الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين وصلى على سيد المرسلين، سيدنا محمد الصادق الأمين وعلى آله وصحبه وسلم:
في شهر جمادى الأولى سنة 1342 للهجرة "ديسمبر سنة 1923 للميلاد" ابتدأت الدراسة في قسم التخصص بالقضاء الشرعي للعلماء المختارين من خريجي مدرسة القضاء والأزهر المعمور.
وكان من حسن حظي عهد إلي بدراسة مادة من المواد التي قررت دراستها في هذا القسم وهي السياسة الشرعية.
بدأنا في دراسة هذا العلم الناشئ الذي لم يدرس من قبل فيما نعلم وليس بين أيدينا سوى منهج دروسه الذي ينتظم عدة بحوث في مختلف الشئون لا تظهر بينها وحدة جامعة ولا صلات ترتبها ترتيب مسائل العلم الواحد.
لهذا عنينا أول دراستنا بنظرة عامة نستكشف بها الوحدة التي ألفت بين هذه البحوث والصلة التي نظمتها بعنوان واحد لنتعرف الرسم الذي يحد علم السياسة الشرعية ونميز موضوع البحث فيه ونقف على الغاية التي يوصل إليها.
وقد استبان لنا أن كلمة "السياسة الشرعية" اختلف المراد بها في عبارات علماء المسلمين:
فالفقهاء أرادوا بها التوسعة على ولاة الأمر في أن يعلموا ما تقتضي به المصلحة مما لا يخالف أصول الدين وإن لم يقم عليه دليل خاص.
قال صاحب البحر في باب حد الزنا:
"وظاهر كلامهم ههنا أن السياسة: هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لن يرد بذلك الفعل دليل جزئي".
فالسياسة الشرعية على هذا هي العمل بالمصالح المرسلة لأن المصلحة المرسلة هي التي لم يقم من الشارع دليل على اعتبارها أو إلغائها.
وغير الفقهاء أرادوا بها معنى أعم من هذا يتبادر من اللفظ ويتصل باستعماله اللغوي وهو تدبير مصالح العباد على وفق الشرع.
قال المقريزي في خططه: "ويقال ساس الأمر سياسة بمعنى قام به وهو سائس من قوم ساسة وسوس. وسوسه القوم جعلوه يسوسهم
…
"فهذا أصل وضع السياسة في اللغة. ثم رسمت بأنها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال. والسياسة نوعان سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر فهي من الأحكام الشرعية علمها من عملها وجهلها من جهلها. وقد صنف الناس في السياسة الشرعية كتبًا متعددة. والنوع الآخر سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها".
ولما كان هذان المعنيان غير متباينين وبينهما صلة وثيقة من ناحية أن تدبير المصالح على الوجه الأكمل لا يتم إلا إذا كان ولاة الأمر في سعة من العمل بالمصالح المرسلة، وكذلك البحوث المقررة هي شعب من
المعنيين فليس ما منع أن يراد بالسياسة الشرعية معنى يعم المعنيين وينتظم جميع البحوث المقررة. وعلى هذا فعلم السياسة الشرعية علم يبحث فيما عما تدبر به شئون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليل خاص.
وموضوعه:
النظم والقوانين التي تتطلبها شئون الدولة من حيث مطابقتها لأصول الدين وتحقيقها مصالح الناس وحاجاتهم.
وغايته:
الوصول إلى تدبير شئون الدولة الإسلامية بنظم من دينها. والإبانة عن كفاية الإسلام بالسياسة العادلة وتقبله رعاية مصالح الناس في مختلف العصور والبلدان.
على ضوء هذه الغاية أخذنا في دراسة تلك البحوث بعد أن قسمنا شئون الدولة إلى عدة أقسام: من دستورية، وخارجية، ومالية وغيرها، وجمعنا بين مباحث كل شأن من هذه الشئون. وراعينا في بحث أكثر الشئون المقارنة والمقابلة بين ما شرعه الإسلام وما وضع من النظم الحديثة تدبيرًا لها. وقد تم لنا البحث في ثلاثة من تلك الشئون وهي الشئون الدستورية والخارجية والمالية. وها هي نقدمها للباحثين لا ندعي أننا بلغنا في بحثها حد الكمال أو قاربناه ولكنا والحمد لله على توفيقه مهدنا السبيل وخطونا أولى الخطوات.
وأسأل الله أن يهيئ لهذا العلم من يقدره حتى تسنح الفرصة لإعادة دراسته في معهد من معاهد التعليم العالي وتأخذ بحوثه حظها من السعة
والتمحيص ويتجلى للمسلمين أن دينهم القويم لا يقصر عن مصلحة ولا يضيق بحاجة وأنه كفيل بالسياسة العادلة جامع لخيري الأولى والآخرة.
عبد الوهاب خلاف.