الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2- ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع
ليهدمه، وهو صنم لهذيل برهاط، وعلى ثلاثة أميال من مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن: ما تريد؟ قال:
أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قال: لم؟ قال: تمنع. قال:
حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك، فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئا، ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.
3- وفي نفس الشهر بعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا إلى مناة
، وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فلما انتهى سعد إليها قال له سادتها:
ما تريد؟ قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل إليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل، وتضرب صدرها، فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك، فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا في خزانته شيئا.
4- ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان من نفس السنة (8 هـ) إلى بني جذيمة
، داعيا إلى الإسلام، لا مقاتلا. فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون:«صبأنا صبأنا» فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم، ودفع إلى كل رجل ممن كان معه أسيرا، فأمر يوما أن يقتل كل رجل أسيره، فأبى ابن عمر وأصحابه حتى قدموا على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكروا له، فرفع صلى الله عليه وسلم يديه وقال:«اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» - مرتين- «1» .
وكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسراهم دون المهاجرين والأنصار، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم، وكان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام وشر في ذلك، فبلغ صلى الله عليه وسلم فقال:«مهلا يا خالد، دع عنك أصحابي، فو الله لو كان أحد ذهبا، ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته «2» » .
(1) صحيح البخاري 1/ 450، 2/ 622.
(2)
أخذنا تفاصيل هذه الغزوة من ابن هشام 2/ 389 إلى 437، وصحيح البخاري 1/ كتاب الجهاد وكتاب المناسك و 2/ 612، إلى 615، 622، فتح الباري 8/ 3 إلى 27، وصحيح مسلم 1/ 437، 438، 439، 2/ 102، 103، 130، وزاد المعاد 2/ 160 إلى 168، ومختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله النجدي ص 322 إلى 351.
تلك هي غزوة فتح مكة، وهي المعركة الفاصلة والفتح الأعظم الذي قضى على كيان الوثنية قضاء باتا، لم يترك لبقائها مجالا ولا مبررا في ربوع الجزيرة العربية، فقد كانت عامة القبائل تنتظر ماذا يتمخض عنه العراك والإصطدام الذي كان دائرا بين المسلمين والوثنيين، وكانت تلك القبائل تعرف جيدا أن الحرم لا يسيطر عليه إلا من كان على الحق، وكان قد تأكد لديهم هذا الإعتقاد الجازم أي تأكد قبل نصف القرن حين قصد أصحاب الفيل هذا البيت، فأهلكوا وجعلوا كعصف مأكول.
وكان صلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم، أمن الناس به وكلم بعضهم بعضا، وناظره في الإسلام، وتمكن من اختفى من المسلمين بمكة من إظهار دينه والدعوة إليه والمناظرة عليه، ودخل بسببه بشر كثير في الإسلام، حتى إن عدد الجيش الإسلامي الذي لم يزد في الغزوات السالفة على ثلاثة آلاف إذا هو يزخر في هذه الغزوة في عشر آلاف.
وهذه الغزوة الفاصلة فتحت أعين الناس، وأزالت عنها آخر الستور التي كانت تحول بينها وبين الإسلام. وبهذا الفتح سيطر المسلمون على الموقف السياسي والديني كليهما معا في طول جزيرة العرب وعرضها، فقد انتقلت إليهم الصدارة الدينية والزعامة الدنيوية.
فالطور الذي كان قد بدأ بعد هدنة الحديبية لصالح المسلمين قد تم، وكمل بهذا الفتح المبين، وبدأ بعد ذلك طور آخر كان لصالح المسلمين تماما، وكان لهم فيه السيطرة على الموقف تماما. ولم يبق لأقوام العرب إلا أن يفدوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيعتنقوا الإسلام، ويحملوا دعوته إلى العالم، وقد تم استعدادهم لذلك في سنتين آتيتين.