الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جباية الإيراد وصرفه في مصارفه:
جباية الإيراد واستيفاؤه من أربابه وتوجيهه في مصارفه من شئون ولاة الأمر في الدولة الإسلامية لأن هذه الإيرادات فرضت للمصالح العامة، وفي توجيهها إلى مصارفها تحقيق هذه المصالح، فيكون النظر فيها لمن له ولاية الشئون العامة، ولهذا أمر الله سبحانه رسوله أن يتولى أخذ الصدقات فقال عز من قائل:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} 1، وجعل من مصارف الصدقات العاملين عليها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ الصدقات من الأنعام، وعلى سنته سار الخلفاء الراشدون من بعده، وقد كان السبب الباعث على حروب الردة في أول عهد أبي بكر بالخلافة امتناع قبائل من العرب عن أداء الزكاة فحاربهم أبو بكر قائلا:"والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاربتهم عليه" وورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ زكاة الأموال من النقود وعروض التجارة وكذلك فعل أبو بكر وعمر، ولكن في عهد عثمان رُئي أن الأموال كثرت وأن في إحصاء النقود وعرض التجارة حرجا وفي إظهار مقاديرها وإعلان أمرها أضرارا بأرباب الأموال، ولهذا جعل لأرباب هذه الأموال من النقود وعروض التجارة أن يتولوا هم بأنفسهم إخراج الزكاة الواجبة فيها وصرفها في مصارفها.
ومن ذلك قسم إيراد الدولة من حيث جبايته إلى قسمين: قسم جعل لأربابه إخراجه وصرفه في مصارفه دفعا للحرج ومنعا لتتبع أسرار
1 التوبة: 103.
الناس وهو زكاة المال غير الظاهر من النقود وعروض التجارة ولكن إذا قدم أرباب هذه الأموال زكاتها من تلقاء أنفسهم إلى العاملين عليها تقبلوه وصرفوه في مصارفه، وقسم جعل ولاية أخذه وصرفه في مصارفه لولاة الأمر وأوجب على أرباب الأموال أداء الواجب فيها إليهم، وعلى أرجح الأقوال ليس لهم الانفراد بإخراجه وصرفه في مصارفه وإن فعلوا لا يجزأهم وهو ما عدا زكاة النقود والعروض التجارية من زكاة السوائم والخراج والجزية والعشور وسائر أبواب الإيراد الظاهر الذي ليس في تعيينه ولا في تقدير الواجب فيه حرج ولا ضرر.
وهذا السنن في الجباية سنن عادل مراعى فيه المصلحة العامة ومصلحة المالك فقد فوض إليه أداء الزكاة من ماله الخفي الذي يناله الضرر من إظهاره والإعلان عن مقداره دفعا للحرج عنه والإضرار به، ولا ضرر في هذا على المصلحة العامة لأن من مصارف هذه الصدقات ذوي الحاجات وهم بين يدي كل غني ولا يعوزه أن يوصل الصدقة إليهم فليست المصارف للزكاة مجهولة؛ لأنها مبينة في الكتاب الكريم ولا الصرف فيها متعذر لأن ذوي الحاجات في كل مكان، وفي أداء هذه الزكاة معنى العبادة فيكون على المالك حسيب من دينه وضميره أما سائر أبواب الإيراد فليس على الملاك في أخذ الواجب منهم ضرر فسارت على الأساس العام وجعل أخذها من حق الحكومة وليس للأفراد أن يوجهوها في مصارفها، ولهذا كان يعين لجباية الإيراد عمال مستقلون، وكان يعين لكل باب من أبواب الإيراد عمال لجباية إيراده، وقليلا ما كان يعهد إلى الوالي بالجباية والمرجع في هذا إلى ما تقتضيه
المصلحة التي تختلف باختلاف ما يجبي قلة وكثرة واختلاف كفاءات الولاة قوة وضعفا.
وخلاصة القول في السياسة الشرعية المالية أن الإسلام وضع الموارد المالية على أسس من العدل والرحمة والتوفيق بين المصلحة العامة ومصلحة أرباب الأموال وشرط في الأموال التي يجب الأداء منها وفي الأشخاص الذين يجب الأداء عليهم وفي مقدار الواجب ووقت أدائه شروطا تتفق وقواعد العدل والاقتصاد، ورتب المصارف بحيث لا تهمل مصلحة من مصالح الدولة العامة وبحيث يجد ولاة الأمور سعة لتحقيق هذه المصالح وخاصة سد حاجة ذوي الحاجات حتى لا يكونوا خطرا على نظام المجتمع، وراعى في جباية الإيراد وصرفه في مصارفه دفع الحرج عن أباب الأموال من غير تفريط في المصالح العامة وشرع أحكاما لمعاملة الجباة أرباب المال ومراقبة ولاة الأمر لهؤلاء الجباة على أساس أنه لا يحل لعامل أن يأخذ غير الواجب كما لا يحل لمالك أن يمنع أي واجب، وهذه نظم تكون قانونا ماليا عادلا على خير أساس ينشده علماء الاقتصاد وتتقبل كل إصلاح تقتضيه حال الأمم والعصور.
وإذا كان تاريخ بعض الدول الإسلامية ينطبق بسوء سياستها المالية وبالإفراد في جباية الإيراد والتفريط في رعاية المصالح العامة، فليس منشأ هذا ما شرعه الإسلام في السياسة المالية وإنما منشؤه إهمال ما قرره الإسلام والسير وراء الشهوات والأغراض، والناظر إلى الدول الإسلامية في مرآة التاريخ يتبين له أنه كلما استقام أمر الدولة وسارت على نهج
الدين اعتدل ميزانها المالي ولم يشعر أفرادها بعسف ولا إرهاق ولم تهمل مصلحة من مصالحها وكلما عوج أمر الأمة وحادت عن سبيل الدين اختل فيها التوازن المالي وزادت أعباء الأفراد وضاعت المصالح العامة، فميزانية الدولة مرآة عدلها وجورها ونظامها وفوضاها، وبرهانا على هذا نجمل كلمة تاريخية عن مالية بعض الدول الإسلامية، ومنها يتبين بدء تكوين بيت مال المسلمين.