءِ

ص: 113

أَنْت قَالَ: لَا

ثمَّ قَرَأَ {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ} الْآيَة قَالَ: من هَؤُلَاءِ أَنْت قَالَ: أرجوا أَن أكون مِنْهُم

قَالَ: لَا وَالله مَا يكون مِنْهُم من يتناولهم وَكَانَ فِي قلبه الغل عَلَيْهِم

وَأخرج عبد بن حميد عَن الْأَعْمَش أَنه قَرَأَ / رَبنَا لَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلاً للَّذين آمنُوا /

وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ النَّسَائِيّ عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: بَينا نَحن عِنْد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يطلع الْآن رجل من أهل الْجنَّة فَأطلع رجل من الْأَنْصَار تنطف لحيته مَاء من وضوئِهِ مُعَلّق نَعْلَيْه فِي يَده الشمَال فَلَمَّا كَانَ من الْغَد

قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: يطلع عَلَيْكُم الْآن رجل من أهل الْجنَّة فَاطلع ذَلِك الرجل على مثل مرتبته الأولى فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذَلِك فَأطلع ذَلِك الرجل فَلَمَّا قَامَ الرجل أتبعه عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لاحيت أبي فأقسمت أَن لَا أَدخل عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِن رَأَيْت أَن تؤويني إِلَيْك حَتَّى تحل يَمِيني فعلت

قَالَ: نعم قَالَ أنس: فَكَانَ عبد بن عَمْرو يحدث أَنه بَات مَعَه لَيْلَة فَلم يره يقوم من اللَّيْل شَيْئا غير أَنه كَانَ إِذا تقلب على فرَاشه ذكر الله وَكبر حَتَّى يقوم لصَلَاة الْفجْر فيسبغ الْوضُوء غير أَنِّي لَا أسمعهُ يَقُول إِلَّا خيرا فَلَمَّا مَضَت اللَّيَالِي الثَّلَاث وكدت احتقر عمله قلت: يَا عبد الله إِنَّه لم يكن بيني وَبَين وَالِدي غضب وَلَا هِجْرَة وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول لَك ثَلَاث مَرَّات فِي ثَلَاث مجَالِس يطلع عَلَيْكُم الْآن رجل من أهل الْجنَّة فأطلعت أَنْت تِلْكَ المرات الثَّلَاث فَأَرَدْت أَن آوي إِلَيْك فَأنْظر مَا عَمَلك فَإِذا مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْت فَانْصَرَفت عَنهُ فَلَمَّا وليت دَعَاني فَقَالَ: مَا هُوَ إلاّ مَا قد رَأَيْت غير أَنِّي لَا أجد فِي نَفسِي غلاً لأحد من الْمُسلمين وَلَا أحسده على خير أعطَاهُ الله إِيَّاه فَقَالَ لَهُ عبد الله بن عَمْرو: هَذِه الَّتِي بلغت بك وَهِي الَّتِي لَا نطيق

وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ عَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد قَالَ: بلغنَا أَن رجلا صلى مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا انْصَرف قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: هَذَا الرجل من أهل الْجنَّة

قَالَ عبد الله بن عمروا: فَأَتَيْته فَقلت: يَا عماه الضِّيَافَة قَالَ نعم فَإِذا لَهُ خيمة وشَاة ونخل فَلَمَّا أَمْسَى خرج من خيمته فاحتلب العنز واجتنى لي رطبا ثمَّ وَضعه فَأكلت

ص: 114

مَعَه فَبَاتَ نَائِما وَبت قَائِما وَأصْبح مُفطرا وأصبحت صَائِما فَفعل ذَلِك ثَلَاث لَيَال فَقلت لَهُ: أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ فِيك: إِنَّك من أهل الْجنَّة فَأَخْبرنِي مَا عَمَلك فَائت الَّذِي أخْبرك حَتَّى يُخْبِرك بعملي فَأتيت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ائته فمره أَن يُخْبِرك فَقلت: أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرك أَن تُخبرنِي

قَالَ: أما الْآن فَنعم فَقَالَ: لَو كَانَت الدُّنْيَا لي فَأخذت مني لم أَحْزَن عَلَيْهَا وَلَو أعطيتهَا لم أفرح بهَا وأبيت وَلَيْسَ فِي قلبِي غل على أحد قَالَ عبد الله: لكني وَالله أقوم اللَّيْل وَأَصُوم النَّهَار وَلَو وهبت لي شَاة لفرحت بهَا وَلَو ذهبت لحزنت عَلَيْهَا وَالله لقد فضلك الله علينا فضلا بَينا

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس {ألم تَرَ إِلَى الَّذين نافقوا} قَالَ عبد الله بن أبيّ بن سلول وَرِفَاعَة بن تَابُوت وَعبد الله بن نَبْتَل وَأَوْس بن قيظي وإخوانهم بَنو النَّضِير

وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس أَن رهطاً من بني عَوْف بن الْحَارِث مِنْهُم عبد الله بن أُبي بن سلول ووديعة بن مَالك وسُويد وداعس بعثوا إِلَى بني النَّضِير أَن اثبتوا وتمنعوا فَإنَّا لَا نسلمكم وَإِن قوتلتم قاتلنا مَعكُمْ وَإِن خَرجْتُمْ خرجنَا مَعكُمْ فتربصوا ذَلِك من نَصرهم فَلم يَفْعَلُوا وَقذف الله الرعب فِي قُلُوبهم فسألوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يجليهم ويكف عَن دِمَائِهِمْ على أَن لَهُم مَا حملت الإِبل من أَمْوَالهم إِلَّا الْحلقَة فَفعل فَكَانَ الرجل مِنْهُم يهدم بَيته فيضعه على ظهر بعيره فَينْطَلق بِهِ فَخَرجُوا إِلَى خَيْبَر وَمِنْهُم من سَار إِلَى الشَّام

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ قَالَ: قدأسلم نَاس من أهل قُرَيْظَة وَالنضير وَكَانَ فيهم مُنَافِقُونَ وَكَانُوا يَقُولُونَ لأهل النَّضِير: لَئِن أخرجتم لَنخْرجَنَّ مَعكُمْ فَنزلت فيهم هَذَا الْآيَة {ألم تَرَ إِلَى الَّذين نافقوا يَقُولُونَ لإِخوانهم} الْآيَة

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {ألم تَرَ إِلَى الَّذين نافقوا} قَالَ: عبد الله بن أبي سلول وَرِفَاعَة بن تَابُوت وَعبد الله بن نَبْتَل وَأَوْس بن قيظي {يَقُولُونَ لإِخوانهم} قَالَ: النَّضِير {بأسهم بَينهم شَدِيد} قَالَ: بالْكلَام {تحسبهم جَمِيعًا وَقُلُوبهمْ شَتَّى} قَالَ: المُنَافِقُونَ يُخَالف دينهم دين النَّضِير {كَمثل الَّذين من قبلهم قَرِيبا} قَالَ: كفار قُرَيْش يَوْم بدر

ص: 115

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {تحسبهم جَمِيعًا وَقُلُوبهمْ شَتَّى} قَالَ: كَذَلِك أهل الْبَاطِل مُخْتَلفَة شَهَادَتهم مُخْتَلفَة أهواؤهم مُخْتَلفَة أَعْمَالهم وهم مجتمعون فِي عَدَاوَة أهل الْحق {كَمثل الَّذين من قبلهم قَرِيبا} قَالَ: هم بَنو النَّضِير

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس {تحسبهم جَمِيعًا وَقُلُوبهمْ شَتَّى} قَالَ: هم الْمُشْركُونَ

وَأخرج الديلمي عَن عَليّ قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ بَعضهم لبَعض نصحاء وادّون وَإِن افْتَرَقت مَنَازِلهمْ والفجرة بَعضهم لبَعض غششة خونة وَإِن اجْتمعت أبدانهم

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد {كَمثل الَّذين من قبلهم قَرِيبا} قَالَ: هم كفار قُرَيْش يَوْم بدر

وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن قَتَادَة {كَمثل الَّذين من قبلهم قَرِيبا} قَالَ: هم بَنو النَّضِير

الْآيَة 15 - 20

ص: 116

أخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن رَاهَوَيْه وَأحمد فِي الزّهْد وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَالْحَاكِم صَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن عَليّ بن أبي طَالب أَن رجلا كَانَ يتعبد فِي صومعة وَأَن امْرَأَة كَانَ لَهَا إخْوَة فَعرض لَهَا شَيْء فَأتوهُ بهَا فزينت لَهُ نَفسه فَوَقع عَلَيْهَا فَجَاءَهُ الشَّيْطَان

ص: 116

فَقَالَ: اقتلها فَإِنَّهُم إِن ظَهَرُوا عَلَيْك افتضحت فَقَتلهَا ودفنها فجاؤوه فَأَخَذُوهُ فَذَهَبُوا بِهِ فَبَيْنَمَا هم يَمْشُونَ إذاجاءه الشَّيْطَان فَقَالَ: إِنِّي أَنا الَّذِي زينت لَك فاسجد لي سَجْدَة أنجيك فَسجدَ لَهُ فَذَلِك قَوْله: {كَمثل الشَّيْطَان إِذْ قَالَ للإِنسان اكفر} الْآيَة وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {كَمثل الشَّيْطَان} الْآيَة قَالَ: كَانَ رَاهِب من بَين إِسْرَائِيل يعبد الله فَيحسن عِبَادَته وَكَانَ يُؤْتِي من كل أَرض فَيسْأَل عَن الْفِقْه وَكَانَ عَالما وَإِن ثَلَاثَة إخْوَة لَهُم أُخْت حسناء من أحسن النَّاس وَإِنَّهُم أَرَادوا أَن يسافروا وَكبر عَلَيْهِم أَن يدعوها ضائعة فعمدوا إِلَى الراهب فَقَالُوا: إِنَّا نُرِيد السّفر وَإِنَّا لَا نجد أحد أوثق فِي أَنْفُسنَا وَلَا آمن عندنَا مِنْك فَإِن رَأَيْت جعلنَا أُخْتنَا عنْدك فَإِنَّهَا شَدِيدَة الوجع فَإِن مَاتَت فَقُمْ عَلَيْهَا وَإِن عاشت فَأصْلح إِلَيْهَا حَتَّى ترجع فَقَالَ: أكفيكم إِن شَاءَ الله فَقَامَ عَلَيْهَا فداواها حَتَّى بَرِئت وَعَاد إِلَيْهَا حسنها وَإنَّهُ اطلع إِلَيْهَا فَوَجَدَهَا متصنعة وَلم يزل بِهِ الشَّيْطَان حَتَّى وَقع عَلَيْهَا فَحملت ثمَّ ندمه الشَّيْطَان فزين لَهُ قَتلهَا وَقَالَ: إِن لم تفعل افتضحت وَعرف أَمرك فَلم يكن لَك معذره فَلم يزل بِهِ حَتَّى قَتلهَا فَلَمَّا قدم إخوتها سَأَلُوهُ مَا فعلت قَالَ: مَاتَت فدفنتها

قَالُوا: أَحْسَنت

فَجعلُوا يرَوْنَ فِي الْمَنَام ويخبرون أَن الراهب قَتلهَا أَنَّهَا تَحت شَجَرَة كَذَا وَكَذَا وَأَنَّهُمْ عَمدُوا إِلَى الشَّجَرَة فَوَجَدَهَا قد قتلت فعمدوا إِلَيْهِ فَأَخَذُوهُ فَقَالَ الشَّيْطَان: أَنا الَّذِي زينت لَك الزِّنَا وزينت لَك قَتلهَا فَهَل لَك أَن تطيعني وأنجيك قَالَ: نعم قَالَ: قَالَ فاسجد لي سَجْدَة وَاحِدَة فَسجدَ لَهُ ثمَّ قتل فَذَلِك قَول الله: {كَمثل الشَّيْطَان إِذْ قَالَ للإِنسان اكفر} الْآيَة

وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن مَسْعُود فِي هَذِه الْآيَة قَالَ: كَانَت امْرَأَة ترعى الْغنم وَكَانَ لَهَا أَرْبَعَة إخْوَة وَكَانَت تأوي بِاللَّيْلِ إِلَى صومعة رَاهِب فَنزل الراهب ففجر بهَا فَأَتَاهُ الشَّيْطَان فَقَالَ: اقتلها ثمَّ ادفنها فَإنَّك رجل مُصدق يسمع قَوْلك فَقَتلهَا ثمَّ دَفنهَا فَأتى الشَّيْطَان إخوتها فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُم: إِن الراهب فجر بأختكم فَلَمَّا أحبلها قَتلهَا ثمَّ دَفنهَا فِي مَكَان كَذَا وَكَذَا فَلم أصبح قَالَ رجل مِنْهُم: لقد رَأَيْت البارحة كَذَا وَكَذَا فَقَالَ الآخر: وَأَنا وَالله لقد رَأَيْت كَذَلِك فَقَالَ الآخر: وَأَنا وَالله لقد رَأَيْت كَذَلِك قَالُوا: فوَاللَّه مَا هَذَا إِلَّا لشَيْء فَانْطَلقُوا

ص: 117

فَاسْتَعدوا ملكهم على ذَلِك الراهب فَأتوهُ فأنزلوه ثمَّ انْطَلقُوا بِهِ فَلَقِيَهُ الشَّيْطَان فَقَالَ: إِنِّي أَنا الَّذِي أوقعتك فِي هَذَا وَلنْ ينجيك مِنْهُ غَيْرِي فاسجد لي سَجْدَة وَاحِدَة وأنجيك مِمَّا أوقعتك فِيهِ فَسجدَ لَهُ فَلَمَّا أَتَوا بِهِ ملكهم تَبرأ مِنْهُ وأُخِذَ فقُتِل

وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا فِي مكايد الشَّيْطَان وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن عبيد بن رِفَاعَة الدَّارمِيّ يبلغ بِهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: كَانَ رَاهِب فِي بني إِسْرَائِيل فَأخذ الشَّيْطَان جَارِيَة فخنقها فَألْقى فِي قُلُوب أَهلهَا أَن دواءها عِنْد الراهب فَأتي بهَا الراهب فَأبى أَن يقبلهَا فَلم يزَالُوا بِهِ حَتَّى قبلهَا فَكَانَت عِنْده فَأَتَاهُ الشَّيْطَان فوسوس لَهُ وزين لَهُ فَلم يزل بِهِ حَتَّى وَقع عَلَيْهَا فَلَمَّا حملت وسوس لَهُ الشَّيْطَان فَقَالَ: الْآن تفتضح يَأْتِيك أَهلهَا فَاقْتُلْهَا فَإِن أتوك فَقل: مَاتَت

فَقَتلهَا ودفنها فَأتى الشَّيْطَان أَهلهَا فوسوسإليهم وَألقى فِي قُلُوبهم أَنه أحبلها ثمَّ قَتلهَا فَأَتَاهُ أَهلهَا فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: مَاتَت

فَأَخَذُوهُ فَأَتَاهُ الشَّيْطَان فَقَالَ: أَنا الَّذِي ألقيت فِي قُلُوب أَهلهَا وَأَنا الَّذِي أوقعتك فِي هَذَا فأطعني تنج واسجد لي سَجْدَتَيْنِ

فَسجدَ لَهُ سَجْدَتَيْنِ فَهُوَ الَّذِي قَالَ الله: {كَمثل الشَّيْطَان إِذْ قَالَ للإِنسان اكفر} الْآيَة

وَأخرج ابْن الْمُنْذر والخرائطي فِي اعتلال الْقُلُوب من طَرِيق عدي بن ثَابت عَن ابْن عَبَّاس فِي الْآيَة قَالَ: كَانَ رَاهِب فِي بني إِسْرَائِيل متعبداً زَمَانا حَتَّى كَانَ يُؤْتى بالمجانين فَيقْرَأ عَلَيْهِم ويعودهم حَتَّى يبرؤوا فَأتى بِامْرَأَة فِي شرف قد عرض لَهَا الْجُنُون فجَاء إخواتها إِلَيْهِ ليعوذها فَلم يزل بِهِ الشَّيْطَان يزين لَهُ حَتَّى وَقع عَلَيْهَا فَحملت فَلَمَّا عظم بَطنهَا لم يزل الشَّيْطَان يزين لَهُ حَتَّى قَتلهَا ودفنها فِي مَكَان فجَاء الشَّيْطَان فِي صُورَة رجل إِلَى بعض إخوتها فَأخْبرهُ فَجعل الرجل يَقُول لِأَخِيهِ: وَالله لقد أَتَانِي آتٍ فَأَخْبرنِي بِكَذَا وَكَذَا حَتَّى أفْضى بِهِ بَعضهم إِلَى بعض حَتَّى رَفَعُوهُ إِلَى ملكهم فَسَار الْملك وَالنَّاس حَتَّى استنزله فَأقر واعترف فَأمر بِهِ الْملك فصلب فَأَتَاهُ الشَّيْطَان وَهُوَ على خشبته فَقَالَ: أَنا الَّذِي زينت لَك هَذَا وألقيتك فِيهِ فَهَل أَنْت مطيعي فِيمَا آمُرك بِهِ وأخلصك قَالَ: نعم

قَالَ: فاسجد لي سَجْدَة وَاحِدَة فَسجدَ لَهُ وَكفر فَقتل فِي تِلْكَ الْحَال

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد عَن طَاوُوس قَالَ: كَانَ رجل من بني إِسْرَائِيل عابداً وَكَانَ رُبمَا داوى المجانين وَكَانَت امْرَأَة جميلَة أَخذهَا الْجُنُون فجيء بهَا إِلَيْهِ فَتركت عِنْده فَأَعْجَبتهُ فَوَقع عَلَيْهَا فَحملت فَجَاءَهُ الشَّيْطَان فَقَالَ:

ص: 118

إِن علم بِهَذَا افتضحت فَاقْتُلْهَا وادفنها فِي بَيْتك فَقَتلهَا فجَاء أَهلهَا بعد زمَان يسألونه عَنْهَا فَقَالَ: مَاتَت فَلم يتهموه لصلاحه فيهم وَرضَاهُ فَجَاءَهُمْ الشَّيْطَان فَقَالَ: إِنَّهَا لم تمت وَلكنهَا وَقع عَلَيْهَا فَحملت فَقَتلهَا ودفنها فِي بَيته فِي مَكَان كَذَا وَكَذَا فجَاء أَهلهَا فَقَالُوا: مَا نتهمك وَلَكِن أخبرنَا أَيْن دفنتها وَمن كَانَ مَعَك ففتشوا بَيته فوجدوها حَيْثُ دَفنهَا فَأخذ فسجن فَجَاءَهُ الشَّيْطَان فَقَالَ: إِن كنت تُرِيدُ أَن أخرجك مِمَّا أَنْت فِيهِ فَأكفر بِاللَّه فأطاع الشَّيْطَان وَكفر فَأخذ وَقتل فتبرأ مِنْهُ الشَّيْطَان حِينَئِذٍ قَالَ طَاوس: مَا أعلم إِلَّا أَن هَذِه الْآيَة أنزلت فِيهِ {كَمثل الشَّيْطَان إِذْ قَالَ للإِنسان اكفر} الْآيَة

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن مَسْعُود فِي الْآيَة قَالَ: ضرب الله مثل الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ الَّذين كَانُوا على عهد النَّبِي صلى الله عليه وسلم {كَمثل الشَّيْطَان إِذْ قَالَ للإِنسان اكفر}

وَأخرج عبد بن حميد عَن مُجَاهِد رضي الله عنه {كَمثل الشَّيْطَان إِذْ قَالَ للإِنسان اكفر} قَالَ: عَامَّة النَّاس

وَأخرج عبد بن حميد عَن الْأَعْمَش أَنه كَانَ يقْرَأ فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِي النَّار خالدان فِيهَا وَالله أعلم

قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله} الْآيَة

أخرج ابْن أبي شيبَة وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَابْن مرْدَوَيْه عَن جرير قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأَتَاهُ قوم مجتابي النمار متقلدي السيوف عَلَيْهِم أزر وَلَا شَيْء غَيرهَا عامتهم من مُضر فَلَمَّا رأى النَّبِي صلى الله عليه وسلم الَّذِي بهم من الْجهد والعري والجوع تغير وَجه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ قَامَ فَدخل بَيته ثمَّ رَاح إِلَى الْمَسْجِد فصلى الظّهْر ثمَّ صعد منبره فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: أما بعد ذَلِكُم فَإِن الله أنزل فِي كِتَابه {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله ولتنظر نفس مَا قدمت لغد وَاتَّقوا الله إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب الْجنَّة هم الفائزون} تصدقوا قبل أَن لَا تصدقوا تصدقوا قبل أَن يُحَال بَيْنكُم وَبَين الصَّدَقَة تصدق امْرُؤ من ديناره تصدق امْرُؤ من درهمه تصدق امْرُؤ من بره من شعيره من تمره لَا يحقرن شَيْء من الصَّدَقَة وَلَو بشق التمرة فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار بصرة فِي

ص: 119

كَفه فناولها رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ على منبره فَعرف السرُور فِي وَجهه فَقَالَ: من سنّ فِي الإِسلام سنة حَسَنَة فَعمل بهَا كَانَ لَهُ أجرهَا وَمثل أجر من عمل بهَا لَا ينقص من أُجُورهم شَيْئا وَمن سنّ سنة سَيِّئَة فَعمل بهَا كَانَ عَلَيْهِ وزرها وَمثل وزر من عمل بهَا لَا ينقص من أوزارهم شَيْئا فَقَامَ النَّاس فَتَفَرَّقُوا فَمن ذِي دِينَار وَمن ذِي دِرْهَم وَمن ذِي طَعَام وَمن ذِي وَمن ذِي فَاجْتمع فَقَسمهُ بَينهم

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {مَا قدمت لغد} قَالَ: يَوْم الْقِيَامَة

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن نعيم بن مُحَمَّد الرَّحبِي قَالَ: كَانَ من خطْبَة أبي بكر الصّديق: وَاعْلَمُوا أَنكُمْ تغدون وتروحون فِي أجل قد غيب عَنْكُم علمه فَإِن اسْتَطَعْتُم أَن يَنْقَضِي الْأَجَل وَأَنْتُم على حذر فافعلوا وَلنْ تستطيعوا ذَلِك إِلَّا بِإِذن الله وَإِن قوما جعلُوا أَجلهم لغَيرهم فنهاكم الله أَن تَكُونُوا أمثالهم فَقَالَ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ} أَيْن من كُنْتُم تعرفُون من إخْوَانكُمْ قد انْتَهَت عَنْهُم أَعْمَالهم ووردوا على مَا قدمُوا

أَيْن الجبارون الْأَولونَ الَّذين بنوا الْمَدَائِن وَحَصَّنُوهَا بالحوائط قد صَارُوا تَحت الصخر والآكام هَذَا كتاب الله لَا تفنى عجائبه وَلَا يطفأ نوره استضيئوا مِنْهُ الْيَوْم ليَوْم الظلمَة واستنصحوا كِتَابه وتبيانه فَإِن الله قد أفنا على قوم فَقَالَ: (كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات ويدعوننا رغباً ورهباً وَكَانُوا لنا خاشعين)(سُورَة الْأَنْبِيَاء الْآيَة 90) لَا خير فِي قَول لَا يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله وَلَا خر فِي مَال لَا ينْفق فِي سَبِيل الله وَلَا خير فِيمَن يغلب غَضَبه حلمه وَلَا خير فِي رجل يخَاف فِي الله لومة لائم

الْآيَة 21 - 24

ص: 120

أخرج ابْن الْمُنْذر عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله: {لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل} الْآيَة قَالَ: لَو أنزلت هَذَا الْقُرْآن على جبل فَأَمَرته بِالَّذِي أَمرتكُم وخوّفته بِالَّذِي خوفتكم بِهِ إِذا يصدع ويخشع من خشيَة الله فَأنْتم أَحَق أَن تخشوا وتذلوا وتلين قُلُوبكُمْ لذكر الله

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن مَالك بن دِينَار قَالَ: أقسم لكم لَا يُؤمن عبد بِهَذَا الْقُرْآن إِلَّا صدع قلبه

وَأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن} الْآيَة قَالَ: يَقُول: لَو أَنِّي أنزلت هَذَا الْقُرْآن على جبل حَملته إِيَّاه تصدع وخشع من ثقله وَمن خشيَة الله فَأمر الله النَّاس إِذا نزل عَلَيْهِم الْقُرْآن أَن يأخذوه بالخشية الشَّدِيدَة والتخشع قَالَ: {كَذَلِك يضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس لَعَلَّهُم يتفكرون}

وَأخرج الديلمي عَن ابْن مَسْعُود وعليّ مَرْفُوعا فِي قَوْله: {لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل} إِلَى آخر السُّورَة قَالَ: هِيَ رقية الصداع

وَأخرج الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي تَارِيخه قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو نعيم الْحَافِظ أبنأنا أَبُو الطّيب مُحَمَّد بن أَحْمد بن يُوسُف بن جَعْفَر الْمقري الْبَغْدَادِيّ يعرف بِغُلَام ابْن شنبوذ أبنأنا إِدْرِيس بن عبد الْكَرِيم الْحداد قَالَ: قَرَأت على خلف فَلَمَّا بلغت هَذِه الْآيَة {لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل} قَالَ: ضع يدك على رَأسك فَإِنِّي قَرَأت على سليم فَلَمَّا بلغت هَذِه الْآيَة قَالَ: ضع يدك على رَأسك فَإِنِّي قَرَأت على الْأَعْمَش فَلَمَّا بلغت هَذِه الْآيَة قَالَ: ضع يدك على رَأسك فَإِنِّي قَرَأت على يحيى بن وثاب فَلَمَّا بلغت هَذِه الْآيَة قَالَ: ضد يدك على رَأسك فَإِنِّي قَرَأت على عَلْقَمَة وَالْأسود فَلَمَّا بلغت هَذِه الْآيَة قَالَ: ضع يدك على رَأسك فَإنَّا قَرَأنَا على عبد الله فَلَمَّا بلغنَا هَذِه الْآيَة قَالَ: ضعا أيديكما على رؤوسكما فَإِنِّي قَرَأت على النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا بلغت هَذِه الْآيَة قَالَ لي: ضع يدك على رَأسك فَإِن جِبْرِيل لما نزل بهَا إليّ قَالَ لي: ضع يدك على رَأسك فَإِنَّهَا شِفَاء من كل دَاء إِلَّا السأم والسأم الْمَوْت

ص: 121

أخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: اسْم الله الْأَعْظَم هُوَ الله

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَنه كَانَ لَهُ مربد للتمر فِي بَيته فَوجدَ المربد قد نقص فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل أبصره فَإِذا بحس رجل فَقَالَ لَهُ: من أَنْت قَالَ: رجل من الْجِنّ أردنَا هَذَا الْبَيْت فأرملنا من الزَّاد فأصبنا من تمركم وَلَا ينقصكم الله مِنْهُ شَيْئا فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ: إِن كنت صَادِقا فناولني يدك فَنَاوَلَهُ يَده فَإِذا بِشعر كذراع الْكَلْب فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوب: مَا أصبت من تمرنا فَأَنت فِي حل أَلا تُخبرني بِأَفْضَل مَا تتعوّذ بِهِ الإِنس من الْجِنّ قَالَ: هَذِه الْآيَة آخر سُورَة الْحَشْر

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: من قَرَأَ آخر سُورَة الْحَشْر ثمَّ مَاتَ من يَوْمه وَلَيْلَته كفر عَنهُ كل خَطِيئَة عَملهَا

وَأخرج ابْن السّني فِي عمل يَوْم وَلَيْلَة وَابْن مرْدَوَيْه عَن أنس أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَمر رجلا إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه أَن يقْرَأ آخر سُورَة الْحَشْر وَقَالَ: إِن متَّ متَّ شَهِيدا

وَأخرج أَبُو عَليّ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي فِي فَوَائده عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة أَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ لعَلي بن أبي طَالب: سَأَلتك بِاللَّه إِلَّا مَا خصصتني بِأَفْضَل مَا خصك بِهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مِمَّا خصّه بِهِ جِبْرِيل مِمَّا بعث بِهِ إِلَيْهِ الرَّحْمَن قَالَ: يَا برَاء إِذا أردْت أَن تَدْعُو الله باسمه الْأَعْظَم فاقرأ من أول الْحَدِيد عشر آيَات وَآخر سُورَة الْحَشْر ثمَّ قل: يَا من هُوَ هَكَذَا وَلَيْسَ شَيْء هَكَذَا غَيره أَسأَلك أَن تفعل بِي كَذَا وَكَذَا فوَاللَّه يَا برَاء لَو دَعَوْت عليّ لخسف بِي

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: من تعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَرَأَ آخر سُورَة لحشر بعث الله إِلَيْهِ سبعين ألف ملك يطردون عَنهُ شياطين الإِنس وَالْجِنّ إِن كَانَ لَيْلًا حَتَّى يصبح وَإِن كَانَ نَهَارا حَتَّى يُمْسِي

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم مثله إِلَّا أَنه قَالَ: يتَعَوَّذ الشَّيْطَان عشر مَرَّات

وَأخرج أَحْمد والدارمي وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن الضريس وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن معقل بن يسَار عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: من قَالَ حِين يصبح عشر مَرَّات أعوذ بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم ثمَّ قَرَأَ الثَّلَاث آيَات من آخر سُورَة

ص: 122

الْحَشْر وكل الله بِهِ سبعين ألف ملك يصلونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِي وَإِن مَاتَ ذَلِك الْيَوْم مَاتَ شَهِيدا وَمن قَالَهَا حِين يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمنزلَة

وَأخرج ابْن عدي وَابْن مرْدَوَيْه والخطيب وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: من قَرَأَ خَوَاتِيم الْحَشْر فِي ليل أَو نَهَار فَمَاتَ فِي يَوْمه أَو ليلته فقد أوجب لَهُ الْجنَّة

وَأخرج ابْن الضريس عَن عتيبة قَالَ: حَدثنَا أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنه من قَرَأَ خَوَاتِيم الْحَشْر حِين يصبح أدْرك مَا فَاتَهُ من ليلته وَكَانَ مَحْفُوظًا إِلَى أَن يُمْسِي وَمن قَرَأَهَا حِين يُمْسِي أدْرك مَا فَاتَهُ من يَوْمه وَكَانَ مَحْفُوظًا إِلَى أَن يصبح وَإِن مَاتَ أوجب

وَأخرج الدَّارمِيّ وَابْن الضريس عَن الْحسن قَالَ: من قَرَأَ ثَلَاث آيَات من آخر سُورَة الْحَشْر إِذا أصبح فَمَاتَ من يَوْمه ذَلِك طبع بِطَابع الشُّهَدَاء وَإِن قَرَأَ إِذا مسى فَمَاتَ من ليلته طبع بِطَابع الشُّهَدَاء

وَأخرج الديلمي عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: اسْم الله الْأَعْظَم فِي سِتَّة آيَات من آخر سُورَة الْحَشْر

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة} قَالَ: السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَفِي قَوْله: {الْمُؤمن} قَالَ: الْمُؤمن خلقه من أَن يظلمهم وَفِي قَوْله: {الْمُهَيْمِن} قَالَ: الشَّاهِد

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج قي قَوْله: {عَالم الْغَيْب} قَالَ: مَا يكون وَمَا هُوَ كَائِن وَفِي قَوْله: {القدوس} قَالَ: تقدسه الْمَلَائِكَة

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة فِي قَوْله: {القدوس} قَالَ: الْمُبَارك {السَّلَام الْمُؤمن} قَالَ: الْمُؤمن من آمن بِهِ {الْمُهَيْمِن} الشَّهِيد عَلَيْهِ {الْعَزِيز} فِي نقمته إِذا انتقم {الْجَبَّار} جبر خلقه على مَا يَشَاء المتكبر عَن كل سوء

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن زيد بن عَليّ قَالَ: إِنَّمَا سمي نَفسه {الْمُؤمن} لِأَنَّهُ آمنهم من الْعَذَاب

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: إِنَّمَا تسمى {الْجَبَّار} أَنه يجْبر الْخلق على مَا أَرَادَهُ

ص: 123

بسم الله الرحمن الرحيم

سُورَة الممتحنة

مَدَنِيَّة وآياتها ثَلَاث عشرَة

مُقَدّمَة سُورَة الممتحنة أخرج ابْن الضريس والنحاس وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نزلت سُورَة الممتحنة بِالْمَدِينَةِ

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن الزبير مثله

الْآيَة 1 - 6

ص: 124

أخرج أَحْمد والْحميدِي وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو عوَانَة وَابْن حبَان وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم مَعًا فِي الدَّلَائِل عَن عليّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنا وَالزُّبَيْر والمقداد فَقَالَ: انْطَلقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَة خَاخ فَإِن بهَا ظَعِينَة مَعهَا كتاب فَخُذُوهُ مِنْهَا فائتوني بِهِ فخرجنا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَة فَإِذا نَحن بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكتاب

قَالَت: مَا معي كتاب

قُلْنَا: لتخْرجن الْكتاب أَو لتلْقين الثِّيَاب فَأَخْرَجته من عقاصها فأتينا بِهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَإِذا فِيهِ من حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى أنَاس من الْمُشْركين بِمَكَّة يُخْبِرهُمْ بِبَعْض أَمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: مَا هَذَا يَا حَاطِب قَالَ: لَا تعجل عليّ يَا رَسُول الله إِنِّي كنت امْرأ مُلْصقًا من قُرَيْش وَلم أكن من أَنْفسهَا وَكَانَ من مَعَك من الْمُهَاجِرين لَهُم: قَرَابَات يحْمُونَ بهَا أَهْليهمْ وَأَمْوَالهمْ بِمَكَّة فَأَحْبَبْت إِذْ فَاتَنِي ذَلِك من النّسَب فيهم أَن أصطنع إِلَيْهِم يدا يحْمُونَ بهَا قَرَابَتي وَمَا فعلت ذَلِك كفرا وَلَا ارْتِدَادًا عَن ديني فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: صدق فَقَالَ عمر: دَعْنِي يَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأَضْرب عُنُقه فَقَالَ إِنَّه شهد بَدْرًا وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم وَنزلت فِيهِ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة}

وَأخرج أَبُو يعلى وَابْن الْمُنْذر من طَرِيق الْحَارِث عَن عَليّ قَالَ: لما أَرَادَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن يَأْتِي مَكَّة أسر إِلَى نَاس من أَصْحَابه أَنه يُرِيد الدُّخُول إِلَى مَكَّة مِنْهُم حَاطِب بن أبي بلتعة وَأفْشى فِي النَّاس أَنه يُرِيد خَيْبَر فَكتب حَاطِب إِلَى أهل مَكَّة أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُرِيدكُمْ فَأخْبر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَبَعَثَنِي أَنا وَمن معي فَقَالَ: ائْتُوا رَوْضَة خَاخ فَذكر لَهُ مَا تقدم فَأنْزل الله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ} الْآيَة

وَأخرج ابْن الْمُنْذر من طَرِيق قَتَادَة وَابْن مرْدَوَيْه عَن أنس رضي الله عنه فِي الْآيَة

ص: 125

قَالَ: لما أَرَادَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم السيرورة من الْحُدَيْبِيَة إِلَى مُشْركي قُرَيْش كتب إِلَيْهَا حَاطِب بن أبي بلتعة يُحَذرهُمْ فَأطلع الله نبيه على ذَلِك فَوجدَ الْكتاب مَعَ امْرَأَة فِي قرن من رَأسهَا فَقَالَ لَهُ: مَا حملك على الَّذِي صنعت قَالَ: أما وَالله مَا ارتبت فِي أَمر الله وَلَا شَككت فِيهِ وَلكنه كَانَ لي بهَا أهل وَمَال فَأَرَدْت مصانعة قُرَيْش وَكَانَ حليفاً لَهُم وَلم يكن مِنْهُم فَأنْزل الله فِيهِ الْقُرْآن {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ} الْآيَة

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ} الْآيَة قَالَ: نزلت فِي رجل كَانَ مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ من قُرَيْش كتب إِلَى أهل وعشيرته بِمَكَّة يُخْبِرهُمْ وَيُنْذرهُمْ أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سَائِر إِلَيْهِم فَأخْبر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بصحيفته فَبعث عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه فَأَتَاهُ بهَا

وَأخرج أَبُو يعلى وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه والضياء فِي المختارة عَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ: كتب حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى الْمُشْركين بِكِتَاب فجيء بِهِ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا حَاطِب مَا دعَاك إِلَى مَا صنعت قَالَ: يَا رَسُول الله كَانَ أَهلِي فيهم فَخَشِيت أَن يصرموا عَلَيْهِم فَقلت: أكتب كتابا لَا يضر الله وَرَسُوله فَقلت: أضْرب عُنُقه يَا رَسُول الله فقد كفر فَقَالَ: وَمَا يدْريك يَا ابْن الْخطاب أَن يكون الله أطلع على أهل الْعِصَابَة من أهل بدر فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب بن أبي بلتعة وحاطب رجل من أهل الْيمن كَانَ حليفاً للزبير بن الْعَوام من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم قد شهد بَدْرًا وَكَانَ بنوه وَإِخْوَته بِمَكَّة فَكتب حَاطِب وَهُوَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ إِلَى كفار قُرَيْش بِكِتَاب ينتصح لَهُم فِيهِ فَدَعَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عليا وَالزُّبَيْر فَقَالَ لَهما انْطَلقَا حَتَّى تدركا امْرَأَة مَعهَا كتاب فخذا الْكتاب فائتياني بِهِ فَانْطَلقَا حَتَّى أدْركَا الْمَرْأَة بحليفة بني أَحْمد وَهِي من الْمَدِينَة على قريب من اثْنَي عشر ميلًا فَقَالَا لَهَا: أعطينا الْكتاب الَّذِي مَعَك

قَالَت: لَيْسَ معي كتاب

قَالَا كذبت قد حَدثنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن مَعَك كتابا وَالله لتعطين الْكتاب الَّذِي مَعَك أَو لَا نَتْرُك عَلَيْك ثوبا إِلَّا التمسنا فِيهِ

قَالَت: أولستم

ص: 126

بناس مُسلمين قَالَا: بلَى وَلَكِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قد حَدثنَا أَن مَعَك كتابا حَتَّى إِذْ ظنت أَنَّهُمَا ملتمسان كل ثوب مَعهَا حلت عقاصها فأخرجت لَهما الْكتاب من بَين قُرُون رَأسهَا كَانَت قد اعتقصت عَلَيْهِ فَأتيَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَإِذا هُوَ كتاب من حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى أهل مَكَّة فَدَعَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَاطِبًا قَالَ: أَنْت كتبت هَذَا الْكتاب قَالَ: نعم قَالَ: فَمَا حملك على أَن تكْتب بِهِ قَالَ حَاطِب: أما وَالله مَا ارتبت مُنْذُ أسلمت فِي الله عز وجل وَلَكِنِّي كنت امْرأ غَرِيبا فِيكُم أَيهَا الحيّ من قُرَيْش وَكَانَ لي بنُون وإخوة بِمَكَّة فَكتبت إِلَى كفار قُرَيْش بِهَذَا الْكتاب لكَي أدفَع عَنْهُم فَقَالَ عمر: ائْذَنْ لي يَا رَسُول الله أضْرب عُنُقه

فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: دَعه فَإِنَّهُ قد شهد بَدْرًا وَإنَّك لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فَإِنِّي غَافِر لكم مَا عملتم فَأنْزل الله فِي ذَلِك {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة} حَتَّى بلغ {لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر}

أخرجه عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد عَن عُرْوَة مُرْسلا

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: أَمن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم النَّاس يَوْم الْفَتْح إِلَّا أَرْبَعَة: عبد الله بن خطل وَمقيس بن صبَابَة وَعبد الله بن سعد بن أبي سرح وَأم سارة فَذكر الحَدِيث قَالَ: وَأما أم سارة فَإِنَّهَا كَانَت مولاة لقريش فَأَتَت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إِلَيْهِ الْحَاجة فَأَعْطَاهَا شَيْئا ثمَّ أَتَاهَا رجل فَبعث مَعهَا بِكِتَاب إِلَى أهل مَكَّة يتَقرَّب بذلك إِلَيْهَا لحفظ عِيَاله وَكَانَ لَهُ بهَا عِيَال فَأخْبر جِبْرِيل النَّبِي صلى الله عليه وسلم بذلك فَبعث فِي أَثَرهَا عمر بن الْخطاب وَعلي بن أبي طَالب رضي الله عنهما فلقياها فِي الطَّرِيق ففتشاها فَلم يقدرا على شَيْء مَعهَا فَأَقْبَلَا رَاجِعين ثمَّ قَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: وَالله مَا كذبنَا وَلَا كذبنَا ارْجع بِنَا إِلَيْهَا فَرَجَعَا إِلَيْهَا فسلاّ سيفهما فَقَالَا: وَالله لنذيقنك الْمَوْت أَو لتدفعنّ إِلَيْنَا الْكتاب فأنكرت ثمَّ قَالَت: أدفعه إلَيْكُمَا على أَن لَا ترداني إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقبلا ذَلِك مِنْهَا فَحلت عقَاص رَأسهَا فأخرجت الْكتاب من قرن من قُرُونهَا فَدَفَعته إِلَيْهِمَا فَرَجَعَا بِهِ إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَدَعَاهُ إِلَيْهِ فَدَعَا الرجل فَقَالَ: مَا هَذَا الْكتاب فَقَالَ: أخْبرك يَا رَسُول الله أَنه لَيْسَ من رجل مِمَّن مَعَك إِلَّا وَله بِمَكَّة من

ص: 127

يحفظ عِيَاله فَكتبت بِهَذَا الْكتاب ليكونوا لي فِي عيالي فَأنْزل الله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء} الْآيَة

وَأخرج عبد بن حميد عَن الْحسن قَالَ: كتب حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى الْمُشْركين كتابا يذكر فِيهِ مسير النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَبعث بِهِ مَعَ امْرَأَة فَبعث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي طلبَهَا فَأخذ الْكتاب مِنْهَا فجيء بِهِ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَدَعَا حَاطِبًا فَقَالَ: أَنْت كتبت هَذَا الْكتاب قَالَ: نعم يَا رَسُول الله أما وَالله إِنِّي لمُؤْمِن بِاللَّه وبرسوله وَمَا كفرت مُنْذُ أسلمت وَلَا شَككت مُنْذُ استيقنت وَلَكِنِّي كنت امْرأ لَا نسب لي فِي الْقَوْم إِنَّمَا كنت حليفهم وَفِي أَيْديهم من أَهلِي مَا قد علمت فَكتبت إِلَيْهِم بِشَيْء قد علمت أَن لن يُغني عَنْهُم من الله شَيْئا أَرَادَهُ أَن أدرأ بِهِ عَن أَهلِي وَمَالِي فَقَالَ عمر بن الْخطاب: يَا رَسُول الله خلّ عني وَعَن عدوّ الله هَذَا الْمُنَافِق فَأَضْرب عُنُقه فَنظر إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نظرا عرف عمر أَنه قد غضب ثمَّ قَالَ: وَيحك يَا عمر بن الْخطاب وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله قد اطلع على أهل موطن من مَوَاطِن الْخَيْر فَقَالَ للْمَلَائكَة: اشْهَدُوا أَنِّي قد غفرت لأعبدي (لعبادي) هَؤُلَاءِ فليعملوا مَا شاؤوا قَالَ عمر: الله وَرَسُوله أعلم

قَالَ: إِنَّهُم أهل بدر فاجتنب أهل بدر إِنَّهُم أهل بدر فاجتنب أهل بدر إِنَّهُم أهل بدر فاجتنب أهل بدر

وَأخرج أَحْمد وَعبد بن حميد عَن جَابر أَن حَاطِب بن أبي بلتعة كتب إِلَى أهل مَكَّة يذكر أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَرَادَ غزوهم فَدلَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم على الْمَرْأَة الَّتِي مَعهَا الْكتاب فَأرْسل إِلَيْهَا فَأخذ كتابها من رَأسهَا فَقَالَ: يَا حَاطِب أفعلت قَالَ: نعم أما إِنِّي لم أفعل غشا لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلَا نفَاقًا قد علمت أَن الله مظهر رَسُوله ومتم لَهُ غير أَنِّي كنت غَرِيبا بَين ظهرانيهم وَكَانَت والدتي فَأَرَدْت أَن أخدمها عِنْدهم فَقَالَ لَهُ عمر: أَلا أضْرب رَأس هَذَا قَالَ: أتقتل رجلا من أهل بدر وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله قد اطلع على أهل بدر وَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم

وَأخرج عبد بن حميد وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن جَابر أَن عبدا لحاطب بن أبي بلتعة جَاءَ إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ليشتكي حَاطِبًا فَقَالَ: يَا رَسُول الله ليدخلن حَاطِب النَّار فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: كذبت لَا يدخلهَا فَإِنَّهُ قد شهد بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: اسْم الَّذِي أنزلت فِيهِ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء}

ص: 128

حَاطِب بن أبي بلتعة

وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة قَالَ: ذكر لنا أَن حَاطِب بن أبي بلتعة كتب إِلَى أهل مَكَّة يُحَذرهُمْ سيرورة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم زمن الْحُدَيْبِيَة فَأطلع الله نبيه على ذَلِك فَقَالَ لَهُ نَبِي الله: مَا حملك على الَّذِي صنعت قَالَ: أما وَالله مَا شَككت فِي أَمْرِي وَلَا ارتبت فِيهِ وَلَكِن كَانَ لي هُنَاكَ مَال وَأهل فَأَرَدْت مصانعة قُرَيْش على أَهلِي وَمَالِي وَذكر لنا أَنه كَانَ حليفاً لقريش وَلم يكن من أنفسهم فَأنْزل الله الْقُرْآن وَقَالَ: {إِن يثقفوكم يَكُونُوا لكم أَعدَاء ويبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم وألسنتهم بالسوء} إِلَى قَوْله: {قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه} {إِلَّا قَول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَن لَك} قَالَ: يَقُول فَلَا تأسوا فِي ذَلِك فَإِنَّهَا كَانَت موعدة وعدها إِيَّاه رَبنَا لَا تجعلنا فتْنَة للَّذين كفرُوا يَقُول: لَا تظهرهم علينا ففتنوا بذلك يرَوْنَ أَنهم إِنَّمَا ظَهَرُوا لأَنهم أولى بِالْحَقِّ منا

وَأخرج عبد بن حميد عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء} إِلَى قَوْله {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} قَالَ: فِي مُكَاتبَة حَاطِب بن أبي بلتعة وَمن مَعَه إِلَى كفار قُرَيْش يحذرونهم

وَفِي قَوْله {إِلَّا قَول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ} قَالَ: نهوا أَن يأتسوا باستغفار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ فيستغفروا للْمُشْرِكين

وَفِي قَوْله: {رَبنَا لَا تجعلنا فتْنَة للَّذين كفرُوا} قَالَ: لَا تعذبنا بِأَيْدِيهِم وَلَا تعذب من عَبدك فيقولوا: لَو كَانَ هَؤُلَاءِ على حق مَا أَصَابَهُم هَذَا

وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَالْحَاكِم وَصَححهُ من طَرِيق مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس {لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء} إِلَى قَوْله: {بَصِير} فِي مُكَاتبَة حَاطِب بن أبي بلتعة وَمن مَعَه إِلَى كفار قُرَيْش يحذرونهم وَقَوله: {إِلَّا قَول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَن لَك} نهو أَن يتأسوا باستغفار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَقَوله: {رَبنَا لَا تجعلنا فتْنَة للَّذين كفرُوا} لَا تعذبنا بِأَيْدِيهِم وَلَا بِعَذَاب من عنْدك فَيَقُولُونَ: لَو كَانَ هَؤُلَاءِ على الْحق مَا أَصَابَهُم هَذَا وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس {قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة} قَالَ: فِي صنع إِبْرَاهِيم كُله إِلَّا فِي الاسْتِغْفَار لِأَبِيهِ لَا يسْتَغْفر لَهُ وَهُوَ مُشْرك

وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {لَا تجعلنا فتْنَة للَّذين كفرُوا} يَقُول: لَا تسلطهم علينا فيفتنونا

ص: 129

الْآيَة 7 - 9

ص: 130

أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن شهَاب أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اسْتعْمل أَبَا سُفْيَان بن حَرْب على بعض الْيمن فَلَمَّا قبض رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أقبل فلقي ذَا الْخمار مُرْتَدا فقاتله فَكَانَ أول من قَاتل فِي الرِّدَّة وجاهد عَن الدّين

قَالَ ابْن شهَاب: وَهُوَ فِيمَن أنزل الله فِيهِ {عَسى الله أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتم مِنْهُم مَوَدَّة}

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: أول من قَاتل أهل الرِّدَّة على إِقَامَة دين الله أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَفِيه نزلت هَذِه الْآيَة {عَسى الله أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتم مِنْهُم مَوَدَّة}

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن عدي وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {عَسى الله أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتم مِنْهُم مَوَدَّة} قَالَ: كَانَت الْمَوَدَّة الَّتِي جعل الله بَينهم تَزْوِيج النَّبِي صلى الله عليه وسلم أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان فَصَارَت أم الْمُؤمنِينَ وَصَارَ مُعَاوِيَة خَال الْمُؤمنِينَ

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس {عَسى الله أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتم مِنْهُم مَوَدَّة} قَالَ: نزلت فِي تَزْوِيج النَّبِي صلى الله عليه وسلم ابْنَته أم حَبِيبَة فَكَانَت هَذِه مَوَدَّة بَينه وَبَينه

قَوْله تَعَالَى: {لَا يَنْهَاكُم الله} الْآيَة

وَأخرج الطَّيَالِسِيّ وَأحمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم والنحاس فِي تَارِيخه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن الزبير قَالَ: قدمت قتيلة بنت عبد الْعُزَّى على ابْنَتهَا أَسمَاء بنت أبي بكر بِهَدَايَا ضباب

ص: 130

وأقط وَسمن وَهِي مُشركَة فَأَبت أَسمَاء أَن تقبل هديتها أَو تدْخلهَا بَيتهَا حَتَّى أرْسلت إِلَى عَائِشَة أَن سَلِي عَن هَذَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَسَأَلته فَأنْزل الله {لَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين لم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّين} إِلَى آخر الْآيَة فَأمرهَا أَن تقبل هديتها وَتدْخلهَا بَيتهَا

وَأخرج البُخَارِيّ وَابْن الْمُنْذر والنحاس وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن أَسمَاء بنت أبي بكر قَالَت: أَتَتْنِي أُمِّي راغبة وَهِي مُشركَة فِي عهد قُرَيْش إِذا عَاهَدُوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَسَأَلت النَّبِي صلى الله عليه وسلم أأصلها فَأنْزل الله {لَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين لم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّين} فَقَالَ: نعم صلي أمك

وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي تَارِيخه وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة {لَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين لم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّين} نسختها (فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)(سُورَة التَّوْبَة الْآيَة 5)

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {لَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين لم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّين} قَالَ: أَن تستغفروا لَهُم وتبروهم وتقسطوا إِلَيْهِم هم الَّذين آمنُوا بِمَكَّة وَلم يهاجروا

وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {إِنَّمَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين قَاتَلُوكُمْ فِي الدّين} قَالَ: كفار أهل مَكَّة

الْآيَة 10 - 11

ص: 131

أخرج البُخَارِيّ عَن الْمسور بن مخرمَة ومروان بن الحكم أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لما عَاهَدَ كفار قُرَيْش يَوْم الْحُدَيْبِيَة جَاءَهُ نسَاء مؤمنات فَأنْزل الله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات} حَتَّى بلغ {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} فَطلق عمر يَوْمئِذٍ امْرَأتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشّرك وَأخرج البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد فِيهِ ناسخه وَالْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن عَن مَرْوَان بن الحكم والمسور بن مخرمَة قَالَا: لما كَاتب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سُهَيْل بن عَمْرو على قَضِيَّة الْمدَّة يَوْم الْحُدَيْبِيَة كَانَ مِمَّا اشْترط سُهَيْل: أَن لَا يَأْتِيك منا أحد وَإِن كَانَ على دينك إِلَّا رَددته إِلَيْنَا فَرد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَبَا جندل بن سُهَيْل وَلم يَأْتِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الرِّجَال إِلَّا رده فِي تِلْكَ الْمدَّة وَإِن كَانَ مُسلما ثمَّ جَاءَ الْمُؤْمِنَات مهاجرات وَكَانَت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط مِمَّن خرج إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهِي عاتق فجَاء أَهلهَا يسْأَلُون رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يرجعها إِلَيْهِم حَتَّى أنزل الله فِي الْمُؤْمِنَات مَا أنزل

وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه بِسَنَد ضَعِيف عَن عبد الله بن أبي أَحْمد رضي الله عنه قَالَ: هَاجَرت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط فِي الْهُدْنَة فَخرج أَخَوَاهَا عمَارَة والوليد حَتَّى قدما على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَكَلَّمَاهُ فِي أم كُلْثُوم أَن يردهَا إِلَيْهِمَا فنقض الله الْعَهْد بَينه وَبَين الْمُشْركين خَاصَّة فِي النِّسَاء ومنعهن أَن يرددن إِلَى الْمُشْركين وَأنزل الله آيَة الامتحان

وَأخرج ابْن دُرَيْد فِي أَمَالِيهِ: حَدثنَا أَبُو الْفضل الرياشي عَن ابْن أبي رَجَاء عَن الْوَاقِدِيّ قَالَ: فخرت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط بآيَات نزلت فِيهَا قَالَت: فَكنت أول من هَاجر إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا قدمت قدم أخي الْوَلِيد عليّ فنسخ الله العقد بَين النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَبَين الْمُشْركين فِي شأني وَنزلت {فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار} ثمَّ أنكحني النَّبِي صلى الله عليه وسلم زيد بن حَارِثَة فَقلت أتزوجني بمولاك فَأنْزل الله (وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم)(سُورَة الْأَحْزَاب 36) ثمَّ قتل زيد فَأرْسل إِلَى الزبير: احبسي على نَفسك قلت: نعم فَنزلت (وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فيماعرضتم من خطْبَة النِّسَاء)(سُورَة الْبَقَرَة الْآيَة 235)

ص: 132

وَأخرج ابْن سعد عَن ابْن شهَاب رضي الله عنه قَالَ: كَانَ الْمُشْركُونَ قد شرطُوا على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم الْحُدَيْبِيَة أَن من جَاءَ من قبلنَا وَإِن كَانَ على دينك رَددته إِلَيْنَا وَمن جَاءَنَا من قبلك لم نردده إِلَيْك فَكَانَ يرد إِلَيْهِم من جَاءَ من قبلهم يدْخل فِي دينه فَلَمَّا جَاءَت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط مهاجرة جَاءَ أَخَوَاهَا يُريدَان أَن يخرجاها ويرداها إِلَيْهِم فَأنْزل الله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات} الْآيَة

إِلَى قَوْله: {وليسألوا مَا أَنْفقُوا} قَالَ: هُوَ الصَدَاق {وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم} الْآيَة قَالَ: هِيَ الْمَرْأَة تسلم فَيرد الْمُسلمُونَ صَدَاقهَا إِلَى الْكفَّار وَمَا طلق الْمُسلمُونَ من نسَاء الْكفَّار عِنْدهم فَعَلَيْهِم أَن يردوا صداقهن إِلَى الْمُسلمين فَإِن أَمْسكُوا صَدَاقا من صدَاق الْمُسلمين مِمَّا فارقوا من نسَاء الْكفَّار أمسك الْمُسلمُونَ صدَاق المسلمات اللَّاتِي جئن من قبلهم

وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن سعد وَابْن الْمُنْذر عَن عُرْوَة بن الزبير رضي الله عنه أَنه سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة فَكتب أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ صَالح قُريْشًا يَوْم الْحُدَيْبِيَة على أَن يرد على قُرَيْش من جَاءَ فَلَمَّا هَاجر النِّسَاء أَبى الله أَن يرددن إِلَى الْمُشْركين إِذا هنَّ امتحنَّ بمحنة الإِسلام فعرفوا أَنَّهُنَّ إِنَّمَا جئن رَغْبَة فِيهِنَّ وَأمر برد صداقهن إِلَيْهِم إِذا حبسن عَنْهُم وَأَنَّهُمْ يردوا على الْمُسلمين صدقَات من حبسوا عَنْهُم من نِسَائِهِم ثمَّ قَالَ: {ذَلِكُم حكم الله يحكم بَيْنكُم} فَأمْسك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم النِّسَاء ورد الرِّجَال وَلَوْلَا الَّذِي حكم الله بِهِ من هَذَا الحكم رد النِّسَاء كَمَا رد الرِّجَال وَلَوْلَا الْهُدْنَة والعهد أمسك النِّسَاء وَلم يرد لهنَّ صَدَاقا

وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات فامتحنوهن} قَالَ: سلوهن مَا جَاءَ بِهن فَإِن كَانَ جَاءَ بِهن غضب على أَزوَاجهنَّ أَو غيرَة أَو سخط وَلم يُؤمن فأرجعوهن إِلَى أَزوَاجهنَّ وَإِن كن مؤمنات بِاللَّه فأمسكوهن وآتوهن أُجُورهنَّ من صدقتهن وانكحوهن إِن شِئْتُم وأصدقوهن وَفِي قَوْله: {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} قَالَ: أَمر أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِطَلَاق نسائهن كوافر بِمَكَّة قعدن مَعَ الْكفَّار {واسألوا مَا أنفقتم وليسألوا مَا أَنْفقُوا} قَالَ: مَا ذهب من أَزوَاج أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم إِلَى الْكفَّار فليعطهم الكفارصدقاتهم وليمسكوهن وَمَا ذهب من أَزوَاج الْكفَّار إِلَى أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم كَمثل ذَلِك هَذَا فِي صلح كَانَ بَين قُرَيْش وَبَين مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار}

ص: 133

الَّذين لَيْسَ بَيْنكُم وَبينهمْ عهد {فعاقبتم} أصبْتُم مغنماً من قُرَيْش أَو غَيرهم {فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا} صَدَقَاتهمْ عوضا

وَأخرج عبد بن حميد عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه قَالَ: خرجت امْرَأَة مهاجرة إِلَى الْمَدِينَة فَقيل لَهَا: مَا أخرجك بغضك لزوجك أم أردْت الله وَرَسُوله قَالَت: بل الله وَرَسُوله فَأنْزل الله {فَإِن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار} فَإِن تزَوجهَا رجل من الْمُسلمين فليرد إِلَى زَوجهَا الأول مَا أنْفق عَلَيْهَا

وَأخرج عبد بن حميد وَأَبُو دَاوُد فِي ناسخه وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات} قَالَ: هَذَا حكم حكمه الله بَين أهل الْهدى وَأهل الضَّلَالَة {فامتحنوهن} قَالَ: كَانَت محنتهن أَن يحلفن بِاللَّه مَا خرجن لنشوز وَلَا خرجن إِلَّا حبّاً للإِسلام وحرصاً عَلَيْهِ فَإِذا فعلن ذَلِك قبل مِنْهُنَّ وَفِي قَوْله: {واسألوا مَا أنفقتم وليسألوا مَا أَنْفقُوا} قَالَ: كن إِذا فررن من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِلَى الْكفَّار الَّذين بَينهم وَبَين النَّبِي صلى الله عليه وسلم عهد فتزوجن بعثوا بمهورهن إِلَى أَزوَاجهنَّ من الْمُسلمين وَإِذا فررن من الْمُشْركين الَّذين بَينهم وَبَين النَّبِي صلى الله عليه وسلم عهد فنكحوهن بعثوا بمهورهن إِلَى أَزوَاجهنَّ من الْمُشْركين فَكَانَ هَذَا بَين أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَبَين أَصْحَاب الْعَهْد من الْكفَّار وَفِي قَوْله: {وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم} يَقُول: إِلَى كفار قُرَيْش لَيْسَ بَينهم وَبَين أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم عهد يأخذونهم بِهِ {فعاقبتم} وَهِي الْغَنِيمَة إِذا غنموا بعد ذَلِك ثمَّ نسخ هَذَا الحكم وَهَذَا الْعَهْد فِي بَرَاءَة فنبذ إِلَى كل ذِي عهد عَهده

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات فامتحنوهن} إِلَى قَوْله: {عليم حَكِيم} قَالَ: كَانَ امتحانهن أَن يشهدن أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَإِذا علمُوا أَن ذَلِك حق مِنْهُنَّ لم يرجعوهن إِلَى الْكفَّار وَأعْطى بَعْلهَا فِي الْكفَّار الَّذين عقد لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صداقه الَّذِي أصدقهَا وأحلهن للْمُؤْمِنين إِذا آتوهن أُجُورهنَّ وَنهى الْمُؤمنِينَ أَن يَدْعُو الْمُهَاجِرَات من أجل نِسَائِهِم فِي الْكفَّار وَكَانَت محنة النِّسَاء أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَمر عمر بن الْخطاب رضي الله عنه فَقَالَ: قل لَهُنَّ: إِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بايعكنّ على أَن لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَكَانَت هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة الَّتِي شقَّتْ بطن حَمْزَة مُتَنَكِّرَة فِي النِّسَاء فَقَالَت: إِنِّي إِن أَتكَلّم يعرفنِي وَإِن عرفني قتلني وَإِنَّمَا تنكرت

ص: 134

فرقا من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَسكت النسْوَة الَّتِي مَعَ هِنْد وَأبين أَن يتكلمن فَقَالَت هِنْد وَهِي مُتَنَكِّرَة: كَيفَ يقبل من النِّسَاء شَيْئا لم يقبله من الرِّجَال فَنظر إِلَيْهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَقَالَ لعمر رضي الله عنه: قل لهنّ: وَلَا يَسْرِقن قَالَت هِنْد: وَالله إِنِّي لأصيب من أبي سُفْيَان الهنة مَا أَدْرِي أيحلهنّ أم لَا قَالَ أَبُو سُفْيَان: مَا أصبت من شَيْء مضى أَو قد بَقِي فَهُوَ لَك حَلَال فَضَحِك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَعرفهَا فَدَعَاهَا فَأَتَتْهُ فَأخذت بِيَدِهِ فعاذت بِهِ فَقَالَ: أَنْت هِنْد فَقَالَت: عَفا الله عَمَّا سلف فصرف عَنْهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَفِي قَوْله: {وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم} الْآيَة يَعْنِي إِن لحقت امْرَأَة من الْمُهَاجِرين بالكفار أَمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يعْطى من الْغَنِيمَة مثل مَا أنْفق

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن شهَاب رضي الله عنه قَالَ: بلغنَا أَن الممتحنة أنزلت فِي الْمدَّة الَّتِي ماد فِيهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كفار قُرَيْش من أجل الْعَهْد الَّذِي كَانَ بَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَبَين كفار قُرَيْش فِي الْمدَّة فَكَانَ يرد على كفار قُرَيْش مَا أَنْفقُوا على نِسَائِهِم اللَّاتِي يسلمن ويهاجرن وبعولتهن كفار وَلَو كَانُوا حَربًا لَيست بَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَبينهمْ مُدَّة عهد لم يردوا إِلَيْهِم شَيْئا مِمَّا أَنْفقُوا وَقد حكم الله للْمُؤْمِنين على أهل الْمدَّة من الْكفَّار بِمثل ذَلِك الحكم قَالَ الله: {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا مَا أنفقتم وليسألوا مَا أَنْفقُوا ذَلِكُم حكم الله يحكم بَيْنكُم وَالله عليم حَكِيم} فَطلق عمر بن الْخطاب رضي الله عنه امْرَأَته بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة من بني مَخْزُوم فَتَزَوجهَا مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَبنت جَرْوَل من خُزَاعَة فزوّجها رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهم بن حُذَيْفَة الْعَدوي وَجعل ذَلِك حكما حكم بِهِ بَين الْمُؤمنِينَ وَبَين الْمُشْركين فِي مُدَّة الْعَهْد الَّتِي كَانَت بَينهم فَأقر الْمُؤْمِنُونَ بِحكم الله فأدوا مَا أمروا بِهِ من نفقات الْمُشْركين الَّتِي أَنْفقُوا على نِسَائِهِم وأبى الْمُشْركُونَ أَن يقرُّوا بِحكم الله فِيمَا فرض عَلَيْهِم من أَدَاء نفقات الْمُسلمين فَقَالَ الله: {وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا وَاتَّقوا الله الَّذِي أَنْتُم بِهِ مُؤمنُونَ} فَإِذا ذهبت بعد هَذِه الْآيَة امْرَأَة من أَزوَاج الْمُؤمنِينَ إِلَى الْمُشْركين رد الْمُؤْمِنُونَ إِلَى أزواجها النَّفَقَة الَّتِي أنْفق عَلَيْهَا من الْعقب الَّذِي بِأَيْدِيهِم الَّذِي أمروا أَن يردوه إِلَى الْمُشْركين من نفقاتهم الَّتِي أَنْفقُوا على أَزوَاجهنَّ اللَّاتِي آمنّ وهاجرن ثمَّ ردوا إِلَى الْمُشْركين فضلا إِن كَانَ لَهُم

ص: 135

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد عَن مُجَاهِد رضي الله عنه {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} قَالَ: الرجل تلْحق امْرَأَته بدار الْحَرْب فَلَا يعْتد بهَا من نِسَائِهِ

وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه مثله

وَأخرج عبد بن حميد عَن عَامر الشّعبِيّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَت زَيْنَب امْرَأَة ابْن مَسْعُود رضي الله عنه من الَّذين قَالُوا لَهُ: {واسألوا مَا أنفقتم وليسألوا مَا أَنْفقُوا}

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد عَن مُجَاهِد رضي الله عنه {وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم} إِن امْرَأَة من أهل مَكَّة أَتَت الْمُسلمين فعوضوا زَوجهَا وَإِن امْرَأَة من الْمُسلمين أَتَت الْمُشْركين فعوضوا زَوجهَا وَإِن امْرَأَة من الْمُسلمين ذهبت إِلَى من لَيْسَ لَهُ عهد من الْمُشْركين {فعاقبتم} فأصبتم غنيمَة {فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا} يَقُول: آتوا زَوجهَا من الْغَنِيمَة مثل مهرهَا

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: خرج سُهَيْل بن عَمْرو فَقَالَ رجل من أَصْحَابه: يَا رَسُول الله أَلسنا على حق وهم على بَاطِل قَالَ: بلَى قَالَ: فَمَا بَال من أسلم مِنْهُم رد إِلَيْهِم وَمن أتبعهم منا نرده إِلَيْهِم قَالَ: أما من أسلم مِنْهُم فَعرف الله مِنْهُ الصدْق أَنْجَاهُ وَمن رَجَعَ منا سلم الله مِنْهُ قَالَ: وَنزلت سُورَة الممتحنة بعد ذَلِك الصُّلْح وَكَانَت من أسلم من نِسَائِهِم فَسُئِلت: مَا أخرجك فَإِن كَانَت خرجت فِرَارًا من زَوجهَا ورغبة عَنهُ ردَّتْ وَإِن كَانَت خرجت رَغْبَة فِي الإِسلام أَمْسَكت ورد على زَوجهَا مثل مَا أنْفق

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن يزِيد بن أبي حبيب رضي الله عنه أَنه بلغه أَنه نزلت {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات} الْآيَة فِي امْرَأَة أبي حسان بن الدحداحة وَهِي أُمَيْمَة بنت بسر امْرَأَة من بني عَمْرو بن عَوْف وَأَن سهل بن حنيف تزَوجهَا حِين فرت إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَولدت لَهُ عبد الله بن سهل

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مقَاتل رضي الله عنه قَالَ: كَانَ بَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَبَين أهل مَكَّة عهد شَرط فِي أَن يرد النِّسَاء فَجَاءَت امْرَأَة تمسى سعيدة وَكَانَت تَحت صَيْفِي بن الراهب وَهُوَ مُشْرك من أهل مَكَّة وطلبوا ردهَا فَأنْزل الله {إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات} الْآيَة

وَأخرج عبد بن حميد وَأَبُو دَاوُد فِي ناسخه وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن الزُّهْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة وهم بِالْحُدَيْبِية لما جَاءَ النِّسَاء أمره أَن يرد

ص: 136

الصَدَاق إِلَى أَزوَاجهنَّ وَحكم على الْمُشْركين مثل ذَلِك إِذا جَاءَتْهُم امْرَأَة من الْمُسلمين أَن يردوا الصَدَاق إِلَى زَوجهَا فَأَما الْمُؤْمِنُونَ فأقروا بِحكم الله وَأما الْمُشْركُونَ فَأَبَوا أَن يقرُّوا فَأنْزل الله {وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار} إِلَى قَوْله: {مثل مَا أَنْفقُوا} فَأمر الْمُؤْمِنُونَ إِذا ذهبت امْرَأَة من الْمُسلمين وَلها زوج من الْمُسلمين أَن يرد إِلَيْهِ الْمُسلمُونَ صدَاق امْرَأَته مِمَّا أمروا أَن يردوا على الْمُشْركين

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ رضي الله عنه فِي قَوْله: {إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات} الْآيَة قَالَ: كَانَ بَينهم وَبَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عهد وَكَانَت الْمَرْأَة إِذا جَاءَت إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم امتحنوها ثمَّ يردون على زَوجهَا مَا أنْفق عَلَيْهَا فَإِن لحقت امْرَأَة من الْمُسلمين بالمشركين فغنم الْمُسلمُونَ ردوا على صَاحبهَا مَا أنْفق عَلَيْهَا قَالَ الشّعبِيّ: مَا رَضِي الْمُشْركُونَ بِشَيْء مَا رَضوا بِهَذِهِ الْآيَة وَقَالُوا: هَذَا النّصْف

وَأخرج ابْن أبي أُسَامَة وَالْبَزَّار وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه بِسَنَد حسن عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله: {إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات فامتحنوهن} وَلَفظ ابْن الْمُنْذر اأنه سُئِلَ بِمَ كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يمْتَحن النِّسَاء قَالَ: كَانَت الْمَرْأَة إِذا جَاءَت النَّبِي صلى الله عليه وسلم حَلفهَا عمر رضي الله عنه بِاللَّه مَا خرجت رَغْبَة بِأَرْض عَن أَرض وَبِاللَّهِ مَا خرجت من بغض زوج وَبِاللَّهِ مَا خرجت التمَاس دنيا وَبِاللَّهِ مَا خرجت إِلَّا حبا لله وَرَسُوله

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه قَالَ: يُقَال لَهَا مَا جَاءَ بك عشق رجل منا وَلَا فرار من زَوجك مَا خرجت إِلَّا حبا لله وَرَسُوله

وَأخرج ابْن منيع من طَرِيق الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: أسلم عمر بن الْخطاب وتأخرت امْرَأَته فِي الْمُشْركين فَأنْزل الله {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر}

وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم وَابْن عَسَاكِر عَن يزِيد بن الْأَخْنَس رضي الله عنه أَنه لما أسلم أسلم مَعَه جَمِيع أَهله إِلَّا امْرَأَة وَاحِدَة أَبَت أَن تسلم فَأنْزل الله {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} فَقيل لَهُ: قد أنزل الله أَنه فرق بَينهَا وَبَين زَوجهَا إِلَّا أَن تسلم فَضرب لَهَا أجل سنة فَلَمَّا مَضَت السّنة إِلَّا يَوْمًا جَلَست تنظر الشَّمْس حَتَّى إِذا دنت للغروب أسلمت

ص: 137

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن طَلْحَة رضي الله عنه قَالَ: لما نزلت {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} طلقت امْرَأَتي أروى بنت ربيعَة وطلق عمر قريبَة بنت أبي أُميَّة وَأم كُلْثُوم بنت جَرْوَل الخزاعيه

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ رضي الله عنه فِي قَوْله: {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} قَالَ: نزلت فِي الْمَرْأَة من الْمُسلمين تلْحق بالمشركين فتكفر فَلَا يمسك زَوجهَا بعصمتها قد برِئ مِنْهَا

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن فِي قَوْله: {وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار} قَالَ: نزلت فِي امْرَأَة الحكم بنت أبي سُفْيَان ارْتَدَّت فَتَزَوجهَا رجل ثقفي وَلم ترتد امْرَأَة من قُرَيْش غَيرهَا فَأسْلمت مَعَ ثَقِيف حِين أَسْلمُوا

وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي ناسخه وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج {فامتحنوهن} الْآيَة قَالَ: سَأَلت عَطاء عَن هَذِه الْآيَة تعلمهَا قَالَ: لَا

الْآيَة 12 - 13

ص: 138

أخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ وَابْن ماجة وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يمْتَحن من هَاجر إِلَيْهِ من الْمُؤْمِنَات بِهَذِهِ الْآيَة {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك} إِلَى قَوْله: {غَفُور رَحِيم} فَمن أقرَّت بِهَذَا الشَّرْط من الْمُؤْمِنَات قَالَ لَهَا رَسُول الله: قد بايعنك كلَاما وَلَا وَالله مَا مست يَده يَد امْرَأَة قطّ فِي الْمُبَايعَة مَا بايعهن إِلَّا بقوله: قد بايعنك على ذَلِك

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَسَعِيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَابْن سعد وَأحمد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن أُمَيْمَة بنت رقيقَة قَالَت: أتيت النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي نسَاء لنابيعه فَأخذ علينا مَا فِي الْقُرْآن أَن لَا

ص: 138

نشْرك بِاللَّه شَيْئا حَتَّى بلغ {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} فَقَالَ: فِيمَا استطعتن وأطقتن قُلْنَا: الله وَرَسُوله أرْحم بِنَا من أَنْفُسنَا يَا رَسُول الله أَلا تصافحنا قَالَ: إِنِّي لَا أُصَافح النِّسَاء إِنَّمَا قولي لمِائَة امْرَأَة كَقَوْلي لامْرَأَة وَاحِدَة وَأخرج أَحْمد وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده رَضِي الله قَالَ: جَاءَت أُمَيْمَة بنت رقيقَة إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه على الإِسلام فَقَالَ: أُبَايِعك على أَن لَا تشركي بِاللَّه شَيْئا وَلَا تسرقي وَلَا تَزني وَلَا تقتلي ولدك وَلَا تَأتي بهتان تفترينه بَين يَديك ورجليك وَلَا تبرجي تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى

وَأخرج ابْن سعد وَأحمد وَابْن مرْدَوَيْه عَن سليمى بنت قيس رضي الله عنها قَالَت: جِئْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أُبَايِعهُ على الإِسلام فِي نسْوَة من الْأَنْصَار فَلَمَّا شَرط علينا أَن لَا نشْرك بِاللَّه شَيْئا وَلَا نَسْرِق وَلَا نزني وَلَا نقْتل أَوْلَادنَا وَلَا نأتي بِبُهْتَان نفتريه بَين أَيْدِينَا وأرجلنا وَلَا نعصيه فِي مَعْرُوف وَلَا تغششن أزواجكن

فَبَايَعْنَاهُ ثمَّ انصرفنا فَقلت لامْرَأَة: ارجعي فاسأليه مَا غش أَزوَاجنَا فَسَأَلته فَقَالَ: تَأْخُذ مَاله فتحابي غَيره بِهِ

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن الْمُنْذر عَن عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ: كُنَّا عِنْد النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: بايعوني على أَن لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَقَرَأَ (هَكَذَا فِي الأَصْل)[]

فَمن وفى مِنْكُم فَأَجره على الله وَمن أصَاب من ذَلِك شَيْئا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ وَمن أصَاب من ذَلِك شَيْئا فستره الله فَهُوَ إِلَى الله إِن شَاءَ عذبه وَإِن شَاءَ غفر لَهُ

وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: شهِدت الصَّلَاة يَوْم الْفطر مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَنزل فَأقبل حَتَّى أَتَى النِّسَاء فَقَالَ: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا يَسْرِقن وَلَا يَزْنِين} حَتَّى فرغ من الْآيَة كلهَا ثمَّ قَالَ حِين فرغ: أنتن على ذَلِك قَالَت امْرَأَة: نعم وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مقَاتل رضي الله عنه قَالَ: أنزلت هَذِه الْآيَة يَوْم الْفَتْح فَبَايع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الرِّجَال على الصَّفَا وَعمر يُبَايع النِّسَاء تحتهَا عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم

وَأخرج أَحْمد وَابْن سعد وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو يعلى وَعبد بن حميد وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن إِسْمَعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن عَطِيَّة عَن جدته أم عَطِيَّة رَضِي الله عَنْهَا

ص: 139

قَالَت: لما قدم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَة جمع نسَاء الْأَنْصَار فِي بَيت فَأرْسل إلَيْهِنَّ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه فَقَامَ على الْبَاب فَسلم فَقَالَ: أَنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إلَيْكُنَّ تبايعن على أَن لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا تسرقن وَلَا تزنين الْآيَة

قُلْنَا: نعم فَمد يَده من خَارج الْبَيْت وَمَدَدْنَا أَيْدِينَا من دَاخل الْبَيْت

قَالَ إِسْمَعِيل: فَسَأَلت جدتي عَن قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قَالَت: نَهَانَا عَن النِّيَاحَة

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن سعد وَأحمد وَابْن مرْدَوَيْه عَن أَسمَاء بنت يزِيد رضي الله عنها قَالَت: بَايَعت النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي نسْوَة فَقَالَ: إِنِّي لَا أصافحكن وَلَكِن آخذ عليكن مَا أَخذ الله وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن سعد عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُبَايع النِّسَاء وَوضع على يَده ثوبا فَلَمَّا كَانَ بعد كَانَ يخبر النِّسَاء فَيقْرَأ عَلَيْهِنَّ هَذِه الْآيَة {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا يَسْرِقن وَلَا يَزْنِين وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ} فَإِذا أقررن قَالَ: قد بايعنكن حَتَّى جَاءَت هِنْد امْرَأَة أبي سُفْيَان فَلَمَّا قَالَ: {وَلَا يَزْنِين} قَالَت: أَو تَزني الْحرَّة لقد كُنَّا نستحي من ذَلِك فِي الْجَاهِلِيَّة فَكيف بالإِسلام فَقَالَ: {وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ} قَالَت: أَنْت قتلت آبَاءَهُم وتوصينا بأبنائهم فَضَحِك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: {وَلَا يَسْرِقن} فَقَالَت: يَا رَسُول الله إِنِّي أصبت من مَال أبي سُفْيَان فَرخص لَهَا

وَأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَمر عمر بن الْخطاب رضي الله عنه فَقَالَ: قل لَهُنَّ: إِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُبَايِعكُنَّ على أَن لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَكَانَت هِنْد مُتَنَكِّرَة فِي النِّسَاء فَقَالَ لعمر: قُلْنَ لهنّ {وَلَا يَسْرِقن} قَالَت هِنْد: وَالله إِنِّي لأصيب من مَال أبي سُفْيَان الهنة فَقَالَ: {وَلَا يَزْنِين} فَقَالَت: وَهل تَزني الْحرَّة فَقَالَ: {وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ} قَالَت هِنْد: أَنْت قَتلتهمْ يَوْم بدر قَالَ: {وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قَالَ: مَنعهنَّ أَن يَنُحْنَ وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يُمَزِّقْنَ الثِّيَاب وَيَخْدِشْنَ الْوُجُوه وَيَقْطَعْنَ الشُّعُور وَيدعونَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور

وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن فَاطِمَة بنت عتبَة أَن أخاها أَبَا حُذَيْفَة أَتَى بهَا وبهند بنت عتبَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه فَقَالَت: أَخذ علينا بِشَرْط فَقلت لَهُ: يَا ابْن عَم وَهل علمت فِي قَوْمك من هَذِه الصِّفَات شَيْئا قَالَ أَبُو حُذَيْفَة: أَيهَا فبايعيه

ص: 140

فَإِن بِهَذَا يُبَايع وَهَكَذَا يشْتَرط فَقَالَت هِنْد: لَا أُبَايِعك على السّرقَة فَإِنِّي أسرق من مَال زَوجي فَكف النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَده وكفت يَدهَا حَتَّى أرسل إِلَى أبي سُفْيَان فتحلل لَهَا مِنْهُ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: أما الرطب فَنعم وَأما الْيَابِس فَلَا وَلَا نعْمَة

قَالَت: فَبَايَعْنَاهُ

وَأخرج ابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ} قَالَ: كَانَت الْحرَّة يُولد لَهَا الْجَارِيَة فتجعل مَكَانهَا غُلَاما

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عَليّ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ} قَالَ: لَا يلحقن بأزواجهن غير أَوْلَادهنَّ {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قَالَ: إِنَّمَا هُوَ شَرط شَرطه الله للنِّسَاء

وَأخرج ابْن سعد وَأحمد وَعبد بن حميد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن ماجة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن أم سَلمَة الْأَنْصَارِيَّة قَالَت: قَالَت امْرَأَة من النسْوَة مَا هَذَا الْمَعْرُوف الَّذِي لَا يَنْبَغِي لنا أَن نَعْصِيك فِيهِ قَالَ: لَا تنحن قلت يَا رَسُول الله: إِن بني فلَان أسعدوني على عمي وَلَا بُد لي من قضائهن فَأبى عليّ فعاودته مرَارًا فَأذن لي فِي قضائهن فَلم أنح بعد وَلم يبْق منا امْرَأَة إِلَّا وَقد ناحت غَيْرِي

وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن منيع وَابْن سعد وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي الْمليح قَالَ: جَاءَت امْرَأَة من الْأَنْصَار تبَايع النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا شَرط عَلَيْهَا أَن لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا تسرقن وَلَا تزنين أقرَّت فَلَمَّا قَالَ: {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قَالَ: أَن لَا تنوحي فَقَالَت: يَا رَسُول الله إِن فُلَانُهُ أسعدتني أفأسعدها ثمَّ لَا أَعُود فَلم يرخص لَهَا

مُرْسل حسن الإِسناد

وَأخرج أَحْمد وَعبد بن حميد وَابْن سعد وَابْن مرْدَوَيْه بِسَنَد جيد عَن مُصعب بن نوح الْأنْصَارِيّ قَالَ: أدْركْت عجوزاً لنا كَانَت فِيمَن بَايع النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَت: أَخذ علينا فِيمَا أَخذ أَن لَا تنحن وَقَالَ: هُوَ الْمَعْرُوف الَّذِي قَالَ الله: {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} فَقلت يَا نَبِي الله: إِن أُنَاسًا قد كَانُوا أسعدوني على مصائب أصابتني وَإِنَّهُم قد أَصَابَتْهُم مُصِيبَة وَأَنا أُرِيد أَن أسعدهم

قَالَ: انطلقي فكافئيهم ثمَّ إِنَّهَا أَتَت فَبَايَعته

ص: 141

وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن أسيد بن أبي أسيد البراد عَن امْرَأَة من المبايعات قَالَ: كَانَ فِيمَا أَخذ علينا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن لَا نعصيه فِيهِ من الْمَعْرُوف وَأَن لَا نخمش وَجها وَلَا نشق جيبا وَلَا نَدْعُو ويلاً

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم فِي قَوْله: {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قَالَ: لَا يشققن جُيُوبهنَّ وَلَا يصككن خدودهن

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد عَن سَالم بن أبي الْجَعْد فِي قَوْله: {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قَالَ: النوح

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد عَن أبي الْعَالِيَة {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قَالَ: النوح قَالَ فَكل شَيْء وَافق لله طَاعَة فَلم يرض لنَبيه أَن يطاع فِي مَعْصِيّة الله

وَأخرج عبد بن حميد عَن أبي هَاشم الوَاسِطِيّ {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قَالَ: لَا يدعونَ ويلاً وَلَا يشققن جيباً وَلَا يَحْلِقن رَأْسا

وَأخرج ابْن سعد وَعبد بن حميد عَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ قَالَ: أَخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على النِّسَاء فِي الْبيعَة أَن لَا يشققن جيباً وَلَا يخمشن وَجها وَلَا يدعونَ ويلاً وَلَا يقلن هجراً

وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة بنت قدامَة بن مَظْعُون قَالَت: كنت مَعَ أُمِّي رائطة بنت سُفْيَان وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يُبَايع النسْوَة وَيَقُول: أُبَايِعكُنَّ على أَن لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا تسرقن وَلَا تزنين وَلَا تقتلن أَوْلَادكُنَّ وَلَا تأتين بِبُهْتَان تفترينه بَين أَيْدِيكُنَّ وأرجلكن وَلَا تعصين فِي مَعْرُوف فأطرقن قَالَت: وَأَنا أسمع أُمِّي وَأمي تلقنني تَقول: أَي بنية قولي نعم فِيمَا اسْتَطَعْت فَكنت أَقُول كَمَا يقلن

وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَأحمد وَابْن مرْدَوَيْه عَن أنس قَالَ: أَخذ النَّبِي صلى الله عليه وسلم على النِّسَاء حِين بايعهن أَن لَا يَنحن فَقُلْنَ: يَا رَسُول الله إِن نسَاء أسعدتنا فِي الْجَاهِلِيَّة أفتسعدهن فِي الإِسلام فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: لَا إسعاد فِي الإِسلام وَلَا شطار وَلَا عقر فِي الإِسلام وَلَا خبب وَلَا جنب وَمن انتهب فَلَيْسَ منا

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر بن عبد الله فِي قَوْله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات فامتحنوهن} قَالَ: كَيفَ يمْتَحن فَأنْزل الله {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا} الْآيَة

ص: 142

وَأخرج ابْن سعد وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا بَايع النِّسَاء دَعَا بقدح من مَاء فَغمسَ يَده فِيهِ ثمَّ يغمس أَيْدِيهنَّ فَكَانَت هَذِه بيعَته

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أم عَطِيَّة قَالَت: لما نزلت {إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك} إِلَى قَوْله: {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف فبايعهن} قَالَت: كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَة يَا رَسُول الله إِلَّا آل فلَان فَإِنَّهُم كَانُوا قد أسعدوني فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَا بُد لي من أَن أسعدهم قَالَ: لَا آل فلَان

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن مرْدَوَيْه عَن أم عَطِيَّة قَالَت: أَخذ علينا فِي الْبيعَة أَن لاننوح فَمَا وفى منا إِلَّا خَمْسَة أم سليم وَأم الْعَلَاء وَابْن أبي سُبْرَة امْرَأَة أبي معَاذ أَو قَالَ: بنت أبي سُبْرَة وَامْرَأَة معَاذ وَامْرَأَة أُخْرَى

وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مرْدَوَيْه عَن أم عَطِيَّة

قَالَت: بَايعنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَ علينا أَن لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا ونهانا عَن النِّيَاحَة فقبضت منا امْرَأَة يَدهَا فَقَالَت يَا رَسُول الله: إِن فُلَانُهُ أسعدتني وَأَنا أُرِيد أَن أجزيها فَلم يقل لَهَا شَيْئا فَذَهَبت ثمَّ رجعت قَالَت: فَمَا وفت منا امْرَأَة إِلَّا أم سليم وَأم الْعَلَاء وَبنت أبي سُبْرَة امْرَأَة معَاذ أَو بنت أبي سُبْرَة وَامْرَأَة معَاذ

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر بن عبد الله فِي قَوْله: {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قَالَ: اشْترط عَلَيْهِنَّ أَن لَا يَنحن

وَأخرج عبد بن حميد عَن الضَّحَّاك قَالَ: كَانَ فِيمَا أَخذ على النِّسَاء من الْمَعْرُوف أَن لَا يَنحن فَقَالَت امْرَأَة: لَا بُد من النوح فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: إِن كنتن لَا بُد فاعلات فَلَا تخمشن وَجها وَلَا تخرقن ثوبا وَلَا تحلقن شعرًا وَلَا تدعون بِالْوَيْلِ وَلَا تقلن هجراً وَلَا تقلن إِلَّا حَقًا

وَأخرج ابْن سعد عَن عَاصِم بن عَمْرو بن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: أول من بَايع النَّبِي صلى الله عليه وسلم أم سعد بن معَاذ كَبْشَة بنت رَافع وَأم عَامر بنت يزِيد بن السكن وحواء بنت يزِيد بن السكن

وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن يزِيد بن أسلم رضي الله عنه {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قَالَ: لَا يشققن جيباً وَلَا يخمش وَجها وَلَا ينشرن شعرًا وَلَا يدعونَ ويلاً

وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عَليّ رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم نهى عَن النوح

ص: 143

وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن جَابر رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّمَا نهيت عَن النوح

وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه قَالَ: لعنت النائحة والممسكة

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أم عفيف قَالَت: أَخذ علينا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حِين بَايع النِّسَاء أَن لَا نُحدث الرِّجَال إِلَّا محرما

وَأخرج ابْن سعد وَعبد بن حميد عَن الْحسن رضي الله عنه قَالَ: كَانَ فِيمَا أَخذ عَلَيْهِنَّ أَن لَا يخلون بِالرِّجَالِ إِلَّا أَن يكون محرما وَإِن الرجل قد تلاطفه الْمَرْأَة فيمذي فِي فَخذيهِ

وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله: {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قَالَ: أَخذ عَلَيْهِنَّ أَن لَا يَنحن وَلَا يحدثن الرِّجَال فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: إِن لنا أضيفا وَأَنا نغيب عَن نسائنا فَقَالَ: لَيْسَ أُولَئِكَ عنيت

وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن أم عَطِيَّة رضي الله عنها قَالَت: كَانَ فِيمَا أَخذ عَلَيْهِنَّ أَن لَا يخلون بِالرِّجَالِ إِلَّا أَن يكون محرما فَإِن الرجل قد يلاطف الْمَرْأَة فيمذي فِي فَخذيهِ

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة {إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك} قَالَ: فَإِن الْمَعْرُوف الَّذِي لَا يَعْصِي فِيهِ أَن لَا يَخْلُو الرجل وَالْمَرْأَة وحداناً وَأَن لَا يَنحن نوح الْجَاهِلِيَّة

قَالَ: فَقَالَت خَوْلَة بنت حَكِيم الْأَنْصَارِيَّة: يَا رَسُول الله إِن فُلَانَة أسعدتني وَقد مَاتَ أَخُوهَا فَأَنا أُرِيد أَن أجزيها

قَالَ: فاذهبي فاجزيها ثمَّ تعالي فبايعي

وَأخرجه ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما مَوْصُولا وَالله أعلم

وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ عبد الله بن عمر وَزيد بن الْحَارِث يوادان رجَالًا من يهود فَأنْزل الله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قوما غضب الله عَلَيْهِم} الْآيَة

وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه فِي قَوْله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قوما غضب الله عَلَيْهِم قد يئسوا من الْآخِرَة} قَالَ: فَلَا يُؤمنُونَ بهَا وَلَا يرجونها

ص: 144

بسم الله الرحمن الرحيم

61

سُورَة الصَّفّ

مَدَنِيَّة وآياتها أَربع عشرَة

الْآيَة 1 - 9

ص: 145

أخرج عبد بن حميد وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ نَاس: لَو نعلم أحب الْأَعْمَال إِلَى الله لفعلناه فَأخْبرهُم الله فَقَالَ: {إِن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص} فكرهوا ذَلِك فَأنْزل الله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كبر مقتاً عِنْد الله أَن تَقولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: وَالله لَو نعلم مَا أحب الْأَعْمَال إِلَى الله فَنزلت {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} إِلَى قَوْله: {بُنيان مرصوص} فدلهم على أحب الْأَعْمَال إِلَيْهِ

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالُوا: لَو كُنَّا نعلم أَي الْأَعْمَال أحب إِلَى الله فَنزلت {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} إِلَى قَوْله: {بُنيان مرصوص}

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن عَسَاكِر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} إِلَى قَوْله: {بُنيان مرصوص} قَالَ: نزلت فِي نفر من الْأَنْصَار مِنْهُم عبد الله بن رَوَاحَة قَالُوا فِي مجْلِس لَهُم: لَو نعلم أَي عمل أحب إِلَى الله لعملناه حَتَّى نموت فَأنْزل الله هَذَا فيهم فَقَالَ ابْن رَوَاحَة: لَا أَبْرَح حَبِيسًا فِي سَبِيل الله حَتَّى أَمُوت شَهِيدا فَقتل شَهِيدا

وَأخرج مَالك فِي تَفْسِيره عَن زيد بن أسلم قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي نفر من الْأَنْصَار فيهم عبد الله بن رَوَاحَة قَالُوا فِي مجْلِس: لَو نعلم أَي الْأَعْمَال أحب إِلَى الله لعملنا بِهِ حَتَّى نموت فَأنْزل الله هَذِه فيهم فَقَالَ ابْن رَوَاحَة: لَا أَبْرَح حَبِيسًا فِي سَبِيل الله حَتَّى أَمُوت شَهِيدا

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مقَاتل قَالَ: قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: لَو نعلم أحب الْأَعْمَال إِلَى الله لعملناه فدلهم على أحب الْأَعْمَال إِلَيْهِ فَقَالَ: {إِن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا} فَبين لَهُم فابتلوا يَوْم أحد بذلك فَوَلوا عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم مُدبرين فَأنْزل الله فِي ذَلِك {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ}

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن أبي صَالح قَالَ: قَالَ الْمُسلمُونَ: لَو أمرنَا بِشَيْء نفعله فَنزلت {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} قَالَ: بَلغنِي أَنَّهَا نزلت فِي الْجِهَاد كَانَ الرجل يَقُول: قَاتَلت وَفعلت وَلم يكن فعل فوعظهم الله فِي ذَلِك أَشد الموعظة

ص: 146

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يبْعَث السّريَّة فَإِذا رجعُوا كَانُوا يزِيدُونَ فِي الْفِعْل وَيَقُولُونَ قاتلنا كَذَا وَفعلنَا كَذَا فَأنْزل الله الْآيَة

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ: إِن الْقَاص ينْتَظر المقت فَقيل لَهُ أَرَأَيْت قَول الله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كبر مقتاً عِنْد الله أَن تَقولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} أهوَ الرجل يقرظ نَفسه فَيَقُول: فعلت كَذَا وَكَذَا من الْخَيْر أم هُوَ الرجل يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر وَإِن كَانَ فِيهِ تَقْصِير فَقَالَ: كِلَاهُمَا ممقوت

وَأخرج عبد بن حميد عَن أبي خَالِد الْوَالِبِي قَالَ: جلسنا إِلَى خباب فَسكت فَقُلْنَا: أَلا تحدثنا فَإِنَّمَا جلسنا إِلَيْك لذَلِك فَقَالَ: أتأمروني أَن أَقُول مَا لَا أفعل

قَوْله تَعَالَى: {إِن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا} الْآيَات

وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص} قَالَ: مُثبت لَا يَزُول ملصق بعضه بِبَعْض

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة {إِن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا} الْآيَة قَالَ: ألم تروا إِلَى صَاحب الْبناء كَيفَ لَا يحب أَن يخْتَلف بينانه فَكَذَلِك الله لَا يحب أَن يخْتَلف أمره وَإِن الله وصف الْمُسلمين فِي قِتَالهمْ وَصفهم فِي صلَاتهم فَعَلَيْكُم بِأَمْر الله فَإِنَّهُ عصمَة لمن أَخذ بِهِ

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة يمسح مناكبنا وصدورنا وَيَقُول: لَا تختلفوا فتختلف قُلُوبكُمْ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على الصُّفُوف الأول وصلوا المناكب بالمناكب والأقدام بالأقدام فَإِن الله يحب فِي الصَّلَاة مَا يحب فِي الْقِتَال {صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص}

وَأخرج أَحْمد وَابْن ماجة وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن أبي سعيد عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ثَلَاثَة يضْحك الله إِلَيْهِم: الْقَوْم إِذا اصطفوا للصَّلَاة وَالْقَوْم إِذا اصطفوا لقِتَال الْمُشْركين وَرجل يقوم إِلَى الصَّلَاة فِي جَوف اللَّيْل

قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ قَالَ عِيسَى ابْن مَرْيَم} الْآيَة

أخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن العرياض بن سَارِيَة: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: إِنِّي

ص: 147

عبد الله فِي أم الْكتاب وَخَاتم النَّبِيين وَإِن آدم لَمُنْجَدِل فِي طينته وسوف أنبئكم بِتَأْوِيل ذَلِك

أَنا دَعْوَة إِبْرَاهِيم وَبشَارَة عِيسَى قومه ورؤيا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ أَنه خرج مِنْهَا نور أَضَاء لَهُ قُصُور الشَّام

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي مُوسَى قَالَ: أمرنَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن ننطلق مَعَ جَعْفَر بن أبي طَالب إِلَى أَرض النَّجَاشِيّ قَالَ: مَا مَنعك أَن تسْجد لي قلت: لَا نسجد إِلَّا لله قَالَ: وَمَا ذَاك قلت: إِن الله بعث فِينَا رَسُوله وَهُوَ الرَّسُول الَّذِي بشر بِهِ عِيسَى بن مَرْيَم برَسُول يَأْتِي من بعد اسْمه أَحْمد فَأمرنَا أَن نعْبد الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا

وَأخرج مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم والدرامي وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن جُبَير بن مطعم قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: إِن لي خَمْسَة أَسمَاء: أَنا مُحَمَّد وَأَنا أَحْمد وَأَنا الحاشر الَّذِي يحْشر النَّاس على قدمي وَأَنا الماحي الَّذِي يمحو الله بِي الْكفْر وَأَنا العاقب وَالْعَاقِب الَّذِي لَيْسَ بعده نَبِي

وَأخرج الطيالس وَابْن مرْدَوَيْه عَن جُبَير بن مطعم سَمِعت النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول: أَنا مُحَمَّد وَأَنا أَحْمد والحاشر وَنَبِي التَّوْبَة وَنَبِي الملحمة

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي بن كَعْب أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَعْطَيْت مَا لم يُعْط أحد من أَنْبيَاء الله قُلْنَا يَا رَسُول الله مَا هُوَ قَالَ: نصرت بِالرُّعْبِ وَأعْطيت مَفَاتِيح الأَرْض وَسميت أَحْمد وَجعل لي تُرَاب الأَرْض طهُورا وَجعلت أمتِي خير الْأُمَم

أخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج فِي قَوْله: {فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ} قَالَ: مُحَمَّد وَفِي قَوْله: {يُرِيدُونَ ليطفئوا نور الله بأفواههم} قَالَ: بألسنتهم

وَأخرج عبد بن حميد عَن مَسْرُوق أَنه كَانَ يقْرَأ الَّتِي فِي الْمَائِدَة وَفِي الصَّفّ وَفِي يُونُس سَاحر

وَأخرج عبد بن حميد عَن عَاصِم أَنه قَرَأَ {هَذَا سحر مُبين} بِغَيْر ألف وَقَرَأَ {وَالله متم نوره} بتنوين متم وبنصب نوره

الْآيَة 10 - 14

ص: 148

أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة} الْآيَة قَالَ: لما نزلت قَالَ الْمُسلمُونَ: لَو علمنَا مَا هَذِه التِّجَارَة لأعطينا فِيهَا الْأَمْوَال والأهلين فَبين لَهُم التِّجَارَة فَقَالَ: {تؤمنون بِاللَّه وَرَسُوله}

وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا هَل أدلكم على تِجَارَة} الْآيَة قَالَ: فلولا أَن الله بَينهَا وَدلّ عَلَيْهَا للهف الرِّجَال أَن يَكُونُوا يعلمونها حَتَّى يطلبوها ثمَّ دلهم الله عَلَيْهَا فَقَالَ: {تؤمنون بِاللَّه وَرَسُوله} الْآيَة

وَأخرج عبد بن حميد عَن عَاصِم أَنه قَرَأَ {على تِجَارَة تنجيكم} خَفِيفَة

قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا أنصار الله}

أخرج عبد بن حميد عَن عَاصِم أَنه قَرَأَ {كونُوا أنصار الله} مُضَاف

وَأخرج عبد بن حميد وَعبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا أنصار الله} قَالَ: قد كَانَ ذَلِك ببحمد الله جَاءَهُ سَبْعُونَ رجلا فَبَايعُوهُ عِنْد الْعقبَة فنصروه وآووه حَتَّى أظهر الله دينه وَلم يسمّ حيّ من السَّمَاء قطّ باسم لم يكن لَهُم قبل ذَلِك غَيرهم وَذكر لنا أَن بَعضهم قَالَ: هَل تَدْرُونَ مَا تُبَايِعُونَ هَذَا الرجل إِنَّكُم تبايعونه على محاربة الْعَرَب كلهَا أَو يسلمُوا وَذكر لنا أَن رجلا قَالَ: يَا نَبِي الله اشْترط لبرك وَلِنَفْسِك مَا شِئْت فَقَالَ: أشْتَرط لرَبي أَن تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَأَشْتَرِط لنَفْسي أَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ أَنفسكُم وأبناءكم قَالُوا: فَإِذا فعلنَا ذَلِك فَمَا لنا يَا نَبِي الله قَالَ: لكم النَّصْر فِي الدُّنْيَا وَالْجنَّة فِي الْآخِرَة فَفَعَلُوا فَفعل الله

قَالَ: والحواريون كلهم من قُرَيْش أَبُو بكر وَعمر وَعلي وَحَمْزَة

ص: 149

وجعفر وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَعُثْمَان بن مَظْعُون وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَعُثْمَان بن عَفَّان وَطَلْحَة بن عبيد الله وَالزُّبَيْر بن العوّام

وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن سعد عَن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم للنفر الَّذين لَا قوه بِالْعقبَةِ: اخْرُجُوا إليّ اثْنَي عشر رجلا مِنْكُم يَكُونُوا كفلاء على قَومهمْ كَمَا كفلت الحواريون لعيسى بن مَرْيَم وَأخرج ابْن سعد عَن مُحَمَّد بن لبيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء: أَنْتُم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مَرْيَم أَنا كَفِيل قومِي قَالُوا: نعم

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {من أَنْصَارِي إِلَى الله} قَالَ: من يَتبعني إِلَى الله وَفِي قَوْله: {فَأَصْبحُوا ظَاهِرين} قَالَ: من آمن مَعَ عِيسَى من قومه وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس {فأيدنا الَّذين آمنُوا} قَالَ: فقوّينا الَّذين آمنُوا

وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ {فَأَصْبحُوا ظَاهِرين} قَالَ: أَصبَحت حجَّة من آمن بِعِيسَى ظَاهِرَة بِتَصْدِيق مُحَمَّد أَن عِيسَى كلمة الله وروحه

وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس {فأيدنا الَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم {فَأَصْبحُوا} الْيَوْم {ظَاهِرين} وَالله أعلم

ص: 150

62

سُورَة الْجُمُعَة

مَدَنِيَّة وآياتها إِحْدَى عشرَة أخرج ابْن الضريس والنحاس وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نزلت سُورَة الْجُمُعَة بِالْمَدِينَةِ

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن الزبير قَالَ: نزلت سُورَة الْجُمُعَة بِالْمَدِينَةِ

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة عَن أبي هُرَيْرَة: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يقْرَأ بِسُورَة الْجُمُعَة وَإِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ

وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ يقْرَأ فِي الْجُمُعَة بِسُورَة الْجُمُعَة وَإِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ

وَأخرج الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه عَن أبي عنبة الْخَولَانِيّ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه كَانَ يقْرَأ فِي يَوْم الْجُمُعَة بالسورة الَّتِي يذكر فِيهَا الْجُمُعَة وَإِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ

وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر بن عبد الله وَأبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم صلى بهم يَوْم الْجُمُعَة فَقَرَأَ بِسُورَة الْجُمُعَة يحرض الْمُؤمنِينَ وَإِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ يوبخ بهَا الْمُنَافِقين

وَأخرج ابْن حباي وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن جَابر بن سَمُرَة قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يقْرَأ فِي صَلَاة الْمغرب لَيْلَة الْجُمُعَة {قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ} و {قل هُوَ الله أحد} وَكَانَ يقْرَأ فِي صَلَاة الْعشَاء الْأَخِيرَة لَيْلَة الْجُمُعَة سُورَة الْجُمُعَة وَالْمُنَافِقِينَ

ص: 151