الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكلمة التاسعة والعشرون: فوائد من قوله تعالى {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر}
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر (55)} [القمر: 54 - 55].
قال ابن كثير رحمه الله: «قوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر (54)}: أي بعكس ما الأشقياء فيه من الضلال، والسعر، والسحب على النار على وجوههم مع التوبيخ والتقريع والتهديد»
(1)
. اهـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «التقوى هي فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه»
(2)
.
قوله: {جَنَّاتٍ وَنَهَر} أي بساتين جامعة للأشجار، وسميت جنة لأنها تُجِنُّ من فيها أي تستره لكثرة أشجارها، وأغصانها، والأنهار التي تجري من تحتها أي من أسفلها وتحت القصور والأشجار على أربعة أصناف، ذكرها الله بقوله: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ
(1)
تفسير ابن كثير (13/ 310).
(2)
الفتاوى (10/ 667).
آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُم (15)} [محمد: 15]
(1)
.
قوله: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر (55)} [القمر: 55] أي في دار كرامة الله ورضوانه عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها، وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون، روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عز وجل، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا»
(2)
.
ومن فوائد الآيتين الكريمتين:
أولاً: أن التقوى سبب للفوز بالجنة والنجاة من النار، قال تعالى:{وَإِن مِّنكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)} [مريم: 71 - 72]. وقال تعالى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (63)} [مريم: 63].
ثانياً: أن كلمة جنات، جاءت بصيغة الجمع، وهذا يدل على أنها أكثر من جنة، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أم حارثة رضي الله عنها أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ، وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ
(1)
من أحكام القرآن للشيخ ابن عثيمين ص: 128.
(2)
برقم 1827.
كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ، قَالَ:«يَا أُمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى»
(1)
.
ثالثاً: أن في الجنة أنهاراً، ولكنها تختلف عما في الدنيا اختلافاً عظيماً لا يمكن أن يدركه الإنسان، قال ابن عباس رضي الله عنهما:«لا يشبه شيء في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء»
(2)
.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ، مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]»
(3)
.
رابعاً: أن الله تعالى وصف حال المتقين بأنهم في مقعد صدق، قال القرطبي:«{مَقْعَدِ صِدْقٍ}: أي مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، وهو الجنة كما قال تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَاثِيمًا (25) إِلَاّ قِيلاً سَلَامًا سَلَامًا (26)} [الواقعة: 25 - 26]» .
خامساً: إثبات قدرة الله تعالى على كل شيء، قال تعالى:{فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة: 259]. روى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود في قصة الرجل الذي هو
(1)
برقم 2809.
(2)
تفسير ابن كثير (1/ 322).
(3)
برقم 3244 وصحيح مسلم برقم 2824.
آخر من يدخل الجنة، وجاء فيه أن الله تعالى يقول له:«أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا .. » وفي رواية البخاري: «وعَشْرَةُ أَمْثَالِهَا، قَالَ يَا رَبِّ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»
(1)
.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1)
صحيح البخاري برقم 6571 وصحيح مسلم برقم 186.