الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكلمة الخمسون: اتباع الهوى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فمن الخصال المذمومة التي تلقي بصاحبها في مهاوي الردى، وتعمي بصيرته، فيصبح لا يفرق بين حق ولا باطل، ولاخير وشر .. اتباع الهوى.
قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان: 43]. قال ابن كثير: «أي: مهما استحسن من شيء ورأه حسناً في هوى نفسه كان دينه ومذهبه
(1)
كما قال تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر: 8]».
وقال تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].
وقد ذكر الله تعالى في كتابه حال هؤلاء المتبعين لأهوائهم، وأن الحال يصل بهم إلى أن يكونوا كالأنعام بل أضل، قال تعالى:{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَاّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} (44)[الفرقان: 44].
(1)
تفسير ابن كثير (10/ 309).
وإن من اتباع الهوى ما يفعله بعض الناس من البحث عن الرُّخَصِ المخالفة للشرع والفتاوى الشاذة، وزلات العلماء، ويلوون أعناق النصوص من أجل ذلك، وإذا كانت النصوص توافق أهواءهم رضوا وسَلَّمُوا ولم يجادلوا، وقد ذكر الله في كتابه هذا الصنف فقال:{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُون (48) وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِين (49) أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون (50)} [النور: 47 - 50].
لكن بعض الناس يرفع القوانين إلى السماء عندما تكون في مصلحته، فإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقضها هدم القوانين والدساتير جميعاً فالقانون المرعي - عنده في الحقيقة - هو مقتضيات هذه المصلحة الخاصة فحسب
(1)
.
والهوى يُعْمِي ويُصِمُّ صاحبه عن الحق، روى مسلم في صحيحه عن حذيقة بن اليمان رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا
(2)
، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا
(3)
نُكِتَ
(4)
فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ
(1)
فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي ص: 231.
(2)
ومعنى تعرض: أي كأنها تلصق، بعرض القلوب أي جانبها، كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه بشدة لصقها به، قال: وقوله عوداً، عوداً: أي تعاد وتكرر عليه شيئاً بعد شيء.
(3)
أي حلت فيه محل الشراب.
(4)
أي نقطة نقطة.
فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا
(1)
كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا
(2)
، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ»
(3)
.
وقد نهى الله تبارك وتعالى نبيه عن اتباع الهوى، فقال سبحانه:{فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} [الشورى: 15]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من اتباع الهوى، فروى الترمذي في سننه من حديث قطبة بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَهْوَاءِ»
(4)
.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اتباع الهوى من المهلكات، روى البزار في مسنده من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«المُهْلِكَاتُ ثَلَاثٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ المَرءِ بِنَفْسِهِ»
(5)
.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُم: طُولُ الأَمَلِ، وَاتِّبَاعُ الهَوَى، فَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وَأَمَّا اتِّبَاعُ الهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ»
(6)
.
(1)
المراد شدة البياض في سواد.
(2)
أي منكوساً مائلاً.
(3)
برقم 144.
(4)
برقم 3591، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3/ 184) برقم 2840.
(5)
مسند البزار (8/ 295) برقم 3366، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 1802.
(6)
فضائل الصحابة للإمام أحمد (1/ 530) برقم 881.
وقد وردت أقوال كثيرة عن السلف تحذر من تتبع زلات العلماء، والأقوال الشاذة، قال سليمان التيمي:«لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله»
(1)
، وقال الإمام الأوزاعي:«من أخذ بنوادر العلماء (أي الأقوال النادرة) خرج من الإسلام»
(2)
، وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه:«ثَلَاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ: زَلَّةُ العَالِمِ، وَجِدَالُ المُنَافِقِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ»
(3)
، وقال ابن حزم الأندلسي:«وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم»
(4)
اهـ.
(5)
. اهـ.
وقد شدد العلماء في الإنكار على من تتبع الرخص وشواذ
(1)
جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (2/ 91).
(2)
سير أعلام النبلاء (7/ 125).
(3)
سنن الدارمي (1/ 71).
(4)
الأحكام في أصول الأحكام (5/ 65).
(5)
سير أعلام النبلاء (3/ 465).
الأقوال، حيث وصفوه مرة بأنه شر عباد الله كما ذكر ذلك عبد الرزاق عن معمر
(1)
، وتارة وصفوه بالفسق كما نص عليه ابن النجار، فقال: يحرم على العامي تتبع الرخص ويُفسق به
(2)
، وقال الغزالي: ليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده فيتوسع
(3)
.
وبعض الناس إذا أراد أن يستفتي يسأل في كل مسألة من عُرِفَ بالتساهل فيها، والإفتاء بغير ما عليه جماهير العلماء، فإذا دُلَّ على العلماء الذين يفتون بالكتاب والسنة؛ قال: إن هؤلاء لا يعرفون إلا لغة التحريم، كل شيء عندهم حرام، فهذا وأمثاله اتخذوا دينهم لعباً ولهواً والله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112]، ولم يقل كما أردت، قال ابن عبد البر رحمه الله:«أجمع العلماء على أن العامي لا يجوز له تتبع الرخص»
(4)
.
قال محمد بن سيرين: «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم»
(5)
.
أما قول بعضهم: ضع بينك وبين النار مُطَوَّعٍ، فهذا القول لا يكون صحيحاً إلا بسؤال أهل العلم المعروفين بالتقوى، وأن يكون القصد
(1)
انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلاّل (1/ 209).
(2)
مختصر التحرير ص: 252.
(3)
المستصفى (2/ 469).
(4)
جامع بيان العلم وفضله (2/ 91).
(5)
مقدمة صحيح مسلم ص: 24.
من السؤال معرفة الحق والعلم الذي يرضي الله تعالى
(1)
.
ومن الأمثلة على تتبع زلات العلماء وترك ما قال به جمهور أهل العلم، ودلت عليه النصوص الصريحة: الذين يأخذون بقول من قال بإباحة الغناء، ويتركون من قال بتحريمه، كأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وجماهير أهل العلم من المتقدمين، والمتأخرين.
ومنهم: الذين يأخذون بقول من قال من المعاصرين بجواز حلق اللحية، ويتركون النصوص الصريحة التي وردت في الصحيحين وغيرها من الكتب الستة بالأمر بإعفائها، وهو قول جمهور أهل العلم من المتقدمين، والمتأخرين، بل لم يعرف حلق اللحية إلا في العصور المتأخرة.
ومنهم: الذين يأخذون بقول من قال من المعاصرين بجواز إسبال الثياب من غير خيلاء، ويتركون النصوص الصريحة التي وردت في الصحيح وغيره بتحريم ما أسفل من الكعبين من الإزار.
وما ذكرته غَيْضٌ مِن فَيضٍ، وَقَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، أسأل الله تعالى أن يرزقنا التجرد للحق، وأن يبعدنا عن اتباع الهوى، وأن يجعلنا ممن يسارعون إلى تنفيذ أمر الله ورسوله راضين مسلمين.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1)
انظر رسالة الشيخ عبد اللطيف التويجري بعنوان: تتبع الرخص بين الشرع والواقع، فقد أجاد وأفاد.